الخميس، 30 ديسمبر 2010

عام التطاول اللاديني على الإسلام

ذهب 2010 والحمد لله، وسيكون حضرته الشاهد على الإفراط في التطاول اللاديني على الإسلام؛ الذي "تفهلو" بعض عشاق "الفهلوة" بتسميته "الدينوقراطية"!

الحقيقة التي لا لبس فيها هي أن الخلط، الذي اعتمده البعض بالمصطلحات غير الإسلامية ومحاولة إقحامها على "لإسلام"، قاصدين أو جاهلين، مثل "الأصولية"، و"الثيوقراطية"، و"المدني" و"الديني"، حتى صارت مفردات النقد والنقاش والجدال و"المحاور" الثقافية؛ قد أدى بنا، في منطقتنا العربية والإسلامية إلى زياط وهرج ومرج والتباسات شديدة تخلقت معها فتن عظيمة أوصلتنا إلى الالتصاق بظهورنا إلى الحائط لنقول بصوت واهن: "الإرهاب ليس الإسلام، الإرهاب غير المقاومة، يمكننا أن نكون مسلمين وغير إرهابيين... إلخ". وفي هذا الركن المتخاذل المهين، الذي زُجّ بنا فيه، تشجعت عقيرة الأعداء المتوارين ليعلنوها صراحة: "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين"، كأن "الإسلام" مجرد "دين" وليس، كما تعلّمنا وعلِمنا يقينا أنه: "دين ودولة". كأن رسولنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم لم يقرأ علينا تنزيل الوحي الإلهي في سورة "النساء"، آية 65: <فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً>، وكأن الخليفة الراشد أبو بكر لم يقرر "سياسة" حكمه بهذه المقولة الحاسمة: "أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم".

لقد قلت منذ سنوات بعيدة للأستاذ الدكتور لويس عوض، وكان يكتب عن "الثيوقراطية"، أي الدولة الدينية في تاريخ الحضارة الغربية: "يا دكتور نحن لسنا
على استعداد لسداد فواتير أخطاء الكنيسة الغربية وما فعلته بالدول الأوربية!".

العقيدة الراسخة لدى المواطن المسلم، على أرض الإسلام أنه: يجب أن يُحكم بالإسلام وقوانين الإسلام، ومنذ أُرغمنا في بلادنا على صياغة القوانين وفقاً للقانون الروماني تارة، والفرنسي تارة أخرى، وغيرهما، ومحاولة تمريرهما على الناس بكلمة غير فعالة تهادن في الدستور: "دين الدولة الإسلام"، منذ ذلك الحين ونحن في ارتباك شديد وتخليط لا يرضى عنه أحد، فلا هو أراح المواطن المسلم، ولا هو أراح المواطن غير المسلم، ولا هو أشبع طمع العلماني اللا ديني؛المتخفي وراء لافتة الليبرالية، الذي يجهر الآن بالمطالبة بإلغاء ورقة التوت وأعني فقرة "دين الدولة الإسلام" من الدستور المصري، لتكتمل أركان "الدولة المدنية" المزعومة، التي يرونها أملهم المنشود لتكبيل المسلم على أرضه وإغلاق فمه إلى الأبد فلا ينطق بحرف من قانون الشرع الإلهي، وتتحول شهادته: "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، إلى همسة خافتة يتعهد بها في صلاته ويخالفها على مدار حياته اليومية، ويصبح كل معارض لهذا المصير المروّع: أصولياً، إرهابياً، ثيوقراطياً، دينوقراطيا ، متآمراًعلى الدولة المدنية! ومن لا يصدقني يتفضل بقراءة عناوين من نمط: "أبعاد المؤامرة الأصولية على علمانية مصر ومستقبلها الاجتماعي" ، وأمثالها الكثير، فخندق العلمانيين واللادينيين ملآن بما يثلج قلب الكيان الصهيوني وكل مؤازر له في عدائه للإسلام ومتعاون معه لمحاربته؛ هؤلاء، الذين عادوا يجهرون، فيما يجهرون به من عداء صريح للإسلام، بعظمة مصطفى كمال أتاتورك ويرونه البطل الذي ملأ كوب تركيا بالماء النظيف (العلمانية) بعد أن أفرغه من الماء القذر (والمقصود مفهوم)!

وأهلا بـ 2011 فهو لن يضيف الغريب ولا العجيب والله فعّال لما يريد.


الأحد، 26 ديسمبر 2010

علمانية التنوير‏(2-2)‏
بقلم: د.محمد عبدالفضيل القوصى


يتساءل أحد سدنة التنوير تساؤلا مبدئيا فيقول‏:‏ إذا كان الإسلام دنيا ودينا‏,‏ وإذا كانت العلمانية هي الدنيوية‏,‏ فلماذا رفض العلمانية ومعاداتها؟ ثم يتابع قائلا ـ بالنص الحرفي.


إن من يرفض العلمانية وينكرها فإنه يهدف في حقيقة الأمر إلي ارتهان الدنيا لصالح الدين‏,‏ كما يهدف أيضا إلي نفي الإنسان ونفي العالم‏.‏ مما يؤدي في النهاية إلي إحلال الله تعالي في الواقع العيني المباشر‏!!‏
لا يحتاج المرء ـ بادئ ذي بدء ـ إلي جهد كبير ليدرك أن هذا التساؤل المبدئي البرئ‏!!:‏ عن السبب في رفض العلمانية ومعاداتها‏:‏ ليس في حاجة إلي جواب‏,‏ بقدر ما هو باعث علي الدهشة والاستغراب‏,‏ فمن أبجديات المعرفة بالعلمانية أنها ليست مجرد الدنيوية وحدها‏,‏ بل هي الدنيوية التي تحمل في باطنها‏:‏ نفي ما عداها‏,‏ إنها الدنيوية مشروطة بإقصاء تشريعات الدين عن واقع الحياة‏,‏ وإزاحتها كضابط لسلوك البشر‏,‏ وتنحيتها كميزان توزن به تصرفاتهم وأفاعيلهم وأنماط سلوكهم‏,‏ وإلا‏..‏ فهل يتصور من يدرك أبسط بدهيات الإسلام أن يرفض الإسلام‏:‏ الدنيا حين تسترشد بأوامر الدين ونواهيه‏,‏ وتنضبط بتشريعه وتنظيمه؟ هل يتصور أحد يدرك من تلك البدهيات شيئا‏:‏ أن يرفض الإسلام ـ وهو الدين الذي نهضت علي قواعده تلك الحضارة الشامخة التي ازدهرت بها دنيا الناس علما ومدنية ـ‏:‏ تلك الدنيا ويعاديها؟
ثم تتوالي دعاوي علمانية التنوير‏,‏ بعضها فوق بعض‏:‏
ـ فأولي تلك الدعاوي المفتراة أن من يرفض العلمانية فإنه يهدف إلي ارتهان الدنيا لصالح الدين‏,‏ ومن ثم فإن العلمانية هي التي تتكفل ـ طبقا لهذا الزعم ـ بتحرير الدنيا من أن تقع رهينة للدين‏,‏ أو حبيسة في نطاق أوامره ونواهيه‏,‏ أو مضبوطة بضوابط نظمه وتشريعاته‏.‏
لو أنا تابعنا خطوات هذا المنطق التنويري حتي نهاياته القصوي لحق لنا أن نقول ـ بالمثل ـ إن القيم الوضعية البشرية ـ هي الأخري ـ ترتهن الدنيا‏,‏ وتحبسها في نطاقها‏,‏ وتكون قيدا علي حركتها‏,‏ وحينئذ فأي الارتهانين أصدق قيلا وأهدي سبيلا‏:‏ ارتهان الدنيا بقيم البشر النسبية الرجراجة حيث تكال قيم الحق والعدل والخير بمكيالين‏,‏ بل بعدة مكاييل‏,‏ أم ارتهانها بقيم الإسلام الثابتة ومعاييره الراسخة‏,‏ حيث تتصف تلك القيم بالمطلقية والديمومة‏,‏ فلا تميل مع الأهواء‏,‏ ولا تتأرجح مع الأغراض‏(‏ ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن‏)‏
وإذا نحينا حديث الارتهان جانبا فلماذا يترسخ في أذهان العلمانيين جميعا ـ ودون اسثناء ـ أن الدين والدنيا‏:‏ غريمان لدودان‏,‏ وأن أحدهما لا يكتب له بقاء إلا بإقصاء الآخر وإلغائه جزءا أو كلا؟ ألا ينطوي كيان الإسلام ـ تاريخا وحضارة وعمرانا ـ علي حقيقة متجذرة في بنيته العميقة‏,‏ وهي ذلك التآزر المصيري الجوهري بين الدين والدنيا‏,‏ والذي بدونه ـ أعني هذا التآزر ـ ما قامت لهذا الكيان الشامخ قائمة‏,‏ برغم ما اعتراه في بعض فترات التاريخ من عثرات ونتوءات‏,‏ تملك الأمة ـ في مذخورها الذاتي ـ ما يمكنها من تجاوزها وتلافي مسبباتها؟
ـ وثانية تلك الدعاوي التنويرية المفتراة‏:‏ أن من يرفض العلمانية فإنه ـ برفضه هذا ـ ينتهي إلي نفي الإنسان والعالم‏,‏ ومن ثم ـ فإن رفع لواء العلمانية ـ طبقا لهذه الدعوي ـ هو الذي يضمن للإنسان والعالم جميعا أن ينعتقا من هذا النفي‏,‏ وأن يعودا إلي موقعهما في خضم الحياة‏,‏ بعد أن نفاهما الدين وأسقط اعتبارهما‏!!‏
وللمرء أن يتساءل‏:‏ أي إنسان هذا الذي نفاه الإسلام‏,‏ وهو الكائن الذي كرمه الله تعالي وفضله علي كثير من خلقه‏,‏ وأسجد له الملائكة‏,‏ وجعله الخليفة في الأرض؟ وأي عالم هذا الذي نفاه الإسلام‏,‏ وهو الكون الذي جعله الله تعالي مجلي لاسمائه الحسني‏,‏ ومظهرا لصفاته العليا‏,‏ وأتقن صنعه‏,‏ وأحسن تدبيره ؟؟
فهل ينتفي هذا الإنسان وذاك العالم‏,‏ وتذوب حقيقتهما‏,‏ وتذوي كينونتهما حين يطيع هذا الإنسان في رحاب ذلك العالم‏:‏ أمر ربه ونهيه‏,‏ وشرعه وقضاءه؟
وأي عقل رشيد يعـي أبسط مقتضيات الألوهية والربوبية ثم يذهب به الشطط إلي أن الإنسان والعالم كليهما لا يدرءان عن نفسيهما النفي ـ كما تزعم علمانية التنوير ـ إلا بالتمرد علي الأوامر والنواهي الإلهية‏,‏ والتخلص من تبعة الالتزام بها؟
أفليس تمرد الإنسان علي التشريع الإلهي‏,‏ وخلو العالم من أوامر الله تعالي ونواهيه‏:‏ هو الذي يؤدي إلي النفي الحقيقي للإنسان والعالم‏,‏ لأنه يبتر صلتهما بالميزان الإلهي الذي وضعه الحق سبحانه في عمق أعماق الكون‏,‏ وإلي تشويه الغايات القصوي من الوجود‏,‏ وانحصارها في آفاق الحياة الآنية المحدودة‏,‏ بل وإلي اغتراب الإنسان عن عمقه الروحي المتأصل في أعماق ذاته ؟
أي نفي أشقي للإنسان و العالم حين تنحصر غايات ذلك الإنسان في رغائب ذاته‏,‏ وتنحسر تحت سقف دنياه‏,‏ بلا امتداد إلي ما وراءهما‏:‏ أو استشراف إلي ما فوقهما؟‏!‏
وثالثة تلك الدعاوي التنويرية المفتراة أن من يرفض العلمانية ثم يلتزم بعدئذ بشرع الله تعالي‏:‏ فإنه يقوم بإحلال الله تعالي في الواقع العيني المباشر‏.‏
وربما كانت هذه الدعوي أكثر أخواتها جرأة وجسارة‏,‏ لكنها أظهرها تهافتا وبطلانا‏,‏ فاعتقاد المسلم أنه‏(‏ إلي الله ترجع الأمور‏)‏ وأنه تعالي‏(‏ علي كل شيء قدير‏)‏ من جهة‏,‏ ومن جهة أخري بأنه مكلف بالتزام شرع الله تعالي ومنهجه في الكون‏:‏ يشكلان جانبا جوهريا من عقيدته الصحيحة‏,‏ لكن أخطر في الأذهان ـ ولو لبرهة من الزمان ـ أن شيئا من ذلك مؤد إلي إحلال الذات الإلهية في الواقع العيني المباشر‏,‏ أم أن إيمان المسلم بعالم الغيب المفارق لعالم الشهادة يتسامي به عن هذا التصور ويعصمه من الانزلاق إليه والوقوع فيه؟
ثم أي عقل هذا الذي يتوهم أن إرجاع المسلم لشئون الكون كلها إلي الله تعالي غاية ومصيرا‏,‏ أو أن امتثال أوامره واجتناب نواهيه‏:‏ تمثل إحلالا له سبحانه في عالم الحس المباشر‏,‏ وهو الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير؟؟
ومن العجب أن فريقا من الذين ينتمون إلي السلفية المدعاة يشبهون أصحاب هذه الدعوي المفتراة في شيء مما يزعمون‏,‏ ـ برغم تنائي الديار ـ‏!!,‏ وذلك حين يتدني التصور الاعتقادي التنزيهي لديهم إلي أفهام حرفية ضيقة لنصوص الكتاب والسنة تدنو بهم إلي قريب من درك التشبيه والتجسيم‏!!‏
ثم أقول أخيرا‏:‏ أي مصير بائس ستؤول إليه شخصية الأمة حين تصاب بهذا الانقسام الحاد في بنيتها الفكرية الواعية بين دنيا يراد لها أن تنفصل عن الدين‏,‏ وبين دين يراد له أن يفرغ من مضمونه‏,‏ ويجرد عن دوره ؟ والخاسر في ذلك كله هو الإنسان؟‏!‏

الأربعاء، 22 ديسمبر 2010

من أرشيفي


     
أشرح الخبل كله أم من الخبل اختصر؟
يلفون ويدورون ويقومون ويقعدون، ولا يكفون عن التحرش، وكأن الدنيا لم يعد يخربها سوى أن دين دولة مصر هو «الإسلام»، وأن خانة توضيح «الديانة» لا تزال قائمة في الأوراق الرسمية.

يلتصقون بالسلطة، يبتسمون لها ويسبلون لها رموش أجفانهم في عشق القائل: «إنت تؤمر يا جميل»، من أجل أن يبلغوا مأربهم: «محو التدين». وحين تلوي السلطة عنقها عنهم وتحول ناظريها إلى مصلحتها، التي لا تراها في التصادم مع نبض الشارع، يرتفع صراخهم، كأنه معارضة حرة: «السلطة تتملق المشاعر الدينية»، ويهز السيد المواطن رأسه وهو مغمض عين وفاتح أخرى: «طيب وماله؟ سلطة واعية!»

إنهم هؤلاء الذين دأبوا على احتكار لقب «المثقفين»، وأغلبهم لا يعرف من الثقافة سوى عنوان كتاب: «لماذا أنا ملحد»، ينطقونه بتلمظ وفخر، على الرغم من أن معظمهم يخلط دائما في اسم مؤلفه «إسماعيل أحمد أدهم» مع كاتب آخر أكبر منه اسمه «إسماعيل مظهر».

هذا الذي يسمونه كتاب «لماذا أنا ملحد»، لا يعدو كونه كراسا نحيلا لا يزيد عن 13 صفحة، كتبها مخبول عام 1937 وانتحر بعدها بثلاث سنوات في 23 يوليو عام 1940 غريقا في بحر عروس البحر الأبيض المتوسط الإسكندرية، وإسماعيل أحمد أدهم، المولود في 13 يناير سنة 1911، صاحب هذه الأوراق «العبيطة» التي تعود لتطفو هذه الأيام عوامة يتعلق بها حضراتهم في نضالهم المكثف من أجل إنقاذ مصر من «الإسلام» و«التدين» و«الإيمان» والعياذ بالله من شياطين الإنس والجن.

عندي صورة من هذا الكراس تفضل بها علي الأستاذ العلامة الناقد والكاتب الكبير وديع فلسطين، بناء على طلبي، بعد أن صار الكلام عن هذا الكراس نشيدا يتغنى به في كل محفل وناد، ولو من دون قراءة له أو بيانات صحيحة عنه، تبدأ من أول الخطأ كما ذكرنا في اسم مؤلفه.

النسخة المصورة لدي تفيد بأن الكراس منقول «عن مجلة الإمام، أغسطس 1937»، وبها هذا التنويه: «هذا الكراس الذي ظل، وكل فكر أدهم المتشعب الاهتمامات، معتم عليه ما يقرب من نصف قرن، عثرت عليه السيدة س... نقطة شكر يزفها إليها المنسيون».

ولا أدري أنا من أين أبدأ حساب النصف قرن، أمن تاريخ نشر الكراس فتكون إعادته للنشر سنة 1987؟ أم تاريخ موته منتحرا فيكون النشر المجدد سنة 1990؟ ما علينا، حروف طباعة الكراس تدل على أنه صورة من أصل تم نشره 1937، وبه ثبت يزعم أنها مؤلفات أدهم وهي: 1 ـ نظرية النسبية بالألمانية والروسية في ثلاثة مجلدات. 2 ـ الرياضيات والفيزيقا بالألمانية والروسية في مجلدين. 3 ـ حياة محمد ونقدات تاريخية بالألمانية في مجلد. 4 ـ تاريخ الإسلام بالتركية في ثلاثة مجلدات. 5 ـ من مصادر التاريخ الإسلامي بالعربية. 6 ـ أبو شادي الشاعر بالإنجليزية. 7 ـ التوران في مجرى التاريخ بالتركية. 8 ـ الزهاوي الشاعر بالعربية.

هذا الثبت الذي يزعم أن الكتب المذكورة مؤلفات إسماعيل أحمد أدهم، حروف طباعته حديثة، فلعل هذه الكتب كانت المراجع التي استند إليها اسماعيل أدهم في كتابة كراسه وليست مؤلفاته، خاصة وأنه مات وعمره 29 سنة، وأنه يستند في برهانه إلى عقيدته الإلحادية إلى ما يقول هو بنفسه عنه: «.. هذا كلام رياضي صرف ومن الصعب التعبير في غير أسلوبه الرياضي، وليس كل إنسان رياضي عنده القدرة على السير في البرهان الرياضي... أما أنا فلا أجد هذه الصعوبات إلا شكلية، والزمن وحده قادر على إزالتها، ومن هنا لا أجد بدا من الثبات على عقيدتي العلمية والدعوة لنظريتي القائمة على قانون الصدفة الشامل الذي يعتبر في الوقت نفسه أكبر ضربة للذين يؤمنون بوجود الله».

في مطلع الكراس، استشهد إسماعيل أدهم ببيتين من قول جميل صدقي الزهاوي، بعد مطالعته «عقيدة الألوهية» للدكتور أحمد زكي أبو شادي، والبيتان هما:

«لما جهلت من الطبيعة أمرها

وأقمت نفسك في مقام معلل

أثبت ربا تبتغي حلا به

للمشكلات فكان أكبر مشكل»

وفي مقدمته تحت عنوان «توطئة»، نعرف من السيد إسماعيل أدهم، أن والده كان مسلما شديد التمسك بدينه، وأمه مسيحية بروتستانية ابنة البروفيسور وانتهوف «الشهير»، ولكنها ماتت وإسماعيل أدهم في الثانية من عمره، فعاش سنوات الحرب العالمية الأولى مع شقيقتيه في الآستانة وكانتا تلقنانه تعاليم المسيحية، وتسيران به كل يوم أحد إلى الكنيسة، وإن أفاد بعد ذلك بأن الشقيقتين «كانتا قد درجتا على اعتبار أن كل ما تحتويه التوراة والإنجيل ليس صحيحا، وكانتا تسخران من المعجزات ويوم القيامة والحساب، وكان لهذا كله أثر في نفسيتي».

كراس «لماذا أنا ملحد» لا يهدد المؤمنين ولا يستحق جهد الرد الذي بذله في وقت صدوره العلامة محمد فريد وجدي بكتابه «لماذا أنا مؤمن»، فهذا الكراس على العكس، يؤكد قدر الخلل والارتباك والتخبط الذي عانى منه المسكين «إسماعيل أحمد أدهم»، وأتباعه الصارخون بعنوان كتابه والمختلط عليهم اسمه!

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.



الاثنين، 20 ديسمبر 2010

تحالف اللادينية والصهيونية



أنتجت النظريات العنصرية لفلاسفة الإستخراب الغربي، القائلة بتفوق الجنس الأبيض ،نموذج هتلر فخرج بحربه العالمية ـ 1939 \1945 ـ يدمر براية تفوق الجنس الآري، يريد أن يخضع العالم لتفوقه العرقي الموهوم ، وذاق العنصريون الغربيون طعم لحمهم المر المسموم.

أنضج هتلر على وقود أفرانه ، التي زج فيها معارضيه من يهود وغيرهم ، خرافة الشعب المختار، ففي قاع المذلة التي وجد الرجل الأبيض ، المنتمي إلى اليهودية ، نفسه فيها تولدت عنده هلوسات جنون العظمة.  لقد رأى أنه أوروبي وأبيض لكنه مرفوض ليهوديته ممن هم في الواقع أهله وجنسه وأبناء وطنه، عاش في أحياء منعزلة، سخروا منه في آدابهم وفنونهم وممارسات حياتهم اليومية، لفظوه بقسوة رغم وحدة اللون والملامح والجنس والأرض، وكان حتما أن تركبه مركبات النقص التي كان لابد أن تتولد منها صيغة مرضية للعظمة مشابهة للصيغة العنصرية ، التي تقول بتفوق الجنس الأبيض، غير أنها بالغت في الجنون بقولها: أنا شعب الله المختار، وهذا العالم كله بناسه ومخلوقاته خلقه الله من أجلي ليخدمني بصفتي السيد وهو العبد!

إتفقت المصالح الغربية ، بلادينيتها، على إتاحة المجال لإنطلاق الحركة الصهيونية ودعمت منطقها، الذي اعتمد صيغة شعب الله المختار وحقه فيما سمته أرض الميعاد على أرض فلسطين، وزورت لها الوثائق والحكايات والأساطير، ونبشت لتسرق تراث الجنس البشري كله وتنسبه لنفسها ، ولعلنا لم ننس بعد لغة النصب والإحتيال التي تكلم بها اسحق رابين وهو يتسلم جائزة نوبل ويسرد بها المساهمات الثقافية والعلمية والفنية التي أثرى بها، ماسماه الشعب اليهودي، تراث الإنسانية على مر الأزمان ذاكرا من تلك الإسهامات "الأهرامات" و "أشجار الزيتون والبرتقال" على أرض مصر وفلسطين!

إرتفع النداء لتجميع يهود العالم لينسلخوا عن أوطانهم وأجناسهم المختلفة ويصطفوا خلف الفكرة الصهيونية العنصرية في وحدة ترسخهم بزعم أنهم شعب الله المختار بينما كانت السكاكين تنزل من كل جانب تقطع أرحام المسلمين ليتفرقوا عن حبل الله تحت رايات لادينية قومية وعرقية ما أنزل الله بها من سلطان.  هذا رغم أن البون شاسع بين غاية تجميع المسلمين في أمة واحدة، تحتضن بين جنباتها كل الأجناس وكل الأديان، تساوي بين الأجناس وتعترف بكل دين سماوي، وبين غاية الصهيونية في تجميع يهود العالم لتصنع منهم شعبا متعصبا لايعترف بـ "الآخر" ولا بأي دين أو عقيدة تخالفه، يسرق الأرض ويأكل الحقوق ولا يبالي بعهد أو ذمة وينتهج القمع والإرهاب بوقاحة وحرية وحوش الغاب ، بزعم أن من حقه الدفاع عن "أمانه" ضد مقاومة ضحاياه، ويجد من يتعهد بدعمه ، ممن يسمون أنفسهم الدول الكبرى ، تحت مقولة غاشمة لا تتغير أكدها أوباما من على منصة جامعة القاهرة ، كأنها نص مقدس من نصوص الكتب المنزلة : "أواصرنا بإسرائيل غير قابلة للكسر!"

 نعم! تجمعت المصالح الدولية لتؤسس تحالفا عجيبا بين اللادينية والصهيونية من أجل أن  يكون لليهود الحق في إقامة دولة "دينية يهودية" ، بينما تتسيد بطانتهم بين ظهرانينا  لفرض اللادينية على المسلمين لتحرمهم التمتع بالعيش في كنف شريعتهم ، وقرآنهم يقول في الآية 65 من سورة النساء: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما".

وأسأله سبحانه أن يساعدني على مواصلة الكلام مستعيذة به من همزات شياطين الإنس والجن، ومن حضورهم!


الأحد، 19 ديسمبر 2010

إهداء إلى سواح في ملك الله حفظه الله

أصل وفصل اللادينية

يقول الأستاذ الدكتور توفيق الطويل أستاذ الفلسفة، في ضرورة الدين للفرد وللمجتمع، أن استقراء التاريخ من قديم الزمان يشهد بأن الشعوب لا تحيا بغير دين تعتنقه ، ومن ثم اهتم الملحدون من المفكرين والفلاسفة بالدين رغم رفضهم له ، وفي سعيهم للتوفيق بين رفضهم للدين مع اعترافهم بأهميته للإنسان أنكروا الدين المنزل بوحي إلهي وأنشأوا أديانا سموها حينا بالدين الطبيعي وحينا بالديانة الإنسانية ، ( وهي الرسالة المخبأة تحت طيات المناداة بما يسمى "الدولة المدنية" و " المجتمع المدني" التي لايكف الهادفون إليها عن التحرش بالمادة الثانية من الدستور المصري والزعق بهستيريا لتخليص الدستور من المواد الدينية التي تعتبر الإسلام دين الدولة ومصدر التشريع ، خيب الله سبحانه كيدهم آمين!).

يستعرض بحث الدكتور الطويل زعماء هذه الديانات المطروحة بديلة عن الدين الحق المنزل على أنبياء الله عز وجل، ومن بينهم المدعو أوجست كونت الذي يرى أن المجتمع في حاجة ماسة إلى مجموعة منظمة من العقائد تكون موضع اتفاق بين الأفراد جميعا، ولا يتيسر هذا إلا بإلغاء الأديان القائمة وصهرها في دين جديد يتمثل في عبادة الإنسانية من حيث هي فكرة تحل مكان الله في الديانات المنزلة!
 ( وهنا يجب أن نلحظ الكم الهائل من الخبث الذي تنطوي عليه أحاديث عن الإنسانية تمر من تحت أنف بعض السذج من دون أن يتشككوا في كونها وثنا معبودا إلى جانب أوثان أخرى، ما أنزل الله بها من سلطان، تعج بها مفردات اللادينيين).

تحت كلمة جميلة مثل "الإنسانية"، التي صنع منها الفيلسوف الملحد أوجست كونت ديانة إدعى أنها تحقق وحدة دينية للبشرية يتلاشى معها الشر والمنازعات...الخ ، لايتورع الفيلسوف الإبليس عن تقسيم للبشرية تفوح منه رائحة العنصرية المنتنة ، على الرغم من الكلمات المنمقة والشعارات المبهرة ، فحضرته يقسم البشرية إلى أجناس
 ثلاثة : الأبيض ويمثل الذكاء ، والأصفر ويمثل العمل ، والأسود ويمثل العاطفة! هذا الكلام العفن يعني بصريح العبارة سيادة وزعامة الجنس الأبيض متمثلا في العنصر الأوروبي وتراث حضارته الغربية سواء سكن أوروبا أو الأمريكتين أو أستراليا أو "الشرق الأوسط"!

هذه الرؤية الشوهاء، التي ترى في الصين واليابان حمار شغل، وترى في الجنس الأسود ـ الذي يضم إفريقيا والهند ـ الطبل والزمر والرقص وشهوات العاطفة ، لاترانا نحن العرب ، بأغلبيتهم المسلمة ، جنسا أبيض إنها ترانا خليطا لا يرقى للتصنيف من واجبه فحسب أن يكون بطانة، رضي البعض من أهلنا للأسف أن يكونوها، تغني معزوفات الرجل الأبيض العنصرية اللادينية بإعجاب شديد ، هذا بينما يقول لنا نبينا محمد بن عبد الله :" اتركوها إنها منتنة"، قاصدا العصبية القومية والقبلية والجنسية مؤكدا القاعدة التي ترتكز عليها النظرة الإسلامية للبشرية وللإنسانية: "كلكم لآدم وآدم من تراب ، لافضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي ، ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى!"

"التقوى": أي مخافة الله الذي خلقنا سواسية بالعدل والقسط والميزان ، للجميع الذكاء ، وللجميع قدرة وأدوات العمل ، وللجميع عاطفته ومشاعره ووجدانه. لاعذرلمن لايعمل، ولاعذر لمن لايحس ويشفق ويحب ويرحم ويتراحم. هذه النظرة الإسلامية الكلية للبشر والإنسانية تقودها كلمة الله "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، فنعلم أنه ليس هناك شعب مختار ولا جنس أرقى  ولا بطاقة مكتوب عليها التفوق لأحد أبد الآبدين.

وإذ يستمر كلامي إلى فرصة تالية بإذن الله أقرأ من سورة "المؤمنون" الآيتين الكريمتين 97 و98 :" وقل ربّ أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك ربّ أن يحضرون "، صدق الله العظيم.

لمن تفضل بالسؤال عن العلمانية

العلمانية‏..‏ في ثوب التنوير‏(1‏ ـ‏2)‏
بقلم: د.محمد عبدالفضيل القوصى

لا تكاد رياح الدعوة إلي العلمانية تخبو حتي تنبعث من مرقدها من جديد‏,‏ متدثرة بأردية مستحدثة‏,‏ وأزياء متجددة‏,‏ قد تختلف في مرآها ومظهرها‏,‏ لكن الجوهر المستكن وراء تلك المرائي والمظاهر يظل ثابت الملامح متصلب القسمات‏.‏
بيد أنه ينبغي لنا أن نعترف منذ البدء بأن العلمانية حين ارتدت ثوب التنوير لدي بعض سدنته بدت أكثر حنكة‏,‏ وأمهر أسلوبا‏,‏ ومن ثم أعمق احتياجا إلي مزيد من التأمل والتحليل‏!!‏
لقد كان دعاة العلمانية من قبل‏:‏ يسفرون عن وجوههم علانية ودون مواربة‏,‏ فالعلمانية لديهم تعني ـ ببساطة ـ فصل الدين عن مناحي الحياة‏,‏ وعزله عن واقع البشر‏,‏ فحسب الدين ـ فيما يشتهون ـ أن يقبع في ركن قصي من أركان الحياة البشرية‏,‏ الفردية منها والاجتماعية‏,‏ وأن يغلق علي نفسه دور العبادة ويستغرق في طقوسها‏,‏ ولا بأس عند أكثر العلمانيين سماحة‏!!‏ أن تهتز له المشاعر‏,‏ أو تهفو إليه العواطف‏,‏ أو تخفق له القلوب‏!!‏
بل‏...‏ لا بأس عند أكثر العلمانيين حذقا ومهارة أن تنبعث في دائرة الدين اتجاهات متحجرة تدعي الانتساب إلي السلف الصالح‏,‏ ثم تستخدم هذا الانتساب المدعي في صرف اهتمام جماهير الأمة‏:‏ تارة صوب قضايا كلامية عقدية ما كان ينبغي لها أن تغادر قاعات الدرس ومجالس العلماء‏,‏ وتارة صوب توجيه اهتمام هذه الجماهير إلي فرعيات فقهية لا تكاد تنفذ من المظهر إلي الجوهر في جمود فكري منغلق‏,‏ وشكلية حرفية متزمتة ضيقة‏.‏
لا بأس من ذلك كله‏...‏ متي توقفت خطا دور الدين عند هذه الحدود‏,‏ أما أن يضطلع الدين بدوره في تنظيم حياة البشر‏,‏ أو ضبط واقعهم أو توجيه مناشط سلوكهم‏,‏ فذلك كله ـ عند العلمانيين جميعا ـ هو المحذور المنكور‏!!‏
لكن سدنة التنوير ـ وإن كانوا علي ذلك من المجمعين ـ يتخذون في الدعوة إلي العلمانية والترويج لمبادئها منحي أكثر ابتداعا‏,‏ فبعد أن كانت العلمانية عند الأقدمين تسعي ـ ببساطة وعلانية ـ إلي عزل الدين عن المجتمع والحياة‏,‏ إذا بأحد أولئك السدنة يجهر قائلا‏:‏ من ذا الذي يملك قوة فصم الدين عن المجتمع والحياة ؟ إن العلمانية ـ كما يضيف بالنص الحرفي ـ هي الحماية الحقيقية لحرمة الدين والعقيدة والإبداع‏,‏ بل إن الإسلام ـ كما يقول في جرأة بالغة ـ هو‏'‏ الدين العلماني بامتياز‏,‏ لأنه لا يعرف سلطة الكهنوت‏!!‏
في سبيل التمهيد لهذه الأطروحة المبتدعة يقيم ذلك القائل تفرقة مصطنعة بين‏'‏ الدين‏'‏ من جهة و‏'‏الفكر الديني‏'‏ من جهة أخري‏,‏ فجميع ما سطره علماء المسلمين ومحققوهم‏,‏ فهما من القرآن الكريم والسنة المطهرة‏,‏ واستخراجا لدلالاتهما‏,‏ واستنباطا لأحكامهما‏:‏ يندرج تحت مسمي‏(‏ الفكر الديني‏)‏ الذي لا يمثل ـ في هذا الزعم ـ‏:‏ الدين نفسه وإنما هو عبدء عليه‏,‏ وقيد علي طلاقته‏,‏ بل إن هذا الفكر الديني‏:‏ يحمل إدعاء ضمنيا بالقدرة علي الوصول إلي‏'‏ القصد الإلهي‏',‏ دون إدراك أنه بذلك يدخل في منطقة شائكة‏,‏ هي منطقة الحديث عن الله‏!!‏
والذي تهدف إليه العلمانية ـ حسب هذا الفهم الكليل ـ إنما هو إزاحة هذا‏'‏ الفكر الديني‏'‏ وليس الدين نفسه‏!!‏
لكن هذه الأطروحة التنويرية تتضمن في خبيئتها الخادعة‏:‏ دعوة جهيرة إلي تجريد الدين نفسه ـ ممثلا في القرآن الكريم ـ من كل دور في واقع المسلمين‏,‏ وذلك بإهدار جميع‏'‏ دلالاته‏'‏ التي حملها إلي البشرية من الأوامر والنواهي والتشريعات الاجتماعية والحياتية‏,‏ والتي ضبطت معاقدها‏:‏ جحافل من أفذاذ العلماء والمحققين علي مدي التاريخ الإسلامي‏,‏ بزعم أن ذلك كله يندرج تحت مسمي‏(‏ الفكر الديني‏),‏ لكي يصير هذا الدين ـ بعد تلك‏'‏ التعرية‏'‏ ـ‏:‏ مجردا من مضامينه الدلالية‏,‏ خاوي الوفاض من توجيه المجتمع‏,‏ وضبط حركته‏,‏ قابلا لكل‏'‏ قراءة‏'‏ شاردة‏,‏ أو هوي منفلت‏,‏ ثم تصحو الأمة بعدئذ علي‏'‏ دين‏'‏ قد أفرغ من محتواه إفراغا‏,‏ ولم يبق منه سوي‏'‏ إطارات‏'‏ عامة مفتحة الأبواب‏,‏ لا تستعصم في وجه فكر جانح أو رأي زائغ‏,‏ ثم تكتمل حلقات تلك الهجمة التنويرية المستحدثة بما يلوح به صاحبها ـ ترهيبا وتخويفا ـ بأن هذا‏'‏ الفكر الديني‏'‏ حين يضبط دلالات النصوص الشرعية‏,‏ أو يرسخ في وعي الأمة‏:‏ الأصول المستنبطة من الكتاب والسنة فكأنه ينفذ إلي‏'‏ القصد الإلهي‏'‏ ويتحدث باسم الله‏!!‏
ولا يمكن للمرء في هذا المقام إلا أن تعتريه الدهشة من هذه القدرة الفائقة علي خلط المفاهيم في جرأة بالغة واقتحام جسور‏,‏ فهل يمكن لامرئ تمرس بشيء من المعرفة بالإسلام أن يغفل عن تلك البدهية العظمي من بدهيات الإسلام وهي أن القرآن الكريم ما أنزله الله تعالي إلي البشرية إلا رسالة خاتمة ناطقة‏'‏ بمرادات‏'‏ الله تعالي من البشر‏,‏ أمرا أو نهيا‏,‏ قضاء وتشريعا‏,‏ سلوكا وتطبيقا‏,‏ لكي تحاسب تلك البشرية عليها بعدئذ طاعة أو معصية‏,‏ ثوابا وعقابا؟
وهل يمكن لذي عقل مستقيم إلا أن يفهم أنه لابد لتلك الرسالة الجليلة ذات الخطر العظيم‏:‏ أن تكون كاشفة عن تلك المرادات كشفا لا إبهام فيه ولا إيهام‏,‏ وإلا فكيف يتم إلتزام تلك الطاعة أو اجتناب تلك المعصية إن لم يكونا ـ من الوضوح والبيان ـ علي أتم درجاتهما وأكمل مراتبهما؟
ثم أي فهم إذن هذا الذي يدعي أن هذا الوضوح والبيان الذي نطقت به آيات هذا الكتاب المعجز‏,‏ الذي اضطلعت بتفصيله جهود علماء الأمة إنما هو‏'‏ولوج‏'‏ إلي المنطقة الشائكة وهي الحديث‏'‏ باسم الله‏'‏ ؟
كيف يصح في الأذهان أن ينقلب‏'‏ فهم‏'‏ دلالات القرآن الكريم الذي يسره الله تعالي للذكر‏,‏ وجعله‏'‏ قرآنا عربيا غير ذي عوج‏':‏ إلي حديث‏'‏ باسم الله‏'‏ ؟
أليس القرآن الكريم هو‏'‏ كلام الله‏'‏ سبحانه‏,‏ وأليس هو الله تعالي الذي نزل‏:'‏ أحسن الحديث‏',‏ ألسنا حين نسمع القرآن الكريم فإنما‏'‏ نسمع كلام الله‏',‏ فأين إذن الحديث‏'‏ باسم الله‏'‏ ؟
أما كان الأجدر لو كانت افهام المسلمين للأوامر والنواهي الإلهية في القرآن الكريم‏:'‏ حديثا عن الله‏',‏ ودخولا في تلك المنطقة الشائكة المحرمة ـ كما يقول صاحب هذا الزعم ـ أن يتضمن القرآن الكريم أمرا للناس بالصمت والسكون‏,‏ وتوجيها لهم أن يمسكوا عن كل فهم في الدين حذرا من أن يكون ذلك نفاذا إلي القصد الإلهي‏,‏ أو حديثا عن الله سبحانه؟
ولئن كان الأمر كذلك‏,‏ فما الحاجة إلي تضمين تلك الأوامر والنواهي في القرآن الكريم‏,‏ أصلا وابتداء ؟ أو ما كان الاولي حينئذ أن يكون القرآن الكريم ـ وحاشاه ـ مجرد نصائح عامة فضفاضة لا تحمل أمرا ولا نهيا ولا تشريعا ولا تنظيما ؟‏!‏
ثم أقول أخيرا إن مأساة رهط من التنويريين والعلمانيين تتجسد ـ في بعض جوانبها ـ أنهم مولعون باستعادة تاريخ الكنيسة في العصور الوسطي الأوروبية‏,‏ ثم نسج خيوطه المهترئة ذاتها علي وقائع التاريخ الإسلامي في تبسيط هازل لا يملون من تكراره‏,‏ فهل خطر ببال أحد من علماء الأمة ـ متقدميها ومتأخريها ـ ذات يوم أن يكون رأيه حديثا عن‏'‏ الله‏'‏ وهو يتلو قوله تعالي تعليما لرسوله الكريم‏:(..‏ ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون).



 




 

السبت، 18 ديسمبر 2010

تمهيد للضحك
     
هذا الكلام كان له عنوان مختلف، عنوان متجهم هو: "تكاثرت علينا الخشب المسندة"، ولكنني بعد تأمل، وأنا أستعرض نماذج من بعض تلك الأشياء التي يمكنها أن تثير الغضب أو الاستفزاز، وجدت الابتسامة ترف على شفتي تمهيدا للضحك، ففي مصر الآن صيحات احتجاج هائلة تنطلق من كل اتجاه، ومع ذلك من الصعب تجميع هذه الاحتجاجات في حزمة واحدة، لأننا نرى صراخ الإعتراض يتساوى مع صراخ نقيضه، ولو أردنا تجسيد هذه الحالة نضع "المايوه البيكيني" وسائر نماذج العري أمام النقاب وسائر تنويعات المسدل الساتر من الثياب، ولو صدمتنا "الجود مورننج"، و"ماي آي هلب يو"، في تحيات الفنادق الكبرى وبعض محال السوبر ماركت والمطاعم، فسوف لا ننتظر حتى نسمع التسبيحات وأسماء الله الحسنى وأناشيد الصلاة على النبي في خاصية الانتظار على هواتف محال ومطاعم أخرى، خاصة مطاعم الكباب والأسماك، ولا ننسى الهواتف الجوالة التي انتشرت شعبيا، بين أصحاب الحرف المتنوعة من السباكة والنقاشة والتجارة، وغالبية طلبة وطالبات المدارس والجامعات، وهي هواتف لها "رنات" تتراوح كذلك بين الانفلات والخشوع!

انعكاسا لهذا الواقع كان من الطبيعي أن تعج صفحات الرأي في الصحف بالمقالات والأعمدة التي تتناطح فيها الآراء المتباينة، يلكز بعضها بعضا، كلها في وقفة محلك سر على بساط واحد لا يمكن جذبه لتغليب قوة على أخرى، لعل هذا ما يعطي المشهد طرافته المؤدية إلى الضحكات وإن كان ضحكا هو البكاء بعينه.

لا حراك، محتجزون عند معبر مغلق، الأعجب فيه أن يشكو الإغلاق المتسبب في الغلق. والله لقد قرأت لواحد يطل من كل شرفات السلطة، يستشهد بكلمات تقول: "وفي شرفات هذا العصر قد وقف الرجال الزائفون..."، كتبها عبد الرحمن الشرقاوي منذ مايقرب من نصف قرن، ولم أدر هل هذا الواحد غافل عن إطلالته من الشرفات أم أنه غير قانع بها، أو لعله حنين لهتاف من زمن شبابه نسي وهو يردده أنه يشتم نفسه؟

فكيف بالله لا نضحك ضحك البكاء؟

وبينما يرصد أحدهم "زبيبة الصلاة"، على أساس أنه ضبط ضبطية مهولة لعلامات التدين الذي يهدد السلام الإجتماعي، نرى آخر يخرج بضبطية أشد هولا إذ يرى في تحليله أن انتشار تحية "السلام عليكم" تمييز يفرق بين المسلم والمسيحي، ويذرف دموعه ناعيا التحيات الجميلة مثل: "العواف" و"فتكم بعافية" و"نهارك أبيض" و"صباح الفل" و"صباح الهنا" و"اتمسوا بالخير"، التي قضت عليها الجماعات الإسلامية وصوبت إليها سهامها المسمومة، باعتبار أن "السلام عليكم" سهم مسموم!

فكيف بالله لا نضحك ضحك البكاء؟

 فيما لم يجد رفيق له أي حرج من قوله: "عندما قال الرئيس الراحل أنور السادات أنا رئيس مسلم لدولة مسلمة، اعتبرناه قد قدم استقالته للمسيحيين"!، ولا ننسى أن هذا يأتي في سياق زمن تعلن فيه إسرائيل حقها في اعترافنا بها دولة يهودية، ولا يكفيها أن الكثير من الأقلام قد اعترفت منذ زمن، بهبل شديد ومن دون طلب، أنها الدولة العبرانية، بغفلة عن حقيقة أنها لا يهودية ولا عبرانية، ناهيك من أنها ليست دولة أصلا، فهي كيان صهيوني محتل، وسائله الوحيدة للاستمرار وإثبات الوجود هي الإرهاب والاغتيالات العلنية التي يجهر بها كأنها حقه المشروع!

فكيف بالله لا نضحك ضحك البكاء؟

أما احتفال بعض المجموعات من "أهل كايرو" بليلة رأس السنة الميلادية، التي ستشرفنا خلال هذا الشهر، فلا شك أنه سيكون، كالعادة، الباعث على إخفاء الوجه بالكفين هربا من مشهد "الجينزات" و"البوي والجيرل فريندز" والتصرفات "الألافرانك" في مواجهة تعبيرات الإشمئزاز و الغضب المختلفة التي ترتسم على وجوه "أهل قاهرة المعز لدين الله" نفورا من "الجليطة" التي لا تراعي السلوك المطلوب لقيم وتقاليد وثوابت مصر الدينية والأخلاقية التي تتمثل في التزام أهلها، مسلمين ومسيحيين، بالاحتشام وبالسلام عليكم ولكم!

فكيف بالله لا نضحك، ضحك الخجل والإحراج؟