الأحد، 31 يوليو 2011

محمود درويش

حين خرج محمود درويش من حصاره في الأرض المحتلة ودخل القاهرة مطلع 1971، بعد هزيمة 5/6/1967 وبعد وفاة عبد الناصر 28/9/1970، لتكون أول مدينة عربية يراها ويسمعها ويمشي في أسواقها، كانت القاهرة قد عرفته من كتابات غسان كنفاني أولا، التي حرص أحمد بهاء الدين على نشرها بمجلة «المصور»، وكان أحمد بهاء الدين هو الاحتضان المصري الأول والمخلص لمحمود درويش، وقد أطلق عليه وصفه بـ«فلذة الكبد»!

غسان كنفاني هو صاحب البحث والمصدر الأول لإذاعة أنباء وأخبار وأبيات «شعراء الأرض المحتلة». «شعراء الأرض المحتلة»، كان مصطلحا جديدا سمعته لأول مرة من فم غسان كنفاني مطلع عام 1967، قبل هزيمة 5/6/1967، حين كنت في بيروت أحضر مؤتمرا أدبيا، لعله كان الآسيوي الأفريقي، ودعاني غسان كنفاني لتمضية يوم عائلي مع زوجته الوفية آن وأطفاله، جلس غسان يتكلم ونحن نتناول طعام الغداء، نحن نأكل وغسان يتكلم فرحا بشوشا متوقدا بالبلاغة والحماسة والتأثر، حول بحثه وكشفه ووسائله الفدائية ليحصل على قصائد «شعراء الأرض المحتلة»: محمود درويش، مولود في 13 مارس 1942، وزميلاه سميح القاسم، وتوفيق زياد.

كان غسان يقول بفخر إنهم البرهان المادي لمقاومة الفلسطيني الذي ظل على أرضه ولم يبرحها منذ اغتصابها عام 1948، لم ينس اللغة ولم ينس الحق ولم ينس... إلخ. وظل غسان يعدد مناقب الذين لم يبرحوا الأرض ويحكي كيف حاكم هو والده بقوله: لماذا تركت وكيف تحملت الرحيل، وكيف، وكيف؟

كان غسان مفتونا بقصيدة محمود درويش «سجل أنا عربي»، وكنت أنا منبهرة بقصيدته الأخرى: «يا وجه جدي/ يا نبيا ما ابتسم/ من أي قبر جئتني/ لتحيلني تمثال سم/ الدين أكبر/ لم أبع شبرا/ ولم أخضع لضيم/ لكنهم رقصوا وغنوا/ فوق قبرك فلتنم/ صاح أنا صاح أنا/ صاح أنا حتى العدم». مازلت أحفظ القصيدة من لسان غسان وهو ينشدها على أذنيّ، وقتها: لم تكن المسألة عنده وعندي مسألة شعر فحسب، وإن أطربنا وإن أذهلنا بجماله وقوته وصدقه ونبضه، لم نفكر لحظة في محاكمته بميزان النقد البارد، كان الأمر بالتحديد يتماثل مع فرحة من عثر على بقية أهله أحياء تحت الأنقاض، لذلك لم أفهم ولم أقبل ما حاوله محمود درويش، بعد ذلك بسنوات، تعديل مشاعرنا بصيحة: «أنقذونا من هذا الحب القاسي»، طالبا نقدا يتعامل مع المستوى الجمالي لشعره وشعر «الأرض المحتلة»، فلم يكن من حقه تصور أن «شعراء الأرض المحتلة» كانوا ظاهرة وجدنا فيها تعويضا معنويا عن هزيمة 5/6/1967، كما جاء في كلام له نشرته «الأهرام» 19/2/2008.

كان فرحنا بشعرهم قد سبق هزيمة يونيو، وكان الزمن السابق لهزيمة يونيو لا توجد به أية توقعات لهزيمة كالتي جرت.

الذي أذكره أنني أخذت محمود درويش، حال وصوله إلى القاهرة 1971، من نزله بفندق شبرد، ودعوت عبد الرحمن الأبنودي ليصاحبنا إلى شارع الغورية، آملة أن ألقي بمحمود درويش في أحضان الشعب المصري، بعيدا عن الدائرة المغلقة التي حاولت أن تضرب حوله سياجا من العزلة، بزعم الحرص والحماية، وقد تسببت في أن توغر صدر بعض شعراء مصر النابغين المفلسين الجالسين على مقهى ريش يؤيدون منطق نجيب سرور الساخر: «اشمعنى محمود درويش مدلل في فندق شبرد، طب ما احنا كمان شعراء الأرض المحتلة»!

ترك محمود درويش القاهرة بعد 15 مايو 1971 وعاد إليها زائرا في مناسبات لم تتح له إلا بعد رحيل محمد أنور السادات، وكانت القاهرة، كعهدها، تستوعب كل شيء!



    
 
أولجا

في مطلع 1976 ـ ربما شهر فبراير ـ بعد وصولي إلى بغداد بخمسة أشهر، كانت هناك مناسبة فنية كبرى حرصت على الاسراع لشراء بطاقة حضورها مهما ارتفع الثمن، ليس هذا فحسب بل حرصت على اعداد ثوب جديد أنيق مناسب للحدث العزيز: حفل فرقة الرحابنة، منصور وعاصي وفيروز في "قاعة الخلد".  ذهبت إلى محل بشارع الرشيد، لشراء القماش، وعند خروجي من المتجر لفتت نظري لافتة ملاصقة له تعلن: "أولجا الخياطة اللبنانية".  ببشاشة قدمت إليها أمتار قماش المخمل وقلت أحفزها للإسراع: "أريد أن أحضر به حفل فيروز". مطت أولجا شفتيها في ازدراء: "هادا قماش ما ينفع". بلعت خشونتها وقلت بصبر: "ياست أولجا ده قطيفة جديدة غالية". قالت بعنطزة: "غالية مو غالية ما تنفع... هادا نوع لا تخش به ابرة ولا خيط، ما أحبه، يالله خديه لغيري أو اشتري نوع مال أوادم!". كانت أولجا قصيرة مليئة بيضاء سوداء الشعر القصير الناعم عند منتصف رقبتها، تلبس نظارة مرتكزة على أرنبة أنفها، ولها ملامح طيبة رغم عبوسها وشراستها البادية. أذعنت لأمرها  واشتريت قماشاً مختلفاً وعدت إليها وهي تعد غداءها برصانة وعلى مهل. قلت: "يارب ياست أولجا القماش هذه المرة يعجب". من دون أن تلمسه قالت وهي تنظر من بعد وتقلب سلطتها: "إيه... هيك... زين".

غرفت جزءاً من طعامها وزقّته ناحيتي في مقابلها على طاولتها العريضة التي تبتلع دكانها المزدحم بالملابس والأقمشة وأدوات مطبخها ومعيشتها ورفت على وجهها العابس ابتسامة رقيقة وهي تسألني عن "شو بعمل ببغداد"؟ وأبدت ارتياحها لأنني: "مو مثل هادول ..."! وعرفت أن معظم زبائنها مصريات يعملن في الملاهي الليلية، ولعلي كنت أول مصرية تدخل دكانها ولا تطلب منها "المقطع والمشلّح" ـ على حد تعبيرهاـ وهي "بنت" جادة و"ما تحب المسخرة" لكن "الشغل شغل"، (كانت الحرب المستعرة في لبنان ذلك الوقت قد قذفت إلى بغداد بموجة من المصريات اللاتي كن يعملن في الملاهي اللبنانية ولم يستطعن العودة إلى مصر، و لم يجدن سبيلا إلا التوجه إلى العراق، فأغرقن الليل البغدادي بكثافة منهن لافتة وظالمة لسمعة المصريات عموماً، حتى أن واحدة من هؤلاء البائسات، اللاتي قابلتهن لاحقاً في دكان أولجا، قالت لي بتبجيل شديد واعتذار ضمني أنها لا تسكت على إهانة المصريات أبداً، وأنها حين أوجعها تعميم أحدهم انبرت مدافعة: «لأ... بقولك إيه... ماتبصليش وتقول المصرية كذا... المصرية أشرف من الشرف...  آه يكون في علمك يعني»!
كانت أولجا تؤمن إيماناً مطلقاً بقوتها الروحية وقدرتها على استشفاف الواقع غير المرئي، فإذا رأت في منامها رؤيا لا بد ـ برأيهاـ أن تكون صحيحة مئة بالمئة. في إحدى زياراتي لها وجدتها عابسة متحفزة بعد أن "رزعت" سماعة الهاتف بوجه المتكلم، قالت: "هادي البنت ما تخجل تكلمني بعد ماشفت بالمنام شو صاير منها؟".
كما أنها لم تكن تخفي قرفها من بعض زبوناتها، ليس بسبب أنها "بنت مؤدبة لاتحب المسخرة" فحسب، لكنها كانت تشير باختصار فور خروج الزبونة المكروهة: "هادي تشتغل مع الأمن". وفهمت أن كثيرات من المسكينات وقعن في فخ استغلالهن للتجسس بالتهديد والإجبار، وزادت الوطأة بعد استلام صدام حسين للسلطة،  (79 ـ 80)، في تلك السنة  لم أكن محتاجة الى السماع من أولجا، كانت تنظر وتزم شفتيها وتشيح بيدها، فأفهم بالترجمة الفورية  ويلات الشعب العراقي. سألتها مرة: "هل شفت مثل هذا من قبل"؟ فهزت رأسها بعنف وهلع:  ".. بدنا نشوف أكتر". كانت أولجا تحكي عن رؤى مناماتها: "البنايات عم تتحرك، العماير عم تنهد، الأرض عم توقع، والدم نهر وراءه نهر"!






الجمعة، 22 يوليو 2011


الضلع الثالث لنجم والشيخ إمام

حالا مر عامان على رحيل الفنان محمد علي، الذي تمنى الرحيلا فجاءه 9 سبتمبر 2009، هذا الفنان المنكر لذاته  واهبا بيته في عطاء لا حدود له للكيان الفني: الشاعر أحمد فؤاد نجم والموسيقي المغن الشيخ إمام عيسى  وكان بحق الضلع الثالث لثنائيتهما من دون منازع أو إدعاء.

جاءني يوما لأرى صور آخر إنتاجه في فنه "لتلقائي" صعد معه البواب حتى باب شقتي. كان البواب مذهولا، فقد بدا محمد علي بملابسه وهيئته مزركشا زركشة تلقائية خليقة بأن يظنه من يجهله مجذوبا في أفضل الظنون. يرتكز على عصاه مع البنطلون والسترة الجينز الفضفاضة ولونهما الأزرق الكالح، بانت تحت السترة أطراف متعددة الألوان بين البمبي والبنفسجي والأخضر لملابس كدسها فوقه لتقيه البرد، ووضع على رأسه طاقية مغربية جوخ حمراء طربوشية فاقعة الاحمرار تاركا شعره الأبيض من تحتها مسترسلا طويلا، وعلى كتفه تعلقت حقيبة كبيرة سوداء بالغة الأناقة، تلك التي أخرج لي منها صور لوحاته التي ما زالت تدور حول الشيخ إمام والشاعر نجم، وأهل حارته وحجر رصف الطريق، وزخارف الشبابيك، والقباب والمآذن والألوان الزاعقة الصاخبة يكسرها ثم يعقلها اللون الأزرق.

قلت: قهوة يا محمد؟

قال: طيب.

قلت: أو تفضل الشاي؟

قال: طيب.

قلت: القهوة تركي أم نسكافيه؟

قال: أي حاجة.

قلت: باللبن؟

قال: أي حاجة.

كل إجابته تأتي بهدوء وبلا اهتمام فالأمور عنده متساوية. وضعت أمامه كوب القهوة باللبن والسكر الزائد حسب تقديري لما يمكن أن تكون رغبته، مدركة أنه من الصعب تحديد رغبة من لم تعد لديه رغبة في شيء.

محمد علي مولود في مايو 1930.  مسكنه كان في درب المقشات عند جامع الصالح طلائع بعد أن تهدم منزله العريق في حارة حوش قدم المتفرعة من شارع حوش قدم المتفرع من شارع الغورية. ولد وعاش وتغيرت به الأحوال وتبدلت معه الحرف، لكنه في كل هذا لم يخرج عن عالم الغورية. كان صائغا حتى تعرف على الشيخ إمام عيسى، رحمه الله، ثم أصبح واحدا من ثلاثي فرقة الكيان الفني إمام نجم. لم يتعلم القراءة أو الكتابة، لكنه يستطيع توقيع اسمه "محمد علي"، بطانة الشيخ إمام، يأخذ بيده في المشاوير، ويرتب له احتياجاته، ويرعاه ويستضيف الجميع في بيته، المكون من غرفة معيشة وغرفة نوم صغيرة جدا، ويحفظ ألحان الشيخ ويردد وراءه المقاطع المطلوب ترديدها مع الكورس. كان الشيخ إمام يشهد له بأذن موسيقية دقيقة تجيد النشان على المقام الموسيقي. يتحدث الشيخ إمام، يتكلم الشاعر أحمد فؤاد نجم ويصول ويجول مع الضيوف والمستمعين، ويظل محمد علي صامتا معظم الوقت إلا في المقتضب مثل "تشرب شاي" و"تفضل" وتبقى لديه وسط الضجيج ابتسامة لا تفارق عينيه كأنه على وشك الانفجار بضحكة ساخرة.

حين عرف الغناء والموسيقى عرف معهما الألوان والفرشاة، فأصبح الرسم قراءته وكتابته، وحديث صمته الطويل الدائم. لا يعرف الحماس إلا عندما يؤكد أنه حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قبل توبته عن المعاصي التي تمنى أن تغسلها عنه فريضة الحج.

صنفه النقاد تحت لافتة "لفنان التلقائي" ولكني اخترت له فنان النبض الشعبي، لأنه نهل من النبع الأصلي مباشرة بلا واسطة، فهو في موقع ومن موقع التماس البكر مع رؤية الشعبيين ونبضهم، لوحاته الكثيرة كلها رجال ونساء وأطفال تعكس التعب والمشقة والقهر والصبر ولا عجب، فهي وجوه سواد الشعب المصري المتعب العامل دأبا في احتمال ونكتة تحت طحن الرحى.  

كنت قد سألته، وهو يرشف قهوته، ما أخبار الفنان محمود اللبان؟ قال: مااااات. قلت: وما أخبار بيت الشيخ إمام؟  أخته لا تزال تسكن فيه؟ قال: ماااااتت... قلت: أنا زرت حوش قدم وشفت أنقاض بيتكم القديم، وقابلت صاحب القهوة جاركم حسن بطنجها،قال: ماااااااات.

كل مرة يخبرني فيها بموت أحد ترتسم على وجهه ابتسامة تتهلل فيها نظرة عينيه كأنه يعلن عن نيل المتوفى لجائزة "كسب المليون"و"عقبال أمالتك"!

 هذه البشاشة مع سيرة الموت يا محمد؟

سعل ضاحكا، أو ضحك سعالا، وهو ينظر في اغتباط أمامه إلى الأفق وراء زجاج النافذة، ثم استطرد: محمود اللبان مات صباح حصوله على قرار منحة التفرغ. بعد قوله هذا ظل يهز رأسه بما يمكن أن يكون تعجبا من المفارقة أو أسفا لتأخر صدور القرار حتى مات محمود اللبان، ثم أردف بابتسامة واسعة: أنا ما أخدتش منحة تفرغ. قلت: هل قدمت؟ كرر: ما أخدتش تفرغ.

لماذا تبدو السعادة كلها على وجهك يا محمد، كلما ذكرت خبرا مؤسفا؟ هل أنت مسرور لأن توقعاتك كلها جاءت في محلها؟

بادرته: هل استطعت أن تبيع معرضك الأخير؟ قال برضاء: بتوع المقتنيات أخدوا ثلاث لوحات بس ما صرفتش، قالو السنة الجاية الصرف.

بعد قوله هذا انتابته حالة، ولم استطع أن أعرف هل كانت قهقهة عالية أم نوبة سعال حادة.



الأربعاء، 20 يوليو 2011

.. وعاد هيكل ليطل من "التحرير" كأنه ناصح أمين!

ليس لي كلما رأيته يطل في زماننا كأنه ناصح أمين سوى أن أستدعي ذكرياتي وأكرر تساؤلاتي:

هل يتصور الأستاذ محمد حسنين هيكل أن معاصريه قد ماتوا كلهم، فلا أحد هناك بقى  ليقول له: اتق الله؟

لم أكن في يوم من الأيام من المعجبين بالأستاذ هيكل، منذ بدأت طالبة صحافة أتمرن في دار أخبار اليوم نوفمبر 1955 وأنا في الثامنة عشرة من عمري. كان "علي ومصطفى أمين"، رحمهما الله رحمة واسعة، صاحبي الدار ورئيسي تحرير الجريدة اليومية "الاخبار" والأسبوعية "أخبار اليوم"، وكان نجم الدار الاول هو الاستاذ محمد حسنين هيكل مؤلف كتاب "إيران فوق بركان"، الكتاب الثالث من سلسلة "كتاب اليوم" الصادر مايو 1951. كان على ومصطفى أمين  في طريقهما إلى بلوغ الثانية والأربعين، وكان هو قد احتفل ببلوغه الثانية والثلاثين ويرأس تحرير مجلة "آخر ساعة"، يحتل غرفة مصطفى أمين السابقة في الدور الأول من بناية أخبار اليوم 6 شارع الصحافة، قبل أن ينتقل التوأمان إلى الطابق الأخير، الذي يطل على عشوائيات عشش الترجمان. على الرغم من حكاية "الطابق الأخير" وأناقته وغرفة سكرتاريته التي تضم أكثر من ثلاثة، منهم الكاتبة نعم الباز، إلا أننا لم نشعر أبدا برهبة "الرئاسة" وخوف "التسلط" من المالكين للمال وسياسة التحرير. كانت الصحافة لا تزال بطقسها "الكاجوال"؛ الصغير لا ينحني للكبير والكبير لا يبطش بالصغير، ولمن يحاول، هناك صعود مباشر لصاحبي الدار والشكوى لهما من طغيان من يريد أن يتجبر ويقل ذوقه، فيتم فورا جبر الخاطر للصغير وإعادة الكبير إلى مساره السوي. كانت كل الأبواب مفتوحة، وكانت مهمة السكرتارية فقط هي تنسيق الدخول والانصراف للزائرين كافة. في ظل هذا الطقس الحر الكريم، الذي تربينا عليه مهنيا في دار أخبار اليوم على يد الأستاذين علي ومصطفى أمين، وتربى عليه من قبلنا الأستاذ هيكل، وتمتع به تمتعا كاملا أتاح له البروز والتألق والانتشار، كان هيكل في "آخر ساعة" يؤلف مدرسته المضادة لمنهج الأخوين الديموقراطي: الباب المغلق، الدائرة المغلقة من مجموعة الصحافيين المخصوصة، العازلة، بين هيكل وبقية "شعب" أخبار اليوم! وكنت أشعر، وأنا في تلك السن الصغيرة، أنني لست بحاجة أبدا الى الاقتراب منه، لا أحادثه ولا أحييه ولا أبادره بابتسامة من تبحث عنده عن فرصة تعلّم مهنية. يهمسون: صديق عبد الناصر فأتعجب: ألا تجعله هذه الصداقة أكثر اقترابا من الناس وأكثر تراحما مع زملائه؟

لم يلبث الأمر حتى أخذه عبد الناصر ليكون رئيسا لتحرير "الأهرام"، وصاحبها من دون حق امتلاك "شرعي"، وأصبح واضحا التوحد بين عبد الناصر \"السلطة"، وبين هيكل المعبر عن مصالح السلطة والشارح لأهدافها وقراراتها والمبتكر لمصطلحاتها. أعطاه عبد الناصر مبنى "الأهرام" الجديد، الهائل في مواجهة مبنى "أخبار اليوم" الذي تضاءل أمامه يوما بعد يوم، وانكمشت معه مدرسة صحافة "الأبواب المفتوحة"، لتنتفش مدرسة الاحساس المتضخم بالأهمية. وجثم هيكل بأهرامه ومنهجه الإستبدادي على صدر الصحافة المصرية وصحافييها. وأصبح رواد المقاهي من الشعراء والأدباء المهمشين الساخرين يتهكمون ويطلقون عليه "باستيل" الصحافة، إشارة الى سجن الباستيل الفرنسي الشهير الذي كان سقوطه أشهر انتصارات الثورة الفرنسية. اقتنى هيكل كبار الكتاب المصريين، يتباهى بهم في حضرة عبد الناصر لتنحني، مع رؤوسهم، هامات انجازاتهم السابقة قبل أن يسلسلهم باستيل هيكل ويجعلهم يسقطون في أعين أترابهم، ومن كانوا يوما من المقدرين لقدرهم.

في يوم من الأيام، 1968 أو 1969، كنت مع أصدقاء في مقهى الشاي بالهيلتون ومعنا الأديب الدكتور يوسف ادريس والكاتب لطفي الخولي وزوجته ليليان أرقش، وإذا بي أرى يوسف إدريس يكاد يبكي وهو يشكو للطفي الخولي، أن سكرتيرة هيكل تمنعه من مقابلته. غلى الدم في عروقي، وكنت ساعتها من أشد المقدرين لفن يوسف إدريس وأراه قوميتي الأدبية، فانبريت أعبر بغضب شديد عن رأيي بأن ظفر أدب يوسف إدريس برقبة كل ما يكتبه هيكل، وأن الواجب أن يطرق هيكل باب يوسف إدريس طالبا التشرف بمقابلته وليس العكس. لم يسعد يوسف إدريس بطول لساني، ارتبك وخاف، تصوّروا؟، وقبل أن ينطق لطفي الخولي بكلمة كان هو المعتذر له عن تطاولي!

هكذا أفسد هيكل من جرى تسميتهم "النخب" و"رموز" مصر، مستفيداً من اقترابه من عبد الناصر، ولو كان حضرته حقا مفكرا وهاديا وعارفا "اللحظات الفارقة" لما أضاع على عبد الناصر، وعلى مصر من ورائه، اللحظات الذهبية، والفرص الباهرة، التي أتاحتها المرحلة من 1952 حتى 1970، والتي كانت قادرة على تحقيق المعجزات لمصر والوطن العربي والشرق الاوسط، و... فلسطيييييين!

لقد توفرت لعبد الناصر عناصر نجاح وانتصار، لم تتوفر لغيره: 1ـ الاجماع العربي، 2ـ محبة الشعب له حتى درجة البلاهة، التي مازال الكثير غارقين فيها، 3ـ الانصياع لقراراته وأوامره بيقين أنه ثقة و يعني ما يقول، 4ـ  مناخ التأييد العالمي لحقوق التحرر ونهضة الشعوب ضد القوى الاحتلالية الامبريالية... الخ، ومع ذلك فإن عبد الناصر ضل وأضل، يوافقه ويدعمه الاستاذ محمد حسنين هيكل بالتبريرات والتعميات والتجهيلات، ثم يأتي، بلا حياء، الآن ليواصل سفسطته كأنه الحكيم الذي لو واتته الفرصة لنفع بها عباد الله!

 لو أن حضرته حقا كان "الحكيم"، الذي يريد أن يلبس اليوم سمته، لفعل ما فعل بيدبا مع الملك الجبار دبشليم، ولقال لعبد الناصر مثلما قال بيدبا لدبشليم:"... أقمت فيما خُوّلت من المُلك وورثت من الأموال والجنود، فلم تقم في ذلك بحق ما يجب عليك، بل طغيت وبغيت وعتوت وعلوت على الرعية، وأسأت السيرة، وعظمت منك البلية، وكان الأولى بك أن.... تحسن النظر برعيتك، وتسن لهم سنن الخير الذي يبقى بعدك ذكره... فإن الجاهل المغتر من استعمل في أموره البطر والأمنية، والحازم اللبيب من ساس الملك بالمداراة والرفق"!

لكن محمد حسنين هيكل لم يقم بواجبه وغرّته الأماني وعليه أن يدرك، وهو على أعتاب الـ 88، أنه مفلس ولا يملك ذرة مصداقية تخوّله لحق النصح أوالإدلاء بأي شهادة، ناهيك عن الإطلالة من طاقة عنوانها:"التحرير"!


الاثنين، 18 يوليو 2011

الحمد لله أخيرا منّ الله علينا بوزير للأوقاف نثق به لأول مرة منذ عهد السلطان برقوق ؛منذ سبعة قرون مثلا!

تحية للأستاذ الدكتور محمد عبد الفضيل القوصي وزير الأوقاف في التشكيل الوزاري الجديد مع دعائي المخلص لبلادي وله!
أيوة يا نشوى شيلي عني شوية!

السادة الأفاضل لم يعرفوا بعد أن معظم النساء الشعبيات يخرجن للعمل بمهارات المسح والكنس والطبخ لكي يتمكن من الإنفاق على تربية أطفالهن وتحقيق "حلم الذهاب إلى المدرسة" لأولادهن حين يرفع الزوج لا فتة "وأنا مالي"، بل ويتنطع الزوج عليهن بالمن والأذى لكي يعطينه "إتاوة" حق السماح لهن بالخروج للعمل!

وهذا يحدث لأسباب أخرى وبتفاصيل أخرى للزوجات، والنساء على وجه العموم، في الشرائح الأعلى، وقولي لا علاقة له بالنسوية ولا بالإنحياز لكن له علاقة قوية برفضي محاولة البعض المغالطة والدفع لرفع معاش الرجل فوق معاش المرأة!

السبت، 16 يوليو 2011

.....والرجل الذي يعول؟

أنه في أهرام الإثنين 4 يوليو 2011، وفي الصفحة الأولى، تحت العنوان الكبير: "9 مليارات جنيه لتحسين أوضاع أصحاب المعاشات"، جاء التالي، الذي هو، واعذروني، "الإستهبال" على أصوله، "وردا على سؤال حول التفرقة بين معاش المرأة والرجل الذي يعول، قال وزير المالية إنه ستتم دراسة هذا الأمر حيث إن الدستور المصري يكفل المساواة بين الجنسين"!

 يالها حقا من أزمة دستورية تسبب فيها دستورنا المصري العزيز؛ إذ أنه ، ياااااااااخبر، لايسمح بالتفرقة "المطلوبة" بين معاش المرأة و "الرجل الذي يعول"؛ مما سوف يجهد وزارة المالية، بوعد وزيرها، إلى قدح زناد فكرها وبذل طاقتها لـ "دراسة هذا الأمر": ياسلااااااااااااااام!

ألم نعلم بعد أن "الرجل الذي يعول" صار من نوادر الحكايات في زاوية "صدّق أو لا تصدّق"؟

في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي كانت هناك أغنية شهيرة لسان حال الزوجات تقول: " عاوزين كام رطل عسل وكمان زيت وجاز وبصل "، هذا المطلب يأتي بعد تملق للزوج "سوسو حنتوسو ياحلاوتك ياشطارتك يا سوسو!"، حتى يحن قلبه ويلبي لزوجته كل طلباتها بقاعدة واجبه في الإنفاق إذ أنه "الرجل الذي يعول"! . طبعا هي أغنية لم أسمعها شخصيا، فقد كانت قبل مولدي، لكنها ظلت من المرويات الضاحكة التي تحكيها والدتي مع مثل يقول: "اطبخي ياجارية ،طيب: كلف ياسيدي!".

على ضوء هذه الأيام ،التي يكاد ينقرض فيها الزوج المنفق؛ "الرجل الذي يعول"، بدت الأغنية كأنها من طرائف الزمن المدعو "الزمن الجميل"، فحتى مطلع الستينات كان من الممكن التسليم بأن "الإنفاق" قيمة واجبة على الزوج ،إلا إذا تطوعت الزوجة وساعدت في المصروف جزئيا ويكون الزوج ممتنا شاكرا على "التضحية" من جانب الزوجة الطيبة.  تدريجيا أصبحت "التضحية" أمرا لازما؛ إذا تقاعست عنه الزوجة أو تبرمت تتهم بالشح وعدم التعاون وأن ليس بعينها حصوة ملح!

لم يلبث الأمر حتى سلمت الزوجة تماما بضرورة إلغاء كلمة "عاوزة" و "عاوزين" فقد صار الواقع يقول لها: العاوز يغرم من جيبه.

تقبلت المرأة المسئولية الكاملة في المشاركة إلى أن اختفت كلمة "المشاركة" لتقع المسئولية الكاملة في الإنفاق على كاهلها، ولم تعد تتطلع إلى شكر أو تحية،  بل ولم يعد من حقها حتى الشكوى من الأعباء، "وإن كان عاجبك!" ، حتى وصلنا إلى واقع غريب وجائر ملخصه: "انفقي وأنا سيدك"،  يقولها الرجل بتناحة ومن غير ضرورة، فلو التمسنا العذر لزوج تخبطت به الأحوال وأصبح غير قادر على الإنفاق فكيف نلتمس العذر لزوج يمتلك فوق القدرة لكنه يبخل ويفضل الطمع في امكانيات الزوجة لكي تتكفل بالتكاليف كلها؟ وإذا جادلت تكون الكلمة الضاربة: "طيب سيبي شغلك واقعدي في البيت وأنا أصرف!"، وحين ترضخ لذلك الشرط، على سبيل التجربة، تبدأ مرحلة "تنشــيف الريق"، ليس بسبب طموح إلى "عاوزين كام رطل عسل......الخ"، بل أحيانا بمستوى طلب شراء جورب تلبسه إذ ينجعص حضرة "المنفق" نافخا أوداجه محققا: "وفين الشراب اللي اشتريته لك السنة الماضية؟" ، وهكذا تعود الزوجة لعملها هربا من المذلة وتحريرا لرقبتها من الخنق والخناق.

 ما يغيظني ،والحال كما نري، الكاريكاتير الآثم المستمر في الكذب  بتصوير زوج يخرج جيوبه معلنا افلاسه وقد أرغمته زوجته على شراء خروف العيد وكحك العيد وحلاوة المولد، بعد أن أخذته إلى متجر تشتري منه "عجب عينها"، والزوج المسكين وراءها يسدد فواتير المشتريات التي يحملها مكدسة ومرتفعة في لفائفها حتى مستوى أنفه وهو مرغم ومستسلم : أين هذا بذمتكم إلا أن يكون في صفحة "الوفيات"؟

قال "والرجل الذي يعول" قال!