السبت، 29 يونيو، 2013


بسم الله الرحمن الرحيم:

"ولا يجرمنّكم شنئان قومٍ أن صدّوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتّقوا الله إن الله شديد العقاب".

 صدق الله العظيم.

سورة المائدة آية رقم 2.

الأربعاء، 26 يونيو، 2013



نامت أعين وسهرت عيون،
لأمور تكون أو لا تكون،
إن ربا كفاك ما كان بالأمس،
سيكفيك في غد ما يكون،
فادرء الهم عن النفس،
فحملانك الهموم جنون!

من أشعار السيدة زينب بنت علىْ وفاطمة الزهراء، على جدها رسول الله وعليها صلاة الله وسلامه.

الثلاثاء، 25 يونيو، 2013

الأحد، 23 يونيو، 2013

كل عام وأنتم بخير




بسم الله الرحمن الرحيم


دعاء ليلة النصف من شعبان


الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين و على آله و صحبه و سلم تسليما.


هذا دعاء ليلة النصف من شعبان : 


- تقرأ سورة يس 3 مرات :  الأولى بنية طول العمر- الثانية بنية دفع البلاء- الثالثة بنية الإستغناء عن الناس.


و كلما تقرأ السورة مرة  تقرأ بعدها مرة واحدة هذا الدعاء : 


بسم الله الرحمن الرحيم:

اللهم يا ذا المن و لا يمن عليه، يا ذا الجلال و الإكرام، يا ذا الطول و الإنعام، لا اله الا أنت؛ ظهر اللاجئين  و جار المستجرين  و أمان الخائفين، اللهم إن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب شقيا أو محروما أو مطرودا أو مقترا علي في الرزق، فامح اللهم بفضلك شقاوتي و حرماني و طردي و إقتار رزقي، و أثبتني عندك في أم الكتاب سعيدا  مرزوقا  موفقا للخيرات، فإنك قلت و قولك الحق في كتابك المنزل على لسان نبيك المرسل، يمحو الله ما يشاء و يثبت و عنده أم الكتاب، إلهي بالتجلي الأعظم في ليلة النصف من شعبان المكرّم، التي يفرق فيها كل أمر حكيم و يبرم، أن تكشف عنا من البلاء ما نعلم و ما لا نعلم و ما أنت به أعلم إنك الأعز الأكرم، و صل الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم.

اكثروا من الاستغفار والدعاء هذه الليلة المباركة؛ ليلة تحويل القبلة إلى المسجد الحرام.

الجمعة، 21 يونيو، 2013

من كتاباتي لإنعاش الذاكرة عن وحيد عبد المجيد منشورة في الشرق الأوسط 19 فبراير 2008

مصر: كيد السياسة.. وطبيخ الست لضرتها

تصريف: وغر، توغيرا، أي أغراه بالحقد عليه، وأوغر، إيغارا: غاظه، وتوغر: توقد غيظاً. 

والحقيقة أن عمود د. وحيد عبد المجيد «نحو الحرية» بجريدة «الوفد» في 16/2/2008، تحت عنوان «نواب الحزب الوطني»، «أوغرني» جدا، أي غاظني، ذلك لأنه كان «توغيرا» لصدر الحزب الوطني الحاكم لكي يبطش بأيِّ عضو من أعضائه تظهر عليه ملامح وأعراض التدين.

لب العمود «نحو الحرية»، الذي أشرت إلى تاريخه، هو النصح بـ«كبت الحرية». إنه يحرض من سماهم أصحاب «الفكر الجديد» بالحزب الوطني الحاكم على التنبه لما سماه: «خطرا على النظام السياسي في مجمله»، لماذا؟ لأن الشواهد سجلت انضمام نائب من الحزب الوطني الحاكم إلى بعض نواب الإخوان المسلمين في جزء من نقاط اعتراضاتهم، والتي يذكر د. وحيد عبد المجيد، أن أخطرها كان خلال «افتعال أزمة الحجاب والهجوم على وزير الثقافة»! كأنه يرى من حق الوزير، أو غيره، أن يهاجم زياً ترتديه المواطنات المصريات، وليس من حق نواب المواطنين والمواطنات رد الهجوم إلى البادئ بالعدوان.

اللطيف أن د. وحيد عبد المجيد في «نحو الحرية»، ذكر أنه قال يوماً للسيد جمال مبارك أن الحزب الوطني الحاكم لم يخرج بعد من جلباب الاتحاد الاشتراكي، فلم يوافقه السيد جمال مبارك، وقال: «مش قوي كده»، مما دفع د. وحيد عبد المجيد «نحو الحرية» للتأكيد أن المشكلة «قوي كده»، وإلا فإن الخطر الإسلامي سيظل ماثلاً.

والذي رأيته أن مطلب د. وحيد عبد المجيد ليغربل الحزب الوطني الحاكم نفسه، ويفتش أعضاءه، واحداً واحداً بنظامٍ بحثاً عمن عطس خارج اللحن المميز وخالف الزيَّ الموحد ـ (مع أن الاختلاف داخل أيِّ حزب واردٌ ومشروعٌ ولا ينعت، كما نعته د. وحيد، بسمك لبن تمر هندي، طالما أن هناك اتفاقا مبدئيا على الركائز الرئيسية لرسالة الحزب) ـ هذا المطلب، الذي يعني أن يطرد الحزب الوطني الحاكم أعضاءه المتدينين، لا يهدف إلى إخراج الحزب من «جلباب الاتحاد الاشتراكي»، بل على النقيض هو دعوة لإحكام أزرار جلباب الاتحاد الاشتراكي على عنق الحزب الوطني، أي دعوة ضد: «مش قوي كده»، لتصبح «أيوة كده» و«بالقوي كده» و«كده ونص»، أي أن يصير الحزب الوطني الحاكم أكثرَ شمولية وديكتاتورية كما كان الاتحاد الاشتراكي.

وإذا كان لنا أن نختار بين: «أهو من ده وده، الحزب كده»، وبين: «اللي تشوفه عينيا لازم تشوفه عينيك»، فلا شك أن «الليبرالية» التي يُنادَى بها صباح مساء تقف مع الأغنية الأولى «من ده وده»، إلا إذا كان د. وحيد عبد المجيد يطالب في «نحو الحرية»، بما سماه الكاتب أسامة غريب: «الربرارية».

يأخذ د. وحيد عبد المجيد على تركيبة الهيئة البرلمانية للحزب الوطني الحاكم أن خلفيات أعضائها واتجاهاتهم مختلفة، وينعتها بالخلطة العشوائية، ويعايرها أو يتهمها، بأن بينها من يعتبرونهم رصيداً للإسلام السياسي، الذين يؤازرون، مع نواب الإخوان، «الخلط بين السياسة والدين». كأن الدكتور الفاضل يعترف بحق الإخوان المسلمين في احتكار «الدين».

كأن نواب البرلمان، الذين انتخبهم الشعب، ليس من حقهم الإيمان بالدين والذود عن حياضه إذا ما جارَ عليه جائرٌ، وكأن نواب مجلس الشعب، ومنهم نواب الحزب الوطني، لا يجوز لهم الدفاع إلا عن حقوق البهائيين، والمتلاعبين، «النطاطين رايح جاي من دين إلى دين». أما الدين الغالب للشعب المصري، فقد وقع من قعر القفة، ما أن يطرحه نائب، من أي حزب، في شكواه حتى يسد حنكه وتخزق عينُهُ بلافتة «لا دين في السياسة...»، كأن سب الدين صار «السياسةَ» التي لا يجوز لغيور في مجلس الشعب المصري، أيا كان حزبه، أن يطالب، بلسان الناس، بوقفه عند حده.

هل الدفاع عن حرية اختيار المواطنات لثيابهن «دين في سياسة؟».

هل الاحتجاج على سفاهة الإنفاق، من مال هذا الشعب الجائع العطشان العريان، لدعم عروض مسرحية متهتكة خليعة فوق أنها سمجة ورديئة الصنع، «دين في سياسة؟». وهل يجوز للمنتفعين بهذا السحت أن ينددوا بأعضاء مجلس الشعب ويجدوا التشجيعَ للتطاول والإسفاف، بصفتهم، ويا للخيبة، من التنويريين المؤيدين للدولة المدنية، ولا يجوز لنواب الشعب، من أي حزب، أن يخرسوا بذاءاتهم وإلا اعتبرناهم، كما يقول د. وحيد عبد المجيد «نحو الحرية»، مما يجيز: «النظر إلى عدد نواب الإخوان في مجلس الشعب الحالي باعتباره مفتوحاً يصعب تحديده عندما يتعلق الأمر بالخلط بين السياسة والدين؟».

إن نصيحة د. وحيد عبد المجيد للحزب الوطني الحاكم بخصوص نوابه في البرلمان، تدخل في باب الإضرار بالحزب المنافس وينطبق عليها المثل العامي: «طبيخ الست لضرتها».

ملحوظة، لمن يمكن أن يختلط عليه الأمر: أنا خارج كل الأحزاب.

الأربعاء، 19 يونيو، 2013

تنويهات متجدّدة لزوم إنعاش الذاكرة

مداخلة مع عبد الرحمن الراشد حول عبد الناصر والسادات

في عدد «الشرق الأوسط»، بتاريخ 14/5/2006، كتب الأستاذ عبد الرحمن الراشد عموده تحت عنوان «مبارك وما سيذكره الناس» قائلا: «... ولا تورد سيرة الرئيس الراحل (السادات) إلا ويذكر أنه كان قمعيا، وكارها للرأي المعارض، وبعيدا عن الوطنية، لكن هؤلاء يتحدثون عن سنة واحدة مضطربة وإدارة سيئة للسادات...»، ومضى الأستاذ الراشد يعدد مآثر السادات مقارنا تلك المآثر بسيئات عصر عبد الناصر قائلا: «لكن النقاد من القسوة أحيانا أنهم لا يأبهون لكل الحقيقة بل ينتقون منها ما يخدم مواقفهم...». وإنني اتقدم بمداخلتي للتأكيد على حقيقة معروفة، وهي أن محمد أنور السادات كان رفيقا وزميلا لجمال عبد الناصر منذ 23/7/1952، وكان رئيسا لمجلس الشعب في الحقبة الناصرية، وكان نائبا لرئيس الجمهورية، باختصار، كان السادات من المسؤلين الكبار إبان حكم عبد الناصر، شاهدا متضامنا مع كل إجراءاته الاستثنائية، ومدافعا عنها، وإلا : ألم يكن بمقدوره الاستقالة لو لم ير في أفعال عبد الناصر وأسلوبه الديكتاتوري ما يرضيه؟ لقد كان الحزب الطليعي السري، الذي أنشأه عبد الناصر ليتجسس به على أنفاس الشعب المصري يحصى عليه به حركاته وسكناته، كان هذا التنظيم السري المشين من مثالب عبد الناصر، وكان على قمته «رئيسا» السيد محمد أنور السادات. يعني أننا لا نحكم على السادات بـ«سنة واحدة مضطربة» هي سنة 1981، كلا، إننا نبدأ معه من لحظة إذاعته بيان حركة الجيش صباح 23/7/1952، ونراه متحملا مشاركا مسؤولية كل ما جرى للشعب المصري خلال سنوات حكم عبد الناصر التي انتهت بوفاته 28/9/1970، لكنها استمرت بـ«ولاية» السادات، الذي قام في 15/5/1971 بما أسماه «ثورة التصحيح» ليبطش بكل منافسيه ومن يلوذ بهم، بل ومن ظن أنهم لن يطاوعوه ويخضعوا لإرادته. فإذا كانت ديكتاتورية عبد الناصر قد رفعت علم الاشتراكية والعروبة و...إلخ، فإن السادات ابتكر ديكتاتوريته تحت علم الحرية والديمقراطية والسلام الاجتماعي، ولم يختلف الأمر، فكلاهما : وجهان لعملة واحدة، أساءت إساءة بالغة للشعب المصري وأحلامه فى التعويض عن الآلام التي عاناها إبان الحكم الملكي الفاسد. ولا شأن لنا بالنزاع بين الناصريين والساداتيين، فهذا نزاع بين أفراد تضررت مصالحهم الشخصية من خلال مواقع الاقتراب والابتعاد عن هذا وذاك، فمن كان مقربا من عبد الناصر، لم يقربه السادات، ومن كان بعيدا استدعاه السادات، إنها لعبة «الثقة» و«الولاء» لا أقل وإن كانت أكثر!
لقد كنت من بين الطلبة المصريين الذين اجتمع بهم أنور السادات، مطلع عام 1966 في مدينة نيويورك، موفدا من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ليشرف على تشكيل جمعية، أو منظمة، الطلبة المصريين في أمريكا حتى يقوموا بالاستحواذ على «منظمة الطلبة العرب»، في منافسة ضد الطلبة البعثيين، وللعلم فقد فاز في تلك المعمعة برئاسة منظمة الطلبة العرب الطالب سعد الدين إبراهيم، المشار إليه في مقال الأستاذ الراشد بصفة الباحث سعد الدين إبراهيم. الذي أذكره من هذا الاجتماع أن أنور السادات كان مؤيدا مبررا متوافقا «تماما» مع كل ما كنا نراه، بالأمس واليوم، تجاوزات المرحلة الناصرية. لقد كان أنور السادات بالنسبة لعبد الناصر بمثابة طه ياسين رمضان لصدام حسين، ولو كانت الأمور قد انقلبت على عبد الناصر ووقف في ساحة محاكمة لكان من الضروري أن يكون السادات من بين المتهمين الرئيسيين إلى جواره في قفص الاتهام.
كل هذا لا يعني سوى رغبتي في التنويه إلى أن الجميع «شلالة ولاد خالة»، يقفون على منصة الظلم والجور، وهم يمنون علينا أن عبّدوا بنى مصر.

من سجلات كلامي والأجر على الله!

طوبة على طوبة لتظل العركة منصوبة

كأن ساحرة من ساحرات شكسبير المخترعة في مسرحيته ماكبيث قد تركت المشاركة في تقليب محتويات قدرتها الخبيثة لزميلاتها وحطت عند بوابة مصر تطن القر المشهور:"طوبة على طوبة لتظل العركة منصوبة"، حتى لم يصبح عندنا، في بر وبحر وجو، من لا يتشاجر ويزعق ويتنابز بأقبح الألفاظ خامشا وجارحا وطاعنا وناحرا، وهكذا بدا المشهد بمثابة خناقة في حانة للسكارى، كالتي نراها في الأفلام التجارية الرخيصة، تتطاير فيها الموائد والأكواب والزجاجات والأطباق والملاعق والشوك والسكاكين، وتضرب الكراسي في "الكلوب" وتنطفئ الأنوار ويُفقد الصواب ويلبس الجميع في الجميع، ولا نتبين الحق من الباطل، والكذب من الصدق، والتلفيق والبهتان من قرائن الجرائم الثابتة وبراهين الفساد الدامغة، فلا تتأكد جناية الجاني ومظلمة المجني عليه، ولا نتثبت من عداء عدو أو  إنصاف حليف؛ الكل يصرخ وشبورة من الكراهية، يُجزمعها على الأسنان، تلف الرؤوس وتعمي البصر والبصيرة، حتى طالت منصة القضاء وساحات المحاماة وقيم في العدالة، كانت قد بلورتها مأثورات خطابة فصيحة تتأنق بها حوارات الأفلام: "ياصديقي وابن صديقي شرف الدفاع الذي ننشد فيه قدس العدالة لأحب وأعز علينا من مشاعرنا مهما آلمتنا!"، وتناثرت، بدلا عنها، شائهات القول كذباب قارص تحمله رياح السموم، تلسع وتلهب وتدمي وتترك الندوب، التي لا تنام أوجاعها، بعد الحطام  فتظل بؤرة بُغض يقظ يتوهج شرره للإندلاع حين يُراد ويُطلب منه ذلك.

لاجدوى الآن في مواجهة أو مناقشة أو رد لتصحيح معلومة، أو طرح لوجهة نظر، في طقس يسوده الإحتقان؛ حيث لا مجال للفهم، ولا مجال للوعي، ولامجال للتذكر والمذاكرة والمراجعة والتقوى، فلا سمع ولا إنصات والهيمنة متروكة لرغبة عارمة لتبادل اللكمات!

لابد لنا من واحة نتنسم فيها شهيقا لايتلوث وزفيرا، صادقا وصحّيا، ممكنا نوفره لعقلاء، لحظة ينجلي عن البلاد هيشان هذه الفوضى الخنّاقة، ويعود الناس يستلهمون من أدب وأخلاق دينهم سبل الرشاد. 

"وقل ربّ أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك ربّ أن يحضرون." صدق الله العظيم ، المؤمنون 97\98.



الثلاثاء، 18 يونيو، 2013




اليوم عيد الجمهورية الـ 60؛ لم يحتفل به أحد. سبحان الله نسى الجميع يوم إلغاء النظام الملكي وإعلان النظام الجمهوري، في 18 يونيو 1953، أملا في تحقيق حلم حكم البلاد بانتخاب رئيس لها بإرادة شعبية!

الحمقي والدّجالون والقتلة واللصوص مشغولون بالتحضير لمهرجان "إشرب السّم للتجربة" المُزمع إقامته يوم الأحد 30 يونيو 2013 الموافق 21 شعبان 1434.

من سجلات وزارة الثقافة ونُخبتها!



يحتفلون ببونابرت في ذكرى ثورة المصريين عليه: أكتوبر 1798!

 احتفظت بقصاصة من «الشرق الأوسط» 2 أكتوبر 2008، تفيد بالاستفزاز التالي: «تقيم مصر وفرنسا احتفالية مشتركة بعنوان بونابرت ومصر»، ويتضمن الخبر تفصيلات وافية عن المشاركة المصرية الرسمية في هذه الخيبة القوية، التي بدأت 13 أكتوبر وتستمر الى 29 مارس 2009 في باريس، ثم تابعت ما نشرته جريدة الأهرام القاهرية 12/10 و13/10/2008، في لهجة مرحبة: «ساركوزي يرعى احتفالية بونابرت في مصر»، ومعها صورة لوحة، يقولون انها نادرة، لبونابرت فوق ظهر جواد يرقب القاهرة من فوق المقطم! فيما أفاد الخبر صباح اليوم التالي مغادرة الوفد الرسمي برئاسة وزير الثقافة المصري فاروق حسني ود. زاهي حواس ود. اسماعيل سراج الدين مدير مكتبة الإسكندرية. وصرح فاروق حسني قبل مغادرته مطار القاهرة قائلا: «كانت حملة بونابرت على مصر عسكرية، لكن الجانب المضيء فيها يتمثل في أنها كانت إرهاصات مبكرة لنهضة مصر في عهد محمد علي، وشهدت تلك الفترة مرحلة جديدة من الثقافة والعلم والمعرفة..».

وبعد: أليس من العجيب هذا التلذذ بالمذلة الطوعية والخضوع الاختياري؟

اسمحوا لي بإنعاش ذاكرتكم قليلا ببعض ما جرى خلال تلك الحملة المشؤومة، التي يراها حضرة وزير الثقافة «إرهاصات مبكرة لنهضة مصر».

في 28 يونيو 1798 ـ الموافق لشهر المحرم 1213 ـ ضربت مدينة الإسكندرية بالهجوم البونابرتي، بادئا حملة احتلال استمر ثلاث سنوات و21 يوما، من 1798 حتى 1801، الموافق السبت 9 صفر 1213 حتى ليلة الجمعة 21 صفر 1216، كما يذكر الجبرتي في كتابه عجائب الآثار ج 2 ص 480. تصدى حاكم الإسكندرية، الشهيد محمد كريم، للعدوان في بطولة مثالية انتهت بالقبض عليه وإرساله مخفورا إلى نابليون بونابرت فحكم بإعدامه. ويروي المؤرخ العلامة الشيخ عبدالرحمن الجبرتي هذا الحدث قائلا: «.. فاشتد غيظهم عليه فارسلوا وأحضروه الى مصر (يعني القاهرة) وحبسوه، فتشفع فيه أرباب الديوان.. فحضر اليه مجلون وقال له: المطلوب منك كذا وكذا من المال، وذكر له قدرا يعجز عنه.. فلما أصبح أرسل الى المشايخ.. واستغاث وصار يقول: اشتروني يا مسلمين، وليس بيدهم ما يفتدونه به.. فلما كان قرب الظهر وقد انقضى الأجل أركبوه حمارا واحتاط به عدة من العسكر وبأيديهم السيوف المسلولة، ويقدمهم طبل يضربون عليه وشقوا به الصليبة إلى أن ذهبوا إلى الرميلة وكتفوه وربطوه مشبوحا وضربوا عليه البنادق كعادتهم مع من يقتلونه، ثم قطعوا رأسه ورفعوه على نبوت وطافوا به بجهات الرميلة والمنادي يقول: هذا جزاء من يخالف الفرنسيس.. وانقضى امره، وذلك يوم الخميس خامس عشر ربيع الأول من سنة1213 هـ الموافق 6 سبتمبر 1798.

في كتابه المرجع: ".. ودخلت الخيل الأزهر" يهدي محمد جلال كشك صفحاته الى: «سليمان الحلبي بطل الوحدة العربية يوم كان طريقها عبر الأزهر»، والشهيد سليمان الحلبي هو قاتل المحتل كليبر، الذي تم إعدامه على الخازوق بيد الفرنسيين، ولقبه في فرنسا هو: الإرهابي!، في هذا الكتاب، مجلد 534 صفحة من القطع الكبير، نجد كل ما نبغيه لمعايشة بشاعة الغزو البربري الذي شنه حضرة بونابرت بحملته على مصر صيف 1798، مسحوبا بكل توتره وآلامه وغيظه إلى أحداث زماننا المروعة. يكتب جلال كشك مستنفرا للرد بالحجة والتفصيل على المنحنى الفكري الخطير للدكتور لويس عوض، القائد لأوركسترا تمجيد الحملة الفرنسية، واعتبارها «نقلة حضارية»، أو كما قال السيد فاروق حسني «إرهاصات مبكرة لنهضة مصر»، حققتها خيول السيد بونابرت يوم  دهست الأزهر، يصفها الجبرتي شاهدا: «.. وبدأ ضرب الأزهر بالقنابل حوالي الظهر، واستمر الى المساء وأصدر بونابرت أمره إلى الجنرال بون بأن يبيد كل من في الجامع.. ودخلوا الجامع عنوة وهم راكبون الخيول، وبينهم المشاة كالوعول، وتفرقوا بصحنه ومقصورته وربطوا خيولهم بقبلته، وعاثوا بالأروقة والحارات، وكسروا القناديل والسهارات، وهشموا خزائن الطلبة والمجاورين والكتبة، ونهبوا ما وجدوه من المتاع والأواني والقصاع.. والودائع والمخبآت بالدواليب والخزانات ودشتوا الكتب والمصاحف وعلى الأرض طرحوها وبأرجلهم ونعالهم داسوها وأحدثوا فيه وتغوطوا وبالوا وتمخطوا وشربوا الشراب وكسروا أوانيه وألقوها بصحنه ونواحيه، وكل من صادفوه به عروه ومن ثيابه أخرجوه.. » ـ الجبرتي ج 3، مأخوذ من «ودخلت الخيل الأزهر» ص 234.

تحت عنوان "نابليون والمهمة الحضارية" يقول جلال كشك: «رغم كل البيانات والمنشورات والتحليلات التي صاحبت وأعقبت الحملة الفرنسية.. فإن نابليون كان صريحا وواضحا في تحديد مهمته في مصر عندما قال: سأستعمر مصر.. »!

تجرأ نابليون على إعدام العلماء المصريين، وأمر بتغليظ العقاب للقرى بصرامة وقسوة، لكن جبروت السفاح لم يمنع ثورة القاهرة الأولى في أكتوبر 1798 التي وصف جماهيرها المقاومين، رجالا ونساء من أولاد البلد، بالزعرنة والغوغائية والدهماء وأمر بقطع رؤوس جميع المسجونين وإلقاء جثثهم في النيل، وإعدام شيخ طائفة العميان.. ولا نهاية للأوجاع، وإذا كانت الحضارة والنهضة والتنوير هي احتلال بونابرت وغطرسته واستباحاته حرمات الناس والمساجد، ومن بعده محمد علي العسكري الأرناؤوطي، الذي لا يتفوق على استبداده إلا جهله، فانظروا أيها الناس الى أي داهية يريدونا أن ننجرف إليها.





الأحد، 16 يونيو، 2013

من سجلات كلامي!



يا روح أبيك: لو أنك نمت لكان خيرا لك!

منذ 1965 وأنا مصاحبة لكتاب "جُلستان"، أي روضة الورد، للشاعر العظيم  سعدي الشيرازي الذي وُلد سنة 606 هـ  وتوفي بعدها بتسعين عاما، (وهذا يوافق أوائل القرن الثالث عشر الميلادي 1209)، ساعدتني على التآلف مع الكتاب لغته العربية الناصعة الجميلة التي نقل إليها المترجم محمد الفُراتي الروضة من الفارسية؛  لغة الكتاب الأصلية. من مقدمة الكتاب عرفت أن سعدي تشرد كثيرا بسفراته بين شرق وغرب المنطقة الإسلامية. توغل "سعدي" في كل بلد حل به وعاشر على السواء علية القوم والدهماء، واستقر فترة بمدينة حلب ولكنة تركها هربا من زوجته الحلبية التي آذته بسلاطة لسانها وعايرته بأن أباها أعتقه من أسر الفرنجة له بالقدس وفداه بعشرة دنانير، وكان رده أنه أوقعه بعد ذلك في أسرها بمائة دينار!

عاد "سعدي" من ترحاله إلى  بلدته "شيراز" وقعد في بيته  معلنا: ".. رأيت أن أستقر بمجلس العُزلة وأضم ذيل ثوبي عن محاذير الصٌحبة وأمحو من صحيفتي ما رقمته من الهذيان وجزمت ألا أنبس ببنت شفة ولا أدعي بعد ذلك المعرفة"، حتى دخل واحد من أصدقائه وأصر على كسر عزلته قائلا له: "إذا ما دعاك النطق فانطق وإن يكن، سكوتك بين الناس من كرم الخُلق، يعكر صفو المرء أمران فاعجبن: بنطق بلا داع، وداع بلا نطق"!

استجاب "سعدي" بالنهاية لإلحاح صديقه وخرجا سويا يتحاوران ويستمتعان بنزهة ربيعية بين حدائق الورد، ولما رأى "سعدي" صديقه ينحني ويقطف ويجمع ما يعجبه  من مختلف الورود تنبه خاطره وقال أن باستطاعته تصنيف كتاب "جلستان"، روضة ورد، لا يذبل أبدا يجمع فيها المختلف من قطف خبرته ورؤيته وحكمته وعذابه، وكان أن فعل وقسم كتابه إلى أبواب ثمانية: الأول في سيرة الملوك، والثاني في أخلاق الفقراء (أي الدراويش أو الصوفية)، والثالث في فضل القناعة، والرابع في فوائد السكوت، الخامس في العشق والشباب، السادس في الضعف والشيخوخة، السابع   في تأثير التربية، والثامن والأخير في آداب الصحبة.

حكاية من باب فوائد السكوت تعجبني: "وقعت مناظرة ما بين أحد العلماء المُعتبرين ورجل من الملحدين فما جاراه في ميدان المناظرة ولا أسكته بحجة باهرة  فقال له شخص: أنت مع كل ما لك من علم وأدب وفضل وحكمة تُقهر أمام ملحد؟ فأجاب: إن علمي القرآن والحديث وكلام الفقهاء وهو لا يصغي إلى كل هذه ولا يعتقدها؛ فأي فائدة لي إذن من سماع كفره؟: من لا الكتاب ولا الحديث يروقه، فجوابه ألا تريه جوابا"!

وتعجبني مثلها حكاية عن جالينوس الحكيم عندما رأى أبلهَ آخذا بتلابيب رجل عاقل وقد أهان بالضرب كرامته فقال: لو كان هذا عاقلا لما انتهى به الحال مع جاهل إلى هذا الحد!

أما أطرف ما قرأت فكانت حكايته هذه في باب الفقراء: " لا أزال أذكر أنني كنت في عهد طفولتي مولعا بإحياء الأسحار زاهدا متقيا وفي ذات ليلة قعدت لخدمة أبي والمصحف الشريف في حجري أقرأ منه ما شاء الله أن أقرأ ولم ينطبق لي جفن على جفن، وكان الجماعة الذين أتوا للسمر عندنا قد غرقوا بنومهم فقلت لأبي: إن واحدا من هؤلاء لم يرفع رأسه ولم يتهجّد بركعتين ولقد استغرقوا في نومهم فكأنما هم أموات، فقال لي: يا روح أبيك أنت أيضا لو أنك نمت لكان خيرا لك من أن تمزق جلود خلق الله"!


السبت، 15 يونيو، 2013



توفى اليوم إلى رحمة الله المبتهل الشيخ محمد الهلباوي؛ سمعت الخبر من إذاعة القرآن الكريم. البقاء لله وإنّا لله وإنا إليه راجعون.

الجمعة، 14 يونيو، 2013

من أجل إلغاء وزارة الثقافة وتوفير فلوسها للصحة والتعليم؛ حكاية ونداء منذ 2002!


توحة وصنعة اللطافة


 في كتابي «صنعة لطافة»، الذي صدرعام 2007 عن دار العين للنشر بالقاهرة، لم أتردد في أن أضع «توحة» الخياطة، جنبا إلى جنب 21 سيدة مصرية وجدتهن حجتي وحيثياتي لكي أقول للسيدة جيهان صفوت رؤوف، أرملة الرئيس الراحل أنور السادات، انه من غير الصحيح ما تكررين ذكره في لقاءاتك الصحفية من أنك «.. على الأقل قد أثبت أن المرأة المصرية تحترم نفسها وتعمل وتشارك.. وهذا لا يعجب ذوي العقول الضيقة..الخ»، لأن هذا يعطي الانطباع بأن المرأة المصرية قد أثبتت نفسها منذ عام 1970 فقط، منتظرة حتى خرجت السيدة جيهان لتقود مسيرتها في العمل والمشاركة، ومن الواجب على السيدة جيهان أن تصحح مقولتها مع الاعتراف بكل تواضع بأن جهدها، إفتراضا أن كان لها أي جهد، كان مجرد نقطة في بحر إنجازات المرأة المصرية ونهضتها منذ مطلع القرن العشرين، ومنذ نساء كملك حفني ناصف حتى الدكتورة العلامة بنت الشاطئ، ومن أول رائدة التعليم نبوية موسى، ورائدة العمل الاجتماعي جميلة صبري، والنابغة الآنسة مي، وعالمة الرياضيات الدكتورة معصومة كاظم، ورائدة علم النفس الدكتورة سمية فهمي، والرائدة في علم الوراثة والهندسة الوراثية الدكتورة عفت بدر، والنحاتة فاطمة مدكور، والمسرحية منحة البطراوي، والرائدة الصحفية وداد متري، والشاعرة أماني فريد، والأديبة أليفة رفعت، والكاتبة زينب صادق، ورائدة فن لوحة الغلاف ، نجمة دار الهلال ، سميحة حسنين، وغيرهن ممن علا قدرهن في مجالهن وقدمن لمصر وللإنجاز العربي أجل الخدمات ، ولم ولا تتركز عليهن كثيرا كشافات الإضاءة الإعلامية جهلا أو تعنتا.

«توحة» الخياطة، التي سميتها «الشهيدة توحة»، حائكة ملابس شعبية بسيطة مواليد أبريل 1955، تصلي وتصوم وتحمد الحي القيوم ، تحمل حقيبتها الثقيلة بملابس زبائنها على كتفها وتركب الميكروباص أو الحافلة من عند بيتها في مدينة السلام ، وتقطع القاهرة شرقا وغربا وشمالا وجنوبا بالمواصلات المتاحة للمواطنين ولا يهمها العرق والتعب والزحام. على الدوام هي قريرة ما دامت تسمع من زبائنها، اللاتي صرن صديقاتها: «الله.. يا توحة». لم أتعامل معها بصفتها «مجرد» حائكة ملابس ، كنت أراها فنانة بالخيطان وشرائط الساتان الملونة والزجزاج. لا بد معها من لعبة الفصال، لكن «الفصال» مع «توحة» له طبيعته الخاصة، فهي كما كانت تردد: لا تحب الفلوس ، أجرها الحقيقي ، ككل فنان أصيل، هو صيحة: «الله الله  يا توووووووووووووحة»! أقولها من قلبي بإعجاب حقيقي. تطوّر معي جلباب الفلاحة وتزركش بشرائط الساتان الملون والزجزاج أو قطع القماش بأسلوب الخيامية، وألبس الجلباب وأدخل حفلا في الأوبرا. ولم لا: جلباب الفلاحة أم «الجينز» الكالح الصايع من صناديق رعاة البقر الأجلاف ؟ جلباب الفلاحة المصرية أم «جينز» الفلاح الأمريكي؟ تضحك توحة ويشرق وجهها الأسمر النحيل بملامح صعيدية منمنمة لعلها من آثار عرق نوبي جميل بمزايا الأنف الصغير الدقيق الشامخ في نبل فطري. أسألها: «هه...أدفع كام؟» تبخس أجرها وتطلب ما لا يصدقه متعامل في السوق. أبدأ الفصال: «يا توحة الكلام ده ما ينفعش مش ممكن أدفع المبلغ ده». يكتسي وجهها بالجدية: «يعني أخد فلوس حرام؟» يستمر الجدل: «لا... تأخدي حقك لا زايد ولا ناقص». تقول قرشا ويكون حقها عشرة، من هنا لهنا ترتضي الحد الأدنى من حقها. لكن هذا التنازل منها عن الحق المادي، لا يتبعه أي تنازل في حقوق الرأي والشهادة الأمينة. اعتدى بلطجية البانجو على زوجها وابنها بالضرب بالمطاوي، وطلبت منها شكوى جماعية من أهل مدينة السلام المهددة ليلا ونهارا بهؤلاء البلطجية وكتبت في جريدة معارضة نداء: «يا وزير الداخلية مدينة السلام تستجير من إرهابي البانجو». تم استدعاء توحة للتحقيق في قسم بوليس مدينة السلام ، قالت في أقوالها الحق كله، وأكدت معلومة إطلاق سراح المجرمين بعد كل مرة يتم القبض عليهم. شخط فيها الضابط: «إنت بتتهمينا.. إمشي اطلعي بره!» قالت لي: «طلعت بره بس أنا لم أكمل كلامي ولم أوقع بإمضائي على المحضر». لم تكن متأثرة من الإهانة والشخط، كانت متأثرة لأنها لم تتمكن من إتمام الشهادة والاستجواب ولم توقع بإمضائها على ذلك. قلت لها كلاما ضد اعتقادي ومبادئي خوفا عليها: «يا توحة لازم تكوني لبقة مع الضابط... ما يضرش لو تقولي مثلا... طبعا سيادتك يا باشا قمتم بالواجب بس المجرمين كانوا ....»، استمعت مني بأدب بالغ وبالإنصات الهادئ الذي هو من سماتها وابتسمت. جاءتني بعد ذلك: «هه يا توحة.. عملتي إيه مع قسم البوليس؟» قالت وهي تشبك الدبابيس لضبط ذيل الثوب : « صراحة كان هناك واحد ذوق ... وأخذني للضابط الذي طردني وقلت له.. أنا لم أكمل أقوالي ولم أوقع بإمضائي على المحضر، وأنا مستعدة أجيب لحضرتك كل أهل مدينة السلام ببطاقاتهم الشخصية يقولوا زي كلامي، وللا حضرتك مش عاوز أكمل أقوالي؟ طيب أنا أروح الداخلية وأكمل عندهم أقوالي فهناك فيه ناس ذوق قوي قوي..»، ضحكت وحمدت الله أنها لم تسمع نصيحتي ولم تخضع.

خرجت «توحة» من محنة بلطجية البانجو حين تم شفاء زوجها وابنها من ضربات المطاوي، وكان في انتظارها السفاحون والقتلة من سائقي الميكروباصات. يوم السبت أول يونيو 2002 ركبت «توحة» الأتوبيس ثم الميكروباص وكانت في طريقها من منزلها إلى منزلي ، انتظرتها ولم تحضر. كان الميكروباص يسير بعكس الاتجاه متفاديا الأتوبيس ، وتوحة تحمل على كتفها حقيبتها المليئة بالأقمشة والخيطان وشرائط الساتان الملون وعلى وجهها كل السماحة والغبطة والطيبة ، التي لو وزعت على أهل الأرض جميعا لكفتهم ، تجلس قرب الباب الأمامي وفي ثوان كانت الصدمة مع الاصطدام. انقلب الميكروباص بتوحة عدة مرات، فانكسرت اضلاعها وكبس قفصها الصدري على رئتيها وقلبها وانكسرت كتفها وذراعها وحوضها وساقها، كل جانبها الأيمن، الذي تحمل عليه وتقص به وتحرك به ماكنة الخياطة ، كل هذا تعطل تماما ، لكن توحة لم تفقد الوعي. احتضنت حقيبتها وهم يكسرون باب الميكروباص لإخراجها، وفي مستشفى مدينة السلام ، حين رأتها ابنتها، كانت توحة تضع حقيبة ملابس الزبائن تحت رأسها ؛ حتى لا تضيع منها الأمانة، ثم سلمتها لابنتها وتفرغت لرحلة الآلام. 

في منتصف اليوم الثاني من يونيو 2002 تم نقل «توحة» إلى مستشفى القصر العيني القديم، مبنى الطوارئ حيث تم تصحيح أخطاء العملية التي أجرتها لها مستشفى مدينة السلام لإنقاذ الرئتين من ضغط الأضلاع المكسورة ، وظلت «توحة» بعدها تحت اسمها الرسمي ، «فتحية عمر حسن»، متروكة في مبنى الطوارئ في غرفة بها ضحايا آخرون، من دون أن يعلق لها ولو محلول تغذية واحد، من فجر يوم الأحد 2 \ 6 \ 2002 حتى ظهر الأحد التالي، 9 \ 6 \ 2002  حين هبطت دورتها الدموية ورجعت إلى ربها «شهيدة» الإهمال والاستهتار، والخيبة ، وبطء الحركة، وانسحاق حق المواطن المصري، وقيمته المهدرة وكرامته المهدورة بأيدي أهله.

من أجلك يا «توحة» ، ومن أجل أمثالك في هذا الشعب الصابر العزيز، أكرهك يا كل بذخ احتفالات وزارة الثقافة. أكرهك يا متاحف جديدة وترميمات مضروبة تكلفت الملايين، وليست من أولويات شعب مريض فقير. أكرهك يا مهرجانات ركيكة عن المسرح والسينما والتلفزيون و..ملتقى الشعر، فيا للقسوة المغلفة بـ«الشعر»، تغدق عليها الميزانيات التي لو أنفقنا نصفها لنهضة مستشفى القصر العيني وترميمه من أجل الإنقاذ والإسعاف وحياة أصحاب الحق الأصيل في الخدمات والرعاية لما استشهدت «توحة»، وأمثالها من الضحايا ولم نكن لنصرخ ، كما صرخ الذي قال على الأرض الفلسطينية: «إسعااااااااااف يااااااااااااا الله».

ملحوظة: لم أتراجع حتى الآن عن صيحتي التي أطلقتها بصدق منذ تلك السنوات، تضامنا مع مصلحة أهل بلدي: «تبرعوا بوزارة الثقافة لوزارة الصحة!».



الخميس، 13 يونيو، 2013




كفى: خالد الإسلامبولي ليس مجرما

عجيب والله أمر المطففين، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون.
لا أريد أن أدخل في سجال حول الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات، وإنني أعطي الحرية كاملة لمن يراه بطل الأبطال وما إلى ذلك. لكن ليس من العدل، على الإطلاق، نعت خالد الإسلامبولي بالمجرم، وإلا يكون من حقنا نعت السادات بالصفة ذاتها لأنه "قاتل" الوزير أمين عثمان في 6/1/1946، وإذا كان أنور السادات قد افتخر كثيرا بأنه قاتل أمين عثمان، وكانت فلسفته في ضرورة الاغتيال السياسي لمن رآهم "خونة"، ومن ذلك مشاركته عام 1945 في محاولة اغتيال الزعيم السياسي مصطفى النحاس باشا، واعتبر نشاطه في مؤامرات الاغتيال السياسي من سجل كفاحه الوطني، فلماذا لا يحق لنا أن نرى خالد الإسلامبولي من هذا المنظور نفسه؟

لا أناقش هنا الصواب والخطأ، إنني أناقش هذا النهش غير العادل لشاب مصري أخذته الحماسة الوطنية، وكان عمره 24 سنة فقط لا غير، لكي يقتل السادات متصورا أنه بذلك يخلص وطنه من حليف للصهاينة لم يكف عن احتضانهم وتقبيلهم وإعلان موالاته الكاملة لهم، في الوقت الذي كشر فيه عن أنيابه بوجه مجموعة من أشرف وأفضل أبناء مصر، من مختلف التيارات والتوجهات والأحزاب، وفي ضربة غاشمة ألقاهم، 3/9/1981، جميعا وراء القضبان بلا جريرة ومن دون أي تهمة متذرعا بأنه يتحفظ عليهم حتى ينتهي من عمل ما يريد عمله، ولم نفهم حتى الآن، إذا كان ما أراد عمله هو من خير البلاد، فما هي الحاجة التي دفعته لتكبيل كل هؤلاء، الذين رأى أن من الأفضل إزاحتهم من طريقه؟

لقد كنت واحدة من الذين تم ترويعهم، بالقبض عليهم، قبل الفجر، 3/9/1981، ورأيت في طريقي إلى السجن عمائم الشيوخ والقساوسة تساق إلى الإهانة والبهتان، وعرفت حجم الضربة، التي لم تعتق من تجاوز السبعين من عمره ومن لم يبلغ الخامسة عشر، والجميع في ذهول يتساءل: ماهي الحكاية وماهو مداها؟ هذا الترويع كان يخضع لكل الاحتمالات حتى أننا تصورنا، مع تشديد الإجراءات والتكدير داخل المعتقلات، أنه كان من الممكن أن نقتل جميعا في مذبحة لا تقل في وحشيتها عن مذبحة القلعة التي ارتكبها محمد علي ضد الأمراء المصريين في مطلع القرن 19، تلك المذبحة التي تجد الآن من يطلق عليها “الجريمة الرائعة"!

في ظل ذلك الطقس من 3/9/1981 حتى 6/10/1981، وعلى مدى 33 يوما من الخوف والهلع والترويع والكوابيس، لم يكف السادات عن لغة الشتائم والسباب يقذف بها أسراه ويهددهم بالويل والثبور، فهذا المثقف الأديب والسياسي الجليل فتحي رضوان يقول عنه السادات أنه بلغ السبعين وصار مخرفا، وهذا الشيخ المحلاوي الذي لم يملك إلا منبرا في مسجد، رآه السادات "مرمي زي الكلب"...إلخ...إلخ. كل هذا الاستفزاز، كل هذا الغل والتشفي والتجاوز، كان التحضير لما لم نعلمه؛ أفلم يكن كافيا ليحرك في نفس شاب مثل خالد الإسلامبولي الحماسة للدفاع عن المظلومين وراء القضبان ليحررهم من قبضة الغول الهيستيرية المتوعد لحرقهم أحياء؟

قد يرى البعض أن خالد الإسلامبولي قد أخطأ، فليكن إذن، قولوا أخطأ، لكنه عندما أقدم على فعلته كانت نيته الخير وتحرير المظلومين من قبضة جبار معتد أثيم، ولم يكن قاصدا ارتكاب "جريمة".
ولنتذكر أن خالد الإسلامبولي مصري وإهانته: إهانة للمصريين الذين أحبوه وترحموا عليه وهم كُثر؛ هؤلاء الذين رأوا أن الإسلامبولي نفّذ في السادات حكم الإعدام الشعبي المُستحق على قاتل ظالم مستبد  صالح أعداء البلاد وتودد إليهم في مبالغات أحرقت القلوب.


ولنتذكر كذلك أن خالد الإسلامبولي تقبل راضيا القصاص بتنفيذ حكم الإعدام فيه 16/4/1982 مع أربعة من إخوانه، بينما ظل أنور السادات هاربا حرا طليقا فالتا من العقوبة بعد قتله أمين عثمان ومحاولته اغتيال مصطفى النحاس باشا، حتى قدر الله له نهايته تلك المعروفة، ولعلها كانت من رحمته، سبحانه، حتى يلقاه السادات مسددا مديونية: "من قتل يُقتل ولو بعد حين".

الثلاثاء، 11 يونيو، 2013



إطلالة تخفي عن عيني التشـوهات


 عبر النافذة العريضة  أتطلع إلى حدائق الزعفران، هذا الإسم الجميل الذي تقلصت حقيقته كثيرا على مر السنين، منذ تحول المكان من قصر للملك السابق فاروق إلى جامعة عين شمس، غير أن الزاوية التي أنظر منها تجعلني أقتنع بحديقة كلية العلوم الكثيفة؛  إخضرار تتدرج درجاته من المدهم إلى الأفتح والأفتح وفي البؤرة يقتحم الإخضرار ذلك الزهر البنفسجي ،الذي يتحول بالتدريج إلى البرتقالي مع توزيعات من الأحمر والأصفر.

ماشاء الله: الإطلالة من نافذتي ومن شرفتي تخفي عن عيني التشوهات المعمارية المنبثقة من الأبنية المنزرعة فوق الحدائق.  الفضاء متسع أمامي على مدى ناظري  يتوزع على مساحته مسجد النور وميدان العباسية والشاهقات المحاولات نطح السحاب من دون ضرورة.

هنا بيتي الذي أحبه وأحتفل بانتقالي إليه منذ 18 سنة.  مرت الأعوام سريعا وما زلت لاأتوقف عن تقبيل جدرانه :  الحمد لله الذي رزقني هذا من دون أن يكون لي حول أو قوة.  إنه المعادل لمنزل طفولتي 9 شارع العباسية العمومي بين أعوام 1944 و 1950 قبل إنتقالنا القسري إلي 116 بالشارع نفسه ، بعد أن باعه مالكه تاجر السجاد الإيراني ميرزا مهدي رفيع مشكي  إلى جارنا التاجر اليهودي زكي وهبة ، بــثلاثين ألف جنيه ، الذي باعه بعد قليل ،بمكسب كبير، إلى الجزار صاحب القرار بهدمه.  فرحت الأسرة بالبيت الآخر الجديد وكرهته من أعماقي نفورا من طرازه المعماري الخمسيني الذي يرجح قيمة الضرورة فوق قيمة الجمال ، التي تمثلت لي في بيتنا المغتال بالهدم  بساطور الجزار.

 عشت بافتقادي بيت طفولتي بواجهته المزركشة وإطلالته على ثلاث جهات أصلية : الشمال الذي نسميه  بحري ، والجنوب الذي نسميه قبلي ،والشرق ، لاتختفي عنه الشمس من شروقها حتى غروبها ، الذي كنت أتابعه من الشرفة البحرية محتقنا ساقطا دائخا على شجر الشارع وأشجار حديقة البيت المقابل ، فيللا مشــكي. الشارع كله ، شارع العباســية مابين ميدان الظاهر وميدان فاروق (الجيش فيما بعد 23 \ 7 \ 1952) ، كان مرصعا بالفيللات وحدائقها الغناء والبيوت ذات النسق الموحد بحدائقها الصغيرة الملحقة بسكن الطابق الأول .  

 لاتنمحي الصورة من ذاكرتي ،كلما استعدتها استعدت معها ، أجمل ما غنى رياض السنباطي في الأربعينات ، قصيدة "فجر" للشاعر أحمد فتحي: "  كل شئ راقص البهجة حولي هاهنا ٍ"!

كان لدينا في مكتبتنا بضعة أعداد من مجلة قديمة اسمها "الحديقة والمنزل"، إحتفظت بها والدتي لسبب ما لم أعرفه ، شغفت بتصفحها إعجابا باسمها الثنائي وبوقع كلمة "حديقة" الذي أفضله عن "جنينة"، وظل شغف الجمع بين الحديقة والمنزل لايفارقني ولو أصبح منزلي الآن في الطابق 12 .

راضية بإطلالتي هذه عليك ياحدائق الزعفران :  صحيح أنني لا أرى عليك إحتقان الغروب ، ماعليك شئ ، تكفيني عافية الإشراق وشريط غناء عبد الوهاب :  " أنا هيمان وياطول هيامي ، صور الماضي  ورائي و أمامي..." ومشبوك وراءها : " أنا من ضيع في الأوهام عمره ، أنا أأأناااااااااااا  من ضيع في الأوهام  في الأوهام في الأوهام عمره ، نسي التاريخ أو أنسي ذكره"!



الجمعة، 7 يونيو، 2013

من خطوط والدي 1341 هجرية.

نوارة مع أمها بعد الإفراج عنها نوفمبر 1981!

سكة ومكتوبة علينا
نطويها جيل ورا جيل

محاكمتنا 1973 ونرى في الصورة المهندسة سهام صبري رحمها الله وصافي ناز كاظم وهي حبلى بنوارة، والتاريخ يعيد الظلم ذاته بلا تغيير.




تشكيل آخر للوحة "قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا" لوالدي خبير الخطوط وفنانها محمد كاظم أصفهاني المولود 1885 والمتوفي إلى رحمة الله 4 إبريل 1944.

لوحة خط والدي: " قل هوالرحمن آمنا به وعليه توكلنا" في مهرجان الخط العربي، 15 مارس 2013 وأمامها الطبيبة الأستاذة الدكتورة هبة راشد إبنة أختي فاطمة .

نوارة وأمها 1974


نص بيان المستشار أشرف البارودي :
السيد المستشار/ النائب العام.

السلام على من اتبع الهدى،أرفع لكم تهانينا القلبية بمناسبة قراركم إحالة فريق من أعز شباب ثورتنا إلى محكمة الجنايات بتهمة التحريض، ولا خلاف فيما يعلمه القاصي والداني، أن من حق المصري أن يتظاهر في أي مكان يريد على أرض مصر كلها، وأن هؤلاء لم يبادروا بالعدوان ولم يدافعوا حتى عن أنفسهم وهذا حقهم الذي كفله القانون، بل والأكثر أنهم كانوا عن جلاديهم يدافعون، ولقد رأينا ورأى العالم كله معنا من اعتدى على من، واللطمة الهائلة التي أطاحت بتلك السيدة المصرية عرض الطريق، وذلك الشاب حديث عهد بالزواج الذي وقف غارقا في دمه، والذي لم تجد عروسه الشابة بديلا في دولة الظلم سوى أن تضرب عن الطعام وهما بعد في مقتبل العمر، ولكنكم رأيتم أن كل هذا يهون أمام حماية الرئيس من الإهانة وحماية مكتب الإرشاد مقر الحكم، وإن كنا قد رأينا المعتدين مع العالم كله وما فعلوا، إلا إننا لم نر أيا منهم يحال إلى محكمة الجنايات، ولم نر حسابا لهؤلاء الذين اعتدي عليهم أمام قصر رئيسكم، فضرب من ضرب وقتل من قتل، بل فقط رأينا ذاك المسمى " المغير" الذي وقبل أيام معدودات خرج علينا باطمئنان كامل يهدد ويتوعد بأنهار من دم ومفاجآت من نار وكأننا نعيش في غابة شامتا في نكسة مصر التي تحل ذكراها علينا في هذه الأيام، وكأن ما فعله ليس تحريضا، فكان عدلك انتقائيا على عكس ظلمك الذي عم البلاد، فتحول المجني عليه إلى جان وذهب الجناة أحرارا آمنين.
وعليه، فإني أخطرك رسميا أني منضم لهم في كل ما نسب إليهم وأني أؤمّن على كل حرف قالوه وكل كلمة نطقوا بها مما تحاكمهم عليها اليوم، ومن ثم وجب عليك أن تحاكمني معهم، وها أنا ذا أتحداك وأقول لك جهارا نهارا أن هذا رئيس أجرم في حق مصر، ولم ننتخبه ليسلم مقاليد البلاد لغيره ولا حتى لك في مقعدك الذي تجلس فيه اليوم خروجا على كل قانون، وعليه أنذرك أن مصر قادمة إليك وأنا معها في اليوم الموعود آخر هذا الشهر، فلن تسمح مصر لنكساتها أن تعود، بل سترتفع راياتها في عنان السماء وتحيا.. ولو نموت
وبإذن الله العدل سوف يكون لنا حساب يأخذ فيه كل ذي حق حقه، وإن غدا لناظره لقريب.

عاشت مصر، عاشت ثورة 25 يناير.

من صندوق الجواهر


شعب عظيم!

بقلم سيد قطب
نقلا عن جريدة الاشتراكية 2 أغسطس 1951


نحن نظلم هذا الشعب العظيم ونتجنى عليه حين نتهمه بأنه شعب ميّت أو جامد أو ذليل لأنه لا يتحرّك في هذه الأيام ليبطش بالطغاة والمستهترين والمستغلين، لأنه يقبل هذه الأوضاع السيئة التي لا يقبلها الآدميون، لأن الخسف والعسف ينزلان به كل يوم بل كل لحظة وهو ساكن مستسلم، لأن حقوقه القومية وحقوقه الإنسانية وكرامته الآدمية تداس في كل يوم بل في كل لحظة فلا يغضب ولا يثور، لأن غيره من الشعوب يتملّص ويتخلّص أو يضرب ضربة هنا وضربة هناك تدل على أنه حي.

ولكن هذا الشعب قد خابت ظنونه في الرجال! لقد شهد زعماءه يخونونه ويخونون كل مبادئ الشرف والإستقامة طوال ثلاثين عاما أو تزيد؛ لقد شهدهم يبدأون حياتهم مكافحين فقراء ويختمونها إقطاعيين أثرياء، لقد شهدهم يبدأون حياتهم في شقة للإيجار ويختمونها وهم أصحاب ضياع وقصور، لقد شهد كلمات التضحية والكفاح والجهاد تنقلب معانيها إلى السمسرة والارتزاق والاتجار في السوق السوداء، لقد شهد الشرفاء يستحيلون لصوصا ومرتشين وقوادين لأن هذا هو أقرب الطريق للثراء.

وقبل أن يوجد في هذا الشعب زعماء يولدون فقراء ويموتون فقراء، قبل أن يتساقط على أرضه شهداء لا يطلبون منه ثمن الشهادة، قبل أن يصمد جيل من هؤلاء المكافحين على الشظف والحرمان والأذى والبلاء، قبل أن يحس الشعب أن هنالك مجاهدين لا تسندهم أقلام المخابرات، ولا تسندهم السفارات، بل لا تسندهم هيئات ولا أحزاب، لأن كل فرد من هيئاتهم وأحزابهم مجاهد لا يسنده إلا االإيمان؛ قبل أن يتم ذلك لن تعود للشعب ثقته في نفسه ولا في زعمائه ولا في أهدافه، لن يستجيب لدعوة ولن يستجيب لرجل، فطالما خدعته الدعوات وطالما خانه الرجال، فمن شاء أن يدعو هذا الشعب إلى تضحيات جديدة فليكن هو نفسه الضحية الأولى، فليعرّض عنقه للمشنقة وصدره للرصاص دون تلعثم أو تحرّج، فليتقدّم صراحة لمواجهة قوى الشر والطغيان في غير تحفظ ولا تخوّف ولا احتراس، وليثق أن الشعب يومها لن يتركه وحيدا.

من المناسب أن أنقل ماكتبته عن نوارة الإنتصار حين منّ الله عليّ بمولدها، حرسها الله ورعاها آآآآآآآآآمين.

الثلاثاء، 4 يونيو، 2013

في ذكراها التي لا تغيب

من صندوق الجواهر

أم الشهداء زينب بنت عليّ


إن كنت قد قُتلت بكاء عند أمك فاطمة فكيف يكون حالي عندك يا زينب بنت علي؟

إلا أن الدموع لم تكن قط لترضيك، فكرهتها لما أتيتك وبلعتها نارا، وأمسكت شهقاتي مكظومة لأقف وراءك أتعلم كيف يكون الفعل حين لا يكون الوقت لائقا للبكاء، وكيف يغرق الصدق في انهمار الدمعة الكذوب، من عين الذي قتل والذي سلب والذي انحاز للصمت فجرت الدماء من تحت أنفه ولم يحرك ساكنا ثم أتى، والرؤوس على الحراب والخيام محروقة والحرائر الكريمات سبايا، ثم أتى يبكي!

حين سال النفاق دمعا واختلط البكاء سقطت معاني الشفقة وأدركتِها من فورك: إن هذا البكاء مريب، فرفضت يا زينب المواساة ورأيت العداء في النحيب كما رأيته في النبال الساقطة على عترة جدك المفدى والسيوف الذابحة أهل بيته، وصوته الشريف مازال يطوف بالضمائر: "أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي!".

يجلجل صوتك يا ابنة بنت رسول الله؛ صوتك الذي عرفته الليالي متبتلا خاشعا ذاكرا ،يجلجل صوتك حاسما صارما: "صه يا أهل الكوفة يقتلنا رجالكم وتبكينا نساؤكم؟ يا أهل الكوفة يا أهل الختل والغدر أتبكون؟ فلا رقأت الدمعة ولا هدأت الرنة، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم، ألا بئس ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون، أتبكون وتنتحبون؟ أي والله فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا لقد ذهبتم بعارها وشنارها ولن ترحضوها بغسل أبدا، وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة مدرة – المدافع عن – حجتكم ومنار محجتكم وملاذ خيرتكم ومفزع نازلتكم وسيد شباب أهل الجنة؟ ألا ساء ما تزرون فتعسا ونكسا وبعدا لكم وسحقا فلقد خاب السعي وتبت الأيدي وخسرت الصفقة وضربت عليكم الذلة والمسكنة! ويلكم يا أهل الكوفة! أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم، وأي كريمة له أبرزتم، وأي دم له سفحتم، وأي حرمة له انتهكتم؟ لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفرطن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا، فلا يستخفنكم المُهل، فإنه لا يحفزه البدار ولا يخاف فوت الثار وإن ربك لبالمرصاد!".

ووراءك يا زينب كربلاء، كرب وبلاء، لتوك تركتها مصاصة دم شريف وآكلة أجساد عطرة؛ ثلاثة وسبعون شهيدا ثبتوا أمام أربعة آلاف حتى قتلوا عن آخرهم: عون ابن زوجها عبد الله بن جعفر، وأخوه محمد، وأخوتها من أبيها أولاد علي بن أبي طالب، العباس، وجعفر، وعبد الله، وعثمان، ومحمد الأصغر، وأبو بكر، وابنا أخيها الحسين: علي وعبد الله، وابنا أخيها الحسن أبو بكر والقاسم، وبنو عمها عقيل: جعفر وعبد الرحمن وعبد الله وغيرهم، وعلى رأسهم جميعا سبط الرسول الحسين: استشهد الجميع بين ذراعيها وهي تقول: "اللهم تقبل منا هذا القليل من القربان"!                   
هطل الجور والعسف وغرور الدنيا على أرض كربلاء مطرا نجسا ترتوي منه بذور حقد جاهلية كان الإسلام قد دفنها طي سماحته حين كانت، "اذهبوا فأنتم الطلقاء "،حمامة يطلقها الرسول لترفرف بالرحمة فوق الثأر وفوق عدل القصاص، وكان حتما أن يروي مطر الجور بذرة الحقد القديم فتينع كربلاء، وكربلاء بذرة كانت في صلب الاستهزاء الفظ الكريه بالنبي وتكذيبه وإيذائه بكرش البعير؛ كربلاء كانت سطرا في حلف قريش الذي فرض حصار الجوع والعطش على العصبة المؤمنة في شعب أبي طالب، وكربلاء كانت رنينا في صرخة أبي جهل: "تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى تدرك هذه، والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه"، وكربلاء كانت في نفر القبائل الذي اجتمع ليقتل محمد بن عبد الله الذي ظنوه نائما فإذا النائم علي بن أبي طالب المفتدي بروحه حياة نبيه ورسوله ومربيه ابن عمه وأخيه محمد الأمين، وكربلاء كانت رمحا في قتلة الغدر بحمزة يوم أُحُد، وكربلاء كانت دقات على دفوف النساء المشركات يرقصن على جثث شهداء المسلمين يقطعن الآذان والأنوف يعلقنها أقراطا وقلائد ويبقرن البطون يمضغن الأكباد وقائدهم أبو سفيان يقول للنبي وأصحابه: "أعل هُبل! الحرب سجال يوم بيوم بدر!"، ويكاد يكررها حفيده "يزيد" بعده بنصف قرن حين تسقط بين يديه رؤوس الشهداء من أحفاد النبي وأحفاد أصحابه فيتغنى بأبيات من شعر الشماتة:

"ليت أشياخي ببدر شهدوا
 جزع الخزرج من وقع الأسل
 لأهلوا واستهلوا فرحا
 ثم قالوا يا يزيد لا تُشل!"

 لكن الله أعلى وأجل! فيشاء سبحانه وتعالى أن يظل قول نبيه المبعوث رحمة للعالمين أمام عناد المشركين من قريش: "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو أهلك دونه"، يظل هذا القول راية نبوية يحملها عليّ ويستشهد تحتها، ويحملها أبناؤه الحسن ثم الحسين وكوكبة من نجوم أهل البيت، الذي أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيرا، ومعهم صحابة أبرار من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وما بدلوا تبديلا، ووراءهم على طول الزمن الإسلامي، من مشارق الأرض ومغاربها، تأتي قوافل من أبناء الإسلام لا تنتهي ولا تنفد بل تنمو وتربو كلما اشتد الحصار وسقط الشهداء، فلا يمكن للشهيد أن يحدد نسله وقد جعله الله أكثر الرجال خصوبة، ومازال الإسلام الولود يكثر أبناؤه على طريق دين الله والراية النبوية مرفوعة أبدا تتبادلها الأيدي: "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو أهلك دونه"!

وردة طفلة تولد في بيت النبوة في شعبان في السنة الخامسة للهجرة ويسميها الرسول المفدى "زينب"، ومع الفرحة تكون النبوءة؛ هذه الطفلة النبوية تنتظرها من أيام الجهاد أشقها وأثقلها على القلب وطأة، فهم يذكرون أن سلمان الفارسي أقبل على عليّ بن أبي طالب يهنئه بوليدته فألفاه واجما حزينا يتحدث عما سوف تلقى ابنته في كربلاء. (مذكور عند دكتورة بنت الشاطئ، السيدة زينب بطلة كربلاء، دار الهلال، ص 20).

وتحت ظلال هذه النبوءة تنمو "زينب" في كنف الرسول مع أمها "فاطمة" سنوات  تقارب الست، وتدرج طفلة رصينة ناضجة لا تفارق أما مجاهدة متبتلة، تسابقها في إسباغ الوضوء، وتلاحقها في إقامة الصلاة، ترشف وتتعلم وتحاكي كل حركة وسكنة تفعلها الأم البتول، التي هي أشبه خلق الله بالرسول صلى الله عليه وسلم، و"فاطمة" تحتضن "زينب" بين ابتسامة ورقرقة دمعة تدعو لها: "جعل الله فيك الخير يا زينب وفي أبنائك البررة الأتقياء وكأني يا ابنتي أنظر إليك وأنت تدافعين عن الحق المهضوم بمنطق فصيح ولسان عربي مبين". ثم تأتي اللحظة التي تلحق فيها الأم القدوة بأبيها العظيم في رحاب الله حزينة غاضبة وقد أوجعها أن ترى الحق يخرج من مكمنه وبشفافية التقى والتبتل تراه وقد استدرجته الأهواء ليكون كرة تتقاذفها العاصفة الفاتنة، التي سوف يستشهد فيها زوجها وأبناؤها وأهل بيتها صرعى مجندلين لا يؤنسهم إلا الحق في وحشة الطريق. والغريب أن  "زينب" لا تشعر بثقل هذا اليتم الرهيب المبكر حين يفقد الإنسان أما ليست ككل الأمهات، فكأنها استثقلت على أمها مواصلة الحياة بعيدا عن النبي المفدى فآثرت لها سعادة اللقاء به على مرارة الفراق عنها، فداء لها وبرهان حب سخي. وتوصيها "فاطمة" في ثقة واحترام أن تكون أما لأخويها الحسن والحسين، وتنفذ "زينب" الوصية بدقة والتزام فتكون أما حقيقية وهي لم تتجاوز السادسة، ولا تفارق أخويها حتى بعد زواجها وزواجهما لتبقى دائما أما لهما ثم لتصير من بعد ذلك أما للشهداء في كل زمان ومكان، وأغمض عيني وأطرد من ذهني كل أوصافها التي خاض فيها المؤرخون والرواة والكتاب ،سامحهم الله، فلا أرى تفصيل هيئة أو وجه لكنني أراها "خديجة" تعود؛ "خديجة "السكن الرؤوم"، ويدخل بيت عليْ ثمان نساء، زوجات له بعد فاطمة الزهراء ،معظمهن أرامل شهداء وأخوة في الجهاد أو يتيمات كريمات سوف يجدن في بيت إمام العلم حماية ورعاية وتربية وإعدادا طيبا ليكن رساليات حاملات للعلم والفقه.

 ويحتفظ بيت عليّ لزينب بموقعها؛ أما لأخويها وتلميذة لباب مدينة العلم النبوي، فتجلس بين يدي أبيها عليّ يعلمها تفسير بعض الآيات ويأخذه الحديث إلى ما ينتظرها من دور خطير فتومئ زينب برأسها: "أعرف ذلك يا أبي، أخبرتني أمي"، وتسمع عن أنس بن مالك يقول: "كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فرأى عليا مقبلا فقال يا أنس قلت: لبيك! قال: هذا المُقبل حجتي على أمتي يوم القيامة" فتأخذها المسئولية منذ البداية لكيلا يفوتها من أبيها مالم تستطع أن تأخذه مباشرة من جدها رسول الله ،وخاتم أنبيائه، وقد عرفت قول الرسول المفدى: "عليّ مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي"، فتعلمت بعلم أبيها الذي وصفه ابن عباس: "والله لقد أُعطي عليّ تسعة أعشار العلم، وأيم الله لقد شارككم في العشر العاشر"، وحفظت بلاغته وحكمته ومأثوراته في القضاء؛ "أتى عمر بامرأة حامل قد اعترفت بالفجور فأمر برجمها فرده عليّ وقال هذا سلطانك عليها فما سلطانك على مافي بطنها؟ ولعلك انتهرتها أو أخفتها قال: قد كان ذلك قال: أوما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا حَدّ على مُعترف بعد بلاء؟ إنه من قُيّد أو حُبس أو تهدد فلا إقرار له"، (مذكور عند الأستاذ علي أحمد شلبي، زينب، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، لجنة التعريف بالإسلام، 1977 ص 70).

ويزوجها أبوها، الإمام عليّ، من ابن عمها عبد الله بن جعفر، الذي قال عنه فقراء المدينة ما عرفنا ما السؤال إلا بعد وفاة عبد الله بن جعفر، ( والده هو جعفر بن أبي طالب الذي اشتهر باسم جعفر الطيار إذ بشر الرسول صلوات الله عليه أرملته بعد استشهاده بأن الله قد أعطاه جناحين في الجنة ثوابا لقتاله حاملا الراية في غزوة مؤتة في جهاد أمر به الرسول المفدى ضد الروم، وظل جعفر يقاتل حاملا الراية حتى قطعت يداه واستشهد وبه ما يزيد عن تسعين طعنة)، وأنجبت السيدة زينب من عبد الله بن جعفر: محمدا المسمى بجعفر الأكبر وأخوته عون الأكبر وعلي الأكبر وأم كلثوم وأم عبد الله وقد توفوا جميعا دون عقب إلا علي الأكبر وأم كلثوم فكان منهما ذرية عقيلة بني هاشم، إلا أننا مع أخبار هذا الزواج والأبناء لا نراها إلا في إطار الابنة للإمام عليّ والأم الملازمة لأخويها الحسن والحسين، سيدي شباب أهل الجنة وقرة عين نبينا المفدى، حافظة لوصية أمها الزهراء منذ كانت في السادسة من عمرها، وعندما نراها في هذا الإطار نجدها العالمة، المتفقهة، الدارسة، القارئة الحافظة لكتاب الله العزيز، المتأملة في آيات الله، الزاهدة المتحرجة من حلال الدنيا ،المتصدرة لمجالس العلم النسائية، تروي الحديث عن أمها وأبيها وأخويها وعن أم سلمة وأم هانئ، والمروي عنها من ابن عباس وعبد الله بن جعفر وعلي زين العابدين وفاطمة بنت الحسين، والساهرة ليلا تتهجد مسبحة داعية ناطقة بالخير والمأثورات تقول أبياتها الشهيرة:

 "سهرت أعين ونامت عيون
 لأمور تكون أو لا تكون
 إن ربا كفاك ما كان بالأمس
 سيكفيك في غد ما يكون
 فادرأ الهم ما استطعت عن النفس
فحملانك الهموم جنون"!

وتقول: " خفِ الله لقدرته عليك، واستح منه لقربه منك"!

وتنقل عن أبيها: "نعم الحارس الأجل!"؛ حين ينصحه ناصح بأخذ حارس يحميه من الخوارج. وتردد عنه: "ثلمة الدين موت العلماء!"، و"شر الولاة من خافه البرئ"، و"خابت صفقة من باع الدنيا بالدين"، و"يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم".

وتتحاور مع أبيها الإمام فتسأله:
- أتحبنا يا أبتاه؟
فيرد قائلا:
- وكيف لا أحبكم وأنتم ثمرة فؤادي؟
فتقول وكأنها قد أمسكت عليه خطأ:
- يا أبتاه إن الحب لله تعالى والشفقة لنا!

محفوفة مبجلة بأبيها وأخويها؛ إذا أرادت الخروج، وغالبا لزيارة قبر جدها رسول الله، خرجت ليلا متدثرة بالحجاب الساتر الكامل من الرأس إلى القدم والحسن عن يمينها والحسين عن شمالها والإمام عليّ أمامها، فإذا اقتربت من القبر الشريف سبقها أبوها فأخمد ضوء القناديل خشية أن ينظر أحد إلى عقيلة بني هاشم "زينب".

هذه الصورة الممعنة في الحرص الشديد على التستر والتحجب في عزوة الأب والأخوين، أحب الناس إلى رسولنا المفدى، تواجهها بقسوة صورتها بعد مذبحة كربلاء وهي مقصوصة الأب والإخوة وكل رجال ومحارم بيتها، منزوعة الستر، محترقة الخباء، منهوبة المتاع، منتهكة الحرمة، يسوقها رجال عبدالله بن زياد مكشوفة الوجه، حاسرة الرأس، تسير في موكب السبايا الكريمات من بنات رسول الله، من كربلاء إلى الكوفة إلى دمشق إلى المدينة، يتطلع إليها وإليهن كل من غلبه حب الاستطلاع على حب اتقاء الله بغض البصر رحمة ومودة في قربى النبي المفدّى، ومنهن نائحات: "وامحمداه! هذا الحسين بالعراء مرمل بالدماء مُقطع الأعضاء! وامحمداه! هذه بناتك سبايا، وذريتك مُقتّلة تسفى عليها الصبا!".

ويْ لنيران الغضب من جرأة السفهاء الذين، مع هذا النحيب، لم يكتفوا بالنظر بل بادروا بالوصف والتغزل في محاسن وجه بنات رسول الله.

تمر أحداث التاريخ المعروف و زينب في خضمها يوما بيوم، بل لحظة بلحظة، والقضية أمامها: إسلام أو لا إسلام؛ حق أو باطل.

تأتي فتنة التآمر لقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان فيأمر عليّ بن أبي طالب ولديه: "اذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحدا يصل إليه بمكروه.....". لكن الأهواء ما تلبث أن تجعل الذين أثاروا النفوس على عثمان هم المطالبين بثأر عثمان، ويقفون مناوئين لخلافة إمام المتقين وباب مدينة العلم، معلّم الفقهاء عليّ بن أبي طالب. ويعلنها بنو أميّة حربا سافرة على بني هاشم إحياء لثارات الجاهلية وطمعا في ملك الدنيا، ويخرج الصحابي الجليل عمار بن ياسر وعمره تسعون عاما يقول مُهتاجا:

"أيها الناس: سيروا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يثأرون لعثمان، ووالله ما قصدهم الأخذ بثأره ولكنهم ذاقوا الدنيا واستمرؤوها وعلموا أن الحق يحول بينهم وبين ما يتمرغون فيه من شهواتهم ودنياهم، وما كان لهؤلاء سابقة في الإسلام يستحقون بها طاعة ... أو الولاية عليهم... ألا إنهم ليخادعون الناس بزعمهم أنهم يثأرون لدم عثمان وما يريدون إلا أن يكونوا جبابرة وملوكا؛ والذي نفسي بيده لقد قاتلت بهذه الراية مع رسول الله وهأنذا أقاتل بها اليوم!".

وتتحقق نبوءة النبي أن عليا سيقاتل قريش في سبيل الله: "...يا معشر قريش لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين، قد امتحن الله قلبه على الإيمان، قالوا: من هو يارسول الله؟ ... قال: هو خاصف النعل، وكان قد أعطى عليا نعله يخصفها..."، (أخرجه الترمذي عن ربعي بن حراش وأخرج مثله أحمد).

ويقف عليّ، مبدئيا حاسما لا يخشى في الله لومة لائم ويعلنها:

- "والله لا أداهن في ديني، ولا أعطي الرياء في أمري"،
- "أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور؟ لا والله لن يراني الله متخذ المضلين عضدا..."،
- "ما لي وقريش؟ أما والله لقد قتلتهم كافرين ولأقتلنهم مفتونين، والله لأبقرن الباطل حتى يظهر الحق من خاصرته، فقل لقريش فلتضج ضجيجها!".

وتقضي زينب سنوات خلافة أبيها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب في الكوفة، من 35هـ إلى 40 هـ، وهو في بحر متلاطم من الصراعات والمؤامرات والفتن والكوفة مسرفة معه في الوعود متخاذلة في الأفعال ناكثة عهودها، كما ستكون مع بنيه من بعده، حتى تأتي ضربة عبد الرحمن بن ملجم في 19 رمضان سنة 40 لتقضي بعد يومين على الإمام الشهيد فينتقل إلى الرفيق الأعلى لاحقا بحبيبه وأخيه ونبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم في 21 رمضان 40 هـ، ووصيته قبل الرحيل: "يا بني عبد المطلب لا تخوضوا دماء المسلمين خوضا تقولون قُتل أمير المؤمنين؛ ألا لا تقتلن بي إلا قاتلي، انظروا إذا أنا مت من ضربته هذه فاضربوه ضربة ولا تمثلوا به فإني سمعت رسول الله يقول: إياكم والمُثلة ولو بالكلب العقور". ووقف الحسن يقول في رثائه: "... والله ماترك ذهبا ولا فضّة....".

على أثر إستشهاد الإمام عليّ بايع أهل العراق ابنه الحسن لكن خلافته لم تدم أكثر من ستة أشهر آثر الإمام الحسن بعدها أن يتركها لمعاوية بن أبي سفيان حقنا لدماء المسلمين حتى تكف الفتنة وتهدأ الأطماع لكن هل تشبع لبني أمية بطن؟

يستشهد الحسن مسموما على يد زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس، والظن الشائع أنها كانت مدفوعة بوعد من معاوية بن أبي سفيان يقول: "إني مُزوّجك يزيد ابني على أن تسمّي زوجك الحسن بن عليّ"! لكنه لا يزوجها يزيد خوفا على حياته من "مُسممة الأزواج" ويعطيها بدلا عن ذلك مائة ألف درهم من أموال المسلمين! وكان هدفه من وراء قتل الإمام الحسن تمهيد الطريق لأخذ البيعة ليزيد في حياته، كاسرا النظام الشوري الإسلامي إلى وراثة قيصرية لتكون مُلكا عضوضا لبني أمية دون المسلمين أجمعين ومن فيهم من أفذاذ بيت النبوّة وليبدأ أول انحراف أساسي في تاريخ الحكم الإسلامي ليفرخ  فيما بعد المزيد والمحزن من الانحرافات.

يتصدى الحسين: "لا مبايعة ليزيد"!.

وتتسارع الأحداث نحو تحقق النبوءة التي أخبر بها رسولنا المفدى وأبكته البكاء المر قبل حدوثها بما يزيد على النصف قرن: "عن أنس بن مالك أن ملكا... استأذن ربه أن يأتي النبي فأذن له فقال لأم سلمة املكي علينا الباب لا يدخل علينا أحد قال: وجاء الحسين ليدخل فمنعته، فوثب فدخل فجعل يقعد على ظهر النبي وعلى منكبه وعلى عاتقه، قال: فقال الملك للنبي: أتحبه؟ قال: نعم، قال: أما إن أمتك ستقتله وإن شئت أريتك المكان الذي يُقتل فيه، فضرب بيده فجاء بطينة حمراء فأخذتها أم سلمة فصرّتها في خمارها، قال: قال ثابت: بلغنا أنها كربلاء"، (أخرجه الإمام أحمد وفي رواية البيهقي عن أبي الطفيل، وقال في مجمع الزوائد رواه الطبراني واسناده حسن).

وفي رواية أخرى أن جبريل عليه السلام أخبر الرسول المفدى بأن الحسين يُقتل بشط الفرات.

يموت معاوية دون أن ينجح في حمل الحسين على المبايعة ليزيد أو سمّه هو الآخر، ويأتي يزيد ويأمر الوليد بن عتبة واليه على المدينة بأخذ البيعة من الحسين فيقول الحسين بحسم: " يا أمير إنّا أهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة بنا فتح الله وبنا ختم ويزيد فاسق فاجر شارب للخمر وقاتل النفس المحرّمة مُعلن بالفسق والفجور ومثلي لا يبايع مثله."!

ويوصي مروان بن الحكم الوليد بقتل الحسين فيفزع الوليد: "ويحك! أنت أشرت عليّ بذهاب ديني بدنياي والله ما أحب أن أملك الدنيا بأسرها وأني قتلت حسينا؛ سبحان الله أأقتل حسينا لما أنه قال لا أبايع؟ والله ما أظن أحدا يلقى الله بدم الحسين إلا وهو خفيف الميزان، لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكّيه وله عذاب أليم..".

وتتوالى التفصيلات ويخرج الحسين من المدينة مع أهله إلى مكّة وهناك تأتيه كتب الكوفة تستحثه على القدوم لمبايعته والتصدّي معه لعدوان يزيد: "... إن الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك...العجل العجل...فأقدم إذا شئت فإنما تقدم على جند مُجنّد لك..."! فيرسل إليهم ابن عمّه الوضئ مسلم بن عقيل فإذا بهم يتخاذلون حين تأتيهم فتنة عبيد الله بن زياد، ويقتل بن زياد مسلم بن عقيل رسول الحسين ومعه من آواه هاني بن عروة المرادي، وهو يقسم: " قتلني الله إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد في الإسلام"! ثم يسير بالظلم يجمع الولاء ليزيد؛ يقتل عشوائيا بجاهلية وضراوة ليتخاذل الناس خوفا وهلعا، ويعم العراق جو قاتل رهيب من الفزع والذعر، بينما الحسين في مكة يستعد للتحرك إلى حلفائه الذين أهابوا به أن يعجل بالقدوم إلى العراق.

يتوسل أحباء الحسين بمكة إليه ألا يذهب إلى أهل الغدر الذين خذلوا أباه وأخاه من قبل ويقول له قائل: "... فوالله لئن طلبت ما في أيدي بني أمية ليقتلنك، ولئن قتلوك لا يهابون أحدا بعدك أبدا..."! والحسين يستخير الله، وقدر الله سابق، فقد شاء أن يهلك يزيد وجنده بقتلهم الحسين، وينجو الحسين وأهله بالإستشهادعلى طريق دين الله، ويقول الحسين: "ألا ترون الحق لا يُعمل به والباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله عز وجل وإني لا أرى الحياةمع الظالمين إلا جرما."!

ويتحرك الشهيد ابن الشهيد نحو الكوفة وجنبات مكة لم تنس بعد جده الرسول المفدّى،نبي آخر الزمان، وصوته الشريف يعلو: " والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو أهلك دونه."!

يأتي الحسين من يخبره بمقتل مسلم ابن عقيل ورسوله الآخر وتخاذل أهل الكوفة قائلا: "أما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم وملئت غرائرهم فهم ألب واحد عليك، وأما سائر الناس بعدهم فإن قلوبهم تهوي إليك وسيوفهم مشهورة عليك..."!

يبعث ابن زياد بألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي ليحاصر الحسين في الطريق ويقطع عليه خط الرجعة حتى يأخذه مُعتقلا إلى ابن زياد أو يخضع بالبيعة الجبرية ليزيد، ويواجههم الحسين خطيبا بالمعروف يستحث ضمائرهم: "أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ناكثا لعهد الله مخالفا لسنة رسول الله يعمل في العباد بالإثم والعدوان فلم يغيّر ما عليه بفعل أو قول كان حقا على الشيطان أن يدخله مدخله، ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيئ وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله.... وقد أتتني كتبكم ورسلكم ببيعتكم وأنكم لا تسلموني ولا تخذلوني فإن أقمتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم، وأنا الحسين بن عليْ بن فاطمة بنت رسول الله...نفسي من نفسكم وأهلي من أهلكم... فإن لم تفعلوا ونقضتم عهدي وخلعتم بيعتي فلعمري ...لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم بن عقيل، والمغرور من اغتر بكم..."، فقال الحر بن يزيد التميمي: "... فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن..."! فقال الحسين: "أبالموت تخوّفني؟:

 سأمضي وما بالموت عار على الفتى،
 إذا ما نوى خيرا وجاهد مسلما،
 وواسى رجالا صالحين بنفسه،
وخالف مثبورا وفارق مجرما،
 فإن عشت لم أندم وإن مت لم أُلم،
 كفى بك ذلا أن تعيش وتُرغما"!

يتصاعد المكر وتُشحذ قوى الشر وتأتي أوامر ابن زياد تحمل تعليمات يزيد: "لا رحمة! امنعوهم الماء!"، ومعسكر الحسين ينسج مجد الاستشهاد؛ ثلاثة وأربعون إنسانا في مواجهة أربعة آلاف وحش غاشم من جند ابن زياد من الكوفيين، والأقمار من بيت النبوّة من كل الأعمار، منهم من لم يتجاوز العاشرة ومنهم من ملك فتوة الثامنة عشرة والعشرين ومن بلغ مبلغ الرجال والكهول، يتلألؤون بالإقدام والشجاعة لا يؤلمهم إلا العطش: "يا أباه العطش!" والحسين يجيب: "اصبر بني فإنك لا تمسي حتى يسقيك رسول الله!"، وزينب بين الخيام والمعركة تتلقى الأقمار؛ شهيدا شهيدا وأناتها رغما عنها تتوالى: " يا حبيباه! يا ابن أخاه! يا ولدي! واثكلاه! اليوم مات جدي رسول الله! اليوم ماتت أمي فاطمة! اليوم مات أبي عليْ! اليوم مات الحسن! واحسيناه!......."، وتثخن الجراح حسينا ويتقدم التعس الذي باء بقتله يحز رأسه لترفعها الرماح إلى يزيد بن معاوية بن أبي سفيان!

وترفرف كلمات الحسين حمائم تسكن أعشاشها في قلب زينب وبين جوانحها تطوف بها ترويها في كل الأمصار ولكل الآذان حاضرة بأكملها كما أطلقها يوم الطّف؛ يوم كربلاء وهو يتفرّس في وجوه الكوفيين، الذين دعوه ثم أتوه قاتلين وراء "عمر بن سعد"، يقول لهم الحسين: "ألست ابن بنت نبيكم؟....يا فلان... يا فلان... يافلان...ألم تكتبوا إليّ أن تقدم على جُند مجنّدة لك؟....أتطلبونني بقتيل منكم قتلته؟ أو بمال استهلكته؟ أو بقصاص من جراحه؟.... أعلى قتلي تجتمعون؟ أما والله لاتقتلون بعدي عبدا من عباد الله الله أسخط عليكم مني وأيم الله إني لأرجو أن يكرمني الله بهوانكم ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون، أما والله لو قتلتموني لألقى الله بأسكم بينكم وسفك دماءكم ثم لا يرضى بذلك منكم حتى يضاعف لكم العذاب الأليم....".

ينتهي الدور الحسيني؛ الاستشهاد البطولي والفداء ويبدأ الدور الزينبي؛ الراوية، الشاهدة، الفاضحة للجور والبغي والطغيان، فإذا الذي ظن نفسه منتصرا يبوء بانتصاره الفادح، وإذا الذي ظنوا أنهم قد سحقوه وأحاطوا به وقتلوه متوّج بالمجد لم ينهزم، وزينب تحمل راية الحسين المنتصرة بعد أن ألقمت الجبارين وهي أسيرتهم أحجارا بلعوها في خزي بين أهليهم وحراسهم وبروجهم المحصّنة، وإذا الحسين حي في زينب أشد قوّة وتمكينا، وأنّى لأعدائه بعد أن يقتلوه وقد خرج من أسر الموت حيا يتوالد عبر اللحظات والأيام: كبيرا، كثيرا، خالدا، ويضج "عمرو بن سعيد الأشدق"، والي يزيد على المدينة، يشكو زينب: "إن وجودها بين أهالي المدينةمُهيّج للخواطر"! وتصدر أوامر يزيد المرتعب ليتم نفي زينب لتختفي من المدينة!

وتأتي العزيزة ابنة الأعزاء لتسعد بها كنانة الله: وتخرج "مصر" إلى "بلبيس" تستقبلها وتأخذها إلى قلبها حانية على الجراح، وفي شهر مولدها وقد بلغت السادسة والخمسين، شعبان عام 61 للهجرة، بعد سبعة أشهر من استشهاد الحسين ومن معه من الأقمار النبوية، تريح زينب، العقيلة الهاشمية رأسها الشريف إلى صدر "مصر"، وتركن إلى التبتل والتضرع والاستغفار أحد عشر شهرا حتى يأتي رجب عام 62 هجرية فتلحق بركب النور النبوي في الرفيق الأعلى أما للشهداء وشهيدة معركة: "الدنيا أو محمّد"!