السبت، 23 مارس، 2013

فن كتابة:

يُحكى أنّ....!

لما حكى صاحب مكتبة وهبة قال: هذه ثالث مكتبة أعملها، مكتبتين قبل هذه أخذوها: يوم 7 أغسطس 1965 وقعت عليّ الحراسة، الساعة 9 صباحا جاءت حملة من حوالي 7 أو 8 ضباط تحت قيادة أحمد راسخ رئيس مكتب القاهرة، وقسموا أنفسهم إلى 3 فرق فرقة في المكتبة هنا وفرقة كانت في مخزني بالداخل مكان سينما إيديال والفرقة الثالثة ذهبت إلى بيتي على الناصية هنا، فتشوا البيت ودلقوا الطعام وبهدلوا الدنيا واللي دخلوا المخزن جابوه من فوق لتحت واللي في المكتبة قطعوا الكتب وطلعوا الدوسيهات، مش عملية ناس بتفتش لا  ناس بتخرّب، وظلت هذه العملية من التاسعة صباحا حتى السادسة مساء، أنا كنت موجود هنا وساعات أروح البيت بناء على طلبهم لأفتح دولاب، عمليات إمتهان وانتقام، واحد طلب من زوجتي تخلع أساورها باعتبارها مال تحت الحراسة التي صدر فيها قرارين: قرار على وهبة حسن وهبة صاحب مكتبة وهبة وفروعها والآخر على وهبة حسن وهبة وعائلته، وعائلته هذه تشمل أقاربي حتى الدرجة الرابعة، كانت عزة بنتي عمرها ثمانية أشهر ونشر اسمها في الجريدة الرسمية : عزة وهبة حسن وهبة تحت الحراسة! قفلوا المكتبة وشمعوها وشمعوا المخزن وفي البيت فكوا السخان والمدخنة وقالوا بندور على الأسلحة! سلاح؟ أنا ح يبقى عندي سلاح أعمل به إيه، ده أنا مكتبتي أهه وبيتي أهوه وقسم عابدين في المنتصف! بعدها بيومين فتحوا المكتبة وجاء حارس قال لي كلمة لن أنساها قال لي: ماتجيش هنا تاني لا مشتري ولا بايع، لك أن تتصوري واحد يقول لي هذا الكلام وهو جالس على مكتبي في مكتبتي وأنا واقف أمامه، قلت له حاضر! بعدها بيومين تم اعتقالي من المباحث إلى سجن القلعة ومنه إلى سجن أبو زعبل، رحنا لقيناه النار الموقدة، به مكان يقال عنه المحمصة...".

يذكر الحاج وهبة فترة سجنه الأولى من 1954 حتى 1960 بالإمتنان مقارنة بالفترة الثانية المهولة التي إشتعلت نيرانها من أغسطس 1965: " بعد خروجي من السجن 1960دبت الحياة من جديد في هذه المكتبة التي كان قد علاها العنكبوت وخلت أرففها من الكتب القيّمة،  استطعت أن أستعيد توازني، وفي خلال هذه الفترة تعرّفت على الأستاذ سيد قطب؛ كان قد كتب في ظلال القرآن في سجنه من 1955إلى 1960 الطبعة الأولى كانت نحيلة وقليلة وبدأ الأستاذ سيد ينقحها خلال الفترة من 1960 إلى 1963 وهو لا يزال في السجن، كان الأستاذ سيد يضيف إلى الطبعة الأولى إضافات تكاد تصل إلى ضعفها أو أكثر، ويرسل المسودات مع العساكر اللي كانوا عارفين طريق المكتبة، المسودات تأتيني و يأخذها الأستاذ محمد قطب إلى مطبعة عيسى الحلبي؛ يأتيني الأستاذ محمد يوميا من الخامسة بعد الظهر حتى التاسعة مساء، نقفل المكتبة ونروّح سوا، فيما عدا الخميس والجمعة، وهكذا تمت إعادة طبع في ظلال القرآن بالزيادة والتنقيح وبلغت 8 مجلدات.

 بعد خروج الأستاذ سيد من سجنه سنة 1963كان يوم الخميس يوم قضاء الحاجات والمشتريات، ينزل من بيته في حلوان يلف البلد كلها لغاية لما المحلات تقفل الساعة إتنين، ثم يأتي هنا ناكل لقمة، رجل بسيط، أجلس أنا وهو نأكل ونصلي حتى تفتح المحلات مرة أخرى الساعة أربعة يروح يكمل بقية مشترياته حتى الساعة سته أو سبعة يعود هنا يأخذ أماناته كلها ويحطها في تاكسي وعلى باب اللوق يركب القطار إلى بيته في حلوان. كان مخصص يوم الجمعة للقاء الناس في جنينة بيته اللطيفة بشارع رستم، وابتداء من السبت حتى الأربعاء يدخل مكتبه من الصباح حتى المغرب أو العشاء ، ده كان شغله: قراءة وكتابة، هذه كانت حياة سيد قطب رحمه الله..".

  

السبت، 16 مارس، 2013

فن كتابة:

يوم الشهيد

+ يوم الشهيد تحيةٌ وسلامُ
بك والنضال تُؤرخُ الأعوامُ
بك والضحايا الغُر يزهو شامخاً
علمُ الحساب وتفخر الأرقامُ
بك والذي ضم الثرى من طيبه
تتعطر الأرضون والأيامُ
...............................
يوم الشهيد بك النفوس تفتّحت
وعيا كما تتفتح الأكمامُ
كاد الصغير يشك في إيمانه
والصبر كاد يشله استسلامُ!

هذه الأبيات مأخوذة من قصيدة "يوم الشهيد" التي ذاعت في العالم العربي نهاية عام 1948 تحية لشهداء الأمة في مقاومة الإحتلال الإنجليزي و من كان يعاونه بالبغي والظلم والعدوان من كل حدب وصوب؛ كتبها الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري، المولود 26 يوليو 1899 والمتوفي 1 يناير 1997 عن 97 سنة ونصف.

+  تأتي في طيات قصيدة الجواهري، الزاخرة بالهموم وعلى رأسها بطش الحكام الطائح بالدساتير إمعانا في التكبيل والتكميم، تلك الأبيات التي كانت هتافات مظاهرات ثوار الأربعينات في شوارع وميادين القاهرة:

وتعطل الدستور عن أحكامه
من فرط ما ألوى به الحكامُ
فالوعي بغيٌ والتحرر سبةٌ
          والهَمْسُ جُرْمٌ ، والكلامُ حَرام
ومُدافِعٌ عما يَدينُ مُخرِّب
ومطالِبٌ بحقوقِه هدّام

حين أتأمل هذه الأبيات التي تأتي ومعها الذكريات؛ تؤكد أن الحكام هم من كانوا    يعطلون الدستور، أتساءل كيف أصبحت المطالب المرفوعة اليوم،  من أقطاب المعارضة، تنادي برفض الدستور وتعطيل الإنتخابات؟

           ومع ذلك فالمعارضة، مهما كانت وتكون، هي مصابيح الحكام ولا يُطفئها إلا أحمق، فمن ذا الذي يفضل أن يسير أعمى لايتبين العقل من الجنون؟

+ عدت إلى قراءة كتاب الأستاذ فتحي رضوان، "72 شهرا مع عبد الناصر"، أتعجب وأضحك وأطمئن أن معظم مآسينا ليست وليدة اللحظة كما يدّعي البعض.

في نصيحة مستخلصة من التجربة والخبرة يقول فتحي رضوان، في مجال العقبات التي يلاقيها رئيس الدولة عند سعيه لإختيار معاونيه: "ليس أشق على أي رئيس دولة من اختيار رجاله الذين يعملون معه، وينفذون أوامره، ويقترحون عليه الأفكار والمشروعات، وينصحونه، أو ينقدون قراراته عند الاقتضاء؛ فإذا وفق الرئيس إلى اختيار الرجل الصالح والمناسب فإن (بطانة) الرئيس المقربة إليه والمحببة إلى قلبه قد لا تقبل هذا الرجل لأنها ترى فيه ما يهدد امتيازاتها ويشاركها في حب الرئيس فتفعل المستحيل لتمنع تعيينه. وإذا صمد الرئيس للمؤامرات حوله، وعيّن الرجل الصالح الذي اختاره، فقد تطارده (البطانة) بعد ذلك وتضع في طريقه العراقيل والعقبات حتى يفر من وجهها نجاة بنفسه، وإذا صمد في وجهها رأى نفسه آخر الأمر غير قادر على أن يعمل شيئا. وقد يرى الرجل الصالح أن خير وسيلة لبقائه هي أن ( يفسد)، وأن يخضع لأوامر البطانة والحاشية ذات النفوذ ثم يكتشف الرئيس أن الرجل الذي ظنّه (صالحا ومناسبا) لا هو صالح ولا مناسب."!

ومن الفقرات الطريفة ما يحكيه عن جلسات مجلس الوزراء يوليو 1952 التي كانت طويلة "طولا لم يعهده مجلس وزراء لا في مصر ولا في غيرها"، ونتج عن ذلك أن عددا من الوزراء كان يستغرق في النوم أثناءها، ولهذا أصبح من فكاهات المجلس المتداولة، حين يتوجب إحصاء الآراء في المسائل المعروضة، قول فتحي رضوان: "الموافق من حضراتكم يصحى"!

+ صغُرت أنفسهم فرأونا صغارا؛ إنهم هؤلاء الذين يتباهون بإنكار بطولات شعبنا،  يُمجّدون السفاح محمد علي و يُنكرون وقفة أحمد عرابي التاريخية أمام حفيد السفاح الخديو المتعجرف، زاعمين أنها مُختلقة من أحلامنا بالكرامة، هؤلاء الذين يتلذذون بتسفيهنا وتعظيم الطغاة والأعداء، ثقلاء الظل إلى أبعد الحدود!


الخميس، 14 مارس، 2013


حكايات الترام

عاصرت أمجاد الترام وسطوته ونفوذه ودوره التاريخي في مظاهرات الطلبة في الأربعينيات حين كانت تُشد السّنجة، الممتدة منه إلى الحبل الكهربائي، ليتوقف عن السير علامة الاحتجاج أو لتغيير اتجاهه وفقا للمسيرة الطلابية قبل 23 \ 7 \ 1952.

 كان اسمه الدارج "ترومّاي" وعند المتأنقين "ترام واي"وعند أهل الإسكندرية "ترام" فحسب. دائما كان عامرا مزغردا بالركاب؛ به درجة أولى "بريمو"بقرش صاغ ونصف (15 مليما) ومقاعدها منجدة بالجلد وزبائنها من كبار الموظفين من وكلاء الوزارة إلى المديرين العموميين إلى المستشارين وكبار المحامين وعلماء الأزهر وأمثالهم، ودرجة ثانية (سكوندو) بثمانية مليمات، أو تدفع قرشا وتأخذ كبريتا بالنكلة الباقية، وهي غير منجدة وزبائنها خليط من الموظفين الكبار لكن بخلاء و من صغار الموظفين والعامة والطلبة، وكان هناك جزء يغلق من جهتين ببابين ومخصص للسيدات عليه لافتة "حريم"!

كان الترام يسير منطلقا على قضبانه لا تجرؤ سيارة أو أتوبيس على اغتصاب مساحة طريقه وإلا دق لها السائق بعصبية آلة التنبيه، التي تقع تحت قدمه اليمنى والتي لها صوت كقرع الأجراس.  مزدحم غاص  دائما بالراكبين من مختلف الأشكال والألوان والطبقات، يقفز الباعة على سلمه من الجانبين الأيمن والأيسر لبيع الحلوى والمشابك والحاجات الضرورية والبسيطة للبيت، هناك جو مرح وأسري يجمع راكبي الترام ، ويمكن أن أقول إن تركيبة الترام ككل كانت تتمتع بما يمكن أن يقال عنه "سنس أوف هيومر" أي إحساس عال بالنكتة. كل البيوت التي سكنا فيها منذ ولادتي 17 أغسطس 1937 كانت كما يقول التعبير "على شريط الترام"، أي في شارع رئيسي  يمر به الترام سواء بالإسكندرية أو بالقاهرة، فألفت ضجيجه حتى أنني لم أكن ألحظه لكن ما أن كنت أستضيف إحدى صديقاتي للمبيت
حتى أراها ساهدة لم تذق النوم إلى الصباح وهي مندهشة كيف يأتيني النوم وصوت الترام يملأ أرجاء شقتي..

ترام 22

في طفولتي شاعت حكاية تندّر بها الناس عن الريفي، ولا مؤاخذة، الذي اشترى الترام إعجابا به ولم يدر أن البائع احتال عليه مُستغلا طيبته وسذاجته، التي لم يدرك بسببها أن الترام لا يُشترى، ومنذ ذلك الحين، أو لعل قبلها، أصبح تلميح " إشترى الترام" و "باع له الترام" مختصر الدلالة على  ساذج  يتم النصب عليه في أي تعامل مادي أو معنوي؛ خاصة في مجالات تسويق الأفكار والمبادئ بالكذب والخداع .

تميّز  ترام رقم 3، المنطلق من نهاية شارع العباسية بفرعيه طريق الفجالة وطريق العتبة،  فكانت عرباته الأكثر أناقة في الشكل والنظافة،  لكن ترام  22، المتوجه إلى ميدان السيدة زينب، كان يفوقه في خفة الظل، التي لم يحرم منها ترام 3 على كل حال و كانت تتجلّى عندما يصعد راكب متسائلا في اهتمام "ده طريق العتبة ولاّ الفجالة؟" ثم يجلس من دون إجابة كأنها لا تعنيه!

  كانت عربات ترام 22 المفتوحة من الجانبين بعرض أرائكه، و تأرجحها الذي كان يخيفني وأنا طفلة متوقعة الإندلاق منها في أي دوران، تعطي الفرصة للإستماع إلى الكثير المطروح من الركاب المتبرعين بالإفتاء في كل شئ؛ من أول الوصفات الطبية لعلاج شتى الأمراض الخفيفة و المزمنة والمستعصية، رافعين شعار إسأل مجرب ولا تسأل طبيب، إلى الحيل القانونية المؤدية إلى كسب القضايا والدعاوى المرفوعة منك أو عليك، مرورا طبعا بالنصائح الخاصة بالخلافات بين الأزواج والأبناء والأقارب والجيران، وما يخطر وما لا يخطر على البال من الآراء، التي لا يمنعها رقيب، في السياسة والساسة والزعماء، التي كان يفوز في أغلبها  النحاس باشا، وإن طالت الألسنة ذكر زوجته السيدة زينب الوكيل ورددت ما اشتهر عنها من تسلطها على إرادة زوجها الزعيم الجليل مستشعرين الشفقة عليه من كيد النساء!

 لم يختلف مجلس فتاوى ترام 22  عن  مجالس فتاوى مجموعات "أبو العرّيف"، التي صارت تبثها القنوات الفضائية في أيامنا المعاصرة، سوى افتقاد خفة الظل التي  تميز بها مجلس فتاوى ترام 22.
  
  
الترام النايلون

لا أدري بالتحديد متى ظهرت الأنسجة الصناعية لكنني ما زلت أذكر سطوتها في منتصف الأربعينات عندما تغلبت منسوجاتها، "النايلون"، على المنسوجات القطنية والصوفية والكتانية فكانت هي الأناقة والأمل المنشود، خاصة في ملابس النساء التي أقبل عليها الجميع رغم إرتفاع ثمنها، وصارت  كلمة "نايلون" مرادفة لكل جديد غير قابل للمنافسة، حتى وصل الأمر إلى  تعبير: "حاجة نايلون خالص!" يتم إطلاقه بصيغة الإعجاب على أي شئ، إنسان أو حيوان أو جماد، فيفهم السامع أن ذلك الشئ بالغ الجمال؛ مثلا يقول قائل عن إمرأة "حاجة نايلون خالص" يعني فاتنة متفجّرة الأنوثة مثل جميلات هوليود "هيدي لامار" و"مورين أوهارا" "ديانا دربن" و"آفا جاردنر" و "جرير جارسون" و "فيفيان لي" وغيرهن من شهيرات ذلك الزمان، ولذلك لم يكن غريبا، وإن كان طريفا، إطلاق "الترام النايلون" على ترام جديد إختلف تصميم عرباته عن الشكل المألوف الذي إعتاده الناس وإشتهر بهذا الإسم  فكان يكفي  قولنا: "ركبنا الترام النايلون" من دون أي حاجة لذكر رقمه!

ظللت مع الترام حتى شهدت إرهاصات نهايته حين إزدحمت الطرقات بالسيارات وتعالت صيحات أصحابها كلما صادفهم ترام "إمتى بقى يشيلوه!" فأشعر بغصّة كأنهم يغتابون أحد أقربائي فأبادر بنبرة حنين: "الله هوه كان عمل إييييييييه؟" فيأتي الرد زاعقا: "زاحم الدنيا"!

عزيز قوم ذل؛ يسلك سبيله كهيئة الإنسان الطاعن في السن الباحث عن جدوى لاستمراره في الحياة؛ يتلطف مع الجميع وهم يلكزونه ويدفعونه بالأكتاف. في يوم من أيام عام 1984 كنت في الفجالة بعد أن إشتريت مقدّمة ابن خلدون و حملتها مع كتب أخرى تثقل يدي وتوجع كتفي ووقفت أنادي سيارات الأجرة في استجداء: "عباسية ..عباسية" وهيهات أن يرق لي قلب من قلوبها القاسية، وإذا بي ألمح ترام 3 خط "فجالة \ عباسية" قادما وأنا بالقرب  من "محطته"، بدا لي كفارس من الزمن الغابر مُنقذ رغم اشتعاله بالمشيب، استبد بي الشوق فأسرعت لألحق به، رغم أنني لم أكن بحاجة إلى الإسراع فسوف ألحق به على كل حال إذ أن طريقه قد اغتصبته السيارات وهو متوقف يعطيها الأولوية في سعة صدر الكبار الصابرين على تجاوزات الصغار. صعدت وجلست وسألت جاري كم ثمن التذكرة؟ قال: عشرة صاغ، جاءني الكمساري فقلت ممازحة: عشرة صاغ بحالها؟ كانت بثمانية مليمات! رد جاري بشجن: كانت بستة مليمات! قلت مستشعرة صباي "مش على أيامي!"





السبت، 9 مارس، 2013

فن كتابة:

درس من هاملت

 تعمد شكسبير في مسرحيته "هاملت" أن يجعل هوراشيو راويا للقصة، فهوراشيو هو صديق هاملت الذي يعرفه حق المعرفة، وقد راقب من البداية ملابسات أحواله، وتفصيلات مآزقه المعقدة في مواجهة عمه الفاسد كلوديوس، الذي قتل والد هاملت واغتصب عرشه وزوجته، (أم هاملت).

هوراشيو هو المثقف الواعي الذي يقف مع الشعب لكنه يعلو برأسه المفكر الذي قرأ التاريخ الإنساني وفهم حاضره السياسي، وامتلأ قلبه بالحب نحو البشر وصدره بإدراك قوتهم وضعفهم، فأصبح مزيجا من الحكمة  يرسمها، شكسبير في قول هاملت: "هوراشيو إنك لرجل شريف، لن ألتقي بمثيله.... أنت الذي اختارته نفسي منذ أن بدأت تميز بين الناس، لأنك كالذي عانى كل شيء فأصبح بذلك لا يعاني شيئا، يتلقى من الأقدار الخير والشر بامتنان واحد، وطوبى لهؤلاء الذين يتوازن عندهم العقل والعاطفة، فلا يصبحون مزمارا في يد الحظ يعزف عليه ما يشاء، اعطني هذا الرجل الذي يرفض أن يكون عبدا لأهوائه وسوف أضعه في قلب قلبي..".

من الفصل الأول نرى هوراشيو بين الحراس ينتظر ليختبر بنفسه ماهية الشبح الذي يشبه الملك السابق، هاملت والد هاملت، في رداء الحرب ويظهر كل ليلة بعد انتصاف الليل، ليختفي عند صياح الديك في الفجر،  يطالب ابنه الأمير هاملت بالثأر له من قاتله، ويستمر هوراشيو على طول المسرحية وعرضها وعمقها، مراقبا ومحللا وسندا ناصحا لهاملت، فهو الفاهم لأدق مشاعره وآلامه، وحين يتخلى برهة، في المشهد الأخير، عن عقلانيته ويحاول أن يقتل نفسه لأنه لن يتحمل الحياة بعد رحيل هاملت، يمنعه هاملت وهو يوصيه بأن يستمر على قيد الحياة، مبينا أن بقاءه على قيد الحياة هو التضحية الحقيقية التي يقدمها لصديقه هاملت "أه يا إلهي، هوراشيو، تعلم كم سيجرح اسمي من بعدي، لو ظلت الأشياء هكذا غير معروفة... تحمل التنفس بصعوبة، في هذا العالم القاسي، لتحكي قصتي..".

 يتحمل هوراشيو مسؤولية رواية قصة هاملت بدوافعها الحقيقية كما أرادها  شكسبير، وقد أراد في بناء شخصية هاملت أن يطرحه ممثلا للحق ضد الباطل؛ الذي تشخصن في الملك الفاسد القاتل كلوديوس، ولنا أن نتخيل كيف يمكن أن تتشوه الأحداث لو أنها سردت من خلال كلوديوس وحاشيته لذلك يتعمد شكسبير أن يحكي حكاية هاملت عن لسان هوراشيو، لأنها تختلف عما لو كانت عن لسان أمه، أو عن بولونيوس رئيس الوزراء ومستشار كلوديوس وجاسوس السلطة المتلصص المتصنت؛ إن أم هاملت، التي تزوجت عمه قاتل والده، وبولونيوس السياسي الفاسد، طرفان في القوة المعادية لهاملت، يقفان بمصالحهما وأخطائهما في معسكر كلوديوس، ولذلك فهما  لا بد أن يريا حزن هاملت النبيل اكتئابا مرضيا، ووقفته العنيدة أمام جرائم كلوديوس ميولا انتحارية عبثية، وتأملاته، لإعادة ترتيب أوراقه وامتحان قدراته، ترددا وعجزا عن الفعل،  ويحسبان انفجاره جنونا؛ عندما يكتشف أن براءة أوفيليا، حبيبته، تستغل للإيقاع به فيعتبر أن  إستغلالها لاختراقه ومعرفة خططه، نوع من هتك العفة، و لايفهمان محاولته انتشال أمه من براثن الإثم الذي ارتكبته بالزواج من قاتل منحل، فيتهمانه بالوقاحة والعقوق والمشاعر غير طبيعية.

قصد شكسبير ألا تكون رواية قصة هاملت بلسان شخصية من شأنها أن تسيئ تفسيره فكان من الضروري أن نرى في اختياره لهوراشيو "راويا" المفتاح الذي تجاهله، للأسف، كثير من النقاد عن بصر كفيف، أو عن عمد في بعض الأحيان، مع أنه المفتاح الوحيد الذي علينا أن ندخل به المسرحية لتتوهج أمامنا، بلا لبس أو تشويش، الإضاءات الباهرة.

السبت، 2 مارس، 2013

فن كتابة:

المتوحشون يريدون لمصر مذبحة القلعة!

+  كتبت لي تشهد:"عندنا فى الاسماعيلية وقفوا قدام باب ديوان عام المحافظة يهددون الموظفين وجالوا بين المكاتب ( اللى هييجى بكرة ذنبه على جنبه ) اتشتموا من طوب الارض ومافيش فايدة جايين يمنعوا الموظفين من الدخول، شديت مع كام واحد منهم والجيش واقف يتفرج، رد عليّا واحد شكله مرعب بعد ما خلص لقاء مع فضائية قذرة، على انه من الموظفين بالديوان، يقول (خلوها تطلع خايفة على السبوبة) الكلمة جرحتنى قوى، سبوبة ايه اللى هخاف عليها من شغل شبه ببلاش فى المحليات ؟ مقدرتش أرد عليه لأنى حسيت إن لا الجيش ولا الشرطة هتحمينى، لكن عندي سؤال: فى أى شرع عصيان مدنى بالغصب يعنى ؟"!

و كان ردي هو: صبر جميل والله المستعان على ما يصفون؛ هذا ما قاله مقالي السبت الماضي فهم يصرخون بالباطل كأنه الحق! إنها حالة تشبه غضب الله عندما يلبسنا شيعا ويذيق بعضنا بأس بعض، ليس أمامنا سوى أن نشهد بأن العصيان المدني جريمة والإستغاثة بالمراكب الأجنبية، على ضفة القناة،  خيانة عُظمى لا عذر فيها لمخلوق، ونسأل الله ألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا: أينما كان موقعهم ومسؤولياتهم.

+  لا أقول سقط القناع عن وجوه "نجوم الخصام" الساعين بالوقيعة بين خلق الله؛ فالوجوه كانت مكشوفة وواضحة منذ 25 يناير 2011 حين نشرت المحامية عصمت الميرغني بيانها بالأهرام، 14 \ 10 \ 2011، تطالب المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإعلان الأحكام العرفية فورا، هذه السيدة المحامية، التي تصف نفسها، وياللعجب، بأنها: "مؤسس ورئيسة اتحاد المحامين الأفروآسيوي لحقوق الإنسان" كانت واحدة ممن تناثرت مطالباتهم بالضرب بـ "يد من حديد" و بـ "العين الحمراء"؛ من المعجبين بتراث ما أطلقوا عليها "الجريمة الرائعة" التي تخلص بها السفاح محمد علي من خصومه ومناوئيه بذبحهم بعد حصارهم بخديعة "تعالوا ناكل لقمة عيش وملح مع بعض"، أصحاب نداء "إقتل وخلّصنا" مع إدعاء الحزن على الضحايا بشفقة "ارحمهم بالموت"! وهاهم أولاء يطالبون جيش مصر الأبي بالتورط في القضاء على الديمقراطية وفرض الحكم العسكري!

+  برجاء ألا يستمع أحد لتحريض هؤلاء المطففين الذين يطلبون الرأفة للقتلة واللصوص، بينما هم يدعون بحماس إلى مواجهة الشعب المصري العزيز بالعين الحمراء؛ والضرب  بيد من حديد، أي بالترويع، ما هذه يا بلادي إلا نصائح الفتّانين؛ لا حل لنا إلا بالقانون، ومن طبيعة العمل بالقانون: "التروّي" والصبر وطول البال! أما العين الحمراء فليس بعدها سوى مسرور السياف؛ فمن ذا الذي يحبذ لنا هذا الاختيار المتوحش بقتل أكبادنا تحت دعاوى "استعادة هيبة الدولة" سوى من يريد الوقوع والإيقاع، والعياذ بالله، في الخطأ العظيم؟.

 إستعادة هيبة الدولة تكون بانتخابات لا يُقاطعها مواطن تختار مُمثلين حقيقيين لمطالب الشعب المصري لا نحتاج معها إلى  الإنجرار نحو دعوة جريمة عصيان مدني يفرضها الجاهلون غصبا، ولا إلى صرخات  هستيرية انتحارية على ضفة القناة تستغيث بـ "العال والدون" للإنقاذ بشرب السّم.