الثلاثاء، 29 أكتوبر، 2013

من سيرة ذات ثقافية:

من سيرة ذات ثقافية

إلتحقت عام 1954 بكلية الاداب، جامعة القاهرة، بقسم صحافة، الذي كان قد أُنشئ جديدا في ذلك العام، وكنا دفعة جامحة من الطلبة والطالبات، (100 طالب و 150 طالبة!)، وقرر معظمنا أن الدراسة النظرية بالقسم لن تعلمنا الصحافة كما نريدها فإنقسمنا مجموعتين رئيسيتين: واحدة إختارت التدريب في مدرسة روز اليوسف، والأخرى إختارت مدرسة أخبار اليوم، وكنت واحدة من المجموعة التي إلتحقت بمدرسة أخبار اليوم نوفمبر 1955، لم يكن الإختيار على أساس سياسي بل على أساس مهني محض إذ كان المهم في ذلك الوقت هو كيف نتعلم صنعة الصحافة ونكون لأنفسنا أسلوبا في التحرير الصحفي. ظللت مع مجموعتي نعمل بأخبار اليوم عامين كاملين مجانا ونحمد الله أن أصحاب الدار قد أعفونا من مصروفات الدراسة إلى أن تم تعييننا عام 1957 بمكافأة شهرية قدرها خمسة جنيهات، وأصبحت الدراسة بالجامعة في قسم الصحافة ثانوية إلى جوار خبرتنا في الممارسة الفعلية للعمل الصحفي. منحني تخرجي في الجامعة 1959 شهادة ليسانس في الصحافة لم تقنعني، وكان عملي الصحفي في تلك الفترة قد تكشف لي وبدا ضحلا ومزيف البريق لذلك ألحت عليّ فكرة السفر في الدنيا الواسعة للدراسة وامتحان النفس، وشجعني قبولي للدراسة في جامعة كانساس الأمريكية بقرية لورانس فسافرت إلى الولايات المتحدة أغسطس 1960، وكان قد تم تسجيلي لدراسة الماجستير في الصحافة لكنني راجعت نفسي وقلت: مصر بحاجة إلى ناقد مسرحي فكل الذين يكتبون النقد المسرحي غير متخصصين؛ سأصنع من نفسي ناقدة مسرحية لمصر! ــ (وأرجو من القارئ ألا يبتسم فهكذا كان جيلنا يتكلم عندما يريد أن يحدد مستقبله) ــ كانت مصر في تلك السنوات العشر الأولى لما أردناها ثورة 1952 إبنتنا العروس البهية التي نريد أن نجلب لها حليب العصفور لو شاءت، كنا نريد أن نزوقها ونجملها ونجهزها بكل ما ينقصها، ورأيت أن مصر ينقصها الناقد المسرحي المؤهل حقا لحمل مسئولية دفع النهضة المسرحية المرجوة لبناء وقيادة ما أردناه ليكون المجتمع الثوري الجديد.
كان نقاد المسرح صنفين:
1 ـ صنف كان ولا يزال يستند إلى معايير اعتباطية في قبوله أو رفضه للعمل الفني، مستخدما خفة ظله، إن توفرت لديه، في تمرير وتبرير مغالطاته، ولا يتورع وهو في حماسه، وقد أخذته العزة بالإثم، أن يستخدم أفحش القول والإرهاب، إذا اقتضى الأمر، ومثل هؤلاء كان ولا يزال شديد الثقة بنفسه، لا يحجم عن إبداء رأيه دائما ومن فوره وفي كل شئ!
2 ـ أما الصنف الثاني فكان النقيض: يلبس أكاديميته ويحكم ربطها جيدا حول عنقه حتى تخرج أفكاره وآراؤه مشنوقة تماما بالمصطلحات، وكلما خلت كلماته من الروح كان اغتباط الناقد بمقدرته كبيرا، وذلك على أساس الاعتقاد السائد أن الروح والحيوية وخفة الظل تتنافى مع الأكاديمية؛ فالجهامة ـ كما يعتقدون ـ والجفاف أليق بالأكاديمي. العجيب الذي كان يسترعي إنتباهي أنه رغم ذلك "التأكدم" الشكلي الذي كانوا يحرصون عليه، كانوايقعون في خطأ علمي رهيب وهو خلطهم بين "الأدب" و "المسرح"،وكان هذا الخلط يجرهم دائما إلى التمركز عند خط دفاعهم الأول والأخير وهو: "النص" المدون لغرض العرض المسرحي، ولو كان "النص" في عرف البداهة المسرحية مجرد عنصر غير جوهري في الكيان المسرحي!
ما علينا: قررت أن أعد نفسي لأكون "الناقد المسرحي" المطلوب لمرحلة يطورها جيل آت ثم جيل آت بعد الآتي، خلال سنوات يتم فيها ترسيخ المنهج السليم لإعداد الناقد المسرحي.
كان عليّ أن أحصل من جامعة كانساس على معادلة ليسانس في الفنون المسرحية، وهكذا أنفقت عامي 1960 \ 1962 في دراسة مواد أساسية وتحضيرية مع دراسة عملية في "الورشة" لكيفية صناعة العرض المسرحي وإقامته كائنا حيا يقف على خشبة المسرح وليس كلمات مدوّنة بين صفحتي كتاب، بعدها صرت مؤهلة لمتابعة الدراسة العليا نحو "التخصص في ممارسة النقد المسرحي"، غير أني لم أستطع متابعة الدراسة من فوري إذ كان لا بد أن أتفرغ للعمل عاما كاملا لسداد ديون دراستي في جامعة كانساس التي كانت على نفقتي الخاصة، فقضيت عام 1962 \ 1963 بمدينة شيكاجو أعمل سكرتيرة محلية في مكتب المستشار الصحفي لقنصليتنا المصرية، "قنصلية الجمهورية العربية المتحدة"، عاما كاملا خصبا، أقرأ وأسمع وأشاهد بنهم كل ماكان عليّ أن أعرفه في الفن والثقافة: من الجديد الذي كان عليّ أن أواكبه إلى القديم الذي كان عليّ أن أستكمله، ثم جاءت فرصتي للعمل في مكتب المستشار الصحفي ببعثة مصر الدائمة للأمم المتحدة بنيويورك فتركت شيكاجو وانتقلت إلي نيويورك أغسطس 1963 وتم قبولي بقسم الدراسات العليا للفنون المسرحية بكلية التربية جامعة نيويورك، استغرقت دراستي عامين، 1964 \ 1966، وكانت على نفقتي الخاصة إلى النهاية؛ كنت أجمع بين عملي الصباحي الذي يستغرق ثماني ساعات يوميا ودراستي المسائية بالجامعة التي انتهت بحصولي على "ماجستير في نقد المسرح" يونيو 1966.

في ذلك الصيف، أغسطس 1966، وبعد ست سنوات كاملة من الغربة والعمل والكدح والتأمل والدراسة شعرت أنني نضجت ثقافيا بما يكفي لأعود إلى مصر وأهديها نفسي قائلة: "كل التعب كان لك ومن أجلك"!

كان الأستاذ أحمد بهاء الدين قد تسلم مسئولية إحياء مجلة المصوّر، وكان منطقيا أن أتوجه للعمل معه في دار الهلال منقولة من دار أخبار اليوم، التي خلت من العبقريين مصطفى أمين وعلي أمين، أخوض مهمة النقد المسرحي، التي أتاحها لي الأستاذ أحمد بهاء الدين بمجلة المصوّر، و كانت قد تحولت تحت رئاستة إلى "كبرى المجلات المصوّرة"، كنت أحاول أن أقدم رؤيتي لما يجب أن يكون عليه الناقد المسرحي، وكان جهدي يتمركز في التأكيد على بدهية أن فن "المسرح" ليس "الأدب"، وأنه ليس هناك كاتب مسرحية: "بلايريتر"،
Playwriter
بل صانع مسرحية: "بلايرايت"،
playwright
 يصنع أو يبني أو يُنشئ معتمدا على تركيب وتجميع عناصر متعددة مثل صانع السفينة، وكنت أدعو أن يجعلنا هذا التصور نعيد النظر في كثير من المصطلحات والمقولات التي يتم تداولها مثل مقولة " قرأت المسرحية الفلانية" أو " قرأت مسرح فلان"، وهذا لا يجوز لأنك لا يمكن أن تقرأ مسرحية، هل يجوز أن تقول "قرأت سيمفونيات بيتهوفن" أو أي موسيقي آخر رغم أنها كلها مدوّنة على الورق؟ لا يمكن فنحن نقول "إستمعت" إلى الموسيقى، وتعرف أنها دُوّنت ليقرأها قائد الفرقة العازفة، لتصل معزوفة مؤداه على مسرح أو من خلال وسائل مسُجلة، وهكذا يكون الإلتقاء بالعمل الموسيقي، كذلك المسرح، إنك عندما تكتفي بقراءة مسرحية تكون قد أجهضت جنينا من رحمه؛ لن يكون بأيّة حال مخلوقا بين يديك بل دما مسفوحا لمشروع مخلوق، فقراءة ما دوّنه المؤلف المسرحي لا تعطينا الصلاحية لفهمه أو الحكم عليه إذ تظل العملية المسرحية ناقصة ولا يمكننا الحكم عليها ما لم نضعها كالسفينة في بحرها ونراها كيف تسير، وهل تآلفت مع الماء أم أنها لم تطف وغرقت؟ وكنت أتشبث بتعريف المسرح كما حدده أحد ثوار المسرح، وهو المخرج الإنجليزي "بيتر بروك"، وكنت أول من ذكره وعرّف به في مصر، الذي يرى أن المسرح يعني بكل تبسيط: خشبة مسرح؛ أي مساحة فارغة يمكن أن تتيح لنا مكانا يقف عليه مؤد، ويكون هناك جمهور، ويكون هناك محور لمضمون يهم هؤلاء الناس، فيتم من خلاله التواصل بين المؤدي والمتفرج، وهذا التعريف لبيتر بروك يتلاقى كذلك مع رجل المسرح العالمي "جروتوفسكي" مبتكر "المسرح الفقير"، وكنت كذلك أول من كتب عنه وعرّف به في مصر، حين استخدم منهاجه الـ "فيا نيجاتيفا"، ويعني الحذف أو الإلغاء، معلنا أننا بحاجة ملحة إلى تخليص المسرح من أثقاله الدخيلة عليه بطرح الأسئلة:

ـ هل يمكن أن يكون هناك مسرح بدون متفرّج؟
الإجابة: لا.
ـ مسرح بدون ممثل؟
الإجابة: لا.
ـ مسرح بدون نص مسرحي؟
الإجابة: نعم!
ـ بدون ديكور؟ بدون إضاءة؟ بدون موسيقى؟
الإجابة: نعم، نعم، نعم.

إذن كل شئ تقريبا مما نعرفه عن المسرح يمكن حذفه أو إلغاؤه إلا الممثل والمساحة الفارغة والمتفرّج والمضمون الذي يتمحور حوله اللقاء بين المؤدي والجمهور.

لم يكن تشبثي بهذا التعريف للمسرح يدفعني إلى إهمال النص كلّية لكنه كان يدعّمني في رفع راية: إن المُخرج هو مؤلف العرض المسرحي الذي يكون النص جزءا من تكوينه، وأن للمُخرج الصلاحية الكاملة في التصرف مع النص بما يراه ضرورة لمصلحة العرض مسرحيا، وكان هذا التعريف يُدعمني كذلك في الدعوة إلى إستقلال الناقد المسرحي عن الناقد الأدبي المشغول بالكلمة المكتوبة للقراءة والمَعني بتوجه كامل مقصور على الكاتب فحسب، وكنت أتمنى أن تستخرج حركة إستقلال "الناقد المسرحي" جنودها من مسرحيين عملوا بالإخراج وشاركوا في صناعة العرض المسرحي مُستنبتين من أرضيتهم المسرحية لغتهم الواعية والمُدركة للعملية المسرحية رافعين شعار: " دعوا المسرح يتحدّث بلغته"، فعبر نقاد كهؤلاء فحسب يمكن لحركة مسرحية في بلادنا أن تنبثق متفجّرة بالخصوبة والوعي والابتكار، قادرة على حفر مجرى لمسرح يخصنا: نتأصل به ويتأصل بنا ويتصاعد في تطور لإثراء التعبير عن الحق والخير والجمال.

كان من المنطقي ـ وقد إتخذت الموقف المبدئي مسرحيا ـ أن تتوحد لغتي مع لغة المخرج صاحب العرض المسرحي أكثر من توحدها مع كاتب النص الذي كان ولا يزال يعد نفسه أديبا بالدرجة الأولى. والأمر كذلك كان من النتائج المنطقية أن الذين يسمحون لأنفسهم بالإعتداء على المسرح بالنقد والتقييم، بكل موروثات المغالطات الرثة، يكونون بأكملهم في ناحية وأكون في الناحية النقيض مع المسرحيين والوعي المسرحي وجنود الحلم الثوري؛ غرباء لا يحمينا سوى العناد وقوة الإيمان بالمبدأ. رغم صعوبة موقفي إلا أنني كنت سعيدة غاية السعادة كوني أقلّية قادرة على الاستمرار في المواجهة وخوض المعركة وإزعاج الخصوم، وكنت أسمي نفسي "الناقدة المُحاربة" وأحيانا "مقاتلة في الأحراش والغابات"، وفي كل الأحوال واحدة من جنود الحلم الثوري؛ أخوض على صفحات المصوّر، بدعم من رئيس تحريرها المثقف الذواقة المحرّض على التوهج الأستاذ أحمد بهاء الدين، معركة الشكل المسرحي، واللغة المسرحية، وتصحيح المغالطات الفنية المليئة بالخزعبلات المعوّقة لنهضة المسرح كإطار مستقل للتعبير الإنساني، وكنت خلال المعركة قد حددت إنحيازي الكامل لصالح المستضعفين ضد قوى وأشكال المستكبرين المفسدين في الأرض.

كانت سنوات الستينات، تلك الشهيرة بكونها فترة إنتعاش المسرح المصري، هي في الواقع سنوات الصراع الذي خاضه جنود الحلم الثوري لجمع لطع دودة الثورة؛ وكانت الدودة هي: الإنتهازية والزيف والكذب والدجل والسياحة السياسية والسياسة السرابية التي أنتجت الهوّة المخيفة بين القول والفعل، والانفصام بين الشعار المُعلن والتطبيق الواقع، ثم كانت الدودة هي المنهج الإجرامي الذي تبلور وناء بكلكله على صدر الإنسان المصري الباسل الوديع؛ منهج القمع والإرهاب السلطوي، منهج قطع الألسنة وجدع الأنوف وسحق الكرامة الحرام للمواطن، منهج السجن والاعتقال والتعذيب للشبهة و للفتة ولرفّة رمش العين.

كانت الستينات فترة إنتعاش للمسرح المصري، نعم، بما يعني أن كانت هناك، رغم كل شئ، مقاومة ثقافية نابضة تحركها دماء وتضحيات ثوريين أصلاء، (قبل أن يذوى المسرح وينزوي مع مرور السبعينات ويثبت بالدليل أن الموت قد خيّم وفرش أجنحتة القاتمة)، والمقاومة النابضة لا تعني أن أمورها مُيسّرة لكنها تعني أن حركتها مستمرة وأن جنود الحلم الثوري، من أجل إعلاء الحق والخير والجمال، مايزالون في الساحة وإن سقط منهم شهداء، وأنهم مسيطرون في مواقع صراعهم لتسود رؤيتهم الإنسانية لصالح الإنسان، وللتمسك بالمكتسبات الشعبية لتحويلها من صحائف ورقية بلا قيمة إلى واقع يقف على الأرض تنزرع فيها المكتسبات فتضرب جذورها في الأعماق وتتلاقح مع النيل والهواء وعرق عباد الله فتنمو وتشتد وتعلو باسقة كالشجر الطيب.

 كان جنود الحلم الثوري مستميتين لترسيخ واقع يتوازن ولو قليلا مع الطقطقات والشقشقات الثورية لفظا والفاسدة أثرا، وكان جنود الحلم الثوري يرون الخطر الأكبر يكمن دائما في سارقي الحلم من أبنائه وحفظته المخلصين، يكمن في المنافقين، في الإنتهازيين الذين يهددون حصاد ومحصول كل ثورة؛ إذ بإجادتهم رطانة اللغة الثورية وبراعة تمييعها لتناسب كل الأهواء ينجحون في تعطيل الأبناء الصادقين، وفي نخر الثورة من قلبها إلى أن ينهار كل شئ ويصبح كالعصف المأكول.

شهدت سنوات الستينات أعنف المعارك التي خاضها جنود الحلم الثوري لجمع لطع دودة الثورة ووقوفهم ببسالة ضد تلك اللطع، التي صارت بالنهاية أخطبوطا هائلا من الإنتهازية استطاع أن يفرش نفسه طولا وعرضا وسماء وأرضا ويتمكن تماما من ضعضعة الحلم الثوري المخطوف من أبنائه، ومن تحويل المكتسبات الشعبية الورقية إلى مسلسلات إذاعية وتلفزيونية، وزفة سياحية، وألاعيب حواه، وأفاعي سحرة يكتبون في الصحف والمجلات، وبرغم ضخامة الأخطبوط وشراسته وخسّته في الدفاع عن منافعه الشخصية لم يفقد جنود الحلم الثوري عنادهم الذي استمر معهم مارا بهم من هلاك إلى هلاك.

كان جنود الحلم الثوري ـ ضمير مصر ونبضها ـ يعرفون أنهم أقليّة وعزّل أمام الأخطبوط، الذي تملّك سلطة الدولة بأكملها، والذي تكون وتجمّع من فصائل ثوريين سابقين فقدوا ثوريّتهم، ومن مثقفين عدميين، ومن إنتهازيين أصلاء يعتنقون الإنتهازية إعتناقا مبدئيا كاملا، ومع كل هؤلاء بالطبع فئة من الخدم والعبيد وعبدة للأوثان؛ أخطبوط رهيب مُدعم بكل شئ، لكن جنود الحلم الثوري كانو يعرفون أن الحشد الهائل من لحم مصر من المستضعفين كانوا معهم، كانوا يعرفون أن الجياع معهم، أن المرضى البلهاريسيين معهم، الشهداء الذين ذبحهم الأخطبوط غيلة في سيناء معهم، الصم البكم والعمي معهم من دون أن يدركوا أنهم مع أحد على الإطلاق! كانت مصر بتاريخها ومواقع مقاومتها كذلك معهم. واستمر جنود الحلم الثوري رغم تشتتهم، حين وحيث لا يكاد الواحد منهم يستدل على أخيه، كانوا مصرين على الاستمرار في الصراع ضد الأخطبوط، ( إلى أن انقسم هذا الأخطبوط على نفسه في 15 \ 5 \ 1971 وأكل ذيله رأسه وتغيّر لونه تماما من أخطبوط يقتل ويخنق ويأكل السحت تحت علم إدعاء الإشتراكية والتقدمية إلى أخطبوط يأتي الجرائم نفسها ولكن تحت علم آخر أكثر إضحاكا وإن لم يكن أقل إبكاء، وهوعلم إدعاء الديموقراطية والتحضر والسلام الاجتماعي، لكن حتى بعد التغيير في الشعارات ظلت هناك سمة مشتركة بين أخطبوط ما قبل 15 مايو 1971 وأخطبوط الطبعة الجديدة المنقحة بعد 15 مايو 1971 تلك هي: أن كلاهما أخطبوط يجبن ويهادن في كل شئ إلا منفعته الشخصية إذ يكون في دفاعه عنها غاية في الشراسة والخسّة)، وكان لا بد لمسرح الستينات أن يرصد الصراع بين النقاء والعفن وأن يلتقطه ويُعبر عنه بجهود جنود الحلم الثوري الذين كانوا يملكون بعض مواقع مشعة في النقد والإخراج والتمثيل والتأليف وكانوا يحاولون أن يستدل بعضهم إلى البعض من خلال كلمة أو موقف أو عمل أو صمت فيتساندون في معركتهم غير المتكافئة مع الأخطبوط والتي كانوا يخسرونها يوما بعد يوم.

كانت مهمتي النقدية تدفعني إلى موقفين إزاء كل عمل أستشعر من ورائه أنفاس ونبض جنود للحلم الثوري مخلصين: موقف ألتزم فيه الصمت خوفا من إعلان الفرح كي لا يتنبه الأخطبوط ويكسر مصابيح الفرح التي تلألأت في غفلة منه، والموقف الثاني يدفعني إلى الكتابة عن العمل في عملية مرهقة ومحفوفة بالمحاذير لأنني أكون قد أردت أن أفصّل العمل للقراء بإشاراته الواضحة ضد الأخطبوط ويكون عليّ بذات الوقت الكتابة بهدوء كاف حتى لا تلتفت عين من عيون الأخطبوط الكثيرة ضدّي أو ضد المسرحية، وكان من حسن طالعي أنني كنت في مجلة المصوّر تحت رئاسة أحمد بهاء الدين النظيفة الراقية التي تحث على الصدق وتكبح أقوال الزور مما أتاح لي قدرا كبيرا من التعبير عن رأيي النقدي بحرية شبه كاملة، إلى أن داهمنا قرار نقله من مؤسسة دار الهلال إلى مؤسسة الأهرام في أغسطس 1971.

بديلا عن أحمد بهاء الدين جاء آخر من يمكن أن يكون بديلا للرقي والتحضر؛ جاء مكارثي الثقافة المصرية بكل غشومية وغباء البطش والتنكيل: جاء يوسف السباعي مفتونا بالسلطة متلذذا بالإبادة!
قبل أن يرتشف يوسف السباعي أول فنجان قهوة بمكتبه، كرئيس مجلس إدارة دار الهلال ورئيس تحرير المصوّر، استدعاني، و بيده مقالي عن العرض المسرحي "ملك الشحاتين" لنجيب سرور وجلال الشرقاوي، قائلا وهو يرشق عينه الزرقاء القاتلة بمنتصف جبيني: "يكون في عِلمك إحنا مش عاوزين نشوف اسم صافي ناز كاظم ده منشور أبدا، وعشان تبطّلي عجرفة مناخيرك ح أجيبها الأرض"!

هكذا بلفظة لسان نزلت سكينة الأخطبوط قاطعة عني حقي في أداء جهادي الثقافي تجاه بلادي وأبناء أمتي، ولمن كان تعبي وكدحي وطوافي المشرق والمغرب أجمع خيرات الرحيق؟ لحظة شعرية داهمتني في موقف لا شعر فيه. أي جبروت هذا؟ أي عنف وإرهاب وحشي هذا الذي يمارسه الأخطبوط هكذا وبلا رادع ـ وبلا تعويض طبعا ـ على خلق الله؟ رغم أنني شعرت لحظتها بعين يوسف السباعي الزرقاء مرشوقة في منتصف جبيني كرصاصة إغتيال غادر إلا أنني لم أتمالك نفسي من الضحك لأن المسرح علّمني أن أكثر المشاهد هزلية هي مشاهد الطغاة والمتجبرين، خرجت من مكتبه أتمتم الآية الكريمة من سورة يس: "ومن نعمّره ننكّسه في الخلق أفلا يعقلون".

وهكذا اختفى اسمي من النشر في السبعينات كلها إلى مطلع الثمانينات، فمنذ أغسطس 1971 حتى 25 مارس 1983، تحقق قرار يوسف السباعي بحذافيره فلم يُنشر اسمي قط في صحف مصرنا المحروسة، على مدى مايقرب من 12 سنة، إلا ضمن قوائم المعتقلين والمتحفظ عليهم والمقدّمين لمحاكم أمن الدولة، لماذا؟ لا أدري إلا أنني حاولت دائما أن أكون ناقدة مسرح كما يجب وكما وعدت مصر الحبيبة الطيبة.

أُجبرت على البقاء في بيتي لا أملك سوى النظر من شباكي أرقب في أسى العاصفة الترابية التي هيّجها الأخطبوط في ردائه الجديد بعد 15 مايو 1971. كانت العاصفة تطيح بزهور المسرح اليانعة، والأخطبوط يدوس معها بأذرعه الثعبانية كل النباتات الصغيرة اللينة الواعدة، ويعتصر الأغصان، وبعد المذبحة نظر الأخطبوط إلى جذع شجرة المسرح الناتئ؛ مبتورا أجرد، وبدأ يلصق عليه كل ورقة ذابلة، وكل ثمرة فجة، وكل ما لا يمكن أن ينتمي أو ينمو على الشجرة، وظل الإصرار على إقامة مسرح مع الإصرار الكامل على إقامته من دون مسرحيين، والمدهش أنني رأيت مسرحيين لا يتدخلون في مُعترك الحرب التي دارت لطحنهم بل وكانوا يبدون طواعيتهم الكاملة للإنسحاق التام ويشكرون الإجراءات الرحيمة التي ـ على الأقل ـ تعطيهم فرص الإنسحاق، ( نعمان عاشور وعبد الرحمن الشرقاوي على سبيل المثال)، وأصبح المسرحي يتبنى مُغالطات وخلط غير المسرحيين!

يحلو للبعض في معرض الحديث عن مسرح الستينات أن يبالغ ويُضفي على المرحلة ذهبية يشهد المعاصرون أنها لم تكن موجودة؛ كان المسرح موجودا، نعم، وكانت به حيوية وجهود مُخلصة، نعم، وكان يعج بالمواهب والطاقات، والذين تعبوا ودرسوا وتعلّموا وكانو يحملون القدرة على تحقيق النتائج الذهبية، نعم، نعم، نعم، لكن تركيبة السلطة التي أهدرت الوعود الذهبية في سيناء المخذولة لم يكن من الممكن لها أن تسمح بتحقيق الوعود الذهبية في المسرح الذي كان يجب أن يُخذل هو الآخر، وبلا تردد، قبل أن يُشير ويفضح ويقود مسيرة الاحتجاج، برفض الهزيمة والغفلة، نحو الوعي الذهبي.

على كل حال، ومع الحقيقة التي كان يرددها الشاعر ت. س. إليوت: "ما قد تم فعله لا يمكن نقض فعله"، أحمد الله على ما كان وعلى ما سيكون بمشيئته وقضائه.


الاثنين، 28 أكتوبر، 2013

يا مفرّج الضيق يا ربي:



شكواي أم نجواي في هذا الدجى؟

ونجوم ليلي حُسّدي أم عوّدي؟

أمسيت في الماضي أعيش كأنما،

قطع الزمان طريق أمسي عن غدي،

والطير صادحة على أفنانها، 

تُبكي الرّبى بأنينها المتجدد،

قد طال تسهيدى وطال نشيدها،

ومدامعي كالطل في الغصن النّدي.

الأحد، 27 أكتوبر، 2013

ردا على خيبات عمرو عبد السميع في ذكر النقراشي اليوم بالأهرام 27 أكتوبر 2013:

في ديسمبر 1948 أطلق عبد المجيد حسن الرصاص على محمود فهمي النقراشي، رئيس الوزراء فأرداه قتيلا.

كنت في طريق العودة سيرا من مدرستي الابتدائية بشارع سبيل الخازندار وعرفت الخبر وأنا أعبر ميدان فاروق متجهة إلى منزلي 9 شارع العباسية، فانفجرت باكية بحرقة بالغة أدهشت أختي التي كانت ترافقني، لأنها لم تكن تعرف الارتباط الوجداني السري الذي كان يربطني بالنقراشي والذي كان بعيدا تماما عن دوره السياسي بإيجابياته وسلبياته، كل ما في الأمر أنني تمثلت فيه وجه أبي الذي كان قد توفي قبل أربع سنوات وثمانية أشهر. قالت أختي باستنكار: مالك؟ قلت في شهقات الانتحاب: كان يشبه بابا، وفي غمرة حماسي كتبت في دفتري: «مات رجل والرجال قليلون»، مما أثار سخرية ابن خالتي الطالب الجامعي وهو يصحح عبارتي إلي «والرجال قليل».

لم أدرك وقتها الأسباب التي جعلت غالبية الناس متعاطفة مع القاتل عبد المجيد حسن، الذي ظهر وجهه في صور الصحف مضروبا ملطوشا وارما، أكثر من تعاطفها مع المقتول صاحب الوجه الذي بدا لي دائما طيبا أبويا حنونا. كانت أغلب الكتابات الصحفية، على مدى سنوات، تشيد بالنقراشي وتكاد تضعه في مصاف الشهداء، حتى فاجأتني حقيقة أن محمود فهمي النقراشي، رئيس الوزراء ووزير الداخلية في آن واحد، كان هو المسؤول عن إصدار الأمر بفتح كوبري عباس في 9 فبراير 1946 لإغراق مظاهرة احتجاج قادها طلبة جامعة فؤاد ضد الاحتلال الإنجليزي رافعين شعار «الجلاء بالدماء»، ظلت هذه حقيقة مطموسة ولم أتبينها إلا فيما بعد من خلال قراءاتي ونضوج وعيي.

 حقيقة ما كان هو أمر محمود فهمي النقراشي بفتح الكوبري أثناء مرور مظاهرات الطلبة فسقط في النيل منهم من سقط فغرق، ومنهم من تشبث بحديد الكوبري طلبا للنجاة فضربته هروات البوليس على أصابعه ليجبروه على الموت، إلا من تحمل الضرب وأحكم قبضته فاستطاع الصعود إلى الأرض ليكون من المصابين الذين تم اعتقالهم جميعا.

كنت في ذلك الحين في الثامنة من عمري وكان أخي الشاب ابن السابعة عشرة من بين المصابين في تلك الحادثة المتوحشة، وكان من الممكن أن يكون من ضمن الغرقى. تأخر أخي إبراهيم في العودة من الجامعة، فقلقت والدتي. حتى المساء لم يعد إبراهيم، واشتعل القلق لهيبا عم البيت كله. جاء صديق لأخي يحمل قلمه ومنديله وبعض متعلقاته، صرخت أمي لكن الصديق قال إن إبراهيم نجا وهو مصاب ومعتقل في مبنى مستشفى قصر العيني. من الصباح الباكر أعدت والدتي حقيبة ملابس وطعام وقلت لها أحب أشوف إبراهيم. كان الوفد الذاهب للاطمئنان على أخي مكونا مني ومن أمي وأخي إسماعيل، الذي كان عيد ميلاده الخامس عشر في نهاية شهر فبراير. تحت شبابيك المبنى في قصر العيني المحجوز فيه المصابون معتقلين، نادى إسماعيل: «إبراهيم...إبرااااهيم...كاظم...كااااظم». لم يرد أحد.

كنا ننتظر، كما قال لنا البعض، أن يدلي لنا إبراهيم حبلا نربط فيه الطعام والضرورات من الملابس ليسحبه من الشباك خلسة، فلم تكن هناك فرصة للزيارة أو المقابلة، بعد برهة أطل علينا وجه شاب وقال باقتضاب: «كاظم أخذوه إلى بندر الجيزة». مفردات غير مألوفة لأمي فتملكها الهلع وأخذت تبكي وأخي إسماعيل محرج أو متألم من بكائها يقول: «من فضلك يا ماما مش كده!». أنا بردانة، واجمة، لكنني لم أبك حتى لا أتسبب في أية «لخمة»، وربما حتى لا «يشخط» فيّ إسماعيل، مداريا قلقه تحت ظاهر من الشجاعة والتماسك. أذكر أنني سرت معهما محترمة نفسي، ولا أذكر كيف وصلنا إلى بندر الجيزة الذي لم استوعب مدلوله: هل هو بيت؟ هل هو مستشفى؟ هل هو ماذا؟ لم استطع أن أكمل الاحتمالات، الذي أذكره أننا وقفنا أمام بناء بحديقة وخلفنا شجر كثيف على شاطئ النيل. كان الزحام شديدا، بوليس وأهالي، كانت والدتي قد هدأت استسلاما لما رأته ألما جماعيا وظلما شاملا.

الأهالي يتبادلون الأخبار والمشاورات والتكهنات. يشتد إحساسي بالبرد والجوع مع غروب الشمس. من الصباح حتى ذلك المساء ولا نجد وسيلة لإدخال الطعام والملابس لإبراهيم. البعض يطمئن أمي: «الأكل دخل لهم من حزب الوفد والإخوان». لا أذكر رد فعلها، ولا أذكر كيف انتهى المشهد وكيف عدنا إلى بيتنا موغلين في الليل. أذكر يوم دق جرس الباب ودخل إبراهيم البيت معصوب الرأس يضاحك أمي باعتذار ويؤكد أنه صد ضربات البوليس بقبضة أصابعه والدفع القوي بساعده. نظر إلي قائلا: «شايفة العضلات»!

بعد مقتل النقراشي، ديسمبر 1948، جاء إبراهيم عبد الهادي بسياسة التنكيل العمياء يضرب بقبضة الحديد والنار لكنه مع ذروة القسوة لم يستطع أن يخمد الهتاف الذي لف مصر كلها: «عبد الهادي كلب الوادي»!

السبت، 26 أكتوبر، 2013

تخلفنا في اللحاق بأنفسنا!


# بعد ترجمة فورية إستطعت أن أفهم من أخبار الصحف بعض ما يمكن أن أفرح به فرحا مخضلا بالمحنة، رغم حصار مبدعي الدمامة الذين لا يقف أمام طموحهم شيء.
إنهم لا يريدون لملامح الوجه أن تظل كما خلقها الله، عينين وأنفا وشفتين، فالمحاولات مستمرة لكي نصبح بعين واحدة مغمضة في القفا، وثلاثة أنوف مرغمة موزعة بين الجبين والقدمين، على أن تطمس الشفاه ونكتفي بأن نحقن بالطعام مخدرات لتعويم العقل علي الترهات والوعي على الأكاذيب، ويكون الصدر أعشاشا لزنابير تطن بالرطانات وخلط الأمور. الجهد دائم «لدلق» الطحين على الاسمنت علي سم الفئران لخبز كعكة مشؤومة للآكلين من أجل أن نرى الحق باطلا والباطل حقا، لكن، رغم كل هذا، لا يزال هناك لا يزال من يرفض الإنسحاق!

# مثل مكعب الحديد المصمت يشق الرئتين فلا أتنفس: هذه هي الكآبة، أما الإكتئاب، فهو أشبه بالشجن الذي يختمر في بؤرته الشعر ونسميه أحيانا الوميض. أما حكاية الشوق إلى الجمال، فهي حكاية التوق إلى الحق والخير والعدل، وأظن الأمر كله يكمن في الحرية، وحتى لا نحتار بين المدلولات المبتذلة، أركز المعنى في حرية القول دفاعا عن كرامة الانسان. أفر إلى الله من الزور والبهتان والزيف ومن صدّق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه. الهرب من «الكذب» الذي هو نقيض «الحق» ونقيض «الجمال»، والذي لا يترعرع معه خير أو عدل، فكيف بالله يكون الحال حين نرى الدمامة؛ «الكذب»، تقف في جرأة تنسج بالوهم وخيوط العنكبوت منهجا يزعم الدفاع عن الحق والدعوة إلى الخير والبكاء في مأتم العدل؟

# هل يجتمع قبح وجمال؟ إذا اجتمعا لا يكون الجمال جمالا!

# أواه يا ليل، طال بي سأمي، وساءلتني النجوم، عن شغبي!

# يقول البغاة لمقاوميهم وهم يكتمون أنفاسهم: من الغريب أنكم تتحدثون بكل هذه العصبية، لماذا لا نقهركم ونظل أصدقاء؟

# وتقول الغولة المتوحشة: لقد صفت روحي واغتسل قلبي ولم أستسلم للحقد مثلكم، لقد قتلت منكم من قتلت، ولكني تسامحت ونسيت ذلك تماما، فلماذا لا تحاولون أنتم نسيان جرائمي كذلك؟

# تتأوه الكاتبة الناصحة الكذوب: آه لو تسامح البشر ونسي المقتول طعنة القاتل، كما نسي القاتل طعنه للمقتول، لكن: هكذا القتلى، إنهم علي مر التاريخ ذاتيون، حقودون، لا ينسون الطعنات، وهم لذلك سبب شقاء هذا العالم الذي لن يعرف السلام أبدا إلا بإبادة المقاومين الذين يتسببون في كل هذا الإنفلات الأمني!

# ويصرخ هولاكو من وراء ركام التاريخ: طامة كبرى: فلا يمكن للشهيد أن يحدد نسله!

# يطل وجه من بين ظهرانينا، منمنم، أبيض مستدير، يبدو لوهلة طيبا كأنه سيدة، لا بها ولا عليها، تجلس في شرفتها تطحن بن قهوتها مع الحبهان في مطحنتها النحاسية الصغيرة، ولذلك تكون المفاجأة اكتشاف أنه سفاح: فمن الكتابة ما قتل!

# أما الذي احتكر الكلام لسنوات ولا يزال يتكلم، فعليه أن يدرك أنه لم يحتكر الانتهازية، بقليل من السماحة، وبالتعود، سوف يتمكن من رؤية آخرين إلى جواره، فالأرض قد أينعت الكثير من تلاميذه.

# يشرئب القلب ليرد ببدهيات على فؤوس منطق إستفزازي لا تكف عن شج الرؤوس، فنقول:
ما يدفعنا إلى الاستنتاج بأن تخلفنا الحالي في علوم الفضاء والكومبيوتر إلخ... ليس سببه مناقشة ما يسمونه «توافه الأمور»، لقد حان الوقت لنتأمل حقائق ثابتة تؤكد أنه بفضل الإسلام وجدت القواعد الحالية لعلوم الطب، وفي عام 953 ميلادية، أرسل ملك الألمان سفيرا إلى قرطبة، عاصمة الخلافة الأندلسية، عاش فيها ما يقرب من ثلاث سنوات، تعلم أثناءها العربية بإتقان، ونقل مئات المخطوطات الطبية العلمية القيمة التي كان لها الأثر العظيم في نشر العلوم بأوروبا.

نعم، كان العلماء المسلمون يقدمون للإنسانية إنجازات ضخمة، مع أنهم كانوا يناقشون ويبحثون في مسألة المسح على الخف، ويتكلمون في نواقض الوضوء، والفرق بين الزواج الباطل ونكاح الشبهة وفاحشة الزنا، ويؤكدون أن الجهل بالحرمة يدرأ الحد، (يقرر القانون الوضعي الحالي أن الجهل بالقانون لا يُعفى من العقاب)، ويرسخون مبدأ: «لا حد بعد إبتلاء»، أي لا يجوز التعذيب للارغام على الاعتراف، واذا وقع التعذيب تسقط العقوبة.

أيها السادة: إن تخلفنا سببه الحقيقي هو تخلفنا في اللحاق بأنفسنا!
> 

الجمعة، 25 أكتوبر، 2013

آخر أيام سقراط:


 آخر أيام سقراط، هو العمل المسرحي الفذ الذي ألفه المسرحي العظيم منصور رحباني و  قدمه مسرح دار الأوبرا، موسم نشاطها الفني 1999؛ بعد مشاهدتي لذلك العمل المسرحي، منذ سنوات قلت: للفن الجميل سره الشافي من وجوم الأيام الصعبة، أضيف اليوم : للفن الأصيل رؤيته الثاقبة التي تبدو أحيانا مثل النبوءة الصادقة .

يختار منصور رحباني ، لمدخل مسرحيته الغنائية آخر أيام سقراط ، لحظة تاريخية هي احتلال اسبارطة، دولة الحرب والشراسة، لأثينا، وطن الفكر والفلسفة. سقراط هو الشخصية المحورية التي ترمز إلي المقاومة الفكرية، في مواجهة الكذب والفساد والاستبداد والخزعبلات وعقائد الشرك والوثنية، ونسمع سقراط يخاطب وطنه: "أثينا ياأثينا ، أنا واللي مثلي عملناك يا أثينا، جعلناك مدينة الفلسفة والحضارة، السياسيون شرشحوك، خلو عسكر سبارطة المتوحش يدعس ترابك .."، وقبل تجرع السم ، في نهاية العرض تنفيذا لحكم الإعدام بحقه، يعلن إيمانه: " .... إله واحد خالق ها الكون ..."، رافضا لآلهة : "تأكل وتشرب ... آلهة تتجوز .. لا.."! وهذا البعد الإيماني لشخصية سقراط، يتعمد منصور رحباني توضيحه، مع تمتماته المسبحة في نصه المطبوع، الحريصة على "بإذن الله" و "شكرا لله"، مما يجعلنا نحس بالعمل مرفوعا بنية صلاة تدعو وتؤكد أن من هو : "رايح ع درب الحقيقة، متوج بالاستشهاد .."!

سقراط ، القائد الفكري والروحي للناس ، لا تحبه أي سلطة، سواء كانت سلطة "كريتياس"، الحاكم الفرد عميل الاحتلال الاسبرطي، أو "أنيتوس"، زعيم الحزب الديمقراطي تاجر الجلود وحارس مصالح الأغنياء على حساب حقوق الشعب الفقير. سقراط، الواقف بين الناس في خندق الحق، في خصومة مع الطغاة والغزاة، هو الذي ترميه التلفيقات بالتهم : "سقراط أنت اللي دخلت سبارطة، أنت اللي زعزعت الدين، بسبب تعاليمك غضب الآلهة حل علينا، لازم يتحاكم سقراط ..."، وهكذا ينقلب الميزان القسط : "... المطلوبين (المُدانين) حاكمين والشرفا محكومين ...".

وينشد الكورس، بلسان منصور رحباني : "حكم كريتياس بسيف سبارطة حكم، مشي نهر الرعب بأثينا، كُتب الشعر تلطخت بالدم، طرقاتك ياأثينا إيدين وخناجر، دايما حدا مارق، ودايما خنجر ناطر.."، عقوبات الاعدام وجبات يومية : "وسع الظلم، انكسر العدل ، اسودي يا أثينا .."!

يقول سقراط للطاغية : كريتياس، "هل بيحق لنا نلغي إنسان إذا كان رأيو بيخالف رأينا؟"، ويرد السفاح : "لأجل الصالح العام!" فيسائله سقراط : "هل فيه حكم صالح بيقرر يقتل؟" . ويختصر الحاكم الجائر الحوار : " الحرية للجميع، حرية الحب، السهر، يتاجروا، يحتكروا، يرفعوا الأسعار، ماقلنا لهم شئ، راقبناهم وتركناهم، بس السياسة يتركوا لنا إياها، ماحدا يتعاطي بالسياسة بيعيش مرتاح !"، وحين يطلب كريتياس من سقراط أن ينضم إليه، يواجهه سقراط : "شو قضيتكم إنتو وحزبك غير التنكيل بالناس؟"، لذلك يصدر الأمر من كريتياس بمنع سقراط من الكلام : "إعتبارا من اليوم ممنوعة التجمعات، ممنوعة التظاهرات والتعليم بالساحات، في حبس واعتقالات!"،  ولا يتراجع سقراط ، المرجع الفكري والروحي للناس: "علينا أن نمتلك الجرأة لنعلن أفكارنا ونجعلها مطابقة لأفعالنا ... الناس أغلى من الحكم"!

أفلاطون، من تلاميذ سقراط، يحكي عن جمهوريته الفاضلة : "وبالجمهورية رؤساء الدولة مش لازم يمتلكوا فلوس ومش لازم يتجوزوا، حتي قرايبهم وولادهم ما يستغلوا السلطة"! وتستمر الملامسات الكثيرة الساخرة عن فساد الحكم والمحسوبيات وخرق القوانين بالقوانين، وقتل الشعب بدعوي مصلحته : "خلي رجالك ياكوستا يعدولي خيالات الناس ... مين اللي بيفكر يتمرد، مين معنا ومين علينا"، وتكون الإجابة : "بقيو اللي معنا وخلصوا اللي علينا ..!".

أما مشكلة الفقر فيكون حلها بإبادة الفقراء: "إلغي الفقرا بتلغي الفقر"!

وحين يذهب الحاكم الفرد، يأتي الديمقراطيون بسلطة مستغلة : "وإجت الديمقراطية ما تغير علينا شيء"، وتستمر المواجع نفسا لا ينقطع، يشهق به عرض "آخر أيام سقراط"، ويزفر حتى تصل ذروته في المحاكمة وقرارها بإعدام سقراط بتجرع السم، وقد رفض الاسترحام : "عيب ع العدالة نلتمسها لشفقة .. ياقضاة، أنا عارف إني جاي ع الموت ، لا تترقبوا مني موقف ما بينسجم مع واجبي الأخلاقي والديني"! وتصرخ زوجته : " كل واحد بنقول عنه بطل مُصلح قتل من شعبه ميت مرة أكثر مما قتلوا المحتلين"!.

يرفض سقراط فرصة الهروب ويواجه الموت : "انفتحت أبواب الليل، والموت قصيدة، اعطوني ياحراس الكاس، لشو أتمسك بحياة ما بقى تعطيني شئ، وشو نفع التأخير؟ ناولوني الكأس، كتار بيحملوا الشعارات وقلال المكرسين"!

حين يشرب كأس السم، تقع عصاه ويجمد سقراط، رمز المقاومة الفكرية والروحية، واقفا حتى يغيب صاعدا مرتفعا إلى أعلى، والجميع ينشد في قصيد شعري موسيقي غنائي مشحون :

 "يابواب الدهر تعلّي،
 ارتفعي يامداخل،
 ياغيم الأبيض صلي،
 غطي الهياكل،
 اللي راكع بدو يعلي،
 والطاغي بدو ينزل،
 ....
ياصيف ياشتا ويا أعياد،
 ......
رايح ع درب الحقيقة،
 متوج بالاستشهاد ".

أحببت أن أنعش الذاكرة بهذا العمل المسرحي البديع، الذي جسد وظيفة الفن الضرورية والراقية، التي لا تلمس الجراح بالزاعق الحارق، أو الثقيل الكاتم للتنفس، والمهيج للالتهاب النازف للدم والقيح. وأحببت أن أسجل لمنصور رحباني الفنان المخلص والأمين، رحمه الله، رؤيته الثاقبة، التي جاءت مثل نبوءة صادقة، حققتها الأيام.



ابن خلدون:

 ابن خلدون مفكر نادر من عصر المماليك

مع احترامي لكل قبور بلاد الأمة الإسلامية والعربية، أحب التنويه: إن قبر العلامة المسلم العربي ابن خلدون قائم في حي العباسية بالقاهرة، وهو الحي الذي عشت فيه طفولتي وشبابي، وأعيش على ضفافه حتى الآن، ومرجعي في هذا هو كتاب الأستاذ الدكتور علي عبد الواحد وافي، «عبد الرحمن بن خلدون»، وقد أصدرته في 7 إبريل عام 1962، الإدارة العامة للثقافة بوزارة الثقافة والإرشاد القومي، وطبعته مكتبه مصر تحت سلسلة «أعلام العرب» ـ العدد الرابع ـ ويقع في 326 صفحة وكان ثمنه خمسة قروش، ولا توجد منه نسخ متوفرة في السوق منذ أمد طويل ـ ولا حتى مسروقة ـ وأهمية هذا الكتاب تجددت في مناسبة احتفال العالم يوم 16 مارس 2006 بمرور 600 سنة على وفاة «ابن خلدون»، خاصة وأنه يحول «ابن خلدون» إلى موضوع شيق يخرج من خزائن المتخصصين المغلقة ليجتذب اهتمام القارئ الذي يود الاستمتاع بوقته استمتاعا راقيا ناهضا في أيام يندر فيها الاستمتاع أصلا! وللدكتور علي عبد الواحد وافي، رحمه الله، وسيلته البشوش في الكتابة تستقطبك من دون ملل للتنقل معه عبر حياة «ابن خلدون» العلمية والثقافية والأدبية والسياسية الصاخبة، التي صعد فيها إلى منصب يوازي رئاسة الوزراء ثم هبط إلى السجن والنفي والتهجير والهرب، ثم إلى الصعود تارة أخرى إلى منصب قاضي القضاة، وعزل منه وتولاه أربع مرات في خلال خمس سنوات بفعل الدس والمكيدة والحسد!

 ولد ابن خلدون بتونس في غرة رمضان 732هـ/ 1332م، وتوفي بالقاهرة 26 رمضان 808هـ/16 مارس 1406م.
يقسم الدكتور «علي عبد الواحد وافي» حياة «ابن خلدون» إلى أربع مراحل:

* المرحلة الأولى: مرحلة النشأة والتلمذة والتحصيل العلمي وتمتد من ميلاده سنة 732هـ لغاية سنة 751هـ، زهاء عشرين عاما هجريا، قضاها كلها في مسقط رأسه تونس، أمضى منها نحو خمسة عشر عاما في حفظ القرآن الكريم وتجويده بالقراءات والتلمذة وتحصيل العلوم.

* المرحلة الثانية: مرحلة الوظائف الديوانية والسياسية، وتمتد من أواخر 751هـ إلى أواخر 776هـ، خمسة وعشرين عاما هجريا، عاشها متنقلا بين بلاد المغرب الأدنى والأوسط والأقصى ـ (ما يسمى الآن تونس والجزائر والمغرب) ـ وبعض بلاد الأندلس، وقد استأثرت الوظائف الديوانية والسياسية بمعظم وقته وجهوده أثناء هذه المرحلة.

* المرحلة الثالثة: وهي مرحلة التفرغ للتأليف، من أواخر 776هـ إلى أواخر 784هـ، نحو ثماني سنين، قضى نصفها الأول في قلعة ابن سلامة ونصفها الأخير في تونس، تفرغ في هذه المرحلة تفرغا كاملا لتأليف كتابه: «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»، ويتضمن «المقدمة» في قسمه الأول.

* المرحلة الرابعة: مرحلة وظائف التدريس والقضاء وتمتد من أواخر 784هـ إلى أواخر 808هــ، أربع وعشرين سنة، عاشها كلها في مصر، وقد استأثرت وظائف التدريس والقضاء بأكبر قسط من وقته وجهوده. وبعد هذا التقسيم يأخذنا الدكتور «وافي» في رحلة تتوقف بنا عند كل مرحلة، وقفة كافية لتحيطنا بأيام ابن خلدون التي أخذته وحطته في حوادث مثيرة وملابسات عجيبة، لعل أكثرها إثارة مقابلته في دمشق لـ «تيمور لنك»، السفاح التتري المشهور، وكيف كان لطيفا دمثا معه، والكوارث الجمة التي ألمت به منذ مطلع حياته حين أدى الطاعون الجارف إلى موت والديه وأصدقائه وأساتذته، وهو لم يتعد الثامنة عشرة من عمره، ثم كارثة غرق زوجته وأولاده جميعا وهم قادمون في السفينة من تونس إلى مصر، حين ضربتها الريح العنيفة عند وصولها ميناء الإسكندرية فتحطمت وكبدته فوق نكبته في موت أسرته ضياع الكثير من ماله ومتاعه وكتبه، وكان وقتها في الخامسة والخمسين.
يذكر د. وافي كتاب: «التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا وغربا»، وهو الكتاب الذي ذيل به «ابن خلدون» عمله الضخم وسماه أولا «التعريف بابن خلدون مؤلف هذا الكتاب»، قاصدا كتاب «العبر»، ثم نقحه وأضاف إليه الكثير بعد رحلته إلى مصر ودون به ترجمة حياته كلها منذ مولده إلى قبل وفاته ببضعة أشهر. ويعد ابن خلدون بهذا العمل إماما ومجددا في فن السيرة الذاتية، وفي ذلك يقول الدكتور علي عبد الواحد وافي: "صحيح أنه قد سبق ابن خلدون في هذا الفن كثير من مؤرخي العرب وأدبائهم، كياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان، ولسان الدين بن الخطيب ـ معاصر ابن خلدون وصديقه ـ في كتابه الإحاطة في أخبار غرناطة، والحافظ بن حجر ـ معاصر ابن خلدون كذلك ـ في كتابه رفع الأصر عن قضاة مصر، ولكن هؤلاء وغيرهم..... قد قنعوا بتراجم موجزة، أما ابن خلدون فهو أول باحث عربي يكتب عن نفسه ترجمة رائعة مستفيضة يتحدث فيها عن تفاصيل ما جرى له... فلا يغادر شيئا مما عمله أو حدث له إلا سجله، حتى الأمور التي يحرص الناس عادة على كتمانها لما تنم عليه من خلق غير كريم...".

يُجمل «علي عبد الواحد وافي» عبقرية «ابن خلدون» في أنه المنشئ الأول لعلم الاجتماع، إمام ومجدد في علم التاريخ، إمام ومجدد في فن السيرة الذاتية، إمام ومجدد في أسلوب الكتابة العربية، إمام ومجدد في بحوث التربية والتعليم وعلم النفس التربوي، راسخ القدم في علوم كتب الحديث، ومصطلح الحديث، ورجال الحديث، راسخ القدم في الفقه المالكي، أنه لم يغادر أي فرع آخر من فروع المعرفة إلا ألم بها.

وبعد:
هذا واحد من نوابغ الفكر والعلم والحضارة والتنوير الصحيح المنبعث من أرضيتنا الإسلامية، عاش في عصر المماليك المفترى عليه، شهادة أقدمها للتدليل على التوهج الثقافي لذلك العصر، علها تلقم الخراصين حجرا حتى يكفوا عن ادعاءاتهم الباطلة وتصويرهم الكاذب لعصر المماليك باعتباره عصر الجهالة والظلم والهزائم.