الثلاثاء، 12 نوفمبر 2013

نص رسالتي طبق الأصل التي أرسلتها إلى أمينة السعيد ردا على قرارها بفصلي من العمل 11\11\1979.

كنت أود أن أنقل الرسالة مصورة ولكني فوجئت بالسّكان جيت عطلان، وأصل الرسالة مكتوب بقلم فلوماستر بخط كبير تبدو عصبيته التي أدت إلى عدم إحكام الصياغة، وقد تمكنت من أخذ صورة ضوئية من أصل الرسالة عند عودتي للعمل 25 مارس 1983 وسمح لي رئيس شئون العاملين وقتها الأستاذ الفاضل بسيوني عيسى، رحمه الله رحمة واسعة، بالإطلاع على ملفي الوظيفي، وقال لي أنه وزميله الأستاذ الفاضل كمال شحاته، والأستاذ الفاضل إميل سمعان، رحمهما الله، كانوا كلما ضاقت بهم أحوال دار الهلال في زمن أمينة السعيد يأتون برسالتي من الملف ويعيدون قراءتها لتروّح عنهم! ولاحظت في أعلى الرسالة على اليمين تأشيرة أمينة السعيد موجهة للأستاذ كمال شحاتة لحفظها في ملفّي مؤرخة منها بتاريخ 14\9\79 مع أنها مكتوبة ومرسلة من بغداد إلى دار الهلال بالقاهرة 3\10\79 مما يدل على ارتباكها بعد قراءتها، وهاكم نص الرسالة طبق الأصل:

بسم الله الرحمن الرحيم
بغداد 3\10\1979

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما (23) واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا (24)"، صدق الله العظيم، الإسراء.

أستاذتي العزيزة أمينة السعيد:

وصلني خطابك اليوم 3\10\79ــ ومدون به تاريخ الإرسال 15\9\79 وبه إنذار منك بالعودة في خلال الـ 15 يوما السابقة وإلا طبقت المادة 76\5 ـ (التي لا أعرف نصها ولكني فهمت أنها ربما تعني الفصل)، وكنت قد أرسلت برقية أطلب فيها سنة استثنائية أجازة بدون مرتب مثل سائر عباد الله ولكنك تقولين أنك متأسفة لعدم تلبية طلبي. ولقد ضحكت من المفارقة العجيبة التي جعلتني لمدة أربعة أعوام تحت ناظريك بلا عمل: بل وداخل السجن وأنا حامل ثم وأنا فاطمة لإبنتي الرضيعة ووقتها لم يهتم أحد بأن يجعلني أكتب ويرفع عني قرار المنع الآثم الذي سلطه فوق رقبتي منذ 8\1971 رئيس مجلس الإدارة السابق الذي هو الآن في ذمة الله: "ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب". وعندما عدت إلى القاهرة 7\76 و 7\77 سألت وحاولت أن أعود للكتابة في مكاني الحقيقي وأمارس شرف المهنة كما يجب، ومع ذلك قلت لي: الوقت غير مناسب، والآن، بعد عامين 9\79، هل ترين أن الوقت صار مناسبا لعودتي لاستلام العمل إعتبارا من 1\9\79؟ إنني أطلب أجازة من دون مرتب؛ يعني لا أكلفكم شيئا إلا أن تسدوا الباب الذي يأتي منه الريح وتأتي منه صافي ناز ــ وأنتم تعلمون أن عودتي هي عودة للسجن وتبديد طاقة ثقافية تخدم الوطن والأمة، وهي ليست عودة حقيقية لا للعمل ولا للكتابة فلماذا هذا التورط في الشر؟

يا أستاذتي العزيزة: لقد صدّرت خطابي إليك بالآية الكريمة التي تأمرنا بأن نخفض جناح الذل من الرحمة لآبائنا ومن هم في مكانتهم: ولتعرفي أنني تحت أي ظرف لن أقول لك "أف" ولن "أنهرك" لأنك أمي فعلا وقد حفظت لك الفضل منذ أن قرأت لك "الجامحة"، وأنا "جامحة" فلماذا تتنكرين للبذرة التي زرعتيها منذ سنوات طويلة؟

أنت سوف توقعين قرار فصلي؛ أمر إداري: تُفصل صافي ناز كاظم بأمر من أمينة السعيد! وبعد سنوات سيضحك الناس ويترحمون عليك. أما الآن فسأقول أنا: الحمد لله. وسأشعر بالأسف عليك وسأقول: ربي إرحمها كما ربتني صغيرة، لكن ربما تكون الإجابة: "إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله ُ لهم". (التوبة)، وعندها سوف يسقط في يدي وفي يدك حيث لا ينفع مال ولا بنون.

أستاذتي العزيزة:

يؤسفني أن أعصي أمرك بالعودة الآن ــ ( رغم شوقي العارم للعودة في كل وقت) ــ وعسى أن تنقشع الغمة قريبا ونستطيع جميعا أن نهرع مرتمين في أحضان مصرنا العزيزة "التي قاست وتقاسي أشد العذاب على مشهد منكم يا أعز بنيها ويا نخبة أبنائها" ــ (مقتطف من كلام لمصطفى كامل رائد الوطنية المصرية الذي لو كان على قيد الحياة أو كنتم أنتم في زمانه لفصلتموه أيضا).

في الزمن الماضي كانت الأمور بأيدي الإنجليز وكانوا هم الذين يقتُلون ويسجنُون ويفصلون ويُشرّدون ــ لكن يا أسفي على هذا الزمان الذي صرتم أنتم، بكل رصيدكم الوطني والأدبي والأخلاقي، صرتم أنتم المستخدمون لقتل وسجن وفصل وتشريد أولادكم الذين هم أكبادكم التي تمشي على الأرض؛ صرتم "تخربون بيوتكم بأيديكم".

هل سيكون قرار فصلي عقابا لي أم لك؟

يا أسفي عليك يا أمي الحبيبة! أهكذا تكون نهايتك؟

لماذا لا تقدمين إستقالتك و"تجمحين" بعيدا عن الشر الذي يريدون أن يوقعونك فيه؟

(بعيد عنك الشر يا أمينة هانم!).

أودعك وأنا أقول لك: إلى اللقاء يوم القيامة: " إليّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون"، صدق الله العظيم، (لقمان).
تحياتي وسلامي إليكم جميعا.

المخلصة

صافي ناز كاظم

الاثنين، 11 نوفمبر 2013

34 سنة على فصلي التعسفي من عملي بدار الهلال:

في مثل هذا اليوم، (11\11\1979)، أصدرت الأستاذة أمينة السعيد، أول إمرأة تشغل منصب "رئيس مجلس إدارة دار صحفية"، قرارها بفصلي من عملي خضوعا للتعليمات الظالمة المتعسفة!

خيبة جديدة للمسكين عمرو عبد السميع:

مع إستمراره في سب وقذف ثورة 25 يناير 2011 يبدع المسكين عمرو عبد السميع في أهرام اليوم دفاعه الحريص على ما سماه:"الفريق طيار محمد حسني مبارك"!

دعوه يُخرج أضغانه، بالله عليكم لا تُسكتوه!
الله سبحانه سوف يُسكته هو وأحمد موسى وكل المتوحشين.

37 سنة على رحيلها رحمها الله:

أمـــّـــــي

أصبحت أمي، خديجة هانم أبو حديد، أرملة في الثامنة والثلاثين، مسئولة عن الحفاظ على مستوى معيشتها ومعيشة أولادها الستة، كما كان الحال قبل رحيل الوالد 4\4\1944، فابتكرت منطقا زرعته في نفوسنا مفاده أنه من قلة التهذيب أن نأخذ مصروفا لنشتري به الحلوى التي تعود التلاميذ شراءها في المدرسة، فترسخ في أعماقي إحتقار "الشبرقة" (أي شراء كل ماتهواه النفس) مسترشدة ببيت الشعر الذي تردده على مسامعنا ليل نهار:"وخالف النفس والشيطان واعصهما×وإن هما محضاك النصح فاجتنب"!

إهتمامها بقيمتين: النظافة والتحصيل العلمي والثقافي. تحترم التقشف من دون شح، وتحتقر الإهدار وتتقزز من السرف، أما استراتيجيتها فتتلخص في: لا زواج لبنت أو ولد قبل الحصول على الشهادة الجامعية كحد أدنى، ولا تخفي أسفها لأنها أضاعت، بعد حصولها على شهادة إبتدائية زمانها، فرصة التخرج في معلمات السنية وكان بإمكانها أن تكون مدرسة وناظرة ومفتشة في وزارة المعارف العمومية! تفخر بحفظها أجزاء كاملة من القرآن
 الكريم، وتعتز بأنها تستطيع أن تراجع لنا دروس اللغة الإنجليزية بتسميع الكلمات. تقرأ جريدة "المصري" و "أخبار اليوم" وكل مؤلفات شقيقها الأكبر الأديب الرائد محمد فريد أبو حديد، تفتخر به وتحبه كأنه وطن، وقد ورثتنا هذا الإفتخار الذي تعمق لديّ بعد قراءتي الدارسة لمؤلفاته الكاملة، كما تحب المجاهدين الوطنيين مصطفى كامل ومحمد فريد. تحفظ الكثير من الشعر والأمثلة الشعبية وتستخدمها في اللوم والتأديب، خفيفة الظل، لماحة تطلق الدعابة من دون أن تضحك مكررة "كثرة الضحك تميت القلب". تكره السوقية واللفظ الفاحش ورفع الكلفة وتحذر من "الدفلقة" قائلة: "زد غُبا تزدد حُبا" ليظل كل واحد "حافظ مركزه"، على حد تعبيرها، فهي شديدة التمسك بكرامتها وكرامة أولادها ولها في ذلك مقولة "إعرف صاحبك والزم" وكنت أفهم معناها بأنه إذا بدرت من أحد تصرفات غير مناسبة فلا تقترب منه مرة أخرى حتى لا تتكرر الإساءة.

عندما قدمت لها كتابي الأول "رومانتيكيات" الذي أصدرته دار الهلال عام 1970، وكانت كلمة الإهداء المطبوعة هي "إلى أمي التي حملتها وطفت بها العالم"، قرأته في جلسة واحدة وقالت بحسم: "زي أسلوب خالك!" والذي يعرف منزلة خالي الأديب أبو حديد لديها يعرف أنها رفعتني بقولها فوق أعلى قمم الأدب، غير أن الذي أضحكني ساعتها أنها عادت وأردفت بجدية: "لازم عبد الناصر يقراه!".

استطاعت بجهادها ودعمها المعنوي أن تحقق فينا طموحاتها الثقافية وأحلامها العلمية بعد أن أصبح خمسة من أولادها من حاملي شهادة الدكتوراة وعندما اكتفيت أنا بالماجستير انحدرت من عينيها الدموع في حسرة!

حملت همي فترة أزمتي المهنية حين صدر قرار بمنعي من النشر أغسطس 1971، وصعب عليها رؤيتي تحت وطأة الظلم الذي أوصلني إلى الإعتقال السياسي يناير 1973، جاءتني زائرة مستبد بها الهلع فقلت مخففة عنها: "عارفة ياماما السرير الذي كان ينام عليه سيدنا يوسف في سجنه؟" قالت:"ماله؟" قلت:" أنا أنام عليه!" قالت بفرح:"بجد والله؟"!

تكالب عليها الحزن الثقيل بسبب ماحل بي من ظلم وتولد عنه مرضها بالسرطان لكن أمنيتها تحققت بألا تتعذب طويلا فالموت برأيها "مكبة من ذهب"!

صعدت روحها إلى بارئها 11\11\1976 بعد أن ظلت تتمتم: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لاشريك لك لبيك"، وبدت ابتسامة الفرح بلقاء الله مرتسمة على وجهها إلى يوم البعث إن شاء الرحمن الرحيم.


الأحد، 10 نوفمبر 2013

في ذكرى مرور 1374 سنة هجرية على إستشهاد الحسين بن علي وفاطمة الزهراء؛ حفيد رسول الله محمد بن عبد الله صلّى الله عليه وعلى آله وأحفاده وذريته والصالحين من عباده آمين:



أم الشهداء زينب بنت علي بنت سيدة نساء العالمين أم أبيها فاطمة بنت محمّد صلوات ربي وسلامه على نبينا وعليهم أجمعين

إن كنت قد قُتلت بكاء عند أمك فاطمة فكيف يكون حالي عندك يا زينب بنت علي؟

إلا أن الدموع لم تكن قط لترضيك، فكرهتها لما أتيتك وبلعتها نارا، وأمسكت شهقاتي مكظومة لأقف وراءك أتعلم كيف يكون الفعل حين لا يكون الوقت لائقا للبكاء، وكيف يغرق الصدق في انهمار الدمعة الكذوب، من عين الذي قتل والذي سلب والذي انحاز للصمت فجرت الدماء من تحت أنفه ولم يحرك ساكنا ثم أتى، والرؤوس على الحراب والخيام محروقة والحرائر الكريمات سبايا، ثم أتى يبكي!

حين سال النفاق دمعا واختلط البكاء سقطت معاني الشفقة وأدركتِها من فورك: إن هذا البكاء مريب، فرفضت يا زينب المواساة ورأيت العداء في النحيب كما رأيته في النبال الساقطة على عترة جدك المفدى والسيوف الذابحة أهل بيته، وصوته الشريف مازال يطوف بالضمائر: "أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي!".

يجلجل صوتك يا ابنة بنت رسول الله؛ صوتك الذي عرفته الليالي متبتلا خاشعا ذاكرا ،يجلجل صوتك حاسما صارما: "صه يا أهل الكوفة يقتلنا رجالكم وتبكينا نساؤكم؟ يا أهل الكوفة يا أهل الختل والغدر أتبكون؟ فلا رقأت الدمعة ولا هدأت الرنة، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم، ألا بئس ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون، أتبكون وتنتحبون؟ أي والله فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا لقد ذهبتم بعارها وشنارها ولن ترحضوها بغسل أبدا، وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة مدرة – المدافع عن – حجتكم ومنار محجتكم وملاذ خيرتكم ومفزع نازلتكم وسيد شباب أهل الجنة؟ ألا ساء ما تزرون فتعسا ونكسا وبعدا لكم وسحقا فلقد خاب السعي وتبت الأيدي وخسرت الصفقة وضربت عليكم الذلة والمسكنة! ويلكم يا أهل الكوفة! أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم، وأي كريمة له أبرزتم، وأي دم له سفحتم، وأي حرمة له انتهكتم؟ لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفرطن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا، فلا يستخفنكم المُهل، فإنه لا يحفزه البدار ولا يخاف فوت الثار وإن ربك لبالمرصاد!".

ووراءك يا زينب كربلاء، كرب وبلاء، لتوك تركتها مصاصة دم شريف وآكلة أجساد عطرة؛ ثلاثة وسبعون شهيدا ثبتوا أمام أربعة آلاف حتى قتلوا عن آخرهم: عون ابن زوجها عبد الله بن جعفر، وأخوه محمد، وأخوتها من أبيها أولاد علي بن أبي طالب، العباس، وجعفر، وعبد الله، وعثمان، ومحمد الأصغر، وأبو بكر، وابنا أخيها الحسين: علي وعبد الله، وابنا أخيها الحسن أبو بكر والقاسم، وبنو عمها عقيل: جعفر وعبد الرحمن وعبد الله وغيرهم، وعلى رأسهم جميعا سبط الرسول الحسين: استشهد الجميع بين ذراعيها وهي تقول: "اللهم تقبل منا هذا القليل من القربان"!                   
هطل الجور والعسف وغرور الدنيا على أرض كربلاء مطرا نجسا ترتوي منه بذور حقد جاهلية كان الإسلام قد دفنها طي سماحته حين كانت، "اذهبوا فأنتم الطلقاء "،حمامة يطلقها الرسول لترفرف بالرحمة فوق الثأر وفوق عدل القصاص، وكان حتما أن يروي مطر الجور بذرة الحقد القديم فتينع كربلاء، وكربلاء بذرة كانت في صلب الاستهزاء الفظ الكريه بالنبي وتكذيبه وإيذائه بكرش البعير؛ كربلاء كانت سطرا في حلف قريش الذي فرض حصار الجوع والعطش على العصبة المؤمنة في شعب أبي طالب، وكربلاء كانت رنينا في صرخة أبي جهل: "تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى تدرك هذه، والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه"، وكربلاء كانت في نفر القبائل الذي اجتمع ليقتل محمد بن عبد الله الذي ظنوه نائما فإذا النائم علي بن أبي طالب المفتدي بروحه حياة نبيه ورسوله ومربيه ابن عمه وأخيه محمد الأمين، وكربلاء كانت رمحا في قتلة الغدر بحمزة يوم أُحُد، وكربلاء كانت دقات على دفوف النساء المشركات يرقصن على جثث شهداء المسلمين يقطعن الآذان والأنوف يعلقنها أقراطا وقلائد ويبقرن البطون يمضغن الأكباد وقائدهم أبو سفيان يقول للنبي وأصحابه: "أعل هُبل! الحرب سجال يوم بيوم بدر!"، ويكاد يكررها حفيده "يزيد" بعده بنصف قرن حين تسقط بين يديه رؤوس الشهداء من أحفاد النبي وأحفاد أصحابه فيتغنى بأبيات من شعر الشماتة:

"ليت أشياخي ببدر شهدوا
 جزع الخزرج من وقع الأسل
 لأهلوا واستهلوا فرحا
 ثم قالوا يا يزيد لا تُشل!"

 لكن الله أعلى وأجل! فيشاء سبحانه وتعالى أن يظل قول نبيه المبعوث رحمة للعالمين أمام عناد المشركين من قريش: "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو أهلك دونه"، يظل هذا القول راية نبوية يحملها عليّ ويستشهد تحتها، ويحملها أبناؤه الحسن ثم الحسين وكوكبة من نجوم أهل البيت، الذي أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيرا، ومعهم صحابة أبرار من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وما بدلوا تبديلا، ووراءهم على طول الزمن الإسلامي، من مشارق الأرض ومغاربها، تأتي قوافل من أبناء الإسلام لا تنتهي ولا تنفد بل تنمو وتربو كلما اشتد الحصار وسقط الشهداء، فلا يمكن للشهيد أن يحدد نسله وقد جعله الله أكثر الرجال خصوبة، ومازال الإسلام الولود يكثر أبناؤه على طريق دين الله والراية النبوية مرفوعة أبدا تتبادلها الأيدي: "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو أهلك دونه"!

وردة طفلة تولد في بيت النبوة في شعبان في السنة الخامسة للهجرة ويسميها الرسول المفدى "زينب"، ومع الفرحة تكون النبوءة؛ هذه الطفلة النبوية تنتظرها من أيام الجهاد أشقها وأثقلها على القلب وطأة، فهم يذكرون أن سلمان الفارسي أقبل على عليّ بن أبي طالب يهنئه بوليدته فألفاه واجما حزينا يتحدث عما سوف تلقى ابنته في كربلاء. (مذكور عند دكتورة بنت الشاطئ، السيدة زينب بطلة كربلاء، دار الهلال، ص 20).

وتحت ظلال هذه النبوءة تنمو "زينب" في كنف الرسول مع أمها "فاطمة" سنوات  تقارب الست، وتدرج طفلة رصينة ناضجة لا تفارق أما مجاهدة متبتلة، تسابقها في إسباغ الوضوء، وتلاحقها في إقامة الصلاة، ترشف وتتعلم وتحاكي كل حركة وسكنة تفعلها الأم البتول، التي هي أشبه خلق الله بالرسول صلى الله عليه وسلم، و"فاطمة" تحتضن "زينب" بين ابتسامة ورقرقة دمعة تدعو لها: "جعل الله فيك الخير يا زينب وفي أبنائك البررة الأتقياء وكأني يا ابنتي أنظر إليك وأنت تدافعين عن الحق المهضوم بمنطق فصيح ولسان عربي مبين". ثم تأتي اللحظة التي تلحق فيها الأم القدوة بأبيها العظيم في رحاب الله حزينة غاضبة وقد أوجعها أن ترى الحق يخرج من مكمنه وبشفافية التقى والتبتل تراه وقد استدرجته الأهواء ليكون كرة تتقاذفها العاصفة الفاتنة، التي سوف يستشهد فيها زوجها وأبناؤها وأهل بيتها صرعى مجندلين لا يؤنسهم إلا الحق في وحشة الطريق. والغريب أن  "زينب" لا تشعر بثقل هذا اليتم الرهيب المبكر حين يفقد الإنسان أما ليست ككل الأمهات، فكأنها استثقلت على أمها مواصلة الحياة بعيدا عن النبي المفدى فآثرت لها سعادة اللقاء به على مرارة الفراق عنها، فداء لها وبرهان حب سخي. وتوصيها "فاطمة" في ثقة واحترام أن تكون أما لأخويها الحسن والحسين، وتنفذ "زينب" الوصية بدقة والتزام فتكون أما حقيقية وهي لم تتجاوز السادسة، ولا تفارق أخويها حتى بعد زواجها وزواجهما لتبقى دائما أما لهما ثم لتصير من بعد ذلك أما للشهداء في كل زمان ومكان، وأغمض عيني وأطرد من ذهني كل أوصافها التي خاض فيها المؤرخون والرواة والكتاب ،سامحهم الله، فلا أرى تفصيل هيئة أو وجه لكنني أراها "خديجة" تعود؛ "خديجة "السكن الرؤوم"، ويدخل بيت عليْ ثمان نساء، زوجات له بعد فاطمة الزهراء ،معظمهن أرامل شهداء وأخوة في الجهاد أو يتيمات كريمات سوف يجدن في بيت إمام العلم حماية ورعاية وتربية وإعدادا طيبا ليكن رساليات حاملات للعلم والفقه.

 ويحتفظ بيت عليّ لزينب بموقعها؛ أما لأخويها وتلميذة لباب مدينة العلم النبوي، فتجلس بين يدي أبيها عليّ يعلمها تفسير بعض الآيات ويأخذه الحديث إلى ما ينتظرها من دور خطير فتومئ زينب برأسها: "أعرف ذلك يا أبي، أخبرتني أمي"، وتسمع عن أنس بن مالك يقول: "كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فرأى عليا مقبلا فقال يا أنس قلت: لبيك! قال: هذا المُقبل حجتي على أمتي يوم القيامة" فتأخذها المسئولية منذ البداية لكيلا يفوتها من أبيها مالم تستطع أن تأخذه مباشرة من جدها رسول الله ،وخاتم أنبيائه، وقد عرفت قول الرسول المفدى: "عليّ مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي"، فتعلمت بعلم أبيها الذي وصفه ابن عباس: "والله لقد أُعطي عليّ تسعة أعشار العلم، وأيم الله لقد شارككم في العشر العاشر"، وحفظت بلاغته وحكمته ومأثوراته في القضاء؛ "أتى عمر بامرأة حامل قد اعترفت بالفجور فأمر برجمها فرده عليّ وقال هذا سلطانك عليها فما سلطانك على مافي بطنها؟ ولعلك انتهرتها أو أخفتها قال: قد كان ذلك قال: أوما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا حَدّ على مُعترف بعد بلاء؟ إنه من قُيّد أو حُبس أو تهدد فلا إقرار له"، (مذكور عند الأستاذ علي أحمد شلبي، زينب، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، لجنة التعريف بالإسلام، 1977 ص 70).

ويزوجها أبوها، الإمام عليّ، من ابن عمها عبد الله بن جعفر، الذي قال عنه فقراء المدينة ما عرفنا ما السؤال إلا بعد وفاة عبد الله بن جعفر، ( والده هو جعفر بن أبي طالب الذي اشتهر باسم جعفر الطيار إذ بشر الرسول صلوات الله عليه أرملته بعد استشهاده بأن الله قد أعطاه جناحين في الجنة ثوابا لقتاله حاملا الراية في غزوة مؤتة في جهاد أمر به الرسول المفدى ضد الروم، وظل جعفر يقاتل حاملا الراية حتى قطعت يداه واستشهد وبه ما يزيد عن تسعين طعنة)، وأنجبت السيدة زينب من عبد الله بن جعفر: محمدا المسمى بجعفر الأكبر وأخوته عون الأكبر وعلي الأكبر وأم كلثوم وأم عبد الله وقد توفوا جميعا دون عقب إلا علي الأكبر وأم كلثوم فكان منهما ذرية عقيلة بني هاشم، إلا أننا مع أخبار هذا الزواج والأبناء لا نراها إلا في إطار الابنة للإمام عليّ والأم الملازمة لأخويها الحسن والحسين، سيدي شباب أهل الجنة وقرة عين نبينا المفدى، حافظة لوصية أمها الزهراء منذ كانت في السادسة من عمرها، وعندما نراها في هذا الإطار نجدها العالمة، المتفقهة، الدارسة، القارئة الحافظة لكتاب الله العزيز، المتأملة في آيات الله، الزاهدة المتحرجة من حلال الدنيا ،المتصدرة لمجالس العلم النسائية، تروي الحديث عن أمها وأبيها وأخويها وعن أم سلمة وأم هانئ، والمروي عنها من ابن عباس وعبد الله بن جعفر وعلي زين العابدين وفاطمة بنت الحسين، والساهرة ليلا تتهجد مسبحة داعية ناطقة بالخير والمأثورات تقول أبياتها الشهيرة:

 "سهرت أعين ونامت عيون
 لأمور تكون أو لا تكون
 إن ربا كفاك ما كان بالأمس
 سيكفيك في غد ما يكون
 فادرأ الهم ما استطعت عن النفس
فحملانك الهموم جنون"!

وتقول: " خفِ الله لقدرته عليك، واستح منه لقربه منك"!

وتنقل عن أبيها: "نعم الحارس الأجل!"؛ حين ينصحه ناصح بأخذ حارس يحميه من الخوارج. وتردد عنه: "ثلمة الدين موت العلماء!"، و"شر الولاة من خافه البرئ"، و"خابت صفقة من باع الدنيا بالدين"، و"يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم".

وتتحاور مع أبيها الإمام فتسأله:
- أتحبنا يا أبتاه؟
فيرد قائلا:
- وكيف لا أحبكم وأنتم ثمرة فؤادي؟
فتقول وكأنها قد أمسكت عليه خطأ:
- يا أبتاه إن الحب لله تعالى والشفقة لنا!

محفوفة مبجلة بأبيها وأخويها؛ إذا أرادت الخروج، وغالبا لزيارة قبر جدها رسول الله، خرجت ليلا متدثرة بالحجاب الساتر الكامل من الرأس إلى القدم والحسن عن يمينها والحسين عن شمالها والإمام عليّ أمامها، فإذا اقتربت من القبر الشريف سبقها أبوها فأخمد ضوء القناديل خشية أن ينظر أحد إلى عقيلة بني هاشم "زينب".

هذه الصورة الممعنة في الحرص الشديد على التستر والتحجب في عزوة الأب والأخوين، أحب الناس إلى رسولنا المفدى، تواجهها بقسوة صورتها بعد مذبحة كربلاء وهي مقصوصة الأب والإخوة وكل رجال ومحارم بيتها، منزوعة الستر، محترقة الخباء، منهوبة المتاع، منتهكة الحرمة، يسوقها رجال عبدالله بن زياد مكشوفة الوجه، حاسرة الرأس، تسير في موكب السبايا الكريمات من بنات رسول الله، من كربلاء إلى الكوفة إلى دمشق إلى المدينة، يتطلع إليها وإليهن كل من غلبه حب الاستطلاع على حب اتقاء الله بغض البصر رحمة ومودة في قربى النبي المفدّى، ومنهن نائحات: "وامحمداه! هذا الحسين بالعراء مرمل بالدماء مُقطع الأعضاء! وامحمداه! هذه بناتك سبايا، وذريتك مُقتّلة تسفى عليها الصبا!".

ويْ لنيران الغضب من جرأة السفهاء الذين، مع هذا النحيب، لم يكتفوا بالنظر بل بادروا بالوصف والتغزل في محاسن وجه بنات رسول الله.

تمر أحداث التاريخ المعروف و زينب في خضمها يوما بيوم، بل لحظة بلحظة، والقضية أمامها: إسلام أو لا إسلام؛ حق أو باطل.

تأتي فتنة التآمر لقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان فيأمر عليّ بن أبي طالب ولديه: "اذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحدا يصل إليه بمكروه.....". لكن الأهواء ما تلبث أن تجعل الذين أثاروا النفوس على عثمان هم المطالبين بثأر عثمان، ويقفون مناوئين لخلافة إمام المتقين وباب مدينة العلم، معلّم الفقهاء عليّ بن أبي طالب. ويعلنها بنو أميّة حربا سافرة على بني هاشم إحياء لثارات الجاهلية وطمعا في ملك الدنيا، ويخرج الصحابي الجليل عمار بن ياسر وعمره تسعون عاما يقول مُهتاجا:

"أيها الناس: سيروا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يثأرون لعثمان، ووالله ما قصدهم الأخذ بثأره ولكنهم ذاقوا الدنيا واستمرؤوها وعلموا أن الحق يحول بينهم وبين ما يتمرغون فيه من شهواتهم ودنياهم، وما كان لهؤلاء سابقة في الإسلام يستحقون بها طاعة ... أو الولاية عليهم... ألا إنهم ليخادعون الناس بزعمهم أنهم يثأرون لدم عثمان وما يريدون إلا أن يكونوا جبابرة وملوكا؛ والذي نفسي بيده لقد قاتلت بهذه الراية مع رسول الله وهأنذا أقاتل بها اليوم!".

وتتحقق نبوءة النبي أن عليا سيقاتل قريش في سبيل الله: "...يا معشر قريش لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين، قد امتحن الله قلبه على الإيمان، قالوا: من هو يارسول الله؟ ... قال: هو خاصف النعل، وكان قد أعطى عليا نعله يخصفها..."، (أخرجه الترمذي عن ربعي بن حراش وأخرج مثله أحمد).

ويقف عليّ، مبدئيا حاسما لا يخشى في الله لومة لائم ويعلنها:

- "والله لا أداهن في ديني، ولا أعطي الرياء في أمري"،
- "أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور؟ لا والله لن يراني الله متخذ المضلين عضدا..."،
- "ما لي وقريش؟ أما والله لقد قتلتهم كافرين ولأقتلنهم مفتونين، والله لأبقرن الباطل حتى يظهر الحق من خاصرته، فقل لقريش فلتضج ضجيجها!".

وتقضي زينب سنوات خلافة أبيها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب في الكوفة، من 35هـ إلى 40 هـ، وهو في بحر متلاطم من الصراعات والمؤامرات والفتن والكوفة مسرفة معه في الوعود متخاذلة في الأفعال ناكثة عهودها، كما ستكون مع بنيه من بعده، حتى تأتي ضربة عبد الرحمن بن ملجم في 19 رمضان سنة 40 لتقضي بعد يومين على الإمام الشهيد فينتقل إلى الرفيق الأعلى لاحقا بحبيبه وأخيه ونبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم في 21 رمضان 40 هـ، ووصيته قبل الرحيل: "يا بني عبد المطلب لا تخوضوا دماء المسلمين خوضا تقولون قُتل أمير المؤمنين؛ ألا لا تقتلن بي إلا قاتلي، انظروا إذا أنا مت من ضربته هذه فاضربوه ضربة ولا تمثلوا به فإني سمعت رسول الله يقول: إياكم والمُثلة ولو بالكلب العقور". ووقف الحسن يقول في رثائه: "... والله ماترك ذهبا ولا فضّة....".

على أثر إستشهاد الإمام عليّ بايع أهل العراق ابنه الحسن لكن خلافته لم تدم أكثر من ستة أشهر آثر الإمام الحسن بعدها أن يتركها لمعاوية بن أبي سفيان حقنا لدماء المسلمين حتى تكف الفتنة وتهدأ الأطماع لكن هل تشبع لبني أمية بطن؟

يستشهد الحسن مسموما على يد زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس، والظن الشائع أنها كانت مدفوعة بوعد من معاوية بن أبي سفيان يقول: "إني مُزوّجك يزيد ابني على أن تسمّي زوجك الحسن بن عليّ"! لكنه لا يزوجها يزيد خوفا على حياته من "مُسممة الأزواج" ويعطيها بدلا عن ذلك مائة ألف درهم من أموال المسلمين! وكان هدفه من وراء قتل الإمام الحسن تمهيد الطريق لأخذ البيعة ليزيد في حياته، كاسرا النظام الشوري الإسلامي إلى وراثة قيصرية لتكون مُلكا عضوضا لبني أمية دون المسلمين أجمعين ومن فيهم من أفذاذ بيت النبوّة وليبدأ أول انحراف أساسي في تاريخ الحكم الإسلامي ليفرخ  فيما بعد المزيد والمحزن من الانحرافات.

يتصدى الحسين: "لا مبايعة ليزيد"!.

وتتسارع الأحداث نحو تحقق النبوءة التي أخبر بها رسولنا المفدى وأبكته البكاء المر قبل حدوثها بما يزيد على النصف قرن: "عن أنس بن مالك أن ملكا... استأذن ربه أن يأتي النبي فأذن له فقال لأم سلمة املكي علينا الباب لا يدخل علينا أحد قال: وجاء الحسين ليدخل فمنعته، فوثب فدخل فجعل يقعد على ظهر النبي وعلى منكبه وعلى عاتقه، قال: فقال الملك للنبي: أتحبه؟ قال: نعم، قال: أما إن أمتك ستقتله وإن شئت أريتك المكان الذي يُقتل فيه، فضرب بيده فجاء بطينة حمراء فأخذتها أم سلمة فصرّتها في خمارها، قال: قال ثابت: بلغنا أنها كربلاء"، (أخرجه الإمام أحمد وفي رواية البيهقي عن أبي الطفيل، وقال في مجمع الزوائد رواه الطبراني واسناده حسن).

وفي رواية أخرى أن جبريل عليه السلام أخبر الرسول المفدى بأن الحسين يُقتل بشط الفرات.

يموت معاوية دون أن ينجح في حمل الحسين على المبايعة ليزيد أو سمّه هو الآخر، ويأتي يزيد ويأمر الوليد بن عتبة واليه على المدينة بأخذ البيعة من الحسين فيقول الحسين بحسم: " يا أمير إنّا أهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة بنا فتح الله وبنا ختم ويزيد فاسق فاجر شارب للخمر وقاتل النفس المحرّمة مُعلن بالفسق والفجور ومثلي لا يبايع مثله."!

ويوصي مروان بن الحكم الوليد بقتل الحسين فيفزع الوليد: "ويحك! أنت أشرت عليّ بذهاب ديني بدنياي والله ما أحب أن أملك الدنيا بأسرها وأني قتلت حسينا؛ سبحان الله أأقتل حسينا لما أنه قال لا أبايع؟ والله ما أظن أحدا يلقى الله بدم الحسين إلا وهو خفيف الميزان، لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكّيه وله عذاب أليم..".

وتتوالى التفصيلات ويخرج الحسين من المدينة مع أهله إلى مكّة وهناك تأتيه كتب الكوفة تستحثه على القدوم لمبايعته والتصدّي معه لعدوان يزيد: "... إن الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك...العجل العجل...فأقدم إذا شئت فإنما تقدم على جند مُجنّد لك..."! فيرسل إليهم ابن عمّه الوضئ مسلم بن عقيل فإذا بهم يتخاذلون حين تأتيهم فتنة عبيد الله بن زياد، ويقتل بن زياد مسلم بن عقيل رسول الحسين ومعه من آواه هاني بن عروة المرادي، وهو يقسم: " قتلني الله إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد في الإسلام"! ثم يسير بالظلم يجمع الولاء ليزيد؛ يقتل عشوائيا بجاهلية وضراوة ليتخاذل الناس خوفا وهلعا، ويعم العراق جو قاتل رهيب من الفزع والذعر، بينما الحسين في مكة يستعد للتحرك إلى حلفائه الذين أهابوا به أن يعجل بالقدوم إلى العراق.

يتوسل أحباء الحسين بمكة إليه ألا يذهب إلى أهل الغدر الذين خذلوا أباه وأخاه من قبل ويقول له قائل: "... فوالله لئن طلبت ما في أيدي بني أمية ليقتلنك، ولئن قتلوك لا يهابون أحدا بعدك أبدا..."! والحسين يستخير الله، وقدر الله سابق، فقد شاء أن يهلك يزيد وجنده بقتلهم الحسين، وينجو الحسين وأهله بالإستشهادعلى طريق دين الله، ويقول الحسين: "ألا ترون الحق لا يُعمل به والباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله عز وجل وإني لا أرى الحياةمع الظالمين إلا جرما."!

ويتحرك الشهيد ابن الشهيد نحو الكوفة وجنبات مكة لم تنس بعد جده الرسول المفدّى،نبي آخر الزمان، وصوته الشريف يعلو: " والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو أهلك دونه."!

يأتي الحسين من يخبره بمقتل مسلم ابن عقيل ورسوله الآخر وتخاذل أهل الكوفة قائلا: "أما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم وملئت غرائرهم فهم ألب واحد عليك، وأما سائر الناس بعدهم فإن قلوبهم تهوي إليك وسيوفهم مشهورة عليك..."!

يبعث ابن زياد بألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي ليحاصر الحسين في الطريق ويقطع عليه خط الرجعة حتى يأخذه مُعتقلا إلى ابن زياد أو يخضع بالبيعة الجبرية ليزيد، ويواجههم الحسين خطيبا بالمعروف يستحث ضمائرهم: "أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ناكثا لعهد الله مخالفا لسنة رسول الله يعمل في العباد بالإثم والعدوان فلم يغيّر ما عليه بفعل أو قول كان حقا على الشيطان أن يدخله مدخله، ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيئ وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله.... وقد أتتني كتبكم ورسلكم ببيعتكم وأنكم لا تسلموني ولا تخذلوني فإن أقمتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم، وأنا الحسين بن عليْ بن فاطمة بنت رسول الله...نفسي من نفسكم وأهلي من أهلكم... فإن لم تفعلوا ونقضتم عهدي وخلعتم بيعتي فلعمري ...لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم بن عقيل، والمغرور من اغتر بكم..."، فقال الحر بن يزيد التميمي: "... فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن..."! فقال الحسين: "أبالموت تخوّفني؟:

 سأمضي وما بالموت عار على الفتى،
 إذا ما نوى خيرا وجاهد مسلما،
 وواسى رجالا صالحين بنفسه،
وخالف مثبورا وفارق مجرما،
 فإن عشت لم أندم وإن مت لم أُلم،
 كفى بك ذلا أن تعيش وتُرغما"!

يتصاعد المكر وتُشحذ قوى الشر وتأتي أوامر ابن زياد تحمل تعليمات يزيد: "لا رحمة! امنعوهم الماء!"، ومعسكر الحسين ينسج مجد الاستشهاد؛ ثلاثة وأربعون إنسانا في مواجهة أربعة آلاف وحش غاشم من جند ابن زياد من الكوفيين، والأقمار من بيت النبوّة من كل الأعمار، منهم من لم يتجاوز العاشرة ومنهم من ملك فتوة الثامنة عشرة والعشرين ومن بلغ مبلغ الرجال والكهول، يتلألؤون بالإقدام والشجاعة لا يؤلمهم إلا العطش: "يا أباه العطش!" والحسين يجيب: "اصبر بني فإنك لا تمسي حتى يسقيك رسول الله!"، وزينب بين الخيام والمعركة تتلقى الأقمار؛ شهيدا شهيدا وأناتها رغما عنها تتوالى: " يا حبيباه! يا ابن أخاه! يا ولدي! واثكلاه! اليوم مات جدي رسول الله! اليوم ماتت أمي فاطمة! اليوم مات أبي عليْ! اليوم مات الحسن! واحسيناه!......."، وتثخن الجراح حسينا ويتقدم التعس الذي باء بقتله يحز رأسه لترفعها الرماح إلى يزيد بن معاوية بن أبي سفيان!

وترفرف كلمات الحسين حمائم تسكن أعشاشها في قلب زينب وبين جوانحها تطوف بها ترويها في كل الأمصار ولكل الآذان حاضرة بأكملها كما أطلقها يوم الطّف؛ يوم كربلاء وهو يتفرّس في وجوه الكوفيين، الذين دعوه ثم أتوه قاتلين وراء "عمر بن سعد"، يقول لهم الحسين: "ألست ابن بنت نبيكم؟....يا فلان... يا فلان... يافلان...ألم تكتبوا إليّ أن تقدم على جُند مجنّدة لك؟....أتطلبونني بقتيل منكم قتلته؟ أو بمال استهلكته؟ أو بقصاص من جراحه؟.... أعلى قتلي تجتمعون؟ أما والله لاتقتلون بعدي عبدا من عباد الله الله أسخط عليكم مني وأيم الله إني لأرجو أن يكرمني الله بهوانكم ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون، أما والله لو قتلتموني لألقى الله بأسكم بينكم وسفك دماءكم ثم لا يرضى بذلك منكم حتى يضاعف لكم العذاب الأليم....".

ينتهي الدور الحسيني؛ الاستشهاد البطولي والفداء ويبدأ الدور الزينبي؛ الراوية، الشاهدة، الفاضحة للجور والبغي والطغيان، فإذا الذي ظن نفسه منتصرا يبوء بانتصاره الفادح، وإذا الذي ظنوا أنهم قد سحقوه وأحاطوا به وقتلوه متوّج بالمجد لم ينهزم، وزينب تحمل راية الحسين المنتصرة بعد أن ألقمت الجبارين وهي أسيرتهم أحجارا بلعوها في خزي بين أهليهم وحراسهم وبروجهم المحصّنة، وإذا الحسين حي في زينب أشد قوّة وتمكينا، وأنّى لأعدائه بعد أن يقتلوه وقد خرج من أسر الموت حيا يتوالد عبر اللحظات والأيام: كبيرا، كثيرا، خالدا، ويضج "عمرو بن سعيد الأشدق"، والي يزيد على المدينة، يشكو زينب: "إن وجودها بين أهالي المدينةمُهيّج للخواطر"! وتصدر أوامر يزيد المرتعب ليتم نفي زينب لتختفي من المدينة!

وتأتي العزيزة ابنة الأعزاء لتسعد بها كنانة الله: وتخرج "مصر" إلى "بلبيس" تستقبلها وتأخذها إلى قلبها حانية على الجراح، وفي شهر مولدها وقد بلغت السادسة والخمسين، شعبان عام 61 للهجرة، بعد سبعة أشهر من استشهاد الحسين ومن معه من الأقمار النبوية، تريح زينب، العقيلة الهاشمية رأسها الشريف إلى صدر "مصر"، وتركن إلى التبتل والتضرع والاستغفار أحد عشر شهرا حتى يأتي رجب عام 62 هجرية فتلحق بركب النور النبوي في الرفيق الأعلى أما للشهداء وشهيدة معركة: "الدنيا أو محمّد"!



السبت، 9 نوفمبر 2013

وصية أبو الشهداء الحسين بن علي حفيد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلّم لأخته أم الشهداء السيدة زينب في يوم استشهاده بكربلاء العاشر من المحرّم عام 61 هجريا:

 "يا أُخية لا يذهبن حلمك الشيطان....... يا أخية اتقي الله

وتعزي بعزاء الله واعلمي أن أهل الأرض يموتون وأن أهل

 السماء لا يبقون وأن كل شيء هالك إلا وجه الله الذي خلق

 الأرض بقدرته ويبعث الخلق فيعودون وهو فرد واحد؛ أبي خير

 مني وأمي خير مني وأخي خير مني ولي ولهم ولكل مسلم 

برسول الله أسوة.... يا أخية إني أقسم عليك فأبري قسمي لا

 تشُقّي عليّ جيباً ولا تخمشي عليّ وجهاً."



Heba Egy بلاغ ضد من واللا من يا استاذة ؟ يسمونها الآن نكسة يناير فى برامج التوك شو !


Safynaz Kazem طبعا لأنها نكّست راياتهم و كشفت سترهم وضيعت أحلامهم بالثراء الحرام، فلا يغرّنكم تقلبهم في البلاد، متاع قليل ثم مأواهم ما وعد الله به الفاسدين؛ إن الله لا يحب الفساد.

لو تتبعنا خلفياتهم سنجدهم كلّهم من أعضاء الروتاري والليونز، تللك النوادي المشبوهة، ويحتفل الروتاري هذه الأيام بدورته الروتارية بحضور رئيسها الدولي، فللعلم الروتاري يقسم الكرة الأرضية إلى مناطق روتارية كل منطقة لها رقم ومحافظات كل محافظة لها حاكم وعلَم ورعايا، إنها حكومة خفية تحكم العالم بأسرارها وهبل أعضائها الذين هم أدواتها لتنفيذ أغراضها ومخططاتها؛ إنها التنظيم الدولي بحق المعادي بحق والخطر بحق! من أبرز المدافعين عنه الكاتب صلاح منتصر، وما أدراكم ما صلاح منتصر، ومن أبرز نجومها يحيى الجمل. وكان عبد الناصر قد منع هذه النوادي وأعادها أنور السادات ودعمتها جيهان السادات بكل قوتها ثم ورّثتها لسوزان مبارك وأصبحت الست سوزان من رؤسائها الدوليين، هي وشقيقها منير ثابت، ومنحتها حصانة رئاسية بحيث لا يجرؤ أحد على فضحها بالكتابة أو بالكلام، وهذه النوادي دعمت كل المعادين لثورة الشعب المصري 25 يناير 2011 منذ اللحظة الأولى.