الجمعة، 22 فبراير، 2013

فن كتابة:

شــُرب السُــم للتجربة

قالوا في المأثورات: "إنّ الحماقة أعيت من يداويها"!

وصلنا إذن إلى ممارسة "العصيان المدني"؛ تلك الجريمة التي أوحى بها البعض تهديدا ثم زحفا وتحقيقا بدعوى "الإنقاذ" ولو بشرب السـم للتجربة!

كلٌ يريد لدى البلاد "زعامة" ولو بقتلك يابلادي؛ يتسلّطون عليك بكل ما يملكون من غباء وجهالة  زاعمين الحب والإخلاص وهم يطعنون ويمزّقون ويعوّقون ويهدّمون ويزوّرون التاريخ ويحرفون الوقائع؛ حتى يسود الباطل ناطقا، بالكذب، مفردات الخير
بلا هوادة، لا يرعون فيك إلاّ ولا ذمّة، يكذبون على الأجيال متصوّرين، وَهْما، أن الشهود قد ماتوا!

منذ البداية قال قائل منهم: "ذهبت السّكرة وجاءت الفكرة!" وانتشرت المقولة واجترّتها الأشداق ولا كتها الألسـن من دون وعي، أو بوعي هادف للتربص؛ كانت "السّكرة" في مضمون قوله يعني بها "ثورة الشعب المصري 25 يناير 2011"، وكانت "الفكرة" التي عناها هي وجوب قفز الذئب لإلتهامها!

ولم تتردد السيّدة، التي ورثت أهم وثائق مصر وجعلتها تحت يدها للإستغلال الخاص من دون أي وجه حق، لم تتردد في نعت ثورة شعبك الصادق يابلادي  بـ "التمرّد"، ذلك وهي تختار لك الضابط الذي تمنّت أن يحكمك بالنار والحديد؛ رأت السيّدة الضرورة في "شرب السـم للتجربة"، بعد أن تأكّدت من جدوى "التجربة"، لأن منهاج القتل والاغتيالات الخفية المتبادلة بين العُصْبة: ميراثها ومرابع طفولتها التي تربت عليها وتنشّـأت في أجوائها!

كيف ورثت السيّدة الوثائق؟ نذكر أنه فور تخرجها تم تعيينها وزوجها لإدارة سكرتارية والدها رئيس الجمهورية، نعم نعم هكذا على "كيف كيفها"، كما يقول شعبنا عن المدللين! كل أسرار البلد وملفّاتها تحت ناظري حضرتها وزوجها وبعض المُعاونين
 لـ "التكويش" من ذوي الحظوة المسبحين الحامدين الشاكرين الساجدين للسيد الرئيس والفارحين بنجاته " يوم المنشية"، ولا أدري متى دلفت أختها إلى السطوة الرئاسية  لتشاركها "الأعباء" ومعها زوجها "القمّور"، على حد وصفها له، الذي ذاعت شهرته بعد ذلك بامتلاك إمبراطورية معلومات ووثائق هائلة ساعدت كثيرا في تعميم مبدأ "شرب السم للتجربة".

منذ البداية كانت الاستهانة بالحشد الشعبى الذي هرع إلى الميدان يؤازر الثورة؛ قالت فلولهم، وهم يتأسفون للقتلة واللصوص، "وماذا تعني هذه الملايين؟ نستطيع أن نأتي بمثلها"!  كان التربص، بعد أن باغتتهم الملايين الشعبية الصادقة بالثورة الحقّة، حتى تمكنوا، بحصاد الأخطاء التي تناثرت على الساحات، من التقدم لاستعادة توازنهم؛ أنزلوا ثعابينهم  وقد جاءت الفرصة لإنجاز "فكرتهم"، وتحرّكت معهم الخلايا النائمة لحزب الطليعة السّري، (الذي صاغته عقلية الستينيات الإستبدادية، وما أدراك ما الستينيات، للتجسس على  أنفاس الشعب المصري وشل إرادته الحرّة)، وشمرت كوادرها عن سواعدها لتعيد، عبر القول الإعلامي والفعل "الجَبَهَاتي"، الآلية الشريرة، التي عرفناها حق المعرفة وعانينا منها في المرحلة الواقعة بين 1954 و1970، القادرة على تحريك الجموع المنتحلة لصفة "الشعب يريد" وفقا لأغراضها ومصالحها؛ إن مقاطعة للإنتخابات أو شحذا لتوسيع رقعة جريمة العصيان المدني.  

ماذا أقول لك يابلادي سوى أنني، رغم تفاؤلي، موجوعة بارتفاع الضغط ومعدّلات القلق والخوف؟.


السبت، 16 فبراير، 2013

فن كتابة:

مَنْ وما تحت الأرض

وقفت فزعة متجمدة بمكاني أراقبهم. كانوا متشابهين كأنهم نسخ مصبوبة في قالب واحد؛ الوجه شاحب جامد التعبير والرأس بيضاوي صغير والجسم نحيل وعليه زي موحد بارد اللون. يتحركون آليا من تحت الآرض ومعهم ذلك المنشار الغريب، كأنهم دمى بداخلها أحجار بطارية، يغرسون المنشار من تحت الأرض ثم يلتفون معه مُحدثين قطعا دائريا لا يلبث أن يسقط،  بمن وما عليه، قرصا عاجزا في باطن الأرض حيث يتحلل فورا في حمض الهلاك.

أزيز المنشار متواصل وهم يتنقلون بسرعة مذهلة مستمرين في قطع الأرض أقراصا  عاجزة تتهاوى في ومضة أمام عيني ليلتهمها حمض الهلاك مُحدثا صوت شفط حاد وحاسم.

على عِرق رفيع من عروق الأرض المفتوحة أحاول أن أهرب إلى الجانب الآخر الذي مازالت به الأرض مستقرّة وما أن أنقل خطوتي وأبدأ السير على العِرق في حذر شديد حتى أرى بقعة الأرض، التي كنت أقف عليها وتركتها لتوّي، تنهار.

أخشى أن أفقد توازني وأقع في إحدى الهوّتين على جانبي العِرق الرفيع، أرفع رأسي وأنظر أمامي حتى تثبت خطوتي وأنا أستعين بآيات من القرآن أقرأها في تضرع إلى الله أن يساعدني. أجتاز البقعة الحرجة وأنتقل إلى الأرض التي لاتزال متماسكة.

ما أن أجد نفسي على أرضية صلبة حتى أهرع بالجري إلى ميدان رئيسي وأنا أصيح وأدق الأبواب لأوقظ النائمين: "استيقظوا إنهم يقطعون الأرض هناك بمناشيرهم أقراصا تسقط  في حمض الهلاك فتحترق على الفور، أفيقوا إنهم يتقدمون بسرعة صوبكم!".

تُفتح الأبواب تباعا وألحظ الارتباك على الجميع؛ يتوقفون عند أبوابهم وينظرون في نعاس إلى بعضهم البعض متسائلين: "وماذا بوسعنا أن نفعل؟".

يستولي عليّ الأسى فأقول في نفسي: "ليس أمامي إذن سوى أن أطير" ؛ أمد ذراعي إلى أعلى وأدق الأرض بقدمي  حتى أرتفع تدريجيا وأنا أحس بجسمي أثيريا خفيفا يمكنني من إختراق الجدران في مرونة ويسر.

 أنظر من إرتفاعي فأجد المخلوقات الآلية لا تزال في حركتها الدائبة؛ تطل من الجوف، ومعها المناشير، تشق طريقها بلا هوادة في قطع الأرض؛ دوائر تهبط أقراصا إلى هوّة حوض الهلاك الملتهب، بما عليها من عمائر وبيوت وحوانيت والناس بداخلها مُطمئنون إلى أنهم قد أغلقوا أبوابهم جيدا فأخلدوا خلفها إلى الهدوء متصورين أنهم  بذلك قد وجدوا حلا نموذجيا لدرء الخطر.

+ إضافة: في خضم التعاسة من غَلَبة الشر هناك دائما لحظات غبطة؛ بشرط الإيمان المطلق والتصديق بقوله تعالى في سورة النور آية 11: "لا تحسبوه شرا لكم بل هو خيرٌ لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم".


السبت، 9 فبراير، 2013

فن كتابة:

الأم القاتلة أطفالها

ليست مجنونة مطلقا؛ لو كانت مجنونة لدمّرت كل شئ في سوْرة جنونها ولأكملت المشهد بذبح نفسها، لكنها بعد ذبحها طفليها، يوسف ومريم، خرجت بهدوء وكامل وعيها لتدبر قصة مُختلقة تساعدها على الهرب من العقوبة أدت فيها ببراعة دور الأم المفجوعة بمشهد فلذتي كبدها المذبوحين؛ صرخت وانتحبت كأنها مصدومة بالمفاجأة وحولها الجيران مُصدّقين هول مُصابها، (وهل كان بإمكان مخلوق أن يتشكك لحظة في صدقها؟)، أبلغت البوليس، وشرع الجميع في البحث عن الجناة بمؤشرات تكهنات "منطقية" ليس بينها احتمال أن تكون الجانية يد آثمة لــ "أم" قاتلة، وذهبت بعدها إلى بيت أسرتها لكنها، كما تقول،"من ساعتها مش عارفة أنام"، (يا سلام! حضرتها كانت تود أن تنام!)، لم تعترف إلا بعد حصار الأدلة لتضيق دائرة الاشتباه حولها فانهارت وقالت لغوا كثيرا عن مبررات فعلتها الشنعاء متسائلة: "حد يقتل عياله؟"، (نعم! أنت!).

المرعب في هذه الحادثة أنها، في جانب منها، تُلخّص مايحدث الآن في طرقات بلادنا وميادينها ومنصّات فضائياتها، (أينعم وإعلامها)، مهما أغلظ الجميع  القسم بــ (ثلاثة بالله العظيم)، أنهم أبرار مخلصون يسعون نحو "إنقاذ" مصر متسائلين: "حد يقتل بلاده؟"، والرد بلا تردد: "نعم! أنتم!"، جميعكم بلا استثناء إلا الذي نطق بفطرة الأب الحاني والإبن البار وهو، بلا تردد كذلك، الشهيد الحي الشاهد "حماده صابر"، قائلا بعزّة وفداء: "أنا كنت عاوز البلد تِهدى!".

"حماده صابر" ليس متنازلا عن حقّه، ولا خانعا لقوة البطش القاتلة، ولا كاذبا ولا مُتراجعا، ولا أيا من التفسيرات التي إنهالت من كل حدب وصوب، متسابقة في الجَزّ على الأسنان، العمياء عن رؤية ما رآه "حماده صابر" في جملته البسيطة التي تعني؛ أريد بلدا "وطنا حاميا"، لا "خناقة" شوارع و "شرشحة بلكونات" تُشحذ فيها السنج والمطاوي وتُسن سكاكين الألسنة بسموم الثعابين والعقارب وحشرات صناديق الأذى المكبوتة، التي أينعت بفضل أيد فتحت لها الغطاء ليتحول المشهد إلى أدغال وأحراش يتعاظم فيها السحل والتحرش ويتفاقم بها الإفساد وسفك الدماء تحت دعاوى إنقاذ خائبة الرجاء.

 حماده صابر يريد إستقامة الأمور حتى تستقر قوّة الحق فوق الجبروت، وفوق المشاحنات، وتسقط  أقنعة القتلة الداهية؛ بحصار الأدلة إلى أن تضيق حولهم دائرة
 الاشتباه ،حتى يتبيّن الخبيث من الطيب، ويهلك من يهلك عن بيّنة ويحيا من يحيا عن بيّنة.

ويا أيها الصائح بعنوان " أولئك هم الكفرة الفجرة" هتافك التكفيري هذا لن يساعد حماده صابر  بشئ،  فكن عاقلا ،(فالمسألة ليست فش غِل لترتاح سيادتك)، وخذ نفسك إلى سبيل الحكمة، لو أنك تنشد "الإنقاذ" حقا وصدقا ويقينا، وقد سأل سائل الإمام علي بن أبي طالب عن صفة من قاتلوه هل هم من الكفار؟ قال لا، هل هم من المنافقين؟ قال لا؛ بل "هم إخوة بغوا علينا"، مُستحضرا هداية الآيات الكريمة  من سورة الحجرات: "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (10)"، صدق الله العظيم.

+  تنويه: نستدل كذلك من الآيات الكريمة هذه المعلومة "إنما المؤمنون إخوة"، بما يعني أن "أخوّة" المؤمنين ليست إختراعا لجمال الدين الأفغاني كما تصوّر "أخ" من الكتّاب!

الجمعة، 1 فبراير، 2013

فن كتابة:

لا تفرحي، لا تحزني

+  أستدعي الصمت لأوجز فيه معنى الحياة.
تلقّفتني الثرثرة فاستسلمت لوميض الاكتئاب وكان المذاق شهيا فعرفت أنني في خطر.
مللت التكرار فياليت الصمت يستوعبني كالقصائد المرتجلة.

+  كل الحيل الإنسانية بدت لي محلولة الألغاز فكرهت فراستي؛ وعرفت كيف تكمن السعادة في الغباء ولماذا يبدو البلهاء أكثر حكمة واستقرارا وعرفت لماذا يقطرني القلق حتى في اليقين.

+  يستقر الصخب على أن الفتنة جوهرها الإرهاق؛ كما كان الإلحاح دوما جوهر الملل، وفي الصمت؛ حيث تلتئم الجراح، ينبثق ينبوع الخشية؛ أن تأتي الراحة عكس نتائجها ونراها الوجه الآخر للعنت فأين المفر؟

+  الحلم، الرؤيا، الكابوس؛ في قيعانها يصطدم الفرار مُحبطا ونقول: في اللاوعي انكبت الأنين وقد سجنته الطحالب وأهالوا عليه الوقار،  فأين مني بهجة في النواح تمتشقها النفس اللاهثة؟

+  أي النوافذ تتسع لإطلالة رأس متورّم؟
أي الشرفات يمكن أن يدرج عليها الياسمين مُعتنقا الزنبق من دون مزاحمة اللبلاب؟
وأي الردهات تستقبل آهات يكتمها القلب المتضخّم؟
آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه!
ما أوجع بوحا أسكته سمت الصمت!

+  شيدي يارمال قصورك فالأحجار تنكفئ ورددي:
أي طمع في الخلود وكل الزمان برهة؟
وأي الوصايا تصدق غير وصية المَلَك القريب؟
فأين مني لحظة في "البُرهة" أعظ بها نفسي:
لا تفرحي!
لا تحزني!
أن تهدأ في التأرجح حتى يغلبها النوم الأبدي.

تنويه:  مشكلة مصر أنها "أُمّنا"؛ فالأبناء صاروا لا يتعرّفون على معنى "البِر" بالأم وكيفيته ومن ثَمّ فهم لا ينتبهون إلى النهي عن قول "أف" ولا عن "نَهْرها" ولا يطيعون أمر "خفض  جناح الذلّ" لها من الرحمة والمذهل هو تصورهم، مع ذلك، أنهم أبرار!

إفادة:  تضحكني مقولة إعلان تؤكّد: "ربّه صغيرا ينفعك كبيرا"؛ الصحيح المضمون هو "ربّه صغيرا وأجرك على الله"!

تحذير:  ليس بالحماس وحده ينجح الثوّار؛ لا بد من الذكاء واليقظة والفطنة التي تجعلهم لا ينساقون خلف أقنعة ظاهرها الرحمة ومن خلفها الخراب.

إستجارة:  يالجبروت الضعف!