الجمعة، 8 نوفمبر 2013

بمناسبة اعادة إعتقال ابنها ظلما أتذكر هذه الأم الباسلة:

يوم الخميس 24 أكتوبر 2013 تم إعتقال نجيب عبد الفتاح إسماعيل ابن الحاجة عائشة إسماعيل رحمها الله، التي أحكي هنا حكايتها وحكايته:

الحاجّة عائشــــــــــة إسماعيل

تستحق مني هذه "السيدة الأولى" أن أكتب عنها متذكرة بطولتها واحتمالها الخارق للعادة؛ الحاجة "عائشة اسماعيل"، التي انتقلت إلى رحمة الله قبل عصر الثلاثاء 11 سبتمبر 2012، هي واحدة من سيدات مصرالأوَل - بالضمّة على همزة الألف والفتحة على الواو- اللاتي لا ينتظرن من بشر جزاء ولا شكورا، من الأمهات اللاتي تنقلن من سجن لآخر بالمشوار، من قبلي إلى بحري، وراء فلذات أكبادهن المعتقلين ظلما تحمل الزاد، الذي كان غالبا ما يلقى به على رمال الصحراء في الوادي الجديد بعد رحلة ســفر شــــاقة، ومعها طابور طويل من رفيقاتها، من بلدتها الدمياطية سواحل كفر البطيخ. بلاد شالتها وبلاد حطتها،على طول سنوات العهد الساداتي و عهد مبارك، اعتقل  كل رجال عائلتها وعلى رأسهم ابنها، الذي استمر اعتقاله منذ 1994 حتى 2009، من دون محاكمة، من دون حكم قضائي، و كل عيد كانت الحاجة عائشة تقول :"يمكن يفرج عنه هذه المرة"، وهيهات!  تقدم التظلمات وتتعشم في إخلاء سبيل تقرره النيابة، وهيهات!  وحين ارتاحت الحاجة عائشـــة عندما اســـتقر ابنها لبعض الوقت في ســـجن وادي النطرون، لقربه نســــبيا من دمياط، لم يدم لها هذا "الهناء!"؛ إذ في لحظة انتظارها للعيد وأملها "يمكن يفرجوا عنه هذه المرة" جاءتها الأنباء التي هدت حيلها "أخذوا ابنك على ســجن الخارجة..."، أين هذا الســـجن؟ و كيف يمكن وقد تعدت الســــبعين وتئن من آلام الظهر والمفاصل وأوجاع الركبة أن تجول وتصول مع المركبات والمســافات كســابق عهدها القادر على الصبر والإحتمال؟

أتذكر صوتها الذي جاءني مزغردا عبر الهاتف الساعة السادسة صباح السبت 7 نوفمبر 2009 : "أفرجوا عن نجيب !". أخيرا ؟ بعد إعتقال دام 15 سنة  كبر خلالها أطفاله: عمار وخباب والبراء وعبد الفتاح وأنس وسالم وعاتكة ، حتى صاروا عرسانا! أضاحكها: "أنا عرفت ياحاجة عائشة سبب إعتقالهم نجيب: ده كان عشان أسامي ولاده!".

نعم إنها الصابرة عائشة اسماعيل، "أم نجيب" التي أناديها "أم أمل" نسبة إلى إبنتها التي قابلتها في سجن القناطر للنساء؛ حين تم اعتقالها واعتقالي  فجر 3 سبتمبر 1981 ضمن القطفة الأولى لما يسمى الآن "اعتقالات سبتمبر 1981 الشهيرة"، وكانت أمل عروس في الثامنة عشر من عمرها في شهور حملها الأولى، وحين أتى يوم الإفراج عني  في 25 نوفمبر 1981 أعطتني خطابا  كتبته  إلى أمها، ما أن استلمت الحاجة عائشة خطاب إبنتها حتى وجدتها تدق بابي ديسمبر 1981 لتستمر صداقتنا  حتى رحيلها إلى بارئها.

 كانت مســاعي الدكتورأحمد فتحي سرور، قد نجحت في إعادة المعتقل نجيب عبد الفتاح إسماعيل، مارس 2009، إلى السجن القريب من أهله؛  إذ بعد أن قرأت في 9 ديسمبر 2008  مقالا للدكتور  بعنوان "حقوق الإنسان بين الشعار والتطبيق"، نشرته جريدة الأهرام  في إطار إحياء الذكرى الـ 60 للإعلان العالمي لحقوق الإنســـان،  نهش الحزن قلبي وصوت الحاجة عائشــة اسماعيل لايفارق أذني: "رحلوا نجيب على ســجن الخارجة...."،  أسرعت أهاتفه وأنقل إليه صرخة الحاجة عائشة: ماذا تكون إجابتك لهذه السيدة  يا رئيس مجلس الشعب؟،  طالبته بالإفراج عن المعتقل بضمان أمه لكنهم قالوا له إنه من الخطرين وفقا لقاعدة تجفيف المنابع!  قلت له: طيب يعود ، على الأقل، إلى المعتقل القريب من أهله!  لبى الرجل الرجاء ونجحت مســاعيه. هاتفته أشكره : نصف الظلم ولا الظلم كله يادكتور أحمد فتحي سرور!

  غير أن الله شاء صباح السبت 7 نوفمبر 2009 أن يرفع عن المظلوم الظلم كله ولو بعد حين، فحمدنا الله رب العالمين.

ثم قامت ثورة 25 يناير 2011 فحمدنا الله أكثر وأكثر، وذهبنا للإنتخابات مرة للبرلمان، ومرة للدستور، ومرة لمجلس الشورى، ومرة لرئاسة الجمهورية، ثم كان ما كان، وبعده كان ما كان، حتى أصبحنا مع ماهو كائن!

وعاد نجيب، البالغ 60 عاما، ليبتلي، هو و7 أبرياء معه، بدورة الظلم الجديد من جديد! ولم لا وقد عادت دولة مباحث أمن الدولة، بيدها التي من نار وحديد، تمارس براعتها الفائقة في الظلم الغاشم بملفات تراثها الغبي الغني بتهم الزور والإفك والبهتان تنثرها كما تحب وتشاء على عباد الله وسط تصفيق حاد من جمهرة الوحوش الإعلامية التي تمتد من أول لميس الحديدي حتى عمرو عبد السميع مرورا بكل الرهط المعروف لدى من لايزال لديه حتى الآن القدرة على مشاهدة التلفزيون ومتابعة ما تمت تسميته: "الإعلاااااااممممممم"!



آية 35 من سورة الأنعام:

بسم الله الرحمن الرحيم: "وإن كانَ كبُر عليك إعراضُهُمْ فإن استطعت أن تبتغيَ نفقا في الأرض أو سُلّما في السماء فتأتيَهُم بآية ولو شاء اللهُ لجَمَعَهُمْ على الهُدى فلا تكونَنّ من الجاهلين (35)" صدق الله العظيم.

الخميس، 7 نوفمبر 2013

بلاغ إلى السيد النائب العام:

كتب المسكين عمرو عبد السميع هذه الكلمات اليوم بجريدة الأهرام، (7 نوفمبر 2013)، في سياق لا علاقة له بها: "..جواسيس الولايات المتحدة التي كانت تجهز لمؤامرتها الكبرى ضد مصر حتى وجدت فرصتها للنيْل منا يناير 2011..."؛ إنه لا يكف عن سب وقذف ثورة الشعب المصري المجيدة في 25 يناير 2011 منذ سُمح له بالكتابة يوميا في جريدة الأهرام، هذا الأمر الذي تمناه طويلا ولم يتح له إلا في فترة رئاسة الدكتور محمد مرسي وشبط به فوق أدمغتنا حتى الآن.

 أظن أنه من الضروري أن نتقدّم ببلاغ إلى السيد النائب العام ضد السيد عمرو عبد السميع عبد الله بتهمة سب وقذف الثورة العظيمة التي إنبثقت في 25 يناير 2011، ودأبه على إزدراء مشاعر الشعب المصري وشهداء الوطن بتمجيد من آذوه وآذوهم من القتلة واللصوص. 

الأربعاء، 6 نوفمبر 2013

طوق النجاة:


أبدا أبدا ليست مستعصية!

من أكثر المتحدثين إلى أنفسهم هو أنا، والحمد لله الذي جعل لي الكتابة، بالقلم أو بالحاسوب، ملاذا ألجأ إليه، تم نشرها أو إنكتمت في واحد من ملفاتي التي تحتفظ بما أقول لحين ميسرة نشر ولو بعد حين طالت سنواته أو قصرت، ولقد عرفت بالخبرة دعائي: الحمد لله الذي لم يجعل نشر مقالاتي بيد غيره.

 لقد أحببت منذ الستينات عنوان زاويتي "مونولوج" بمجلة الكواكب معللة ذلك بأنه يرفع الحرج فلا نؤخذ إلى التورط في سراب "الديالوج" الذي يعني وهم "الحوار"!
أكلم نفسي وليسمعني من يريد، وليهرب من يشاء، فالحرية لمن يشتاق إليها تأتي في هذا السياق، بحق، مكفولة ومؤكدة وبعيدة عن التزوير!

 تهديني ذاكرتي الآن غلاف رواية نشرتها سلسلة روايات الهلال أغسطس 2002 عنوانها: "حالة مستعصية" للأديب السكندري "سعيد سالم"، (فاز هذا العام بجائزة الدولة التقديرية)، وهو أديب لاذع يتملك سطوة المزاح بأدوات فن صعب؛ لا أتحمله إلا من الذين يعرفون دروبه ومسالكه فيتحركون على أرضه بشقاوة وحكمة ورشاقة وثقة، وخفة ظل أصيلة منحها لهم الله سبحانه موهبة لا صنعة فيها ولا تكلف، يوقظون الشغف للقراءة، وإن كتبوا المرفوض لدي فأسامحهم لبلوغهم براعة التوظيف.

 هذه الرواية، التي قرأتها منذ سنوات ونسيت، بالطبع، تفاصيلها تماما حققت حضورها في إحساسي وكلما عبرت بخاطري ترسم على وجهي الإبتسامة المخضلة بالحزن والمحن، يتكلم بطلها بالتداعيات، يطارده آخر بمكالمات هاتفية يسبه ويشتمه ويكيل له الإتهامات، ونظل نتساءل، مع بطل الرواية الحائر، عمن يكون هذا العنيد الذي يطارده بالسب واللعنات وسرد الفضائح حتى يكتشف المفاجأة ونعرف منه أنه هو في حالة "مونولوج" منقلب على نفسه؛ فهو المُطارَد ـ بفتح الراء ـ وهو المُطارِد ـ بكسر الراء ـ ! شكل أدبي لتصوير "ذات" تحاسبها نفسها اللّوامة بعد أن سجّلت عليها الخطايا والكذبات وادعاءات التقوى والإستقامة المزيفة.


لا خوف إذن لمن يريد طوق نجاة: اتركوا المجال متسعا للنفس اللّوامة تلهب سياطها أبدانكم ليل نهار ومن ثمّ تخرج "الحالات" من أزمتها وأبدا أبدا لن تكون مستعصية! 

الثلاثاء، 5 نوفمبر 2013

بنية الترويح عن النفس أحكي حكاية رحلة إلى مدينة تدمر السورية عام 1969 مع الشاعرين نجيب سرور وممدوح عدوان:



 لعلي أول من ذكر اسم «الشاعر» السوري ممدوح عدوان في منتديات القاهرة، حاملة دواوينه، متغنية بقصائده، منذ عدت من مهرجان دمشق المسرحي منتصف عام 1969، أقرأ لأصدقائي من أبياته كأني أعرض حالي:

«أنا أعرف كيف تضيق الأقبية الرطبة

كيف يضيق الصدر، وكيف يضيق الشارع

كيف يضيق الوطن الواسع

كيف يزور وجه الوطن الرائع

كيف اضطرتني الأيام،

لأن أهرب من وجه عدوي والضيف

لكني

حتي لو صارت علب الكبريت بيوتا

لو ينخفض السقف ويضحي تحت العتبة

لو ضم رصيف لرصيف،

صار الشارع أضيق من حد السيف

....................

....................

لو جار الأهل، تخلي الصحب،

وهاجر حبي كسنونوّة

لو هجم السيل،

لو انهدمت في حارتنا الجدران

سأظل وحيدًا في الحلبة

سأظل كآخر قنديل

بفتيل لا يتعبه التلويح

مرتعشا في العتمة حتي تطفئني الريح

....................

....................

....................

أنا أدراكم بالقهر،

بما في قلبي من قهر

لكني لن ألحق أحلامي جريا خلف مياه النهر

إني أنتظر الحلم القادم من ليل الموت

لا بأس إذا انتظر اليائس عاما أو عامين؟

....................

....................

....................».

كانت هزيمة 5/6/1967 خلفنا خنجرًا مسمومًا طعنة لابدة بالظهر، لا نكاد نصدق أننا بقينا بعدها أحياء، ولمدة عامين ياللهول ويا لطول الزمن الذي لا بأس إذا انتظر معه اليائس عاما أو عامين!

* * *

لقائي الأول بممدوح عدوان، الشاعر الشاب، المولود بقرية مصياف السورية 23 نوفمبر 1942، كان في مؤتمر الأدباء العرب الذي عقد ببغداد مارس 1969، لم يكن قد أكمل عامه السادس والعشرين، يعلن عن مقدمه بضحكات مجلجلة، ويغادر بخروج مماثل، وبينهما حالة شعر لا تهدأ ولا تكف عن الإنشاد بمفردات الموت والمقابر بعد التعب والقهر والمذلة. كنت مثله أضحك رغم قولي بيقين: لم يعد في قدرة العربي أن يستمتع.

 كان المؤتمر كاذبا مزيفا مخادعًا ككل المؤتمرات قبله وبعده، ونبتت صداقتي مع ممدوح عدوان باتفاقنا أننا لا نمت إلي المؤتمر بأي صلة. جاءتني دعوة، قبل ترك بغداد والعودة إلي القاهرة، لحضور مهرجان دمشق المسرحي.

 فيدمشق كان نجيب سرور مدعوًا، يجلس علي المنصة في ندوة من الندوات بين آخرين من المتكلمين. جلس ممدوح إلي جواري مع المستمعين، نافد الصبر مثلي، غضبان، يحتج، وبدأتُ المعارضة، وساندني في الشغب. لوهلة بوغت نجيب سرور لكنه سرعان ما انتفض:

«لأ... بقولكم إيه... هوَّه عشان ما أنا علي المنصة بقيت سلطة وبقيتم ثوار؟ آدي المنصة... وآدي الكرسي... أنا جاي جنبكم أصرّخ!» وأصبحنا ثلاثة من الضاحكين الباكين.

 كان بكاء نجيب سرور بكاء بدموع حقيقية منهمرة انهمارًا لايهدأ حتي وهو يقفش قفشاته ويطوح بدعاباته. قلت له يا نجيب هوّن عليك، ما كل هذه الدموع؟ واصل انتحابه: «بحبها بنت الكلب!» من هي يا نجيب؟ يواصل: «مصر يا صافي ناز.. بقي أطلب تأشيرة خروج.. يعطوها لي في ثواني، ولما كنت أطلب وأنا في موسكو تأشيرة عودة يماطلوني وأقعد سنين مش عارف أرجع مصر؟..» وينخرط أكثر في النشيج. لم أفهم تماما ماذا كان يقصد، لكني قلت له: يا نجيب أنا طلبت من ممدوح عدوان يرتب لي رحلة إلي «تدمر» لأني عاوزة أشوف مدينة الملكة زنوبيا اللي خالي « محمد فريد أبو حديد» كتب عنها روايته الرائعة «زنوبيا ملكة تدمر».. تحب تيجي معانا؟

قال بلهفة: «طبعا طبعا... وهي اسمها تدمر ليه؟ كانت بتدمر إيه؟» ويشرق بالضحك بين النشيج والنحيب وانسياب أنهار الدموع.

جاء ممدوح إلي قاعة الانتظار بالفندق ليعلننا بأن السيارة والسائق بالباب نحو «تدمر». قال نجيب: «تدمر... تدمر..آهي أحسن م العقدة!»، لم نكن ندرك بالتدقيق المسافة بين دمشق وتدمر، كان التصور عندي أنها بعد ساعتين أو أكثر بنصف ساعة. استراح نجيب سرور إلي جوار السائق يتمتع بوليمة بكائه يسح فيها بلا توقف، ولا نقاطعه إلا بتزويده بالمناديل الورقية لتجفيف الزائد علي حد البلل المحتمل. ممدوح يسألني: تحبي تسمعي شعر؟ وقبل إجابتي يكون الشعر سيالا ينتقيه من ديوانه الأول، «الظل الأخضر»، الذي صدر عام 1967، «حولي عينيك، إن الحزن يسري منهما نحوي كتيار، ومن دفقاته يهمي الشقاء...» أصغي وبيدي نسخة من الديوان المطبوع: «كان لي طفل بعمر الزنبقة، يرضع الريح ويغفو في المطر، ذات يوم..، هاجت الريح وناشت زورقه، لم يكن يخشي الخطر، ظن أن الريح لن تقوي عليه، إنها لن تغرقه، عانق الموج فلم أبصر يديه، رحت أجري لاهثا كي ألحقه، رحت أجري...، كان ظل الموت مرميا أمامي، خفت أن أعثر... أو أن أسبقه».

 كل كلامك عن الموت يا ممدوح؟ يدخل نجيب في الخط وتحبكه النكتة من بين زخات بكائه: «ليه كده بس يا سي ممدوح إنت عاوز تنكد علينا؟»، ترجنا الضحكات، ونكتشف أن الساعات قد مرّت علينا، و«تدمر» لم تزل بعيدة. «إيه الحكاية؟ هي فين تدمر دي يا جماعة؟». يرد السائق: لابد من استراحة في فندق المدينة القادمة ثم نواصل غدًا من الصباح. يصخب نجيب ويحتج:

«أنا عندي مواعيد... قلت تعال يا نجيب تدمر.. أنا قلت طيب... فاكرها زي القاهرة وحلوان... ده كده احنا رايحين أسوان!» أقول: من أجل أن تبكي براحتك يا نجيب من دون إزعاج. يشير ممدوح إلي قصيدته، «روي عن الخنساء»، ويقول: كتبتها سنة 1965. أبدأ بالقراءة: «تبح حناجر النداب عن ندم بعاشوراء، يهيم النهر كالمجنون، والتمساح يسكب فيه أدمعه، ويملأ جوفه المسعور بالحمأ، ولكن القتيل بكربلاء يموت وسط النهر من ظمأ، وآلاف الحناجر كل يوم تتخم الدنيا، تؤذن للصلاح وللفلاح، ولا يمر الصوت في الصحراء، ينبه غافلا يقضي، ولا يدري بأن الفقر، أن الغدر في الملأ....» حتي أصل إلي: «فمرَّ جنود هولاكو علي أهل القصور، وخلفوا جيلا من اللقطاء"، استعجلت النوح يا ممدوح أم أنها كانت الرؤية؟ «يذكرني غروب الشمس بالقتلي، بمن من ليلنا انطفأوا، وتجثم فوق أعيننا وحوش الليل، تأبي الشمس أن تأتي مع الريح....».

كانت «تدمر» عندما رأيناها تغطيها أضواء الشمس قبل مغيبها، تقدم منا مصوِّر: ما رأيكم في صورة تذكارية؟

الضوء غير كاف لن تنجح المحاولة. جرّبنا نواجه آلة التصوير، خطر لنا ونحن علي أرض ساحة أطلال مسرح قديم أن نختار أدوارًا نتقمصها. قال نجيب سرور: أنا قائد يتربص بالأعداء، وقال ممدوح: وأنا؟ قلت: ابن الملكة زنوبيا. ثم تساءلت: هل كان لها ولد؟ قال: أكون! قلت: وأنا الجوقة التي تراقب في صمت حتي تنفجر.

 لدهشتنا ظهرت الصور بنتيجة واضحة، واستطعت الاحتفاظ بها منذ ذلك التاريخ 19/5/1969 حتي الآن.

 أنا «الجوقة» الباقية بعدكما علي قيد الحياة يا نجيب سرور ويا ممدوح عدوان، فمن يا تري المفجوع؟

* * *

عدت إلي القاهرة أحكي لأحمد بهاء الدين، وصديقنا السفير السوري سامي الدروبي عن ممدوح عدوان، الشاعر الذي جعل الموت مدفأة تبث الإيناس والألفة. يضحكان: لم نسمع بهذا الاسم من قبل... أنت لك تقاليع. أصر علي إنصاتهما ليسمعا قصيدته «وتخضر المقابر»:

كل أقوالي صارت صدئة

ودروبي لم يعد فيها سوي تلك الصوي المنطفئة

أمطر الخوف عليها

فأعاق الأمنيات البطرة

كل شيء مات إلا الرهبة المختبئة

وأنا الظامئ تدنيه أمانيه من البحر،

تسقيه فتحيي ظمأه

كلما جابهني الضوء ارتمت في القلب ذكري مجزرة

واشرأب العار ظلا

شد خلفي مئزره

غير أني قادم رغم حصار الأوبئة

سوف آتيك بخوفي

وأنا أعبر هذي المقبرة

سُمِّم العمر، ارتمت أوراقه

صودر في حلقي النداء

منعوا عني الهواء

غير أني لم أزل أحمل في الصدر رئة

ولذا أنهض وحدي

بين آلاف الدمي المتكئة

حاملاً نحوك قلبا صدئا

علّ شيئًا فيك يجلو صدأه

لم أزل أقوي علي الحب بهذي الجثة المهترئة

سأناديك بما تقوي عليه الحنجرة

وبما أبقي لدي الوجع الدامي، وما أبقي الوباء

لا تخالي حرقتي آخر ومضة

لا تخاليها انتهاء

إنها الخلق ونار الابتداء

فبقلبي لم تزل ترجف نبضة

وبها الوهج الذي يقوي علي الحب،

بها الوهج الذي يغسل من عمري الخواء

فأحبِّيني بما عندك من يأس

بما حمِّلت من مرِّ الليالي

علميني،

رغم ذل قد عرفنا حمأه

رغم ما فينا من الموت

بأنا لم نزل نملك رفضه

حينما فاجأني الحب، انجلي ليل... أضاءت كبرياء

فرأيت الحلم في صدري طفلاً راجفًا

والموت نارًا تصطلي كي تدفئه

فأحبيني بما خفت من الموت الذي يملأ وجهي

وارفعي جبهتي المنكفئة

* * *

هذه الكأس التي لم تشربيها

والتي لم تمنحيها

لم تزل من وجعي ممتلئة

فاطمئني

لم يزل وجهك فيها

زاهيا كاللؤلؤة

* * *

ما الذي يعرفه عنك المطر؟

مرّ بالأمس حييا

غض لم يلق تحية

مرت الريح التي تحمله كانت حيية

من تري امتص من الريح البطر؟

وخشينا كلمة توقظ أحزان المساء

فصمتنا في حذر

ثم لم نقو،

ذكِرناك انهمر

.......»

* * *

ظل نجيب سرور صديقي الذي لم يتغير حتى  لحظة رحيله 24 أكتوبر 1978، أما ممدوح عدوان فلم أتعرف عليه حين قابلته بعد سنوات في ردهات مؤتمر للمجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة ولم يعد صديقي،  فصديقي هو الشاعر الشاب الذي لم يزل وجهه «زاهيا كاللؤلؤة»، وقد ذهب إلي صاحبه الموت في 19 ديسمبر 2004.


وكما قال الخيام في رباعياته بترجمة أحمد رامي:  " وقد تساوى في الثرى ذاهب غدا وماض من ألوف السنين"!

الاثنين، 4 نوفمبر 2013

باسم يوسف وحرية الرأي:

هذا المقال عن باسم يوسف نشرته في جريدة الوطن الأربعاء 3 إبريل 2013، وها أنا ذا أنشره بتمامه بعد 8 أشهر، 4 نوفمبر 2013، وكأنك يا أبو زيد ما غزيت! مرات عديدة لن نتوقف عن قول "علّم في المتبلّم يصبح ناسي"! متي يتوقف "الغباء" عن التدخل في شئون حق المواطن في "الحرية" وعلى رأسها "حرية الرأي" و"حرية النقد" لكل من يتصدّر لحكم البلاد من دون تمييز ولا تحديد؟

برنامج البرنامج

  • خرج باسم يوسف بكفالة قدرها 15 ألف جنيه جعلتني أشفق عليه، متذكرة حالتي عند دفعي الكفالة الباهظة، 100 جنيه كاملة نقدا وعدا، لإخلاء سبيلي من إعتقال ظالم دام تسعة أشهر عام 1973 على ذمة قضية من تلفيقات الزمن الساداتي، ولأن المبلغ كان قاصما لظهري ظللت محتفظة بإيصال الدفع حتى يمكنني إسترداده عند حفظ القضية ولكني لم أتمكن أبدا من ذلك، ولا أظن أن باسم يوسف سوف يتمكن هو الآخر من إسترداد كفالته الباهظة التي أتمنى ألا تكون فوق طاقته.

  • في مقال بديع كتبه أستاذي علي أمين مطلع السبعينات من القرن الماضي قال فيما قال: " أبحث عن سياسي يحب النكتة ويطرب منها ولو كان ضحيّتها ولا يتصوّر أن كرامته ذات لا تُمس بالنكتة وطول اللسان! أبحث عن سياسي يرتفع عن الخلافات الصغيرة ولا يهتم إلا بالمسائل الكبرى التي تمس استقلال بلاده وكرامتها ورخاء شعبها".

  • لازلت أذكر ضحكاتي،  منذ طفولتي في أربعينات القرن الماضي، بعد مطالعتي رسوم كاريكاتير رخا وصاروخان وعبد السميع وبرني التي تسخر بحدّة وبشدّة من أفعال وأقوال رؤساء وزارة ووزراء وساسة وعلماء أزهر وشخصيات عامة، وتصوّرهم على هيئة حيوانات وطيور وجمادات وغيرها، بل وكانت هناك أغنيات تتناقل على ألسنة الناس تحمل الشتائم  لأطراف متخاصمة؛ كتلك التي ذاعت بعد المواجهة العدائية بين مصطفى النحاس باشا ومكرم عبيد باشا، ولم يكن ذلك بسبب أن الشعب المصري ابن نكتة فحسب بل لأن البشرية منذ خُلقت ترى "السخرية" و "الهجاء" من أهم وسائل جلب التوازن النفسي للمظلوم والمقهور والمحروم والمأزوم، وعلى المُتضرّر أن يبحث عن الأسباب التي أدّت إلى استهدافه، أما قطع اللسان فهو غباء و استسهال خائب، وهناك العبرة فيما فعلة عبد الناصر، حينما بلغته أشعار وألحان وغناء أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام الساخرة والهازئة من جبروته واستبداده التي كان منها "إيه يعني شعب ف ليل ذلّه ضايع كلّه ده كفايه بس لما تقول له إحنا الثوار، وكفاية أسيادنا البعدا عايشين سُعدا بفضل ناس تملى المعدة وتقول أشعار، أشعار تمجّد وتماين حتى الخاين وان شاالله يخربها مداين عبد الجبار"، فصرخ لوزير داخليته شعراوي جمعة: "في ناس تقول الكلام ده ولسّة واقفة على رجليها؟" وكان أن تقررالحكم بسجن نجم وإمام "مدى الحياة"! وشاء الله أن يكون المدى هو حياة عبد الناصر نفسه وليس الشاعر والمُغني فاعتبروا يا أُلي الألباب!

  • لا يجوز لحاكم في نظام ديموقراطي أن يستجيب، بدعوى الحفاظ على هيبة الدولة، لنداءات "العين الحمراء" و "الضرب بيد من حديد" وسائر مفردات المتوحّشين، ولا يجوز له أن يتهدّد بنعته بـ "الضعف" إذا لم يستجب بل عليه أن يؤكد للجاهلين أن للديموقراطية أصولها وأحكامها التي لا يحق له أن يحيد عنها، أما هيبة الدولة فلا تُستعاد إلا بالعدل والاحسان.

  • جاء في كتاب "روضة الورد" لسعدي الشيرازي أن الحكيم "جالينوس" رأي أبلهَ آخذا بتلابيب رجل عاقل وقد أهان بالضرب كرامته فقال: لو كان هذا عاقلا لما انتهى به الحال مع جاهل إلى هذا الحد.

الأحد، 3 نوفمبر 2013

طارق البشري في عيد ميلاده الثمانين أول نوفمبر 2013 حفظه الله ورعاه آآآمين:


الإحتفال بهذه المناسبة يدفعني للتنويه بكراسات المستشار طارق البشري التي نشرها منذ سنوات تحت عنوان موحد: «في المسألة الإسلامية المعاصرة»، وهي تجميع لعدد من أبحاثه ومقالاته التي ألقاها في ندوات لجمهور محدود، أو نشرها في مجلات وصحف لا تصل إليها كل يد، فهذا التجميع مع التصنيف يتيح الفرصة لجمهور أوسع التحرك عقليا، والانتعاش ذهنيا مع مناقشته موضوعات مختلفة تصور البعض أن أبواب مناقشتها قد أغلقت بأحكام نهائية، مثل موضوع «الخلافة العثمانية»، وحركات الإصلاح فيها، ثم انهيارها ثم إعدامها ودفنها تاريخيا باعتبارها من أعتى النظم الإجرامية التي حكمت البشر وإلزام كل متكلم عنها بترديد المقولات الجاهزة التي تصب في هذا الاتجاه وإلا كان كذا وكذا وكيت وكيت... إلى آخر التهم المكرورة. ومثل موضوع «المعاصرة» و«الوافد والموروث» و«الإصلاح» و«التحديث» و«التطور» و«الغلو» و«هل غابت الشريعة بعد عهد الراشدين»، إلى آخر كل هذه العقد المربوطة في حناجر العلمانيين بحبال المقولات المستهلكة التي «تزغطوها» بلا نظرة ثانية لمراجعة أو تفكير ويواصلون «تزغيطها» لأجيالهم الشابة، يزمرون بها في كل مجال للنشر أو الكلام أو التعليقات. و«التزغيط» كلمة تعني دفس الطعام بالقوة داخل الجوف.

يقول تنويه الكراسة «ماهية المعاصرة»: "إن أهم ما يواجه العالم العربي الإسلامي يرد من المواجهة بين أصول الحضارة العربية الإسلامية، التي سادت حتى بدايات القرن التاسع عشر دون منازع، والحضارة الغربية التي وفدت مع تغلغل النفوذ الغربي السياسي والاقتصادي والعسكري منذ بداية ذلك القرن. والتاريخ العربي الإسلامي يرتبط، خلال القرنين الأخيرين، بهذه المواجهة في كل جوانبه. وعلى مدى القرن التاسع عشر، فإن المواجهة السياسية والعسكرية قد شحذت همم المفكرين والقادة السياسيين العرب والمسلمين، يفتشون عن مكامن القوة في الغرب ويحاولون نقلها وعن مكامن الضعف في أنفسهم ويعملون على تلافيها. ثم كان للثورة العسكرية والسياسية الغربية المؤيدة بالتفوق العلمي والتنظيمي، ما اختل به ميزان التقدير في أيدي هؤلاء المفكرين والقادة من ناحية مدى الجبر والاختيار في تحديد ما يأخذونه من الغرب وما يدعون من نظمهم وأفكارهم وأصول حضارتهم وعقائدهم. وجاء الاقتحام العسكري والسياسي فاضطربت تماما معايير الانتقاء لما يفيد العرب والمسلمين من منجزات الغرب، وشلت القدرة على التمييز بين النافع وغير النافع، وطمست الفروق بين التجديد والتقليد وبين النهوض والتغيير والإصلاح والاستبدال".

في هذه الكراسة نلحظ غضب طارق البشري شديدا لكنه هادئ يعبر عنه بالفصاحة والحجة والدليل والتدقيق في التصويب، والحرص البالغ في انتقاء الكلمات، التي يضطر أحيانا إلى نحتها، فهو لا يفور طاعنا ضيق الصدر بل يسدد مصطلح الرؤية ليذهب إلى موقعه مرتاحا، يقول: «.. نحن نتساءل الآن عما نستدعي من التراث، بعد أن كان آباؤنا يتساءلون عما يأخذون من الوافد...» ويقول عن «الإسلام» مصححا لمنهج التناول عند اللاإسلاميين: «... فهو الميزان وليس الموزون في ما تأخذ الجماعة وما تدع. وهو ـ أي الإسلام ـ معيار الحكم والاختيار وليس المحكوم ولا المختار...»، ويقول: «... وما يتعين الحذر منه بداءة هو هذا الترادف والتلازم بين الوافد والعصري، وبين الموروث والرجعي...». ثم ينحت هذا التعبير الحاسم والجريء الذي لم أقرأه عند أحد غيره: «الإصلاح الضار» ليعبر به عن فكرة الاندفاع، الذي شهده تاريخنا الحديث نحو كل لافتة براقة تحمل كلمة إصلاح بينما تكون هذه اللافتة في أحوالنا ضلالا بعيدا عن الإصلاح الحق، ليس لأن اللافتة مزيفة فحسب، ولكن لكونها إعلانا عن دواء لا يلائم حالة المريض فيقتله.

كنت دائما أحتاج علم وعقل وحكمة طارق البشري كلما هاج علينا ذباب من دأبوا على التأفف مما يزعمون أنها تفاهة القضايا التي يشغل المسلمون بها بالهم، بينما ينشغل الغرب بالتقدم العلمي وجولات الفضاء إلى زحل والمريخ والمشتري!

 أستلهم من العلامة طارق البشري هدوءه في مواجهة هذا التأفف الذي يكون الرد عليه ببساطة وقول مختصر: إنه من غير الصحيح أن كل ما يشغل الغرب هو الفضاء وهموم التقدم العلمي فلحضرته مسائل تافهة مساوية لذلك في الاهتمام، وضرب الأمثلة على ذلك لا يعد ولا يحصى، وكذلك غير صحيح أن ما يعطلنا نحن عن ارتياد الفضاء وتحقيق الإنجازات العلمية الباهرة هو مناقشاتنا في تحليل الربا وتحريمه وزي المرأة المسلمة وما إلى ذلك، بحيث أننا لو كففنا عن هذا الكلام سينطلق بنا الصاروخ  فورا إلى عين الشمس.

منذ مطلع القرن العشرين وهؤلاء الناس، ( تسميهم العلمانيين، تسميهم اللادينيين، تسميهم المتغربين، بالنهاية  عندي أسمّيهم التبويريين!)، يدقون رؤوسنا، يهدمون ثقتنا بشخصيتنا الإسلامية السوية لنصبح، بدعاوى التغريب، مسخا مشوها متخلفا فاقدا خط الرجعة إلى الصحة التي تولد الإبداع والنهضة والتقدم والتغلب على الفقر والجهل والمرض. فلم تكن دعوى التغريب هذه تتضمن أبدا برنامجا ينهضنا على شاكلة النهضة العلمية الحقة المفيدة التي حققتها اليابان والصين وحتى كوريا.

ولم يكن هذا الإغفال سهوا بل كان خطة يعرف الجميع جيدا أنها كانت مرسومة بدقة فلم يكن مسموحا لمصر ولا لأي بلد عربي وإسلامي أن يرتفع عن مستوى مسح أحذية سيده الغرب. وها هي تركيا التي حين أكلت الربا وحرمت الحجاب وكتبت الخط اللاتيني وتبرأت سياسة حكامها على مدى، سنوات، من الإسلام برمته، فهل سمحوا لها بعد كل هذه التنازلات أن تكون ندا للغرب؟ وهل وصلت إلى قمر أو زحل أو مشترى؟