الأربعاء، 15 فبراير، 2012

عصابة خالتي فرنسا
تجوّلت في بعض مواقع الشبكة العنكبوتية وقرأت تعليقات من يمكن أن أطلق عليهم أعضاء عصابة "خالتي فرنسا"؛ نسبة إلى ذلك الفيلم الذي كتبه الفنان المبدع المخلص بلال فضل يصوّر مهنة البلطجة والكذب والإفتراء على خلق الله. لقد نابني من هذه العصابة الكثير وأرجو من الله سبحانه وتعالى أن يقتص لي من أفرادها في كل مكان قصاصه العادل وهو بهم عليم، وعلى كل شئ قدير، غير أن الأخطر والأكثر إيلاما في هيمنة هذه العصابة على الكثير من مواقع الشبكة العنكبوتية هو محاولتها التشويه المروّع، بتزوير المنطق والمنطلقات والأهداف، لسلاح، كان بيد الشرفاء والصالحين و تصدى بقوة وأمانة ونبل للفساد والإستبداد وأفصح عن المطالب الشعبية بجرأة واستبسال وساهم في خلع زمرة من القتلة واللصوص في ثورة الشعب 25 يناير 2011، ولقد ذكرني هذا الفعل الآثم بمسرحية "ياسلام سلّم الحيطة بتتكلّم"، التي كتبها المسرحي الراحل سعد الدين وهبة في نهاية الستينيات من القرن الماضي وعرضها مسرح الحكيم في موسمه المسرحي 1970.

 تبدأ المسرحية باستعراض أحوال فساد قام في عصر من العصور، مشابه إلى حد بعيد بما عاصرناه وكابدناه؛ فساد أودى بالشعب إلى الفقر وسوء الحال، مما يدفع بإمرأة شريفة متمردة إلى التستر وراء حائط تتكلم وتحرّض الناس على التمرد ومواجهة مجلس السلطنة الفاسد وتنادي بسقوطه. يشيع في المدينة أمر هذا الحائط المتكلّم الذي يمثل خطرا حقيقيا على السلطان المبتعد عن شعبه والتارك أمره لأهواء مجلس السلطنة يتحركون به وفق منافعهم وغاياتهم. يلتف الناس حول الحائط المتكلّم الممثل لقوة المعارضة للسلطان ووزرائه، ويمتلك الحائط، بالتفاف الناس من حوله، قوة تفوق قوة السلطان. تظل المرأة الصالحة متسترة وراء الحائط لا يعرفها الشعب لكنه يعرف أنها تتكلم بما يرجو ويحب، ويؤمن بها كحائط يجد كل فرد في كلامه صدى لما يتردد في داخله ولا يبوح به: "بني آدم حاطط لسانه جوه بقه إنما الحيطة طلعت لسانها ونطقت!". حين يكتشف  السلطان أمر المرأة يلقي القبض عليها، يسألها وتجيب بلا خوف:

"السلطان: ألا تخافين بطشي؟
المرأة: الجثث لا تخشى الموت.
السلطان: وأنت جثة؟
المرأة: منذ نويت أن أحاربك!"

من حوار المرأة مع السلطان نفهم إصرار المرأة بالثورة على الفساد لكننا نلمح كذلك بداية تخبطها في كيفية الوصول لإرساء تفعيل ثورتها، هو يسألها عن سلاحها وهي تقول إنه لسانها الذي: "عندما أيقنت أنه غير قادر ركبته في الحائط". وبهذه الكلمة نرى بداية الخيط  الذي يجرّها للأخطاء التالية التي سوف ترتكبها بكل حسن النية والحب للعدل وخير الناس، ويكون أهم ماطرحه "سعد الدين وهبة" هو موضوع مناقشة أخطاء وسلوك القوى الثورية التي تتصوّر أنها بإمكانها، طالما توفر لديها حسن النية، أن تتولى بذاتها تقرير السبل الناجعة للخلاص من الفساد من دون الإنغماس السافر مع الناس.

نجد أن المرأة التي لا تهتز في مواجهتها الشجاعة أمام السلطان ومجلس السلطان تقع على الرغم من فصاحتها في فخ المساومة حين تقبل أن تكون عضوا في مجلس السلطنة وتتكلم من الحائط ،أي من منبر المعارضة، بما استقر عليه رأي المجلس!

من وجهة نظرها تجد المرأة في المساومة فرصة: "صوت شريف في مجلس السلطنة أفضل من لاشئ!"، وتقبل المخاطرة، ولا يكون غريبا بعد ذلك أن يتحول كلام المرأة إلى منطق الذين يؤمنون بفكرة إمكانية الإصلاح من داخل النظم الفاسدة، ورغم أن هذه المناورة قد تبدو مقنعة للبعض إلا أن الواقع الفاسد، خاصة عند إحساسه بالخطر، يكون عادة في قمة مكره وغدره الذي يفوق كل توقعات القوى الثورية الشريفة، ونرى هذا يحدث تماما بعد السقطة التكتيكية من "إمرأة الحائط"؛ فهي رغم محاولاتها المستمرة لتوازن بين مبادئها ومتطلبات موقعها الجديد تدرك شيئا فشيئا أن ما تفعله ليس تماما ما يجب أن يكون، وتدرك أنها ليست المُناوِرة (بضم الميم وكسر الواو) بل هي المتناوَر عليها (بفتح الواو)، وكان ذلك مخطط الإنقضاض على ثورة المرأة الذي عبر عنه الوالي بعد القبض عليها: "نهبها الحياة ونهبها لسانها .......في مقابل أن يتكلم الحائط بما نريد نحن لا بما في دماغها هي!".

نرى كيف تبدل الأمر بـ  "إمرأة الحائط" حين تركت موقعها الآمن بين الشعب فتحولت من محاربة للسلطان إلى مبررة لأفعاله ملتمسة له الأعذار مزينة لوجهه أمام الناس: هذا الوجه القبيح الذي لا يكاد يعي جوهر ماتعنيه وصايا المرأة ونصائحها وإرشاداتها ولا تستره المسرحية أمامنا في أي لحظة.

تدرك "إمرأة الحائط" خطأها المروع حين يقوم الوزراء الفاسدين وعصابتهم وبلطجيتهم بالإستيلاء على حائطها، ( يمكن أن نقول هنا مواقع شبكتها العنكبوتية!) الذي اكتسب بمحصلة كلامها الثوري الصائب ثقة الناس، ويستنطقونه كلمات تخضع لأغراضهم بصوت يحاكي صوتها! ونسمعها في قمة مرارتها تقول: "صنعته ليخدم الشعب ضد أعدائه ولم أصنعه كي يستخدمه الأعداء ضد الشعب".

كان على "إمرأة الحائط" أن تواجه الناس بواقع الكذب المهلك وتفضح أسطورة الحائط المزوّر لصوتها ليتم هدمه بعد اكتشاف حقيقته، والذي يهمنا في خضم ذلك هو اختفاء المرأة لعدم جدواها كفكرة للإصلاح من داخل أجهزة فاسدة، وأن الناس هم الذين هدموا الحائط؛ أي بددوا الوهم.

تتركنا المسرحية بأمر أساسي وفكرة واضحة مفادها في بيت الشعر الذي يسوقه مؤلف المسرحية على لسان الراوي:

"يا ناطقا من جدار وهو ليس يُرى
إظهر وإلا فهذا الفعل فتـــــــّـــــان"!

لا يمكن لصوت شريف يعمل من أجل البلاد والعباد أن يكون قوة غامضة مستترة من وراء حائط، أو شبكة عنكبوتية، بل عليه أن يكون بين الناس يأخذ منهم ويعطيهم حتى ينضج بينهم وينضجوا معه فلا يختلط مساره ويقع في فخ المساومات بجهل وبراءة: ذلك الفخ الذي يجيد النصّابون والدجالون فتحه عميقا بكل وسائل الشر والخداع ودقات الطبول الفارغة!

رحم الله سعد الدين وهبة.

هناك 3 تعليقات:

  1. الحقيقة سيدتي

    قد فهمت مغزي القصة

    و تعليقي عليها سوف يكون مقتضبا ولكن يعني الكثير

    ((لاتكن صلبا فتكسر ولاتكن لينا فتثني ))

    رحم الله سعد الدين وهبة

    وهدي الله كل من يضل طريقه

    تحيتي سيدتي الفاضلة

    ردحذف
    الردود
    1. أما إنها عصابة فنعم..
      أما أنها عصابة الخالة فلا خالة بهذه القسوة!!
      ثم احمدي الله واشكري هذه العصابة التي تضيف إليك بلا مجهود-إلا الصبر الجميل-ملايين الحسنات إلى حسابك في الآخرة،وإنني لأغبطك على هذا!!

      حذف
    2. أنا أحمد الله في كل حال وآن وحين، ويكفي أنه يجعلني من الذاكرين، لكن هذا لايمنعني من الإشارة إلى الآثمين حماية للبلاد والعباد، أما النداء بخالة فلا يُقصد به التكريم بل التنويه بقناع للنفاق! شكرا.

      حذف