الجمعة، 10 ديسمبر 2010



سندريللا هي السواد الأعظم من الشعب المصري

معظمنا يعرف حكاية سندريللا الجميلة، إبنة البيت الأصلية والأصيلة، التي حرمتها زوجة والدها من كل حقوقها وجعلت حدودها المطبخ والمسح والكنس وكل المهام القذرة والشاقة بالمنزل، لا تلبس إلا الممزق ولا تأكل سوى الفضلات، وتنام جوار الفرن تلهو حولها الفئران، رغم أن أبو سندريللا هو المتكفل بالإنفاق. ورغم أن زوجة الأب من جنس سندريللا ودينها إلا أن أنانيتها ولدت في نفسها القسوة التي سوغت لها حرمان سندريللا واغتصاب كل شئ لنفسها ولإبنتيها ليعشن في الترف والرفاهية وصدر المجتمع .

عندما اتسخت سندريللا ، نتيجة لحياتها الشاقة ، اشمأزت منها زوجة الأب وإبنتاها ورفضن مخالطتها إلا على مستوى إلقاء الأوامرحتى انتفى وجود سندريللا الإنساني في أذهانهن فلم تخطر ببالهن عندما سألهن مندوب الأمير عن عدد الفتيات بالمنزل وأشارت زوجة الأب إلى إبنتيها فحسب لتحضرا حفلة الأمير، إلى آخر الحكاية المشهورة.

حكاية سندريللا، مثل كل الحكايات الشعبية ، مليئة بالدلالات  الموجعة التي لاتبارحني ، وقفزت إلى ذهني على وجه الخصوص حين أفرغ الشارع القاهري من الشعب خلال زيارة السيد أوباما فلم ير إلا من وما تم اختياره ليراه بحسبانه "مصر"، لكنها لا تقتصر على هذا المثال فحسب إنها تتمثل في التوجه العام لأحوالنا الذي جعل الكاتب أسامة غريب، المتهكم من الألم ، لايتردد في أن يختار لكتابه عنوان: "مصر ليست أمي ..دي مرات أبويا"! رافضا تلك العقلية التي تتملكها الأنانية والقسوة فتتنكر للسواد الأعظم من الشعب ، الذي هو من لحمها ودمها، إذ ينتمي الكل إلى أب واحد وأم واحدة ، لكن أصحاب تلك العقلية النرجسية الشحيحة تعاموا عن وجوده ندا لهم فلم يعودوا يرون وجودا للشعب إلا في ذواتهم ، وقد استحضروا لأنفسهم مظاهر الأرستقراطية البائدة وانتفشوا بالغرور والمظهرية زاجرين السواد الأعظم من الشعب ليختفي ـ مثل سندريللا ـ وراء الستائر حتى لا يعكر واقعه العشوائي البائس عليهم صفو التصور بأن ديكورات الترف المزيف ، التي أحاطوا بها أنفسهم ، هي الحقيقة الوحيدة لواقع البلاد .

إنهم لايدركون أن ديكوراتهم رسم ردئ للمحات من معيشة غربية زهد فيها أصحابها ، الذين ، لاشك ، يصيبهم الغثيان من جراء التباهي بديكورات رديئة منقولة عنهم ، ولن يترددوا في البحث عن وجه شعبي يرون في صدقه كل الجمال رغم البؤس والإهمال ، الجمال الذي يزين البلاد بأصالته فيمحو آثار الإساءة الحقيقية لسمعة الوطن ، الإساءة التي جلبتها علينا ديكورات الزيف والتكبر والأنانية.

على العموم:  ليس ممكنا أن تظل سندريللا مختفية ومطمورة إلى الأبد تحت الكراسي الوثيرة!

الخميس، 9 ديسمبر 2010

التأريخ بالهجري

في مفكرة زرقاء تعود إلى عام 1937 بالتقويم الميلادي كتب والدي يوم الثلاثاء 17 أغسطس :" بحمد الله وعنايته في هذا اليوم السعيد وفي الساعة 9 و15 صباحا ولدت لي بنت من زوجتي خديجة هانم واسمها صافي ناز جعلها الله سعيدة وموفقة آمين" ، إلى جانب التأريخ الميلادي كان هناك الهجري : 10 جماد ثاني 1356، ثم التأريخ القبطي :  11 مسري 1653 ، حسبت حسبتي فوجدت أن عمري بالهجري يكون بزيادة عامين عن الميلادي والقبطي.  ابتسمت : هل هذا هو السبب في هجر المصريين التعامل مع الهجري ؟

إلى زمن كنت فيه تلميذة، من الروضة حتى الإبتدائي والثانوي في المدارس الحكومية المصرية ، كانت كتابة التاريخ الهجري على اليمين والميلادي على اليسار من القواعد الملزمة للمدرسين والتلامذة ،وكانت هذه المزاوجة ضرورية في نظر البعض يتحسر بسببها البعض الآخر على أيام إنفراد التقويم الهجري بالساحة ، إعتزازا بهويتنا العربية والإسلامية و تواصلا مع تراث أمتنا الثقافي والأدبي الذي ظل حتى السنوات الأولى من القرن العشرين الميلادي يعتمد الهجري في مدوناته ومراسلاته ومذكراته وشواهد القبور.

تدريجيا أصبحت المزاوجة بين الهجري والميلادي اختيارية تمهيدا لإهمال الهجري لصالح الميلادي!  الطريف أن العامة ، الذين لم يعودوا يعرفون من الهجري إلا رمضان وشوال وذو الحجة والمناسبات الدينية التي يحرصون على صيامها والإحتفال بها ويســمونها "الموسم" ، لم ينشغلوا بمعرفة أسماء الشهور الميلادية الثقيلة عليهم مكتفين بترقيمها: شهر واحد اثنين ثلاثة.....إلخ!

لاشك أنني من المنحازين إلى الهجري دينيا وثقافيا ووجدانيا ، ولو أضاف إلى سنوات عمري زيادة  إلى الثمانين ، وأغبط من هو متمسك به في زمن يتجه إلى طمس ملامحنا لصالح إبراز ملامح الأعداء ولو بالتزوير والإدعاء ، وأظن القارئ يفهم مقصدي من دون شرح طويل في مؤامرات الغزو الفكري المتولد منه المسخ العلماني والمكر اللاديني والتربص الصهيوني!

قلت لصديقات جيلي وزميلات عمري :  هه! كل سنة وأنتن طيبات عمركن بالهجري زائدا عامين!

صحن بوجهي : ياسم م م م م م م م م م م!

الاثنين، 6 ديسمبر 2010

أربعون سنة على حرب الإستنزاف:


زيارة لشهداء المقاومة المصرية للعدوان الصهيوني

قلت لسائق العربة الأجرة: إصعد بي إلى هناك.
شعرتها الكلمة "إصعد"، رغم أنني لاأعرف إذا كان الطريق صعودا أو هبوطا. أحيتني رائحتهم: أريج الزهور والفل والريحان وكانت معي أطواق الياسمين. لم أبحث عن واحد؛ كلهم ذلك الواحد الذي يعنيني: الذي جعلني أبتسم وأشرق بالدموع. كنت أسير شوارع القاهرة هبوطا كلها، وجهي كالح جاف والخسوف كامل يجعلنا لو نظرنا في قرص الشمس نعمى، والأرض الملتهبة ترفضنا: حزن أزرق مرشوق حصاة وسط القلب.

مجموعة القرفل أمامي لكني اخترت أطواق الياسمين ياحبيبي؛ لم أعنها واحدا بالذات حين نظرت إلى مجموعكم الممتد؛ "ياحبيبي" كلمة لاجمع لها: يا أنتم، يا وجهنا الجميل، حين طفت أتفقد أسماءكم اطمأننت: مجموعكم الممتد هنا هو ثمن أن ينفك عنا الإختناق ونتنسم الهواء فهاكم أطواق الياسمين يا حبيبي.

قال سائق العربة الأجرة: قريب لك؟
قلت: وأنت أليس لك قريب؟
قال: كلهم أولادنا.
قلت: نفس قرابتي ياولدي!
ضحك وضحكت وسارت بنا العربة صامتين حتى قال: لم تقولي "مقابر الشهداء".
ـ قلت إصعد بي إلى هناك.
ـ لذلك عرفت.
ـ كرهت أن أسميها مقابر.
ـ شواهد.
ـ نعم!

هبطت في ملقف الطرقات وعند المقهى لفحتني رائحة الموت وقالت لي محاجر العيون المتآكلة، ثمار غابة الشجر المر واللبلاب:
ـ لافائدة من شئ.
قلت وكفّي بها عبير الياسمين:
ـ الشواهد قالت لي غير ذلك.

هبطت هبطت حتى صعدت الدروب المنسية وتغلغلت في قرى الطمي، العيون التي أعطت سألتني :
ـ هل السماد طيب؟
العيون التي أعطت تقول:
ـ لايزال المزيد لدي.

قالت لي الشواهد: ابن قرية الطمي يعرف كم هي غالية الأرض ويفهم الأمر؛عدو يمنعه العلم والزرع والحصد.

في ملقف الطرقات حيث يكثر اللغط وتتحدث محاجر العيون المتآكلة بالموات؛ حيث لا تلطم الأكف إلا أوجهها ولا تطعن الأيدي إلا صدورها، في غابة الشجر المر واللبلاب حين همهمت ترنيمة الشهيد: "جابوا الشهيد جابوه، جابوا العريس جابوه..." أصمتوني في استهانة وبلادة: عزاء لاجدوى منه!

في حديقة الشواهد حيث حملت الياسمين وحيث غنيت وبكيت قلت للشواهد:
ـ حين أبكي أعرف أن أبتسم، حين نتعزى نعرف أن نتواصل، الصبر ليس سكونا؛ الصبر ديمومة تحريك الهواء حتى يتنفس الإختناق.

قالت لي الشواهد:
ـ لاجدوى في غابة الشجر المر واللبلاب: نحن قد أتينا من قرى الطمي ومن الدروب المنسية.
تمتمت:" يابلدي هاتي ماتعديش، عنا ولادك ماتخبيش".

قالت الشواهد: نحن لا ننتهي.
قلت: زرع القرون الطويلة لا ينخلع.
قالت الشواهد: وحين تذرونا العاصفة يشدنا الجذر.
قلت: وننبت أبدانا خضراء.
قالت الشواهد: الغصن الأخضر لا تحرقه النار.
قلت: الغصن الأخضر نقلب به الجمر:
"ياعود نبّت في أرضي وشب
وردة جديدة مروية بدم القلب"!

الأحد، 5 ديسمبر 2010

من آيات الذكر الحكيم سورة البقرة 159 و160

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون(159)إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأؤلئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم(160)

صدق الله العظيم

السبت، 4 ديسمبر 2010

جديد دكتور محمد عبد الفضيل القوصي حفظه الله

القراءات الجديدة للقرآن الكريم‏...‏بدعة العصر‏(2-2)‏
بقلم: د.محمد عبدالفضيل القوصى 

حين تعود الأمة بذاكرتها إلي العصر النبوي الزاهر فإن أحد المشاهد التي تظل ماثلة في وعيها‏:‏ مشهد الصحابة رضوان الله عليهم‏,‏ وهم يتلقون آيات القرآن الكريم من فم الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم‏.

ثم يسارعون إلي إنفاذها وتطبيقها دون إبطاء أو تسويف‏,‏ وما كان هذا الإنفاذ والتطبيق ليتم علي وجهه إلا إذا كان لتلك الآيات الكريمات في أذهانهم‏:‏ معان محددة‏,‏ ودلالات منضبطة‏,‏ ومفاهيم مستقرة‏,‏ ثم تتعاقب السنون فإذا بعلماء الأجيال التالية ـ من الأصوليين والمتكلمين والفقهاء وغيرهم ـ وهم عاكفون علي تلك المعاني والدلالات والمفاهيم يؤصلون منها الأصول‏,‏ ويؤسسون لها الأسس‏,‏ لكي تكون سياجا منيعا قوامه العلم الرصين والمعرفة الدقيقة التي تصون قدسية القرآن الكريم من عبث العابثين وزيغ الزائغين‏,‏ وجرأة القائلين علي الله تعالي بغير علم‏.‏
وهكذا انتهت الدلالات والمضامين القرآنية إلي وعي الأمة‏:‏ ثابتة راسخة مستقرة‏,‏ حتي نبتت طائفة التنوير والحداثة‏,‏ فإذا بها تري في هذا الثبات والرسوخ والاستقرار‏:‏ حائطا شاهقا يحول بينهم وبين‏'‏ تطويع‏'‏ تلك الدلالات والمضامين لما يظنون أنه من مقتضيات التنوير‏,‏ واستحقاقات التقدم‏,‏ ورهانات الحداثة‏,‏ كما يحول بينهم وبين ما يشتهون من‏'‏ إقحام‏'‏ مفاهيمهم ذات الجذور العلمانية علي نسيج الإسلام الحي‏,‏ و‏'‏إسقاطها‏'‏ علي كيانه الراسخ‏!!‏
إنه إذا كان‏'‏ منطوق‏'‏ القرآن الكريم بألفاظه وعباراته هو‏'‏ الجانب الثابت‏'‏ منه فإن البشر حين يتلقونه ـ كما تزعم تلك الطائفة من التنويريين والحداثيين ـ يقرأونه‏'‏ قراءات‏'‏ شتي بحسب ثقافات عصورهم‏,‏ ويعطونه دلالات تتجدد وفقا لتجدد الواقع الذي يعيشونه‏,‏ دون ثبات لقراءة ولا دوام لدلالة‏,‏ فلا فضل لقراءة علي أخري‏,‏ ولا يقين في قراءة دون الأخري‏,‏ لأنها جميعا‏'‏ قراءات‏'‏ نسبية ودلالات متجددة‏,‏ وبتلك القراءات النسبية التي يفرزها‏'‏ واقع‏'‏ البشر‏,‏ وثقافة عصورهم يتحول النص القرآني إلي‏'‏ منتج ثقافي‏',‏ يتحرك تبعا لتحرك‏'‏ الثقافة‏',‏ ويتبدل طبقا لتبدل الواقع‏,‏ بحيث تكون الثقافة هي الفاعل‏,‏ والنص هو المنفعل‏!!‏
لا مناص إذن عند تلك الطائفة ـ بمقتضي التحول بالقرآن الكريم إلي‏'‏ منتج ثقافي‏'‏ من أن يكون فهمه مرهونا ـ لا بضوابط أو دلالات اللسان العربي الذي نزل به ـ بل بثقافة من يتلقونه من البشر‏,‏ ومرتبطا بمكونات تلك الثقافة وقيمها‏!!‏
فهذا النص القرآني ـ كما يقول قائل منهم ـ لا يتضمن‏'‏ معني‏'‏ مفارقا مطلقا مقدسا‏,‏ بل إن تأويله البشري عند من يتلقونه ـ هو الذي يضفي عليه‏'‏ المعني‏'‏ الذي تنتجه وتـنضح به ثقافة العصر السائدة‏!!‏
إذن فالخطاب القرآني بحكم كونه‏'‏ منتجا ثقافيا‏'‏ لا يفهم ـ كما يقول ذلك القائل ـ إلا من خلال ثقافة الظرف الاجتماعي المحيط‏,‏ أما حين يتغير المجتمع وينتقل من طور إلي طور ومن ثقافة إلي أخري فحينذاك يتبدل ذلك الفهم حتما‏,‏ لأن السياق الاجتماعي الخارجي‏:‏ هو السياق المنتج‏,‏ ومن ثم فهو السياق الذي يتحتم علي النص القرآني أن يتواءم معه ويتسق مع متطلباته‏,‏ حتي ولو أدي ذلك إلي إسقاط كثير من الأحكام النصية بوصفها أحكاما مرتبطة بتاريخها‏!!‏
وهكذا يتم وبجرأة منقطعة النظير‏:‏ الدنو بقدسية القرآن الكريم‏,‏ والهبوط بمستوي خطابه الإلهي إلي أن يكون فارغا من المحتوي‏,‏ خلوا من المضمون‏,‏ لأن تشكيل محتواه ومضمونه ودلالاته ـ في ضوء تلك القراءات‏:‏ إنما هو صنيعة السياق الاجتماعي والثقافة السائدة‏,‏ ولأن هذا الخطاب الإلهي ـ في هذا الفهم الكليل ـ ليس سوي مجموعة من الرموز والدلالات الاحتمالية المفتوحة‏,‏ بوسع كل ثقافة أن تفسرها في ضوء مقتضيات عصرها‏,‏ وتبعا للقيم التي تسوده وتتحكم فيه؟‏!!‏
نقاط عدة ينبغي تأملها مليا في هذا الصدد‏:‏
أولها‏:‏ إن هذا الفهم الكليل قد تحول بالخطاب القرآني من أن يكون ناطقا‏'‏ بمرادات‏'‏ الله تعالي من عباده‏,‏ وهو ذلك المعني الجوهري البدهي الذي يتضمنه الإيمان‏:‏ إلي أن يكون ناطقا‏'‏ بمرادات‏'‏ البشر أنفسهم من أنفسهم‏,‏ وبذلك شوه هذا الفهم علاقة الدين بالإله تعالي‏,‏ بل شوه البعد الغيبي كله‏,‏ وكذا البعد الأخروي بأسره‏,‏ فأي معني للحساب والجزاء في‏'‏ دين‏'‏ لا يستشرف إلي ما وراء‏'‏ ثقافة العصر‏',‏ وسياقاته الاجتماعية‏,‏ ولايعدوهما قيد أنملة ؟
ثانيها‏:‏ إن التحول بالقرآن الكريم إلي‏'‏ منتج ثقافي‏':‏ يهدم‏'‏ مطلقية‏'‏ القيم الخلقية وعموميتها‏,‏ فالقيم في القرآن الكريم عامة مطلقة‏,‏ فالحق هو الحق‏,‏ والخير هو الخير مهما تبدلت السياقات الاجتماعية والأنساق الثقافية‏,‏ أما حين يرتبط القرآن الكريم‏'‏ بثقافة منتجة‏',‏ دائمة التغير والتبدل فلن يكون لمفهوم‏'‏ الحق‏'‏ ثبات‏,‏ ولا لمضمون‏'‏ الخير‏'‏ دوام‏,‏ لأنه سيكون بوسع كل ثقافة أن تتصور‏'‏ الحق‏'‏ كيف تشاء‏,‏ وأن تحدد الخير علي النحو الذي تريد‏!!‏
ثالثها‏:‏ إن القول بأن القرآن الكريم ـ بحكم كونه‏'‏ منتجا ثقافيا‏'‏ لا يتم فهمه إلا من خلال مفردات الثقافة التي أنتجته‏:‏ يعني ـ بالضرورة ـ أن القرآن الكريم ـ وحاشاه ـ سوف يكون نهبا لاختلاف الثقافات المتعددة المتكثرة التي تتناوب علي فهمه‏,‏ وتتعاقب علي تفسيره‏,‏ وحينئذ فأين الدلالات‏'‏ الأصلية‏'‏ للقرآن الكريم ذاته؟ أيكون القرآن الكريم في حد ذاته إذن مجرد‏'‏ ألفاظ‏'‏ جوفاء يتلو بعضها بعضا‏,‏ دون دلالة أصلية‏,‏ لأن دلالتها الأصلية‏:‏ موكولة إلي ثقافات العصور المتبدلة‏,‏ وإلي السياقات الاجتماعية المتقلبة؟
رابعها‏:‏ بأي معني حينئذ يكون القرآن الكريم‏'‏ فرقانا مبينا‏'‏و‏'‏ هدي للناس‏'‏ و‏'‏ بينات من الهدي والفرقان‏'‏ ؟؟ بل أية‏'‏ رسالة‏'‏ يحملها القرآن للبشرية‏,‏ وقد مزقت تلك القراءات المبتدعة‏:‏ مضامينه ودلالاته الثابتة الراسخة كل ممزق‏,‏ وتركتها رهنا‏'‏ لثقافات العصور‏,‏ ونهبا لسياقاتها الرجراجة المتحركة ؟ ثم ماذا يبقي من‏'‏ إعجاز‏'‏ هذا الكتاب العزيز بعد ذلك كله؟؟
خامسها‏:‏ إنه لا ينبغي أن يذهب بنا الظن إلي أن سطوة الثقافة المنتجة علي النصوص القرآنية‏:‏ تقف ـ في نظر تلك الطائفة ـ عند حد‏,‏ فآيات التشريع والحدود لا ينبغي أن تفهم ـ عندهم ـ إلا في ضوء‏(‏ الثقافة المنتجة‏)‏ دون التقيد بحرفية النصوص‏,‏ كما أن الآيات‏'‏ الاعتقادية‏',‏ التي تتحدث عن الملائكة والجن وصور الثواب والعقاب هي الأخري ـ بالتعبير الحرفي ـ‏'‏ مرتهنة‏'‏ بمستوي الوعي‏,‏ وبتطور مستوي المعرفة في كل‏'‏ عصر‏'!!‏
ويستطيع المسلم هنا أن يلمس بجلاء‏:‏ المآل الذي سيئول إليه تصوره الاعتقادي حين يحتكم إلي‏'‏ الثقافة السائدة‏'‏ وإلي‏'‏ السياق الاجتماعي‏'‏ في الإيمان بالغيب بعامة‏,‏ ثم بغيبيات الدار الآخرة التي‏'‏ فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر علي قلب بشر‏'‏ بخاصة‏,‏ كما يلمس أيضا ما تهدف إليه تلك القراءات من إهدار غشوم لدلالات الخطاب القرآني المحكم دون أساس من النقل‏,‏ أو شاهد من العقل الرشيد الذي يدرك أن اقتحامه لعالم الغيب‏:‏ إنما هو ـ علي حد تعبير بعض المحققين ـ اقتحام البصر الكليل الذي ينقلب به صاحبه خاسئا وهو حسير‏!!‏
ثم أقول أخيرا إن تجريد القرآن الكريم من دلالاته الثابتة ومضامينه الراسخة‏,‏ ثم التحول به إلي كونه‏(‏ منتجا ثقافيا‏)‏ يعد واحدة من أبرز نتائج تلك القراءات الحداثية والتنويرية إغرابا وشذوذا‏,‏ كما أنها أكثرها تهافتا وبطلانا‏.‏












الخميس، 2 ديسمبر 2010

فنان مصري اسمه عصمت داوستاشي


عصمت داوستاشي فنان تشكيلي مصري شهير جدا، نشيط جدا، حزين جدا، لا يكف عن الكلام، أو العمل، ويظل حزينا جدا. أصدر عصمت داوستاشي الجزء الأول من سيرته الذاتية: «ذكريات سكندري، 1943/1963»، يحتوي سيرته الذاتية في السنوات العشرين الأولى من حياته، منذ مولده في مارس 1943 حتى مبتدأ دراسته في كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية، وقد أعطى هذه المرحلة عنوان «الرملة البيضاء»، على أن يكون الجزء الثاني: «الرملة الحمراء»، والجزء الثالث «الرملة السوداء».

يقول عصمت داوستاشي في تقديمه لمذكراته: «أكتبها وأنا أشعر بوهن الذاكرة وبداية تلاشيها، لأسجل أحداثا وأماكن وظروفا وناسا رأيت الآن وقد تجاوزت الستين من عمري أنها أشياء جديرة بالتسجيل وبالكتابة عنها والإشارة إليها قبل أن يسحبها النسيان إلى العدم. ولا أستطيع أن أقول إنها سيرة ذاتية، لأنها بحق ذكريات سكندري، عن مدينته وأسرته والظروف التي شكلته، إنها عالمي الخاص، مدينتي الإسكندرية..»، ولا يستغرق الكتاب سوى 156 صفحة تشمل بعض الصور العائلية القديمة للجد والجدة والوالد والعائلات الصديقة ومن ورد ذكره في الذكريات.

ينقسم كتابه إلى أربعة فصول: 1 – الجريتلية (الجريتلي هو الكريتلي نسبة إلى جزيرة كريت). 2- البكتاشية، 3- شوارع وحوار وبيوت، 4- سحر الكتب، هذا بعد عنوان: «زمن البراءة والحب والاكتشاف»، الذي نعرف من خلاله: «الرملة البيضاء» بأنها شاطئ يتوسط الميناء الغربي لمدينة الإسكندرية وخلفه مباشرة فنار المدينة، وبجواره جزيرة رأس التين حيث قصر الملك، وهذا الشاطئ الساحل الصغير المفروش بالرمال الناصعة البياض عبارة عن جزيرة صغيرة نصل إليها بالمراكب الشراعية، ولم يكن يذهب للاستمتاع برمالها ومياهها الصافية إلا عدد قليل من الناس، كان معظمهم أجانب في ذلك الزمن، نهاية الأربعينيات من القرن الماضي، يقول عصمت في ذلك: «كنت وقتها طفلا صغيرا في السادسة أو السابعة من عمري، وكان جدي إبراهيم ـ الذي يعمل قهوجيا في مقهى الحاج مصطفى الجريتلي المواجه لباب خمسة بالجمرك – يسلمني لريس المركب الشراعي... ليذهب بي إلى الرملة البيضاء للفسحة، ثم يعود بي مرة أخرى إلى المقهى. كنت أقبع داخل المركب خائفا من البحر... تغمرني رائحة الميناء... كنت أرى الأجانب... يونانيين وطلاينة يستحمون ويلعبون بحرية ومرح.. وما زالت الرمال البيضاء في كياني وروحي وقلبي... منذ ذلك الزمن البعيد امتلأت بالنقاء والحب وظللت ذلك الملاك الصغير المتشبث بحبال الشراع المنتظر العودة للديار، الذي يرى ويستمتع بكل شيء إلى أن يحين وقت الرحيل الأكبر فينطلق ويطير». على الرغم من هذا المفتتح المتفائل لا يجد عصمت داوستاشي غضاضة في أن يناقض نفسه قبل نهاية الكتاب بصفحات قليلة، فيقول: «حين أعاود قراءة السطور السابقة أكتشف أنني لم أكتب الكثير، لدي ما أقول بين السطر والآخر، ولكن وبصدق أشعر بأن كل هذه الذكريات سخيفة وساذجة، فطالما لم يدفعنا الماضي إلى مستقبل أفضل فهو ماض وتاريخ فاشل ومحبط، لأننا الآن وغدا ننحدر إلى أسوأ ما نكون، ولعل الصمت كان أفضل من هذا البوح الرومانسي الذي نميل إليه».

والحقيقة أنني وأنا أقرأ ذكريات داوستاشي لم تهمني تلك التناقضات في مشاعره وأقواله، وتقلبه بين المرح والفرح وبين «العكننة» والتذمر ونوبات الجهامة والاكتئاب، أليست هي أيضا طبيعة البحر بين زمجرة الموج العالي اللاطم، وإشراقه الهادئ الناعم، والموجة تجري ورا الموجة عاوزة تطولها؟

أمتعنى كتاب داوستاشي، في ظل كل هذه الجهامة التي حولنا وظللت، في كل أحواله، أقرأه وأنا مبتسمة، بل لم يفتني أن أضحك في بعض فقراته وأقهقه. سأعبر الكثير من الصفحات لأصل إلى الفصل الذي كتبه داوستاشي تحت عنوان «الجريتلية» حين يحكي عن أصل عائلته التي اضطرت إلى الهرب من جزيرة «كريت»، بعد الحرب العالمية الأولى، (1914 – 1918)، فرارا من الاضطهاد الديني الذي جعل التعداد المسيحي في الجزيرة يتربص بإخوانهم المسلمين، من أهل الجزيرة الذين يحملون الملامح نفسها والسمات ويتشاركون في الأرض واللغة والمواطنة. كان المسلمون من أهل الجزيرة مستهدفين في كل وقت بالقتل والاغتيالات، مما أدى إلى هروب الكثيرين، كما يذكر داوستاشي، «إلى تركيا أو بلاد الشام أو مصر خاصة مدينة الإسكندرية، وإلى سواحل شمال أفريقيا، خاصة مدينتي سوسة وبنغازي في ليبيا، وأصبحت في كل مدينة ساحلية بحوض البحر الأبيض المتوسط جالية جريتلية مسلمة أشبه بالقبيلة.. وقد ولدت أنا في مدينة الإسكندرية لأجد نفسي منتميا إلى القبيلة الجريتلية السكندرية من جهة والدي...».

يشرح عصمت سبب لقبه داوستاشي قائلا: «... حتى أواخر الستينيات لم أكن أعرف حكاية اسم داوستاشي»، لكنه قابل في ليبيا واحدا من أقربائه اسمه «حسين إليفاتشي.... وعندما سألته عن اسم إليفاتشي أجابني بأن اسم أسرتي أنا الآخر هو داوستاشي وأخبرني أن جدي إبراهيم عندما حضر إلى مصر لم يذكر هذا الاسم مطلقا، وهكذا عندما عدت في إجازة للإسكندرية بحثت في أوراق الأسرة وعثرت على وثيقة زواج جدي إبراهيم بجدتي خديجة شبرا هانم، وكان لقب جدي في هذه الوثيقة هو داوستاكي....داوستاشي....الاسم المتداول الشعبي لداوستاكي اسم كريتلي صرف، وهكذا عرفت لماذا كانوا ينادوني وأنا صغير باسم «تاشي»، فالحروف النهائية الألف والشين والياء حروف تضاف لجعل الاسم أكثر حميمية في نطاق الأسرة... ومنذ ذلك التاريخ استعملت هذا اللقب داوستاشي اسم شهرة لي، أوقع به لوحاتي، وكنت معروفا قبلها باسم عصمت عبد الحليم».

يحكي عصمت داوستاشي عن واقعة هروب جده إبراهيم والد والده: «.... كان جدي وأحد أقاربه خارجين من المقهى في قريتهما المجاورة لخانية، عاصمة كريت، حين أطلق عليهما الرصاص فقتل قريبه فورا، هكذا كان يتم تصفية المسلمين من أهل الجزيرة، ثم استدعوا جدي للتجنيد ليرتدي ملابس الجنود اليونانيين ليحارب أهله... فقرر الهرب من الجزيرة كلها.... تم لفه في سجادة والمرور به من المنطقة الجمركية إلى السفينة المتجهة للإسكندرية.... وعندما وصلت السفينة الإسكندرية ذهب مصطفى أفندي الجريتلي صاحب مقهى باب ستة، كقهوجي يرتدي ملابسه التقليدية فوطة وغطاء رأس ويمسك بصينية عليها أكواب الشاي والقهوة ودخل الميناء من باب الجمرك كعادته في توصيل الطلبات، والتقى بجدي إبراهيم داخل السفينة وأعطاه ملابس القهوجي والصينية، أخذها جدي وخرج من المنطقة الجمركية وهكذا وجد نفسه في المدينة. هذه الحكاية سمعتها من جدي مباشرة ومن جدتي وأحكيها هنا للمرة الأولى، وعندما سألت عن سبب اختفاء اسم داوستاشي علمت أن جدي لم يذكره في أوراقه بمصر لأن اليونانيين كانوا يرسلون جواسيس يبحثون عن الجريتلية الهاربين من التجنيد والقبض عليهم وترحيلهم مرة أخرى إلى كريت، التي أصبحت يونانية بالكامل... كان جدي يسمع وهو يعمل بالمقهى بعد وصوله، من ينادي اسم داوستاشي فيتجاهل هذا النداء تماما، وإلا قبض عليه كهارب من العسكرية اليونانية وهو الذي هرب... حتى لا يضطر لأن يقاتل أهله من المسلمين ويحاربهم...».

بعد أن تزوج الجد إبراهيم الجدة خديجة شبرا هانم، من القبيلة أو الجالية الكريتلية، تمت ولادة عبد الحليم إبراهيم، أبو عصمت، سنة 1920 بالإسكندرية، ويقول عصمت: «في الإسكندرية عاش جدي وجدتي عيشة فقيرة للغاية..»، ومع ذلك استطاعا أن ينهضا وأن يتركا في ذاكرة الحفيد، عصمت، الحنين الأبدي إلى تدليلهما: «.. عايشت الحياة الجريتلية في منزل جدتي والحياة المصرية في منزل أمي وتكونت هكذا شخصيتي، مزيجا من الحياتين اللتين كونتا شخصيتي السكندرية البحر متوسطية عن حق».

وأكتفي بهذا القدر من وجع القلب.