الجمعة، 30 ديسمبر 2011

لو أبطّط العش وأكسّر القش يبقى منظر جميييييييييييييييل!

كان عندي حكاية، لم أكن أمل من حكايتها لطفلتي نوارة الإنتصار، أحفظها من تراث برنامج "حديث الأطفال" لبابا شارو العظيم، رحمه الله وجزاه عن إمتاع وتربية طفولة جيلي في أربعينات القرن الماضي خير الجزاء، عن  ثلاثه أصحاب ساكنين "في وسط الغاب بيحبوا بعضيهم والأصدقاء العزاز: ضفدع مؤدب ظريف و جوز حمام هزاز ريشه أبيض نضيف... وفي يوم بديع الجو، اللعب فيه يحلو، كان الحمام اللطيف بينطّط الضفدع ،وجنبه عشه النضيف بالشمس متمتع، وجنبهم زهوووووور؛ الله! يا محلاها، منظر في غاية العجب والله ما أبدع: نط الحبل رياضة مفيدة نط وفط  يا أجمل ضفدع"، والضفدع مبتهج يغني "أنا متشكر يا إخواني يااللي وجودكم أنس وفرحة نط الحبل صحيح خلاني زي البمب في أجمد صحة!". وتقول الحكاية أنهم وهم على هذا الحال "ربك مفرّحهم" جاء فيل "تخين قوام وراح مفركشهم"، متباهيا يغني: "أنا يابني الفيل أبو زلومة ونيابه العاج الأنتيكه، أنا صاحب القوة المفهومة في أوروبا ومصر وأمريكا، أنا أنا أناااااااااا يابني الفيل أبو زلومة!"، وراح الفيل يتلفّت باحثا: "أنا كنت سامع هنا أصوات موسيقى وغُنا، راحوا فين المجانين هربوا مني الملاعين؟"، لكنه لاحظ عش زغاليل الحمام : "وده إيه ده اللي مرمي هناك؟ عش الزغاليل؟ هاااااه!"، وواتته فكرة ظنها عبقرية: "لو أبطط العش وأكسر القش يبقى منظر جميييييييييييل يا أصدقائي الصغار ويفهم الزغاليل إني فيل جبار فيبطلوا التهليل والرقص والمزمار!"، وراح من فوره ينفذ جريمته بهمة القوة المفرطة مغنيا في إنسجام: "إتبطط  يا عش، إتكسّر ياقش، ها ها هاااااااااا، ده أنا يابني الفيل أبو زلوماااااااااااه!". بعدها نسمع نهنهة الحمام يبكي فلذة كبده الشهداء: "عملنا إييييييه للفيل لما يعذبنا؟ ونابه إيييييييه الغبي من قتل زغاليلنا؟"، فيرد الضفدع في حسم: "الفيل ده مُجرم قوي ولكل مجرم عقااااااااب!".

ويتفتق ذهن الضفدع عن حفر حفرة كبيرة يعلو عندها صوت نقيقه؛ حتى يتصور الفيل أن بها ماء، حين يظمأ بعد أن يصاب بالعمى من جراء "تخزيق" الحمام لعينيه، فيقع في الحفرة وينال القصاص المرجو جزاء جرمه الفاحش في قتل الزغاليل. عندما كنت أصل إلى هذه النهاية للفيل كانت طفلتي "نوارة" تصرخ باكية محتجة بشدة: "لأ لأ لأ مس يخزقوا عنين الفيل!"، ولا يجدي معها: "يانوارة ده مجرم قتل ولاد الحمام لازم يتعاقب!"، تدبدب مواصلة بكاءها المحتج: "مِس يخزقوا عنين الفيل!"، "يا بنتيييييييي!"، "لأاااااااه مِس يخزقوا عنين الفيل!". وإزاء إصرارها كان عليّ أن أغير النهاية وأقول إن الفيل عندما وجد الحمام  طائرا نحوه والغضب يجعله يهز جناحيه بعصبية خاف على عينيه و رفع زلومته متأسفا، فقبل الحمام أسفه وتنازل عن حقه، ولم يأبه للفتوى الشارحة بأن الأسف غير الإعتذار، عندها تاب الفيل عن غرور قوّته و توقف عدوانه و أصبح متعاطفا مع الضعفاء مساعدا لهم  ملبيا لمطالبهم، محتفظا بعينيه سليمتين حتى أنه لم تلزمه أبدا،بعد ذلك، نظارة طيلة حياته!

الأربعاء، 28 ديسمبر 2011

"وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين"
كأن ساحرة من ساحرات شكسبير المخترعة في مسرحيته ماكبيث قد تركت المشاركة في تقليب محتويات قدرتها الخبيثة لزميلاتها وحطت عند بوابة مصر تطن القر المشهور:"طوبة على طوبة لتظل العركة منصوبة"، حتى لم يصبح عندنا، في بر وبحر وجو، من لا يتشاجر ويزعق ويتنابز بأقبح الألفاظ خامشا وجارحا وطاعنا وناحرا، وهكذا بدا المشهد بمثابة خناقة في حانة للسكارى، كالتي نراها في الأفلام التجارية الرخيصة، تتطاير فيها الموائد والأكواب والزجاجات والأطباق والملاعق والشوك والسكاكين، وتضرب الكراسي في "الكلوب" وتنطفئ الأنوار ويُفقد الصواب ويلبس الجميع في الجميع، ولا نتبين الحق من الباطل، والكذب من الصدق، والتلفيق والبهتان من قرائن الجرائم الثابتة وبراهين الفساد الدامغة، فلا تتأكد جناية الجاني ومظلمة المجني عليه، ولا نتثبت من عداء عدو أو  إنصاف حليف؛ الكل يصرخ وشبورة من الكراهية، يُجزمعها على الأسنان، تلف الرؤوس وتعمي البصر والبصيرة، حتى طالت منصة القضاء وساحات المحاماة وقيم في العدالة، كانت قد بلورتها مأثورات خطابة فصيحة تتأنق بها حوارات الأفلام: "ياصديقي وابن صديقي شرف الدفاع الذي ننشد فيه قدس العدالة لأحب وأعز علينا من مشاعرنا مهما آلمتنا!"، وتناثرت، بدلا عنها، شائهات القول كذباب قارص تحمله رياح السموم، تلسع وتلهب وتدمي وتترك الندوب، التي لا تنام أوجاعها بعد الحطام  فتظل بؤرة بُغض يقظ يتوهج شرره للإندلاع حين يُراد ويُطلب منه ذلك.

لاجدوى الآن في مواجهة أو مناقشة أو رد لتصحيح معلومة، أو طرح لوجهة نظر، في طقس يسوده الإحتقان؛ حيث لا مجال للفهم، ولا مجال للوعي، ولامجال للتذكر والمذاكرة والمراجعة والتقوى، فلا سمع ولا إنصات والهيمنة متروكة لرغبة عارمة لتبادل اللكمات!

لابد لنا من واحة نتنسم فيها شهيقا لايتلوث وزفيرا، صادقا وصحّيا، ممكنا نوفره لعقلاء، لحظة ينجلي عن البلاد هيشان هذه الفوضى المقصودة، مدفوعة الأجر، ويتم القبض على بقية الآثمين الفارين، مطلقي اليد لفعل الشر، المسجلين في قائمة القتلة واللصوص؛ أعداء البلاد والعباد، أصحاب المصلحة في التخريب لسلب شعبنا العظيم فرصه المستحقة لجني ثمار ثورته الباسلة، وتوقّع عليهم الأحكام الرادعة فورا، حتى يعود الناس يستلهمون من أدب وأخلاق دينهم سبل الرشاد: "وقل ربّ أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك ربّ أن يحضرون." صدق الله العظيم ، المؤمنون 97\98.

الأحد، 25 ديسمبر 2011

أرجوكممممممم: لاتنادوني مدام!
 

ليس هناك أرذل من كتابة اسمي مشبوكا "صافيناز"، بدلا من الصواب "صافي ناز" سوى الإصرار على مناداتي "يامدام".  دائما ألفت إنتباه من يلقبني "مدام" بأنه لقب يؤذيني، ألفت الإنتباه مرة بالمزاح كأن أقول: "أيوة يا مسيو!" أو "يامستر" فيكون الرد: "لماذا تناديني مسيو يامدام؟" فأقول: "لأنك تناديني مدام يامسيو وأنا أغيظك كما تغيظني"، فيضحك: "ماذا أقول إذن؟" فيتعاظم غيظي: " تلقبني أستاذة كما أن حضرتك أستاذ !" فيعتذر من دون تركيز: والله يامدام مش قصدي!".

قبل 23 \ 7 \ 1952 كانت لدينا في مصر صيغة واضحة بخصوص ألقاب المرأة: فست البيت التي لا تعمل تنادى "ياهانم"، والريفية والشعبية " ياست أم فلان"، أما العاملة فهي "ياأستاذة"، وكان لقب "مدام" يخص الخواجاية الأرمنية واليونانية واليهودية والأجنبية على وجه العموم ، وكن الخياطة والكوافيرة والبائعة في المحال الكبرى زمان إدارتها الأجنبية. بعد 23 \ 7 \ 1952 ألغيت الألقاب وتقلص حجم الوجود الأجنبي وأصبح النداء الموحد لجميع المواطنين والمواطنات هو "السيد المواطن" و"السيدة المواطنة". منذ السبعينات بدأت ألقاب العهد الملكي تعود تدريجيا لتفخيم الرجال فحسب وأصبحت ألقاب "باشا" و"بك" ـ ماعدا أفندي!ـ عملة متداولة لحضراتهم ، إلى جانب "أستاذ" الذى يلحق بداهة على الرجال كافة من كبير المركز إلى صغير الوظيفة. البهدلة صارت في ألقاب المرأة، إختفت "ياهانم" بحجة أنها تركية وشبطت فينا "يامدام" رغم ارتباطها بعهود الإذلال الأجنبي من فرنسي إلى إنجليزي. كان مفهوما أن يلحق لقب "مدام" بالمرأة التي إحتلت مواقع عمل الخواجايات في الحياكة وتصفيف الشعر والتجميل والأزياء وما إلى ذلك، لكن ليس مفهوما أبدا أن تصير" مدام" لقب الصحفية والكاتبة والموظفة العمومية في دوائر الدولة والوزارات.  الوحيدة التي استطاعت أن تستخلص لنفسها لقب "الأستاذة" ويصبح دليلا عليها هي المحامية حتى تصور البعض أنه قاصر عليها، فيقول قائل "يامدام" وحين أصححه "من فضلك لقبي أستاذة!" فيتساءل "هو حضرتك محامية؟ ".

المشكلة ليست في الرجال الذين يحتكرون لأنفسهم المقامات العليَة (رغم أن باشا في أصلها تعني  ِرجل الملك؛ بما يفيد أنه خادم الملك!)، فيصير بدهيا لأصغر صحفي وموظف، بل وسائق تاكسي، أن تناديه "ياأستاذ" ولا يكون بدهيا له أن يخاطب رئيسته "ياأستاذة": هي التي تناديه "ياأستاذ" فيكون رده: "أيوة يامدام!"، المشكلة هي في تساهل المرأة وتنازلها عن حقها في لقب استحقته بالدراسة والجهد أي بالعرق والدموع، مثلا: تكلمني الصحفية الشابة "من فضلك يامدام..." فأجيبها، قاصدة
توجيهها ، "نعم ياأوستااااذة" لعلها تلقط الرسالة لكنها تظل على ندائها البايخ "يامدااامممم".

حالة "بلم" وبلادة تعم المرأة رغم صيحات مطالبتها بالمساواة والندية والعدل. لو استشعرت المرأة المساواة والندية حقيقة لما قبلت بألقاب دونية يمارسها عليها الرجل وتمارسها هي من بعده على نفسها وعلى بنات جنسها.

في إطار التعامل بين الملتزمين إسلاميا الموضوع منته بلقب "الأخت فلانة" و "الأخ فلان" فالحمد لله وكفى الله المؤمنات شر "يامدام"!



الجمعة، 23 ديسمبر 2011

الزمن الجميل للطعمية

إنتشر، بترهل كبير، تعبير "الزمن الجميل" يطلقونه على كل ماض مضى ولا يكون به أي شبهة من جمال أو وسامة سوى أنه "كان وياما كان"، ومع ذلك إذا كان لي أن أمضغ هذه اللبانة وأتنهد في تحســر على "زمن جمييييل" فليس لي ما أتحسـر عليه من الماضي سوى "طعمية زمان"! لم أعد أجد طعمية لذيذة؛ أبحث عنها عند مشاهير الطعمجية ولا أجد سوى أقراص كبيرة مزيّفة: الشكل طعمية والرائحة مُقاربة لرائحة الطعمية لكن لالالالالالالالالالالالالالالا هذه ليست الطعمية التي أتوق إليها وأتمناها لتعيد لي بهجة مذاق الطعمية في زمنها الجميل، في سنوات الأربعينات بالذات آآآآآآآآه!، صحيح أن تدهور مذاق الطعمية لم يتم فجأة لكنه، وللغرابة، تأكد مع اتساع مطاعمها المنتحلة لاسمها وألقابها المتنوعة زورا وبهتانا!

أعود بأنفي إلى الوراء ، عبر ما يقرب من 65 سنة مضت إلى حال سبيلها غير مأسوف على شئ فيها سوى "الطعمية"، أشم مسحورة رائحة طعمية "موسى فلفل" ليلة الأحد تملأ شارع العباسية من ميدان الظاهر بيبرس حتى ميدان فاروق، (ميدان الجيش منذ 23 يوليو 1952)، ويقف الناس في زحام للشراء والزوجة إلى جوار زوجها أمام طاسة الزيت المغلي لا تكاد ترى يدها الممسكة بالشوكة الطويلة تجمع بسرعة هائلة أقراص الطعمية، التي ما أن يلقيها زوجها في الطاسة حتى تنضج على الفور وتأخذ لونها الذهبي، ومع حركة يد الزوجة في جمع الأقراص الناضجة تسمع شخللة مجموعة غوايشها الذهب المتراكمة من الرسغ حتى قبل الكوع بقليل وعلى وجهها ووجه زوجها صهد بخار الزيت يزيد من احمرار أنفه الضخم، ورغم دوشة الزحام وإلحاح الطلبات يبتسمان وتظهر أسنانهماالذهب بوضوح. كان الإقبال على طعمية "موسى فلفل" وزوجته شديدا، لا فرق بين مسلم ويهودي وإن إشتهرت بلقبها "طعمية اليهودي": صغيرة الحجم نحيلة السُمك غالية السعر فثمن القرص الواحد الملّيم بأكمله! وطبعا مقارنة بـ "طعمية المسلمين"، التي كنا نشتريها من ميدان قشتمر، أم سمسم الأكبر حجما والأغمق لونا واللذيذة بوفرة طيلة اليوم وكل يوم والقرصين بمليم واحد، لابد أن يكون موسى فلفل وزوجته في عرف الزبائن "حرامية" لكنهما لم يضربا أحدا على يديه ليرغماه على شراء طعميتهما، التي لا يزدهر سوقها إلا ليلة الأحد بالتحديد بعد أجازة تحريم العمل عند اليهود من ليلة الجمعة حتى غروب شمس السبت.

طيب أين مني الآن "زمن الطعمية الجميل"، لا أنا طايلة طعمية موسى فلفل "أم مليم" ولا طعمية قُشتًمُر أم "إتنين بمليم"، ومشكلتي ليست في أن قرص الطعمية الغلس بجنيه؛ المشكلة أنها لا تمت إلى المذاق اللذيذ للطعمية بأي صلة!

وإن بقى لي أن أحمد الله سبحانه وتعالى على أن طعم البصارة والكشري والفول المدمس اليوم مازال كما كان بالأمس وسيظل، غالبا إنشاء الله، كذلك في الغد!
السيد الفاضل محمد نور الدين من الجزائر العزيزة: المقتطفات من جابر عصفور ومن المؤرخ الجليل يونان لبيب رزق ومثل هذه المقتطفات الكثير من الشاعر عبد المعطي حجازي وغيره وغيرهم العديد وليس في ذاكرتي مجدي الدقاق لأنه ليس في الحسبان مثل عكاشة؛ والسموم تجري على لسان العلمانيين لا تستثني منهم أحدا للأسف!

الأربعاء، 21 ديسمبر 2011

دعونا نتذكّر


إنها والله كانت مقولات علمانية عجيبة.. وإن لم تكن غريبة!

 في يوم ما من أيامنا قبل ثورة 25 يناير 2011، قال مسؤول ثقافي مصري كبير كان يشغل مركزا ثقافيا هاما يتحكم في مسارات الأخذ والعطاء إنهم، من ذلك المركز، يدعمون الدولة المدنية، ثم قال كلاما فهمنا منه أنهم يسعون إلى توطيدها بكل ما يملكون من هيمنة وقوة. والحقيقة أن هذا كان كلاما صحيحا وشواهده كانت كثيرة، وكان من الممكن أن تكون مؤثرة وخطيرة، لولا أن مثل هذه التصريحات، بلطف الله، كانت  تنزل على صفحات إعلامية لم تكن الغالبية في مصر تعيرها آذانا مفتوحة ناهيك عن صاغية.

كان من الممكن أن يظل هذا التكوين اللفظي، «دولة مدنية»، مبهما بما يمكنه المروق سلميا ليصبح فخا محترما يقع فيه الكثير من الناس الطيبين الذين لا يرون في هذا المقترح ما يهدد حرية عقيدتهم الإيمانية، لولا تلك المقالات، التي نشعت وقتذاك بكثرة لافتة تشرح المقصود وتبين جوهر «الدولة المدنية» المزعومة التي نادت  تلك الأقلية،  التي كانت مستحوذة على مفاتيح الثقافة والإعلام، بإقامتها.

بمتابعتي لذلك «النشع»، غير المقروء من الغالبية، كنت قد عرفت أن المقصود هو «الدولة اللا دينية»، التي نرى نموذجا منها في الدولة التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك عام 1925 في تركيا، ونرى بوضوح تعصبها العلماني المتشنج الذي يضيق برؤية غطاء شعر مختصر على رأس امرأة فيحرم على لابسته دخول قصر الرئاسة ولو زائرة في مأدبة دبلوماسية أو بروتوكولاتية أو عادية أو إنسانية، لا يحرّم فيها أكل الخنزير وشرب الخمر. بل إنه بفضل ضيق الأفق العلماني اللا ديني هذا تم فصل نائبة من البرلمان التركي وسحبت منها الجنسية، لأنها كانت تغطي شعرها، ولم يغفر لها أنها مختارة بالانتخاب الحر من الشعب.

المهم: لا يسرني ـ وإن كنت مضطرة ـ أن أسرد هنا، للذكرى والتذكرة، مقتطفات من مقالات كان قد تم نشرها في صحفنا القومية خلال عام 2007 ،ولا تحتاج مني إلى تعليق أو توصيف، ولن تغيب نغمتها التحريضية للفتك بالمؤمنين على أي قارئ منصف. وإنني أفضل أن أحتفظ باسم الكاتب وعنوان المقالات، وتاريخ ومكان نشرها، لأن ما يهمني ليس التنديد الشخصي بحضرته ولا الدخول معه في سجال، فهدفي هو توضيح ما يعنيه هؤلاء بـ«الدولة المدنية». والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين.

في سلسلة مقالات كتبها كاتب معروف اندلقت منه فقرات أختار منها التالي:

* «لا غرابة أن يتصف الإنسان...بصفة الجبر بمعناه الكلامي الفلسفي. وهو المعنى الذي ينفي عن الإنسان حرية الإرادة وحق الاختيار، فهو لا يشاء إلا بما شاء الله، وعليه الرضا بما هو مقسوم له، وما تقرر له حتى من قبل أن يوجد. ولا فارق كبيرا بين الإنسان المجبور والإنسان الاتباعي داخل بنية التراتب المفروضة، فالإنسان المجبور إنسان لا يملك القدرة على المبادرة الخلاقة، أو الفعل الجذري، أو الاختيار الحر، فهو إنسان يسلم نفسه إلى الأقدار وولاة الأمر، ابتداء من الأسرة التي هي الوحدة الاجتماعية الصغرى، وانتهاء بالنخبة الحاكمة، عسكريا أو مدنيا أو طائفيا، فهو إنسان مبرمج على الاستسلام لقوى بشرية وغير بشرية يراها أعظم منه، كما يرى نفسه أضعف من أن يقاومها أو يخرج عليها، فلا يملك من أمر نفسه إلا ما يجعله الوجه الإنساني للزمن المنحدر عن نقطة الابتداء في الماضي الذي يتحول المستقبل إلى عود إليه، ولا يفارق هذا الإنسان دوائر الطاعة والتصديق في كل مجال، والرضا بما يأتي به القضاء والقدر دون مقاومة أو تمرد، فالمقاومة كالتمرد خروج على الناموس الإلهي والاجتماعي والسياسي في آن. وطاعة الله فيما قدر على هذا الإنسان ويسره له هي الموازي الديني الذي تتأكد به طاعة السلطان، وإن جار...الخ».

* «....هذا الواقع ليس من صنع الأقدار ولا التاريخ، فالتاريخ نحن نصنعه كالأقدار التي يمكن أن نصنعها بدل أن تصنعنا، وإنما هو من صنع البشر القادرين على تغيير الواقع والانتقال به من شروط الضرورة إلى آفاق الحرية، لا بالهرب نحو أوهام الماضي الذي لا يمكن عودته، أو التراث، أو أساطير الخلاص الغيبية......».

* «ولذلك لابد للمواجهة من استراتيجية متكاملة تشمل التعليم بكل أنواعه ومجالاته، فقضية تطوير التعليم قضية أمن وطني...... ولن يتحقق ذلك من غير إرادة سياسية، حاسمة غير متذبذبة، إرادة سياسية لا تؤمن بأرباع أو أنصاف الحلول، خالقة المناخ الملائم لمواجهة ثقافة التخلف........وفتح الطريق أمام تكون الأحزاب المدنية بما يدعم الخاصية المدنية للدولة التي تحكم – وتكون محكومة – بالدستور والقانون..... ولا تنفصل عن ذلك كله المواجهة غير المترددة لتصاعد ظاهرة (التديين) إلى معدلاتها الخطرة التي تهدد المجتمع المدني، مقترنة بأشكال من التعصب الذي يفضي إلى الإرهاب الديني المباشر أو غير المباشر، المعنوي والمادي، لا فارق في ذلك، جذريا بين حمائم وصقور، ودعاة اعتدال ودعاة تطرف.....».
 نعم هنا مربط الفرس: «التحريض»؛ تحريض نظام المخلوع حسني مبارك وكل أجهزته القمعية التي كانت له للضرب بيد من حديد، إذ لا فارق جذريا، في زعم الأستاذ الدكتور المثقف الجنكيزي، بين حمائم وصقور ودعاة اعتدال ودعاة تطرف، أي اضرب بسيفك يا سياف ضربة شمولية لا تعتق فيها رقبة!

ولم ننته عند هذه النقطة الطفيفة في بحر الظلمات من التلبيس والخداع والمخادعة والتحريض والكلمات التي تعتبر أن الدين مناقض للوطنية، حتى قال مؤرخ كبير معروف، أن ثورة القاهرة الشعبية المجيدة ضد الحملة الفرنسية، في أكتوبر1798، لم تكن ثورة وطنية بل كانت «ثورة دينية»!

 مشيئة الله هي الغالبة: هكذا كانت وهكذا ستكون حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

"إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شئ قدْرا"، صدق الله العظيم \الطلاق \ 3.




 


الأحد، 18 ديسمبر 2011

بسم الله الرحمن الرحيم: وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون (84) ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو مُحرّم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يُردّون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون (85) أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يُخفف عنهم العذاب ولا هم يُنصرون (86)      صدق الله العظيم \ من سورة البقرة.

حينما شاهدت المصرية المنتهكة؛ ممزقة الثياب، مكشوفة العورات، والجنود مجتمعون فوق قلّة حيلتها وهوانها يضربها سافل منهم بحذائه وهي بلا مُغيث مسحولة على الأرض، خرجت مني على الفور صيحة: الكفرة!

نعم هذا هو الكُفر بعينه! وهذه المصرية هي مصرنا ذاتها! فما جزاء من يفعل بك كل هذا يامصر؟

ليتهم كانوا جند نابليون، ليتهم كانوا جنود الإحتلال الإنجليزي، ليتهم كانوا جنود أقذر أعدائنا من الصهاينة! لكنهم، يا مصرنا، ممن يزعمون أنهم حماة البلاد وحراسها!