الأحد، 30 سبتمبر، 2012

عمود الصباح: صافي ناز كاظم

أزيلوا زويل

صدر القرار غير الموفق بتمكين الزويليين من الإستيلاء على جامعة النيل، إعتصم الباحثون الشباب اعتصاما سلميا دفاعا عن جامعتهم، صرّح واحد من مجلس أمناء زويل بأن الإعتصام فوضى وحرّض المسئولين على ضرب المعتصمين "بيد من حديد"، ومن ثمّ جاءت قوات الاقتحام بعين حمراء شديدة البأس، يوم الإثنين 17 سبتمبر  2012 الموافق أول الشهر الحرام ذو القعدة 1433 الموافق 7 توت من السنة القبطية 1729، وهتكت ستر الحرم الجامعي للنيل؛ ضربت الرجال وسحلت النساء وألقت القبض على المجني عليهم.  كنت، على غير عادتي، أتابع على شاشة فضائية شريط الأخبار وأصابني الهلع وأنا أقرأ أنباء الإقتحام ثم أصابني التقزز وأنا أسمع  صاحب برنامج يشير باستهانة إلى الباحثين الشباب على أساس أنهم مجرّد "طلبة" (كأن الطلبة يستحقون الاستهانة)، هرعت في جزع بالغ أبحث عن مُغيث حتى توصلت إلى رقم هاتف الدكتور ياسر علي، لم يتمكن الدكتور ياسر علي من الرد على محموله، عنّفت نفسي وأنا أفكّر في أسماء أخرى؛ ماذا يامؤمنة؟ الله ملاذي فكيف أفكر فيمن هم دونه؟ مايحدث طامة كبرى لابد أن يكون كل من أفكر في الاستغاثة بهم قد علموا بها ومع ذلك لم يتداركوها وآثروا أن "يطنّشوها"، "ليس لها من دون الله كاشفة"؛ فسجدت أدعوه: اللهم إنّا نستدفع بك عنا أحمد زويل ومجلس أمنائه وهيئة الدفاع عنه والمؤيدين لجبروته والمخدوعين بتضليل حملاته الدعائية وكل من يؤازر عدوانه  وخطره وأنت بهم عليم يارب العالمين.

قالت الباسلة جوانا جوزيف مقولتها الدقيقة: "الأمر أوضح من أن نشرحه"! وقال النقي التقي الأستاذ الدكتور ابرهيم بدران مافيه الكفاية، و بسط  الدكتور عبد العزيز حجازي شارحا وموضحا ومؤكّدا كل الحقائق المطلوبة، وقال القائلون أساتذة الجامعة وأهلها من بعدهم ما من شأنه أن يحث المسئولين على التدخل الفوري "بيد من تحرير" لفك أسر الجامعة الشهيدة وإعادة الأمن والطمأنينة للمروّعين والعاكفين بإصرار على مواصلة دراستهم في العراء أمام مبانيهم المُغتصبة بقرار من مجلس به وزراء للبحث العلمي والتعليم العالي والتربية والتعليم ولا حول ولا قوّة إلا بالله!

المطلب العاجل الآن هو: إزالة زويل؛ هذا العالم الأمريكي المستشار العلمي للإدارة الأمريكية والمبعوث العلمي لها إلى أرض مولده جمهورية مصر العربية ليبيع لها الترام؛ بآلية التحايل القديمة التي أوقعت الهنود الحمر لخسارة أرضهم مقابل حفنة من الخرز الملوّن، والحائز على جائزة وولف عام 1993 من الكيان الصهيوني (وهذا كلام ليس من باب فتح ملفات قديمة كما إدعى أحدهم لأن الملف، وما به أكثر مما ذكرت، لم يُغلق ولم يُسحب ولم يُعتذر عنه ولم تُرد مكاسبه!)، وأحد أقطاب المُطبّعين مع القتلة والسفاحين ومدنّسي المسجد الأقصى.

 أزيلوا زويل: هذا المتعجرف الجاهل بأقدار باحثينا الأجلاء؛ الناحتين في الصخر والصابرين على قلة الزاد ووحشة الطريق، أزيلوه فورا هو ومستوطنته، ليس من فوق صدر جامعة النيل فحسب بل من فوق صدر بلادنا بأسرها وضعوا نصب أعينكم البدهية التي يتم تجاهلها في معمعة الجدال والمهاترات ألا وهي: "البحث العلمي أمن قومي" فاحموه من احتمالات الإختراق مثل كل حدود مصر الواجب أمانها وتأمينها.

السبت، 29 سبتمبر، 2012

فن كتابة

إن الله مانع نبينا محمد ومانعنا

×  بكت فاطمة بنت محمد رسول الله قائلة: "واكرب أبتاه"،  حينما رأت كفار مكة يضعون كرش البعير على ظهره الشريف وهو ساجد في بيت الله الحرام، فقال صلوات ربي وسلامه عليه واثقا: "يافاطمة إن الله مانع أباك"! وكان حقا على الله سبحانه نصر نبيّه والمؤمنين.

×  صحيح  هناك بيننا من يسيؤون للرسول وللإسلام بتصرفاتهم وأقوالهم، عن قصد أو بغير قصد، لكن هذا لا يسمح بمنطق: "إن كان هذا الفيلم قد أساء للرسول فهناك بيننا من أساء"! هل هذا تهوين لجريمة الإساءة أم مجرّد "رغي" وبث روح تقبّل "إهانة الآخر"؟

×  إنّ تكاثر المسيئين، هنا وهناك، واختلاف أنواعهم وأشكالهم ووسائلهم ومقاصدهم ومنطلقاتهم، وإن أخذ بعضها دعوى الدفاع عن الرسول، لا يعفي أحدا من مسؤولية جُرْمه ولا يجعلنا نختار بين المجرمين فنلوم هذا ونترك ذاك.

×  بكت فاطمة متأثرة من غلاظة فعل الكفار، وكان من حقها التوجع لما حاق بالرسول من الأذى، ولم يرفض النبي منها البكاء لكنه أكّد لها أن نصر الله قادم وقد كان، واقتص الله لخاتم الأنبياء والرسل محمد بن عبد الله قصاصه العادل من كل من آذوه.

×  من الطبيعي أن تختلف ردود الأفعال في لحظات الغضب، ولقد أمسك نبي الله  موسى صلى الله عليه وسلّم بلحية ورأس أخيه هارون يشدّه إليه معنفا، لما تصوره تهاونا منه مع عبدة العجل من بني إسرائيل، فلما ذهب عنه الغضب عالج الموقف، لذلك ليس من حق أحد أن يتباهى بمسلكه، صاخبا هادرا أو هادئا متعقلا مترويا، ويعلو باختياره على اختيارات غيره؛ يسفّهها ويدينها فيفلت الجناة وتشتعل نار الفتنة بين من حقّ لهم الغضب لدينهم ونبيّهم.

×  أما حضرة من سوّل له الشيطان حرق "الإنجيل"؛ الذي آتاه الله سيدنا عيسى صلى الله عليه وسلّم، عاصيا الآية الكريمة رقم 136 من سورة البقرة الآمرة لنا: "قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وماأنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط  وما أُوتي موسى وعيسى وما أُوتي النبيون من ربّهم لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون"، فهو حكاية بشعة خرجت من نطاق الغضب إلى وقوع صاحبها في إثم مستطير وظلم عظيم مماثل لحرق القرآن الكريم كتاب الله العزير.

×  في سياق ذكر الإساءات نرى ماحدث ويحدث لباحثي جامعة النيل، من عدوان مشين قبيح وسوقي واغتصاب واضح لحقوقهم، إساءة بالغة لكل قيم العلم تنسف  إدعاءات التحضر والتقدم والعدالة وإعمال القانون إلى آخر ما يتشدّق به، كذبا ودجلا،الذين نالوا لقب:"حضرات المحترمين"، هؤلاء الذين سقطت أقنعتهم وأسفرت وجوههم بملامح التحيّز الباطل والدعوة إلى سلطان البطش الغاشم بالسحل والسحق ولا يخجلون، على الرغم من كشف عورة فاشستيّتهم، من المشاركة في سرادقات الكلمات الرنانة عن الحق والكرامة وحراسة الوطن وتحرير إرادته.

 صبرا آل جامعة النيل إن موعدكم: "إزالة زويل"، والله على كل شئ قدير.


×  قالت يســرا: أنا مطمئنة، فبدأ قلقي!






شربت الحبر وأكلت الطباشير

عندما مات أبي اقتنعت لسبب غير واضح أن بابا داخل مذياعنا التليفونكن الخشبي الكبير، الذي اشتراه أبي سنة 1932 قبل مولدي بخمس سنوات. أرسلت اسمي إلى "بابا شارو" لكي يذكرني في برنامجه "حديث الأطفال" ويقول أنه يرحب بصداقتي، وفرحت عندما وافقت والدتي على ذهابي أنا وأختي فاطمة للغناء مع مجموعة "عش العصافير"، بدعوة من زهرة عباس زميلتنا بالمدرسة اللإبتدائية، وعدت أقول لماما أن "بابا شارو" قال أن صوتي جميل جدا وأنني سأغني بمفردي في المرة القادمة فقررت منعنا من تكرار الذهاب إلى إذاعة الأطفال خوفا من أن نتحول إلى مطربات، مثل نجاة الصغيرة التي بدأت غنائها مع "بابا شارو" ثم تحولت وقتها إلى مطربة، قالت فاطمة أنني كاذبة وأن "بابا شارو" لم  يحدّثني إطلاقا بل لم يلحظني بالمرّة وأنني أخترع حكايات من بنات أفكاري أكون بها بطلة أو مُهمّة.  جرحني تكذيب فاطمة أكثر من قرار حظر الذهاب إلى إذاعة الأطفال وقررت أن أثبت لها أنني بطلة رغم أنفها فجلست في حوش مدرسة العباسية الإبتدائية أقول للبنات أنني أستطيع شرب الحبر وأكل الطباشير!

التفت التلميذات حولي في الفسحة الكبيرة وجاءت فاطمة ترى سبب الزحام ووجدتني والأيدي ممتدة إليّ بدوايات الحبر وأصابع الطباشير وأنا آكل وأشرب بهدوء وطبيعية منقطعة النظير فوقفت تقول بفخر ودهشة "أنا أختها..أنا أختها!"، واحترمتني على طول طريق عودتنا إلى منزلنا وحكت لماما ماحدث مؤكدة صدقي في هذه الحكاية. قالت والدتي: الطباشير كالسيوم مفيد للعظام ولكن يجب ألا أشرب الحبر خشية أن يجعلني سوداء!




الأحد، 23 سبتمبر، 2012

فن كتابة

الحاجّة عائشــــــــــة إسماعيل

تستحق مني هذه "السيدة الأولى" أن أنعيها متذكرة بطولتها واحتمالها الخارق للعادة؛ الحاجة "عائشة اسماعيل"، التي انتقلت إلى رحمة الله قبل عصر الثلاثاء 11 سبتمبر 2012، هي واحدة من سيدات مصرالأوَل - بالضمّة على همزة الألف والفتحة على الواو- اللاتي لا ينتظرن من بشر جزاء ولا شكورا، من الأمهات اللاتي تنقلن من سجن لآخر بالمشوار، من قبلي إلى بحري، وراء فلذات أكبادهن المعتقلين ظلما تحمل الزاد، الذي كان غالبا ما يلقى به على رمال الصحراء في الوادي الجديد بعد رحلة ســفر شــــاقة، ومعها طابور طويل من رفيقاتها، من بلدتها الدمياطية. بلاد شالتها وبلاد حطتها،على طول سنوات العهد الساداتي و عهد مبارك، اعتقل  كل رجال عائلتها وعلى رأسهم ابنها، الذي استمر اعتقاله منذ 1994 حتى 2009، من دون محاكمة، من دون حكم قضائي، و كل عيد كانت الحاجة عائشة تقول :"يمكن يفرج عنه هذه المرة"، وهيهات!  تقدم التظلمات وتتعشم في إخلاء سبيل تقرره النيابة، وهيهات!  وحين ارتاحت الحاجة عائشـــة عندما اســـتقر ابنها لبعض الوقت في ســـجن وادي النطرون، لقربه نســــبيا من دمياط، لم يدم لها هذا "الهناء!"؛ إذ في انتظارها للعيد وأملها "يمكن يفرجوا عنه هذه المرة" جاءتها الأنباء التي هدت حيلها "أخذوا ابنك على ســجن الخارجة..."، أين هذا الســـجن؟ و كيف يمكن وقد تعدت الســــبعين وتئن من آلام الظهر والمفاصل وأوجاع الركبة أن تجول وتصول مع المركبات والمســافات كســابق عهدها القادر على الصبر والإحتمال؟

أتذكر صوتها الذي جاءني مزغردا عبر الهاتف الساعة السادسة صباح السبت 7 نوفمبر 2009 : "أفرجوا عن نجيب !". أخيرا ؟ بعد إعتقال دام 15 سنة  كبر خلالها أطفاله: عمار وخباب والبراء وعبد الفتاح وأنس وسالم وعاتكة ، حتى صاروا عرسانا! أضاحكها: "أنا عرفت ياحاجة عائشة إعتقالهم نجيب كان عشان أسامي ولاده!".

نعم إنها الصابرة عائشة اسماعيل، "أم نجيب" التي أناديها "أم أمل" نسبة إلى إبنتها التي قابلتها في سجن القناطر للنساء ؛ حين تم اعتقالها واعتقالي  فجر 3 سبتمبر 1981 ضمن القطفة الأولى لما يسمى الآن "اعتقالات سبتمبر 1981 الشهيرة"، وكانت أمل عروس في الثامنة عشر من عمرها في شهور حملها الأولى، وحين أتى يوم الإفراج عني  في 25 نوفمبر 1981 أعطتني خطابا  كتبته  إلى أمها، ما أن استلمت الحاجة عائشة خطاب إبنتها حتى وجدتها تدق بابي ديسمبر 1981 لتستمر صداقتنا  حتى رحيلها إلى بارئها.

 كانت مســاعي الدكتورأحمد فتحي سرور، قد نجحت في إعادة المعتقل نجيب عبد الفتاح إسماعيل مارس 2009  إلى السجن القريب من أهله؛  إذ بعد أن قرأت في 9 ديسمبر 2008  مقالا للدكتور  بعنوان "حقوق الإنسان بين الشعار والتطبيق"، نشرته جريدة الأهرام  في إطار إحياء الذكرى الـ 60 للإعلان العالمي لحقوق الإنســـان،  نهش الحزن قلبي وصوت الحاجة عائشــة اسماعيل لايفارق أذني: "رحلوا نجيب على ســجن الخارجة...."،  أسرعت أهاتفه وأنقل إليه صرخة الحاجة عائشة: ماذا تكون إجابتك لهذه السيدة  يا رئيس مجلس الشعب؟  طالبته بالإفراج عن المعتقل بضمان أمه لكنهم قالوا له إنه من الخطرين وفقا لقاعدة تجفيف المنابع!  قلت: طيب يعود ، على الأقل، إلى المعتقل القريب من أهله!  لبى الرجل الرجاء ونجحت مســاعيه. هاتفته أشكره : نصف الظلم ولا الظلم كله يادكتور أحمد فتحي سرور!

  غير أن الله شاء  أن يرفع عن المظلوم الظلم كله ولو بعد حين، فالحمد لله رب العالمين.


أقراص العسل التركية

 أخيرا مارس الرئيس التركي المنتخب عبد الله جول حقه في  قيادة الاحتفالات الرسمية بعيد النصر، الذي وافق الثلاثين من أغسطس، بدلا من رئيس الأركان، وقد تمكن هو وزوجته خير النساء، الملتزمة بغطاء شعرها، إستقبال الوفود المهنئة بالقصر الجمهوري الذي كان يمنع ،بالجبروت العسكري، دخول الملتزمات بغطاء الشعر، ليس هذا فحسب بل إن بعض كبار القادة العسكريين تنازلوا عن عنجهيتهم وشاركوا في الاحتفال الذي كانوا يقاطعونه منذ 2007 إحتجاجا على وصول سيدة "مُحجبة" إلى القصر الجمهوري!

 هذا الخبر يعني أن المشكلة لم تكن أبدا في فتح أبواب الحرية على مصراعيها للبارات والحانات والمراقص وكازينوهات لعب القمار وفضائيات الإباحية وممارسات بنات الليل عملهن في الشوارع تحت حماية الشرطة....إلخ، تحقيقا لنتائج حكم أتاتورك الذي نحى الدين عن كل مناحي الحياة، بل إن المشكلة كانت في استعادة الشعب التركي لجزء من حرية ممارسة عقيدته بعد قهر سنوات تسعين دكتاتورية عسكرية حاولت سرقة مسلمي تركيا من اسلامهم تم فيها، بالإجبار والقسوة وسحق المقاومين، نزع كل ما يمُت إلى هويتهم الإسلامية.

منذ أعوام مررت عابرة لليلة واحدة بمدينة إستنبول، أو إسلامبول، زرت  بعض مساجدها، التي بدت لي وقتها شبه مهجورة، في صلاتي بها إبتهلت إلى الله أن يعيد المسلمين إلى إسلامهم، ثم أتاح سبحانه لي بعدها بسنوات فرصة زيارة أخرى وكان أبرز إختلاف لاحظته هو عمار المساجد بالمصلين؛ ما أن يعلو الأذان حتى يهرع الرجال والنساء والأطفال إلى أقرب مسجد في تلبية مشتاقة للنداء. التف حولي مجموعة من الأطفال، بوجوه كأقراص العسل وأسماء عربية مرتبطة بالوجدان الإسلامي ،  يتزاحمون للتكلم معي باللغة العربية الفصحى قلت لهم: أين تعلمتم هذه العربية الممتازة؟ ضحكوا فرحا بشهادتي لهم، ولم يعلموا أنهم هم أنفسهم كانوا لي شهادة أثلجت صدري لاعتدال الميزان وعودة المياه إلى مجاريها الصادقة و كانوا برهان تحقيق الآية 28 من سورة الشورى: " وهو الذي ينزّل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد"، صدق الله العظيم.

الأربعاء، 19 سبتمبر، 2012

بأنغام "مالك جندلي"
وشعارات "إبراهيم قاشوش"
سوريا بدها: حرية
بقلم سهام ذهني
في ليلة من ليالي المليونيات الثورية بميدان التحرير بالقاهرة، وعلى الرغم من هموم الثوار في مصر، إلا أنه بمجرد أن أمسك أحد الشباب السوريين على المنصة بالميكروفون في يد، حاملا علم سوريا في اليد الأخرى، وهو يهتف: "يالله إرحل يابشار"، حتى ردد من خلفه عشرات الآلاف من المصريين الهتاف ضد الرئيس السوري "بشار الأسد"، في حالة مبهرة ناطقة على الأرض بوحدة الأمة.
كاد الشاب السوري أن يبكي، وأخذ يردد أنه لا يجد الكلمات المناسبة للتعبير عن حجم شحنة الأمل التي بثتها فيه حناجر المصريين، ثم بنشوة أخذ يكمل شعارات الشهيد السوري "إبراهيم قاشوش" صاحب شعار "يالله إرحل يابشار"، وميدان التحرير يرددها من خلفه، ثم يستلهمها بعد فترة ويبني عليها كلمات مشابهة تعبر عن الحالة المصرية.
ربما يعلم بعض المصريين الذين رددوا الهتاف من خلف الشاب السوري حكاية صاحب الشعار وربما لا يعلموا، إنما ما ينطق به الوجدان هو أن سوريا حين تئن فإن مصر تقول:آه، وأن الشعب المصري حين يتكلم فإن صدى الصوت يتردد عبر مختلف الدول العربية.
وآه يا سوريا الحبيبة، لقد تم قتل الشاعر والمطرب الشعبي السوري "إبراهيم قاشوش" بطريقة وحشية عقب مليونية "إرحل" الكبرى التي كان صوته يجلجل فيها بساحة "العاصي" في قلب مدينة "حماه" يوم 1 يوليو من العام الماضي، فإذا بالانتقام يتم عبر قيام مجهولين باختطافه أثناء عودته إلى بيته حيث قاموا بذبحه وإخراج حنجرته وتركه على ضفاف نهر العاصي ينزف حتى الوفاة. أسكتوا حنجرته وأنفاسه، منعوا دقات قلبه ونظراته وخطواته ولفتاته، لكنهم لم ينجحوا في منع كلماته وشعاراته من أن يستمر الهتاف بها ضد بشار الأسد وأعوانه.
إن أناشيد "القاشوش" مازالت تجلجل عبر ساحات الثورة في مختلف المدن السورية، كلماته تزلزل عرش الحاكم، وتنتقل من سوريا إلى ميدان التحرير في مصر، وأمام سفارات سوريا في العديد من الدول، ليس هذا فقط بل لقد قام الموسيقار السوري الكبير المقيم بأمريكا "مالك جندلي" بتحويل النغمة المميزة لهتافه الشهير "يالله إرحل يا بشار" قام باستلهامها وجعلها النغمة الرئيسية لسيمفونية رائعة هي سيمفونية الحرية التي أهداها إلى إبراهيم قاشوش، وقام بعزفها في العديد من المسارح العالمية، وضمها مع سيمفونيات أخرى عن الثورة السورية في ألبومه الجديد الذي يتم توزيعه عبر العالم، والذي يحمل إسم مدينته "حمص" أو "إيميسا" حسب إسمها القديم.
المقاومة والاستبداد
إن المستبدين عبر التاريخ لا يتعلمون الدرس، ولا يستوعبون أنهم قد يتمكنوا من إزهاق الأرواح لكنهم لا يملكوا قتل الفكرة. إن هتافات المقاومة في سوريا واصل حملها العديد من البلابل في مختلف المدن السورية ولم يبالوا بدفع الثمن، فهذا شهيد "بابا عمرو" صاحب الصوت الجبار "محمد الشيخ"،  وهذا "عبد الباسط ساروت" في "حمص" يتحمل المطاردة، وأصوات ثورية عديدة في مختلف مناطق سوريا يواصلون المسيرة ومن خلفهم جموع من أفراد الشعب المجهولين الذين يتعرضوا للقتل والإصابة والإعتقال دون أن تتوقف رحلة السعي نحو الحرية.
يظن المستبدون أن المقاومة يمكن أن تموت عبر قيام أعوانهم بقتل رموزها، في حين أن هذا القتل عادة ما يؤدي إلى زيادة أفكار المقاومة إنتشارا وزيادة المقاومة اشتعالا.
وإذا كانت الوحشية في طريقة اغتيال بلبل الثورة في مدينة "حماة" إبراهيم قاشوش ظن القائمين بها وقتها ان في نزع حنجرته رسالة لمن هتفوا من خلفه بأن يصمتوا فإن النتيجة جاءت عكسية تماما، ولم يتوقف الهتاف ضد الإستبداد، ولم تزداد الهتافات التي حملها صاحب الحنجرة التي انتزعوها إنتشارا فقط، إنما إزدادت طريقته نفسها في الهتاف تواجدا، تلك الطريقة التي نجح فيها القاشوش في الخروج بالهتافات الثورية من الحالة التقليدية الحماسية، إلى حالة مبتكرة على وقع التصفيق المنتظم من الجماهير التي تشاركه وتتفاعل مع كلماته الجذابة، فكلماته تتجه أحيانا إلى السخرية من الحاكم مثل قوله: "يا بشار ويا مندس تضرب إنت وحزب البعث، روح صلح حرف الإس، ويا الله إرحل يا بشار"، فتتوهج الجموع بالضحك من الحاكم الذي يأمرونهم بالسجود لصورته.
كما لا يفوته الإشارة إلى الإستهانة بأجهزة القمع، فينشد ضاحكا: " حاسس إني مو مطول، وعلى أمن الدولة محول، ويالله إرحل يا بشار".
كما يستطيع عبر حالة أخرى أن يشعل حماس الجماهير بإبداء الإعجاب بالشعب مثل قوله: "نحنا الكل بنفدي الكل، ولحظة واحدة ما بنمِل، والحُر ما يرضى بالذل ، ويا الله ارحل يا بشار".
ثم يصيح مناديا على الأمل:"الحرية صارت على الباب"، ويكمل:" ويا الله إرحل يابشار".
كما أنه لم يكتفِ بأن تردد الجماهير الهتاف من خلفه، إنما حقق حالة أقرب من الديالوج مع الجماهير، فهو يحسم مطلب الجماهير وهو"بدنا نشيلو لبشار وبهمتنا القوية"، ثم يقول بصيغة التساؤل "سوريا بدها؟" فترد عليه الجماهير: "حرية".
ويظل يكرر: "سوريا بدها"، والجماهير ترد:"حرية". فيشتعل الحماس وترج كلمة "الحرية" الأرض، وتجلجل كأنها تحلق في السماء بأجمل أداء، ليس فقط أداء القاشوش بحضوره الطاغي وسرعة بديهته في تأليف الشعارات والإبتكار في الكلمات بما يناسب المستجدات على أرض الواقع، وإنما أيضا بأروع أداء في الدنيا، أداء الحشود الهادرة المصممة على العزة والحرية والكرامة.
وحين يختتم القاشوش هذه الحالة الثورية الفنية الإنسانية منشدا: "يا بشار ومالك منا، خذ ماهر وارحل عنا، وهاي شرعيتك سقطت عنّا"، ثم كالمعتاد يردد تلك الجملة أو الماركة المسجلة باسمه "ويالله إرحل يابشار"، بالتنغيم الخاص الذي اعتاد السوريون على أن يهتفوا عبره بهذه الجملة الأمنية، فإن الطاقة التي تبعثها هذه الحالة الفنية الثورية تجدد حماس المشتاقين للحرية، وتبدد أوهام الظانين بالأحرار ظن السوء.
"جندلي" والمشتاقين للحرية
وفي درب المشتاقين للحرية إنطلقت موسيقى الفنان السوري "مالك جندلي" حاملة حنجرة القاشوش المنزوعة لتصدح بصورة فنية ثورية أخرى عبر العالم، حيث قام بتحويل كلماته إلى موسيقى يسمعها الناس في كل الدنيا، حيث استلهم نغمة الهتاف الشهير "يالله إرحل يا بشار" وصاغها في لحن حمل عنوان "الحرية" وأضاف إلى العنوان أن هذا اللحن هو "سيمفونية القاشوش"، حيث صاغ من ريتم جملته الشهيرة "يالله إرحل يابشار" النغمة الأساسية في سيمفونيته "الحرية" لتستمع الدنيا لنغمة الشهيد "القاشوش" عبر مختلف الآلات الموسيقية مفتتحا السيمفونية بهذه النغمة مدوية عبر آلات النفخ وكأنها نفير في صحبة طبول الحرب تدق مدوية، ومعها تتدفق أنامل "جندلي" فوق مفاتيح البيانو في تتابع سريع كأنها أقدام الجموع المهرولة شوقا للحرية على الرغم من نيران النظام السوري. كما نسمع إستلهاما آخرا عبر صياغة موسيقية عاطفية للمقطع الشهير الذي كان يصيح فيه القاشوش بصيغة السؤال قائلا "سوريا بدها" ويرد عليه الملايين: "حرية".
ما فعله مالك جندلي في هذه السيمفونية الثورية هو شكل من أشكال المشاركة في الثورة أينما كان المحب للوطن. ولقد شارك "مالك جندلي" في عدة أنشطة في الخارج تأييدا للثورة السورية فإذا بوالده "الدكتور مأمون جندلي" ووالدته "لينا الدروبي" المقيمان في مدينة"حمص" بسوريا يدفعان الثمن، حيث تم إقتحام منزلهما والتعدي عليهما بالضرب وإصابتهما إصابات بالغة وتفتيش الشقة وبعثرة محتوياتها. إنها ضريبة الحرية التي يدفعها الساعين إلى الشمس والضياء، حاملين العزيمة والأمل. ولأهمية مواصلة الحلم والأمل فلا بد أن أشير إلى السيمفونية التي تحمل عنوان "الأمل" في هذا الألبوم لمالك جندلي، بما توحي به بداياتها من دموع تبثها أوتار الكمان، ثم عنفوان أنامل "مالك جندلي" على مفاتيح البيانو كأنها تجفف الدمع وتتجاوز القهر وتبث الأمل.
أمل منتزع من أنياب الألم ومن هجمات اليأس. أمل ينبض بالإصرار، ويكبر بالإيمان، ويترعرع بالمثابرة. أمل يُخرج لسانه للإحباط ويسدد لكماته لليأس ويُشيع سلاما وسكينة وثقة وطمأنينة.
أمل يجعلني أحمل الأمل في أن يمن الله على الشعب السوري الباسل بالتخلص من النظام المستبد، بعدها نستمع بإذن الله من مالك جندلي لعمل ملحمي يحمل عنوان "سيمفونية الإنتصار". 
"يالله إرحل يا بشار".



السبت، 15 سبتمبر، 2012



فن كتابة

تبرعوا بوزارة الثقافة لوزارة الصحة

هذا العنوان كان صيحة غاضبة  زفرتها منذ عشر سنوات إثر متابعتي لأحوال عنبر المصابين في حوادث الطرق بالقصر العيني؛ الذي لم يتعد كونه "جراج" يُحشد فيه الجرحى ينازعون الموت حتى يأذن الله برحمتهم فيأخذهم إلى رحابه من ضيق الإهمال والاستهتار والخيبة والنذالة وانتفاء المسؤولية، عند الذين إنتزعت من قلوبهم الرحمة لا يوجعهم انسحاق المواطن المصري وإهدار قيمته وحقه في العناية والرعاية، في ظل بذخ إحتفالات وزارة الثقافة ومشاريعها التي تكلفت الملايين، وليست من أولويات شعب فقير مريض، تغدق عليها الميزانيات، التي لو أنفقنا نصفها لنهضة مستشفى القصر العيني وترميمه من أجل الإنقاذ والإسعاف وحياة أصحاب الحق الأصيل في الخدمات لما أزهقت أرواح الضحايا بحجة: "الميزانية لا تسمح!". كانت صيحتي وقتها تحمل نسبة من مبالغة زعقة الغضب غير أنني حين أنادي بها اليوم أعنيها جادة مئة بالمئة؛ فمستشفياتنا تحتاج مولّدات كهرباء وترميمات جمّة شاملة، وأجور مجزية لأطباء وممرضين وعاملين يرهقهم عمل الواجب ولا يجدون المقابل المنصف الذي يقوّهم على تحقيق أماناتهم، وعلى ضوء حالة الهشاشة البالغة التي تعاني منها البلاد بعد أن أكلها النمل الأبيض على مدار سيطرته على الحكم، نجد أن وزارة الصحة الأولى بكل مليون من ملايين السفه المتفشي بوزارة الثقافة، ولقد عشنا سنوات طويلة قبل 23 \ 7\ 1952 من دون وزارة ثقافة وعرفنا مع ذلك كل ما لذ وطاب من فنون ونشر وإبداع وثقافة وبأرخص التكلفة وأقل الخسائر؛ ولمن يحب التفذلك أنعش ذاكرته بقول فنان عالمي: لو شب حريق يهدد لوحاتي وحياة قط لأنقذت القط أوّلا!

 في سياق وادي المواجع هناك ما أنقله، عن عمود الأستاذ صلاح منتصر بأهرام 9 \9 \ 2012، أن الفنان محمد صبحي شهد في لقاء السيد رئيس الجمهورية، بوفد ما سُمّي "وفد الفنانين والمبدعين والمثقفين"، شهادة نادرة لصالح فاروق حسني مضمونها، فلست متأكّدة من نصّها، أنه اختلف مع وزير الثقافة السابق عشرين سنة لأنه اهتم بالآثار على حساب المسرح والسينما لكنه اليوم يشهد له أنه كان طاهر اليد ووزيرا محترما ورمزا لمصر في محافل العالم الفنية ومن الظلم - خذوا بالكم قال "من الظلم"- محاولة تشويه صورته بتسعة ملايين لم يستطع إثباتها في ثروته بعد 22 سنة وزيرا!

الحمد لله لقد أثبت محمد صبحي، بدفاعه العجيب هذا، معظم التهم الموجة إلي السيد فاروق حسني، إن لم يكن كلها، وأوّلها استمراره، الداعي للريبة، وزيرا للثقافة مايقرب من ربع قرن، وثانيها التسعة ملايين جنيها، أو دولارا لم يدقق حضرته في  تحديد ذلك، و هي، وأذكركم تسعة ملايين!، الجزء "الطفيف" من ثروته التي لم يستطع إثبات مصدرها، بين ما أثبته من مصادر ملايينه الأخرى بزعم أنها من عائد بيع لوحاته؛ هذه الملايين التي لم يحزها أي فنان مصري من بيع لوحاته مهما عظُم قدره حيث أن الفرصة لم تُتح لأي فنان، في كل تاريخ مصرنا المبدعة، للجمع بين سوق بيع لوحاته وسلطات منصب وزير ثقافة مصر سوى للسيد فاروق حسني، فهل كانت الملايين تُدفع ثمنا للوحات أم لمنافع غير مشروعة تحت يد وزير ثقافة حر التصرف و التبديد؟

 ساعدوني: لمن تُدق هذه الأجراس؟








أبلة إحسان أبو زوبع

توفى والدي 4 \ 4 \ 1944 فكان علينا أن ننتقل من محرم بك الإسكندرية إلى عباسية القاهرة ومن ثمّ صرت، بعد أن دفعت والدتي المصروفات الباهظة 27 جنيها كاملة جنيه ينطح جنيه، التلميذة الجديدة بالسنة الثالثة بروضة أطفال العباسية الملحقة بمدرسة العباسية الإبتدائية بميدان الاسبتالية الفرنساوي بين شارع السرجاني وشارع سبيل الخازندار في السنة الدراسية 1944 \ 1945، وكانت أبلة إحسان أبو زوبع مؤلفة كتاب "قراءة الأطفال"، الفخيم أبو جلدة خضراء سميكة وصفحات مزركشة جميلة ومرسومة بإتقان، هي رئيسة الروضة ومُدرِّستها الوحيدة المتحكمة في كل أحوالها لولا زغرة زاجرة لها من رئيستها الطيبة؛ ناظرة المدرسة الإبتدائية وروضتها الملحقة، التي غالبا ماتأتي في محلّها ولو متأخّرة. من اللحظة الأولى لم تحبني أبلة إحسان أبو زوبع لأن الناظرة  أبلة خديجة أحمد أرغمتها على قبولي مُحوّلة من الإسكندرية وهي لا تريد تلاميذ غير تربية يدها من أولى روضة حتى السنة الثالثة النهائية في مرحلة الروضة.

تجهمت أبلة إحسان أبو زوبع في وجهي، لا يخفف من قسوة قلبها معرفتها أنني طفلة تيتّمت من والدها منذ شهور قليلة، أراها لطيفة مع كل زملائي الأطفال ما عداي؛ تبتسم في وجوههم ولا تكترث بالنظر إليّ، بالطبع لم يعجبني الحال خاصة أنها كانت تخص آمال السنهوري وحدها بالقراءة في حصّة المطالعة، أنا لي ولع بأداء القراءة فلماذا لا تتاح لي فرصة للقراءة أنا كذلك؟ رفعت يدي وقلت: "يا أبلة أنا عاوزة أقرأ"! إندهشت أبلة إحسان أبو زوبع: "عاوزة إييييه؟"، قلت بثبات: "أقرأ زي آمال"!

 كانت آمال السنهوري، مُدللة أبلة إحسان وأولى الفصل، بيضاء سوداء الشعر خضراء العينين تقرأ بشطارة وتعزف البيانو بمارش يصاحب ذهابنا طابورا إلى قاعة المطعم في فسحة الغداء، لا بأس أنا لست غيرانة منها لكن: "أنا عاوزة" أثبت جدارتي في إتقان القراءة. من دون أي توقع مني واجهتني أبلة إحسان أبو زوبع بشخطة هستيرية: " إطلعي برّه الفصل واستنيني هناك"! روّعني قرار الطرد من الفصل ووجدتني أنفطر من البكاء. أخذتني بالتهديد إلى غرفة المدرسات تمهيدا لتتسلمني الظابطة "نينوى" وتذهب بي إلى حضرة الناظرة! مازلت، أنا طفلة السابعة من العمر، لا أفهم الجرم الذي ارتكبته لأستحق كل هذا الغضب من أبلة إحسان أبو زوبع. لم يتوقف بكائي إندهاشا وألما: "أنا بس كنت عاوزة أقرأ"! تقدمت مني أبلة شريفة مدرسة الحساب بالمدرسة الإبتدائية؛ ربتت عليّ وأخذتني في حضنها: " جرى إييييييه ياإحسااااااان حرام عليك"! ضاعف حنانها من بكائي و زادته شهقاتي، ومازلت بعد كل هذه السنوات الكثيرة (67 سنة) لا أنسى قسوة أبلة إحسان أبو زوبع ورحمة أبلة شريفة واحتضانها الذي دفع عني الظلم وطيب خاطرى!

السبت، 8 سبتمبر، 2012


البحث العلمي أمن قومي

مع تأييدي لكل أشكال الاحتجاجات التي قام ويقوم بها طلبة وأساتذة جامعة النيل ،المظلومة والمغدورة والمأخوذة مبانيها والمشتتة أبحاثها، أسمح لنفسي بالتدخل في حكاية "البحث العلمي" بصفتي مواطنة مصرية نشأت وترعرعت في بلد لم يتوقف فيه لحظة واحدة نداء ملأ أذني منذ نعومة أظافري: "حي على الفلاح ، حي على البحث العلمي"؛ بما يعني أن التنبيه إلى ضرورة وأهمية "البحث العلمي" في مصر ليس إختراعا "زويليا"، كما يحب البعض الإيحاء بذلك، فهو بدهية حضارية تصبو إليها الدول الساعية إلى إثبات جدارتها والجلوس شامخة في صالون الأمم ذات الحيثية العلمية المساهمة في خدمة الإنسانية ورفعة شأن الوطن، ولا أدري كيف دلف اسم الأستاذ الدكتور أحمد زويل بصفته الراعي العلمي والإداري والإعلامي المهيمن على البحث العلمي في جمهورية مصر العربية، فلقد وجدنا أنفسنا نؤخذ في غمضة عين إلى ماتم تسميته "مدينة زويل العلمية"، وبين ضجيج الطبول وصفير المزامير وسرسعة المزازيك المختلفة ألقي في روع الجميع أن السيد زويل قد أتى إلينا بما لم يأت به أحد من قبل، بأصالة كونه الحائز على جائزة نوبل، وهي جائزة لا أحمل لها مع كثيرين في العالم أي احترام أو ثقة، لظلالها المشبوهة سيئة السمعة، لكن هذا لا يدخل في حساب رفضي لهيمنة زويل والتنبيه لضرورة اتخاذ الحذر لمنع اطلاعه على أسرار البحث العلمي في مصر، لكونها من مقتضيات الأمن القومي للبلاد، وهذا الحذر  ليس لكونه أمريكي الجنسية فحسب بل لكونه مستشار الإدارة الأمريكية، والحائز على جائزة وولف في الكيمياء من الكيان الصهيوني عام 1993، التي استلمها بنفسه في زيارته لإسرائيل داخلا في قائمة المطبعين معها من دون أي تأثم أو حرج.

 لقد تصور البعض أن الدكتور زويل ربما قد جاء لمصر بدعم مالي هائل استبسالا منه لتحقيق المرجو لأرض مولده ولكن الأمر لم يمهل الظانين به ظن الجود والعطاء وافتداء الوطن فقد توضح للجميع، بما لا يدعو للشك، قيام دعوة لحث المصريين على التبرع لـ "مدينة زويل للبحث العلمي"، ونهض سماحة المفتي الأستاذ الدكتور علي جمعة مصاحبا الدكتور زويل في كل جولاته الإعلانية والإعلامية داعيا بنفسه لجمع التبرعات؛ بما لم نرتضيه بتاتا لمكانة "مفتي الديار المصرية" وواحد من علماء ديننا الأجلاء، وصرنا لا نشاهد الدكتور زويل إلا في صحبة الرؤساء والوزراء وكبار المسؤولين؛ مُجتمعا بالباحثين وذوي المكانة العلمية نائلا هالة استثنائية من الأهمية، لم ينلها الدكتور فاروق الباز ولا الدكتور مجدي يعقوب، مما دفع  بعض الأساتذة من الكتاب إلى هيستيريا المبالغة حيث لم يجدوا أن هيمنة زويل على البحث العلمي تكفي فهتفوا به في عناوين مقالاتهم رئيسا توافقيا لجمهورية مصر الثورة!

إن جدية النظر في مشروع البحث العلمي يجعلنا لا نحيد عن حمايته من الاختراق: فهو أمن قومي، ومن ثمّ لابد من قرار مخلص سريع لايعيد لجامعة النيل مبانيها  وحقوقها ومكانتها العلمية فحسب بل يلغي ويزيل ويمحو بالضرورة  إلغاء وإزالة و محوا سريعا وتاما مستوطنة العالم الأمريكي الأستاذ الدكتور أحمد زويل المدعوّة: "مدينة زويل للبحث العلمي" التي أقامها من أقامها في غفلة منا ضارة بالبلاد والعباد.

السبت، 1 سبتمبر، 2012

فن كتابة: صافي ناز كاظم
دعوني أغني

 أكتب وبي كم هائل من الغيظ؛ ذلك لأني لم أعد أحتمل الدهولة والركاكة وقبح المشاهد؛ الذي حصل أنهم ذبحوا لي مقالا عزيزا؛ أطاحوا بعنايتي الفائقة بترقيمه وترتيب فقراته وفقا لإيقاعه المؤدي بصنعة اللطافة إلى الهدف المأمول، نكشوه بلا مبالاه ومزّقوه إربا إربا وكان العذر: " لا أحد سوف يلاحظ هتك الترقيم والعبث بالفواصل والنقاط وما إلى ذلك من الشكليات!"، طبعا هذا الكلام قيل باللغة العامية التي تُضفي خفة الظل على كل المصائب لكني لم أضحك لأني حقا كنت في ضيق وكرب شديد. مشكلتي، ولم هي مشكلتي؟، أنني أقف أمام الكتابة باحترام شديد؛ أعتني بالفصلة، والفصلة المنقوطة، والقوس الكبير الذي يتضمن الصغير، والنقطة، التي يمتد بعدها الكلام، غير التي تختم الفقرة وتأخذني إلى بداية فقرة جديدة من أول السطر، فأنا مؤمنة إيمانا يقض مضجعي بأن حكاية إحكام الكتابة وضبطها لا تقل في أهميتها عن موضوعها وموقفها. لا أدّعي، وإن شهد لي الأعداء قبل الأصدقاء بما يرضيني، أنني أمسكت بتلابيب فن الكتابة وأصبحت خالية من التوجس خشية أن أكون قد دخلت في شق ثعبان الزهق، في كل مرّة أكون في حضرة الكتابة تعتريني الرهبة وأنا أتلمس الإحكام الذي أفتقده حتى لا أنسى نفسي وأقع فيما أعيبه على السائد الذي سيطر على معظم المكتوب والمنشور والفائز بالتقدير رغم رثاثته.

نعم لم يعد من السهل إكمال مكتوبات تغريني عناوينها بقراءتها، ما أن أبدأ حتى  تزهق روحي، ليست المشكلة عاميتها الدارجة، التي شاعت ونثرت بثورها في كل الأنحاء ؛ العطب ضارب أطنابه في النسج ذاته فمن أين يمكن أن أقضم قضمتي؟ من الجانب الإسمنتي أم من الجدّية المتخشبة أم من متناثرات علامات التعجب بلا دلالة والأقواس المهملة والنقاط  العصبية من دون ضرورة تفرش نفسها كالصئبان في شعر مهوّش لا يجد صاحبه أي حرج من عدم  تمشيطه؟

لا شأن لي بما يؤذيني، لكم ما تحبون ولي ما أراه صوابا، فما شانكم أنتم بحرصي على الإنضباط والاعتناء بالواجب والأصول، وما المأرب من وراء إرغام أنفي للتغاضي وقبول مالا يمكنني قبوله للتقولب وأخذ سمت الوباء؟

نعم حصل في نهاية الخمسينيات ومطلع الستينيات أن قامت حركة عالمية في فن الكتابة تنزع عنها علامات الترقيم واستبدلتها بتدفق سريع هادر للأفكار تركب الكلمات باندفاع لايتوقف إلا بغتة. كانت محاولة مدروسة مقصودة ومبادرة شاء روادها أن يدلف التوتر نابضا بفنية الكتابة، نجحت لبعض الوقت وكنت من مؤيديها في حينها، لكنها لم تستمر، وهي شئ بعيد كل البعد عما يحدث لأحوال الكتابة في ربوعنا واستباح حرمة مقالي، المصاب بخرطوش البلاهة والسماجة فأطاح ببؤرة عينه، وأبكاني وجاء بي إلى هذه الزاوية في "الوطن" علّني أجد مايسرّني ويسر القارئ المتململ بحول الله وقوته!