الجمعة، 16 سبتمبر 2011


بين الحق وأفضل الأضرار!
  

ـ أهلاً يا أم فلان، كل عام وأنتم بخير، كيف الحال، ركبتك وظهرك ورأسك وأوجاع عينك ونهجان قلبك و...

ـ الحمد لله، كل شيء على حاله.

ـ طيب وأخبار بنتك العروسة؟

ـ كل شيء على حاله، زوجها سايبها لا ينفق عليها وإحنا زعلانين.

ـ لماذا الزعل؟ يعني هو أبو فلان بينفق عليك؟

تضحك أم فلان:

ـ ليه هو كان اتجنّن؟

ـ طيب ما هي الحكاية واحدة، زوج بنتك من حال زوجك!

ـ بس يعني..

ـ بلاش خراب بيوت، بنتك راضية بزوجها ولها طفل وليد، ساعديها وهي مع زوجها أفضل ما تساعديها وهي مريضة بانهيار عصبي...

 لم أكن أبحث لها عن «حق» كنت أبحث لها عن أفضل الأضرار!

دار هذا الحوار مع «أم فلان».

أم فلان مثل كثيرات غيرها ممن خرجن يعملن بمهاراتهن البيتية من طبيخ ومسح وكنس ومهام التنظيف والترتيب كافة. تعمل من دون كلل على مدار سنوات، من الصباح حتى المساء، لتحقق طموحها في تعليم أولادها!

ساعدت الولد، في زواجه بالمهر والشبكة. وساعدت البنت في جهازها وولادتها. وعلى الرغم من خضوعها لكل هذه الالتزامات، التي لم يتحمل «أبو فلان» معها في إنجازها مليماً واحداً، تشكو لأن زوج ابنتها نذل ولا يدفع نفقات زوجته أو ابنه!

تذكرت هذا الحوار مع «أم فلان» وأنا أقرأ مشادة فقهية بين علماء متخصصين في الشريعة الإسلامية انقسموا فيها إلى قسمين: قسم يقرر أن من حق الزوجة «شرعا» أخذ الأجر من زوجها لإرضاعها أطفالها منه، وكذلك مقابل خدمته، إذا لم يحضر لها من يساعدها في الخدمة، والقسم الآخر يقرر بالأسانيد، أن من واجب الزوجة الإرضاع والخدمة مجاناً.

يا لهفى. هكذا صحت، وهي صيحة تكون بلغة «أم فلان» مساوية لصرختها: يا لهوي ي ي ي !

ألا يدري هؤلاء العلماء الأفاضل أن هذه القضية غير واردة إطلاقاً على أرض الواقع في ملف «علاقة الإنفاق» في الحالات الزوجية السائدة في بلادنا ـ خصوصاً مصرنا المحروسة التي جاء منها العلماء المنشورة آراؤهم؟

ألا يعلمون أن الزوجة في بلادنا ترضع أطفالها مجاناً، عن طيب خاطر، ومستعدة لإرضاع أطفال الجيران كذلك، من دون أن يساورها الاحتمال بأن من حقها طلب أي أجر، وتخدم في بيتها بالليل والنهار ببداهة أن هذا واجبها، ولا تحلم حتى بكلمة «شكراً»، وتخرج للعمل وتكد وتكدح، وتسلم دخلها كله لمصروف البيت، و«اللي مش عاجبها تخبط راسها في الحائط»؟

نعم الشريعة الإسلامية تقول وتقول وتقول، ونحن نتباهى بأنها قد أعطت المرأة «ذمة مالية مستقلة»، لكن هل طالت الزوجة في بلادنا حقوقها في الشريعة الإسلامية؟

في الشريحة الفقيرة، الزوج لا يهتم بتعليم أولاده، وإذا تمسكت الزوجة بتحقيق هذه الرغبة فعليها أن تسعى «هي» لتحمل هذه المسؤولية بالخروج إلى العمل، طاهية أو منظفة منزل باليومية، على شرط ألا تخل بواجبات خدمة الزوج وتحسين مستوى معيشته حتى يسمح لها بالخروج، ويكون بهذا «السماح» هو «الكريم» و«الطيب» والراجل الأمير!

وفي شريحة المتعلمات، تخرج الطبيبة والمدرسة والمهندسة والموظفة العمومية في الدوائر الحكومية.. إلخ، للعمل، وهي تعلم أن «ذمتها المالية المستقلة» قد ذهبت مع الريح، فالزوج إذا لم يطالبها بمرتبها كاملاً مصروفاً في البيت، فهو يطالبها ـ على الأقل ـ بالمساهمة لمواجهة أعباء المعيشة. ولو أرادت الزوجة التمسك بحق إنفاق الزوج عليها، فعليها أن تواجه عاصفة الإتهامات الجالبة للنكد المزمن.

كان على الزوجة أن تعمل لتضمن دخلاً مالياً من دون أن تصطدم بالبخيل والمقتِّر والمنّان، والذي يرى أن كل طلباتها لا لزوم لها، ومع ذلك لا يزال الكاريكاتير الذي يغيظني سادرا في غيه يصور الرجل المعذّب الذي ترهقه زوجته بكعك العيد وخروف الضحية!

نوارة الإنتصار تدخل المدرسة الإبتدائية 1979

الأربعاء، 14 سبتمبر 2011



بيدبا الفيلسوف  ودبشليم  الملك   


تقول المصادر العلمية إن قصص كليلة ودمنة قد تمت كتابتها في الهند باللغة الهندية، في القرن الثالث الميلادي تقريبا، ثم ترجمت الي اللغة الفهلوية ـ الفارسية ـ في عصر كسري أنوشروان، ونقلها ابن المقفع إلي العربية في القرن الثامن الميلادي، وتعود النسخة ، التى حققها الدكتور عبد الوهاب عزام ، إلى سنة 1221 وأعادت طبعة كتاب الشعب إصدارها بالقاهرة في 1968، هذا الكتاب كليلة ودمنة هو دوائي الذي يشدني ، وأنا أكتب الآن، من تعب النفس وضيق الصدر ورمال الاكتئاب المتحركة، وهو وصفتي العلاجية لمن ترهقهم أحداث منطقتنا، ومناظرات وحواديت من تم تعيينهم، من قبل أنفسهم وأصدقائهم، النخب والرموز الثقافية والإعلامية والسياسية السابقة واللاحقة؛ هؤلاء الذين لم يعودوا يرون عقبات لدينا نحو التقدم إلا الاسلام والمسلمين، والذين حين يتكلمون عن الكارثة والكارثية لا يرون إلا كارثة 11/9/2001 وضحاياها ، التي لا نعرف حتى الآن علي وجه اليقين من هم المتسببين فيها، وإن كنا نعرف بالتأكيد من المتسبب في كوارث وكارثات ونوازل 15/5/1948 وتوابعها حتى الآن على أرض فلسطين المحتلة،  و 5/6/1967،  واقتحام بغداد وإذلالها 9/4/2003، بخيانة حاكمها وكذب الغزاة، ونعرف تماما سعة مقابرنا الجماعية ـ من المحيط إلى الخليج ـ وقدرتها الهائلة علي الاستيعاب .. الخ .

في فهرس كليلة ودمنة ، طبعة كتاب الشعب 1968، نجد الإشارة إلى 15 بابا من الأبواب الأصلية ، بزيادة باب واحد عن أبواب النص الهندي الذي تقول مقدمته إنها 14 فقط ، يضاف إلى تلك الأبواب : مقدمة الكتاب 12 صفحة، التي قدمها بهنود بن سحوان ويعرف بعلي بن الشاه الفارسي ، وذكر فيها السبب الذي من أجله عمل بيدبا الفيلسوف الهندي كتابه الذي سماه "كليلة ودمنة" وجعله على ألسنة البهائم والطير صيانة لغرضه فيه من العوام ، وضنا بما ضمنه عن الطغام ـ( الأرذال ) ـ وتنزيها للحكمة وفنونها ومحاسنها وعيونها، ثم "بعثة برزويه" إلي بلاد الهند 6 صفحات ، ثم باب عرض الكتاب ترجمة عبد الله بن المقفع 6 صفحات ، وكلمة "ترجمة" هنا غير مقصود بها النقل من لغة إلي لغة ، بل بمعني فاتحة الكتاب أو تمهيد مثلا ، أو بقلم عبد الله بن المقفع، ثم باب برزويه ، ترجمة "بزرجمهر بن البختكان"، أي بقلم بزرجمهر بن البختكان، و"بزرجمهر بن البختكان"، كان وزير كسري أنوشروان ويضرب به المثل لقيمته الثقافية وعظمته في صنعة الكتابة، وكان الناس يقولون: " بزرجمهر زمانه وعصره وأوانه" للكاتب الذي يبلغ من صنعة فن الكتابة شأوا كبيرا، مثلما نقول نحن مثلا عن الصوت الجميل "أم كلثوم زمانها" أو "عبد الوهاب عصره وأوانه" ، أو "منصور الرحباني الذي علا شأنه بمسرحه وألحانه" .

تلخيص حكاية بيدبا الفيلسوف مع ملكه الهندي دبشليم ، كما ترويها مقدمة الكتاب على لسان علي بن الشاه الفارسي هي: أن الإسكندر ذا القرنين الرومي اجتاح في غزواته للشرق، مع ما اجتاحه في العالم ، البلاد الهندية وانتصر على مقاومة ملكها الذي قاوم وتصدي ببسالة للإسكندر حتى وقع صريعا، وقرر الإسكندر أن يعين على بلاد الهند واحدا من أتباعه يحكمها باسمه قبل أن يمضي هو ليواصل اجتياحاته للبلاد الأخرى، ولكن أهل الهند لم يعجبهم الحاكم الأجنبي فاختاروا من بينهم "دبشليم" وجعلوه ملكا عليهم . هذا الدبشليم لم يحفظ عهد رعيته وأمانة الملك ، فتبدل من ملك عادل رحيم بشعبه إلى طاغية جبار يرتكب كل جرائم الحكام الفاسدين مما دفع بالفيلسوف الحكيم بيدبا الى أن يقرر الذهاب إليه وتقديم النصح لهذا الملك الذي لم تفزعه النوائب، ولم تؤدبه التجارب، وطلب بيدبا الإذن بالدخول على الملك دبشليم فأذن له، وهو متصور أن الفيلسوف جاءه لحاجة يطلبها، وقال له: "نظرت إليك يا بيدبا ساكنا لا تعرض حاجتك ولا تذكر بغيتك، لم يكن لبيدبا أن يطرقنا على غير عادة إلا لأمر حركه لذلك ، فإنه من أفضل أهل زمانه".

تقدم بيدبا للكلام و لم يضع الوقت في لف أو دوران و قال للملك بعد تمهيد حكيم: "أقمت فيما خُوّلت من المُلك وورثت من الأموال والجنود ، فلم تقم في ذلك بحق ما يجب عليك، بل طغيت وبغيت وعتوت وعلوت على الرعية، وأسأت السيرة وعظمت منك البلية، وكان الأولى بك أن تسلك سبيل أسلافك، وتقفو محاسن ما أبقوه لك، تحسن النظر برعيتك، وتسن لهم سنن الخير الذي يبقي بعدك ذكره، فإن الجاهل المغتر من استعمل في أموره البطر والأمنية، والحازم اللبيب من ساس المُلك بالمداراه والرفق، فانظر أيها الملك ما ألقيت إليك، ولا يثقلن ذلك عليك: فلم أتكلم بهذا ابتغاء عرض تجازيني به، ولا التماس معروف تكافئني فيه، ولكني أتيتك ناصحا مشفقا عليك".

طبعا جن جنون دبشليم لأول وهله وأمر بقتل وصلب بيدبا، ثم أحجم عن الاعدام وقرر استبداله بالحبس وتقييده، وعندما علم تلاميذ بيدبا بما حل بأستاذهم هربوا في البلاد واعتصموا بجزائر البحار، ولكن دبشليم ـ ما شاء الله ـ سهر سهرا شديدا فطال سهره ، ومد إلى الفَلك بصره، وتفكر في تفلك الفلك وحركات الكواكب، فأغرق الفكر فيه، فذكر عند ذلك بيدبا، وتفكر فيما كلمه به، فارعوى لذلك، وقال في نفسه: لقد أسأت فيما صنعت بهذا الفيلسوف، وضيعت واجب حقه، وحملني على ذلك سرعة الغضب.

وأرسل دبشليم الملك من يحضر له بيدبا من السجن:  "يا بيدبا أعد علي كلامك كله، ولا تدع منه حرفا إلا جئت به". وفعل بيدبا ذلك ودبشليم يستمع متأثرا: "يابيديا، إني قد استعذبت كلامك وحسن موقعه من قلبي ، وأنا ناظر في الذي أشرت به، وعامل بما أمرت".  ثم أمر بقيوده فحلت، وألقي عليه من لباسه ، وتلقاه بالقبول! مع هذه النهاية السعيدة لبيدبا الفيلسوف كانت البداية لوضع كتاب في الحكمة؛ فحين سأل الملك دبشليم بيديا عن الأجر الذي يطلبه، لم يزد أن قال: "يأمر الملك أن يدون كتابي هذا، ويأمر بالمحافظة عليه، فإني أخاف أن يخرج من بلاد الهند، فيتناوله أهل فارس إذا علموا به".  والحقيقة أنني لم أفهم الحكمة في هذا الطلب الغريب من بيديا الفيلسوف ، فالمنطقي كان أن يطلب ترجمته إلي كل اللغات والعمل علي توزيعه في أنحاء الدنيا، علي أية حال ، الذي حصل أن كسرى أنوشروان لما علم بخبر كتاب كليلة ودمنة لم يهدأ حتى بعث برزويه الطبيب الذي تلطف حتى أخرجه من بلاد الهند فأقره في خزائن فارس. ومن هنا يبدأ الفصل الخاص بحكاية تفاصيل الخطة التي وضعها برزويه طبيب كسرى أنوشروان ليتمكن من استنساخ الكتاب وترجمته من الهندية إلي الفارسية، وهي خطة تشبه خطط الجاسوسية التي يكون هدفها سرقة الأسرار الحربية ، غير أن الأمر الجميل هنا هو سرقة كتاب من كتب الحكمة ـ ولا أعتذر في هذا لاتحاد الناشرين ـ وقد استغرقت المهمة سنة كاملة و عشرين جرابا، كل جراب فيه عشرة آلاف دينار، وعندما عاد برزويه بالكتاب إلى كسرى أنوشروان فرح بدوره فرحا شديدا، وعقد  مؤتمرا ثقافيا لكل أهل فارس وطلب من برزويه قراءة الكتاب كله على الملأ ـ ( لست متأكدة من تقسيم القراءة إلى جلسات صباحية ومسائية، ولا من عدد الأيام الذي استغرقته تلك القراءة، لكنني على يقين أنها كانت خطابا ثقافيا جديدا جدا لأهل مملكة كسرى أنو شروان ).

الظريف أن الطبيب برزويه رفض أن يكون أجره من خزائن الجوهر والزبرجد والياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة وطلب طلبا معنويا لائقا بجهاده الثقافي الذي كلفه التعب والعنت ونحول الجسد ووجع الظهر والانكباب المرهق في السر للنسخ والترجمة بمخاطرة كان يمكن أن تكلفه القتل والصلب وما هو أشد . قال برزويه موضحا أجره: "حاجتي أن يأمر الملك، أعلاه الله تعالى ، وزيره بزرجمهر بن البختكان، ويقسم عليه أن يعمل فكره، ويجمع رأيه، ويجهد طاقته ويفرغ قلبه في نظم تأليف كلام متقن محكم، ويجعله بابا يذكر فيه أمري ويصف حالي ، ولا يدع من المبالغة في ذلك أقصى ما يقدر عليه، ويأمره إذا استتمه أن يجعله أول الأبواب التي تقرأ قبل باب الأسد والثور، فإن الملك إذا فعل ذلك فقد بلغ بي وبأهلي غاية الشرف وأعلى المراتب، وأبقي لنا ما لا يزال ذكره باقيا على الأبد حيثما قرئ هذا الكتاب".

 وتم للطبيب برزويه ما أراد، وهكذا تكون جوائز الدولة التقديرية وإلا فلا !


الثلاثاء، 6 سبتمبر 2011

 من صندوق الجواهر:

السفير شكري فؤاد 

إذا كان لي أن أنتخب مقتطفا من شكسبير ألخص به رؤيتي للسفير "شكري فؤاد"  فسوف أردد على الفور ترجمتي للكلمات التي قالها "هاملت" عن صديقه "هوراشيو"، في المشهد الثاني من الفصل الثالث من مسرحية هاملت:

" هوراشيو إنك لرجل شريف، لن ألتقي بمثيله بين البشر، ..........، أنت الذي اختارته نفسي ، منذ بدأت تميز بين الناس، لأنك مثل الذي عانى كل شئ، فأصبح لا يعاني شيئا، يتلقى من الأقدار الخير والشر، بامتنان واحد، وطوبى لهؤلاء، الذين يتوازن عندهم العقل والعاطفة، فلا يصبحون مزمارا في يد أحد، يعزف عليه ما يشاء، أعطني هذا الرجل الذي يرفض أن يكون عبدا لأهوائه، وسوف أضعه في السويداء، نعم، في قلب قلبي....".  هذه الملامح الهوراشية رأيتها تتبدى لي بوضوح على مدى سنوات معرفتي الإنسانية بشكري فؤاد، حتى أنني صرت كلما تخيلت هوراشيو يظهر لي بوجه شكري فؤاد وإيماءاته وهيئته الكاملة، وكأن معرفتي بشخصية شكري فؤاد قد ساعدتني على فهمي لهوراشيو وكأن كلمات شكسبير الدقيقة التي أطلقها على لسان هاملت قد ساعدتني على صياغة تحليلي لشخصية شكري فؤاد الذي منّ الله عليّ بصداقته الغالية عبر السنوات الطويلة والحمد لله.

في يوم من أيام صيف 1970، في بيت "وداد وسعد"، كان لقائي الأول مع شكري فؤاد وزوجته العزيزة نبيلة، أو بلبل كما يناديها الجميع، كان قد مضى على صداقتي لوداد متري وزوجها الدكتور سعد لوقا ثلاث سنوات منذ تعرفت عليهما 1967 في عرض مسرحية "أجاممنون" بمسرح الجيب القديم بالقرب من حديقة الأندلس، تقدمت مني "وداد"، من دون سابق معرفة، وأجزلت لي الثناء على ماكنت أكتبه في ذلك الحين من نقد مسرحي بمجلة المصور. لم أكن أعرف ساعتها أن "وداد متري" قاعدة لصداقات ثقافية وفنية وأدبية وتربوية وصحافية وسياسية عريضة، تتعدد فيها الأفكار والآراء والمشارب وإن تلاقت عند حب الوطن والأمة العربية ومساندة كل القضايا المقاومة للكيان الصهيوني ولكل أشكال الظلم والقهر والفساد، كان بيتها، "بيت وداد وسعد"، رحمهما الله سبحانه، بمثابة مسقى لكل العطاشى من كل اتجاه.

ذلك العام 1970 كانت صداقة وداد وشكري قد تعدت سنواتها العشرين منذ زمالتهما خريف 1948 بكلية الآداب جامعة فؤاد الأول، القاهرة الآن، قسم الفلسفة وتخرجهما  في دفعة 1952، كان شكري أصغر أعضائها سنا فلم يكن عمره يزيد عند تخرجه عن العشرين عاما وخمسة أشهر.

قالت وداد: "شكري يا صافي راجع  من عمله في سفارتنا بكمبوديا"، وحبذت أن أقدم له كتابي "رومانتيكيات"، الذي كان قد صدر لتوه عن دار الهلال إبريل 1970، فكتبت له إهدائي: إلى الأستاذ شكري كمبوديا مع التحية والمودة، 2\7\1970!

كنت وقتها في سمت لعلعتي الصحفية وفرحتي بروحي ناقدة وكاتبة بمجلة المصور في عهدها الذهبي تحت رئاسة أحمد بهاء الدين رحمة الله عليه، قبل أن أقع بعدها على بوزي بصفعات قهر وظلم الكاتب، الذي تصر فلوله على نعته بالرومانسي المتسامح الذي لا يؤذي نموسة، سي يوسف السباعي بداية من أغسطس 1971. ما كدت أصادق شكري وبلبل حتى وجدت نفسي تتقاذفني شلاليت تعليمات السلطة الساداتية السالبة للحقوق؛ منع من النشر وفصل من العمل واعتقالات ونفي ....إلخ إلخ، في ذلك التطور المروّع لأحوالي ، حين تخلى عني من تخلى وتجهم لي من تجهم وأنكرني من أنكر، تكشفت لي الأبعاد الهوراشية في شخصية ذلك النبيل شكري فؤاد الذي لم يُضيّق على صدره، لحظة واحدة، سترة "الدبلوماسي" المتخوّف المتحرج الذي يخشى مخالطة أمثالي من المنبوذين المعارضين لجبروت سلطة محمد أنورالسادات المستبدة الجائرة على مدى دورة فلكية صينية استغرقت 12 سنة عجافا.

بعد أن استقر شكري في مصر في ديوان وزارة الخارجية لمدة ثلاث سنوات، سافر عام 1973 إلى مواقعه المتغيرة في سفاراتنا على مدار الكرة الأرضية، وظل موقعي ثابتا في قوائم الإستدعاء إلى معتقل القناطر للنساء كلما احتاجت غشومية السلطة الساداتية إثارة قضية أمن دولة وهمية ما تلبث أن تُحفظ بعد أن تستوفي أغراضها من اعتقالنا ومرمطتنا بتهم الشغب وقلب نظام الحكم وما إلى ذلك من كذب وبهتان واختلاقات ما أنزل الله بها من سلطان.

يسافر شكري ويعود ثم يسافر ثم يعود ويطلق سراحي من المعتقل ثم أعود ....إلخ  و"شكري وبلبل" في قلب قلبي لاتهتز لهما شعرة خوف مما يحدث لي ولكثير من أصدقائهما وبوصلة معرفة أحوالنا هي "وداد متري"، حين لا تكون مسافرة مصاحبة لزوجها الأستاذ الجامعي سعد لوقا في جامعات بإفريقيا أو ببلاد العرب، ويهتم شكري بأن يبعث لي من كل مكان بقصاصات صحف تكون قد نشرت صورة لي وأنا في القفص الحديدي خلال المحاكمة، أو يكون قد ذكرني ذاكر بطيب في مقال أو محاورة؛ لمسات رقيقة حانية لا أتوقعها تأتيني منه كرذاذ الماء البارد المنعش ترش وجهي في القيظ الصعب.

إذا أردت أن أحدد المهمة الأولى لشكري فؤاد في الحياة أضع يدي على "صديق"، و"الصديق" ليس بالضرورة الذي يتفق معك في الرأي أو في العقيدة، لكنه الذي يتواءم معك ويفهمك ويرى حقك في أن تكون ما أردت أن تكونه؛ هو الذي لا يضيق معه "خُلقك" ولا تنحبس زفرتك ولا تخشى عنده إطلاق فكاهتك ولا يسوؤه وقع دعابتك: يفهمك يفهمك يفهمك!

من المؤكد أن شكري فؤاد منذ بداية تفتحه الثقافي قد إنحاز للصدق والشرف والأمانة والإستقامة، وتجول بصفاتها بعقله ووجدانه بحرية وشغف في حدائق المعرفة الإنسانية وحقولها الواسعة ليس من أجل تغذية الرطانة في الصالونات ودعم الإستعراضات الفكرية  ووجاهة الإنضمام إلى نادي النخبة ولكن سعيا وراء الإئتناس بالوعي وشحذا للإدراك الشفيف الذي يقود إلى الحياء من التباهي والتعفف عن تزكية الذات.

يتقن شكري فؤاد السمع والإنصات لمحدثه، وحين يتكلم يختصر ويتركك في شوق إلى إسهابه، تقوده حكمة "خفف الوطء".  يتململ من الفجاجة وينسحب من اللجاجة ويطوي صفحات الركاكة كأنها لم تكن. رغم صلابته الكامنة وعناده الراسخ غير السافر لايتحرج من الإعجاب بمن يكشفون وجه عنادهم بالزعيق: يجد فيهم طرافة يضحك لها كثيرا. رغم اختياره للتكتم في الألم والفرح لا يضايقه مَن من صفاته البوْح. ورغم إمعانه التفكير لاينكر على غيره سرعة الحسم. يدفعه حسه النقدي الحاد إلى طمر الكثير من ملكاته الأدبية والفنية. يحترم قيمة التواضع ويجد الأناقة في التواري إلا في أحوال الإستنجاد والإغاثة ساعتها تدفعه شهامته لنجده البارز في الصف الأول.

بلغ شكري فؤاد سن الستين في 12 يناير 1992، وأتاحت الحاجة الوطنيةإلى خبرته في وزارة الخارجية أن يواصل العمل مستشارا لها حتى السبعين في 12 يناير 2002، ويظل وهو يخطو نحو الثمانين، إن شاء الله في 12 يناير 2012، مرجعنا في كل شأن من شئون الضمير ويكون بذلك قد حقق الإنجاز الأكبر الذي يتمناه كل شريف على هذه الأرض: "هؤلاء الذين يتوازن عندهم العقل والعاطفة فلا يصبحون مزمارا في يد أحد يعزف عليه مايشاء...."!

حفظك الله يا شكري فؤاد وأدامك علينا جوهرة كريمة من كنوز بلدنا هذا الأمين.

فلووووووووول!


فلول العهد الناصري، وفلول العهد الساداتي؛ هي المكملة لفلول عهد مبارك!

يجب أن تشمل الإدانة هذه العهود الثلاثة وإلا صرنا من المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يسـتوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخســــرون.

إننا نعرف الرجال بالحق ولا نعرف الحق بالرجال: يعني نحن نسير وراء الحق، ولا نسير خلف من يدّعي الحق وهو عنه بعيد كل البعد!

 والحذر كل الحذر من عبدة الأوثان!