السبت، 29 ديسمبر، 2012

فن كتابة:

سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام

* "فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (22) فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا (23) فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا (24) وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (25) فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا (26) فأتت به قومها تحمله قالوا يامريم لقد جئت شيئا فريا (27) ياأخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28) فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا (29) قال إني عبد الله ءاتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيا (31) وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا (32) والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (33) ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34)"، صدق الله العظيم، آيات بينات من سورة "مريم" أتلوها، برجاء للمسرّة والفرح فرارا من الهم والغم والغباء وتناحر الإخوة الأعداء، أستحضر بها جلال هذه الأيام، بين 25 ديسمبر 2012 و7 يناير 2013، التي نحتفل فيها بمعجزة ميلاد سيدنا عيسى، عليه وعلى نبيا محمد صلوات ربنا وسلامه، وصلاة وسلام عليك يا سيدة نساء العالمين؛ يا العذراء مريم ابنة عمران.

* سنابك اللغة العربية:

كان الشاب السويسرى يتصبب عرقا وهو يتصارع مع اللغة العربية، التي يصر على الكلام بها معي، وأنا ألوّح له كلّ لحظة بسكة الخروج من مأزقه إلى اللغة الإنجليزية من دون جدوى. الشاب سويسري من الجزء المتكلّم باللغة الفرنسية لذلك فهو يفضّل الوقوع تحت سنابك اللغة العربية على أن يلجأ إلى اللغة الإنجليزية المنافسة، بل المنتصرة على الفرنسية في دوائر التواصل العالمي، تمشيا مع تعصبه الفرانكفوني الذي لا ينفيه ولا يُخجله.  يسألني عن الإسلام أسئلة دقيقة ، تكاد روحه تزهق معها وهو يكوّنها من مفردات لغته العربية المحدودة بشكل يمكّنني من فهم مقصده تقريبا، وحين أتدفق بالكلام وأنظر إلى عينيه التائهتين وفمه المشدود بالتوتر، وهو يحاول إلتقاط الفهم من كلامي، يتراجع تدفقي إلى نقطة الإمتناع وألزم الصمت. تتقدم زميلته المغربية، التي نسيت اسمها لشدة ألفتي به، لتنقذ الموقف بالترجمة من العربية إلى الفرنسية. أتوجه إليها بالكلام في محاولة لاستعادة الانبثاق فألمح إنكماشها المتزايد في ثوبها القصير وهي تحاول شدّه وجذبه إلى ركبتيها في حرج لا إرادي؛ هي دكتورة في الأنتربولوجي وهو لا يزال ساعيا لنيل الدرجة التي نالتها في الحقل نفسه، وكلاهما مُهتم لكي يعرف متى وكيف ولماذا ارتديت الزي الشرعي الإسلامي، الذي صاروا يُطلقون عليه خطأ مصطلح "حجاب". أسرد بدهيات وأكرر مُسلّمات والدكتورة والباحث يسجّلان الأقوال كأنها العجائب. أنقل إليهما دهشتي من مجتمعات تتقبل علاقات الشذوذ الجنسي والتناسل من دون زواج  ثم تستنكر رخصة أقرّها الإسلام، في ظل ظروف طارئة، تبيح للرجل الزواج مثنى وثُلاث ورُباع بشرط العدل وإلا فواحدة، مفهوم؟ العدل المستحيل وإلا فواحدة!


السبت، 22 ديسمبر، 2012

فن كتابة:

جاذبية صدقي في ذكراها

في مثل اليوم؛ السبت  22 ديسمبر منذ 11 سنة،  رحلت عن دنيانا الأديبة الرائدة جاذبية صدقي التي غمطوا حقّها ورفضوا تتويج مشوارها الأدبي المخلص ولو بجائزة تشجيعية بينما كان الكيل يُكال إغداقا وسرفا وسَفَها بالتكريم لمن لا يستحق؛ لاقت الجحود والجور في التقدير وبلعت مثل الكثيرين غيرها من كرام مصر الغصّة بالأمل في أن يعتدل ميزان النقد يوما ما حين يخاف، من يجب أن يخاف، غضب الله.

كتبت بشغف وسعت بنفس الشغف إلى نشر ما تكتب من دون انتظار  لمقابل، وتألقت  على صفحات الصحف والمجلات والدوريات، سنوات الخمسينات والستينات حتى نهاية الثمانينات من القرن الماضي، إلى أن ثقلت خطواتها  بما استشعرته من خذلان لرائدة بحجمها قدمت للمكتبة العربية ما يربو عن أربعين كتابا بين القصة والرواية والتحقيق والبحث، أذكر منها "بوابة المتولي"، "الموسكي إلى الحسينية والبلدي يوكل"، "مملكة الله"، "آخر الأرض"، "ليلة بيضاء"، "ستُار يا ليل"، "ليالي القمر".

صعدت جاذبية صدقي منصة النشر الأدبي في النصف الثاني من أربعينات القرن الماضي  وأخذت مساحتها في الصفحة الأخيرة من جريدة المصري تنشر قصصها القصيرة برسوم جذابة، لعلها كانت للفنان حسن هاشم، تشد القارئ إلى قراءة اسمها الجديد في عالم الأدب، الذي وقف ندا راسخا إلى جانب كتاب شباب آخرين مثل سعد مكاوي وعبد الرحمن الشرقاوي وعبد الرحمن الخميسي، الذين تناوبوا نشر باكورة إنتاجهم الأدبي في موقع الصفحة الأخيرة من جريدة المصري.

ولدت جاذبية صدقي 9 يناير 1920، صغرى أبناء وبنات وزير الأشغال محمود باشا صدقي، و كان قد أنجب قبلها 14 ولدا وبنتا من زوجة واحدة! تخرجت في كلية البنات الأمريكية، (أمريكان كوليج)، نالت بعدها شهادة الماجستير في الآداب، أجادت الإنجليزية والفرنسية وتملّكت ناصية اللغة العربية حتى اكتملت بين يديها جوهرة متألقة بالألوان والإيحاءات تشكّلها بين صريح الضوء وغموض الظلال، تصوغها في الكتابة كما تتكلّمها بجزالة وفصاحة وإحكام، فبدت كتابتها صوتية نابضة متشابهة مع صوتها تحمل مميزات نبراته ذات البحّة والإيقاع الدرامي؛ يخفت حتى لا تكاد تسمعه ثم يعلو تدريجيا حتى يصل به حماسها إلى الخطابة العالية ثم ما تلبث حتى تسحبه إلى الخفوت الكلّي كمن يلملم عاصفة في منديل.

جابت الآفاق طوافة بمعظم بلاد الكرة الأرضية تحاضر عن الأدب العربي والفرعوني بوعي مشهود بثقافة العالم الشرقية والغربية؛ يزكيها نهرو لعبد الناصر بما كتبته بالإنجليزية عن الهند وأطربه، وتترجمها اليابان، وأسمع بأذني في ولايات أمريكا الوسطى من يحدّثني عن استمتاعه بما سمع منها في محاضرة أو قرأ من قصصها مُترجما من العربية.

أغمضت جاذبية صدقي عينيها واستسلمت لنوم عميق، إلى جوارها كانت وحيدتها بهية يوسف زكي ، خريجة آداب القاهرة قسم اللغة العربية، تتهيأ للإستيقاظ لتعطيها دواء الساعة السابعة صباحا، نادتها بصوت خفيض: " ماما ... حبيبتي ...موعد الدواء... "، لكن جاذبية صدقي كانت قد أسبلت عينيها وانسحبت بهدوء وسافرت إلى البلاد التي لا يمكن لأحد أن يعود منها إلى أرض الدنيا، وكان ذلك صباح السبت 22 ديسمبر 2001.

السبت، 15 ديسمبر، 2012

فن كتابة:

نعم لمسودّة الدستور

× قبل أن أكتب هذا العنوان خطرت لي عناوين كثيرة، يروح بعضها ويأتي كلما مرّ صباح وجاء مساء، وأنا أقرأ هذا أو أستمع لذاك؛ لا أتذكر منها هذه اللحظة سوى: "نجوم الخصام"، و"شاهندة تفقد الذاكرة"، و"ليس كل ما يفكر فيه المرء يكتبه"، و "الدكتور البرادعي متخصص إجهاض"، حتى وجدت يدي تستقر على ما قررت أن أفعله اليوم بالموافقة على مسودة الدستور؛ إذا شاء الله سبحانه أن يتم الاستفتاء عليه في موعده وينجي البلاد والعباد من مصير أخشاه، أكتب كلامي وأنا أسمع صوت الطائرات قريبة التحليق فوق رؤوسنا فعسى ألا تكون نُذُر إنقلاب عسكري يزعم الإنقاذ، وهو ما أخشاه، وسيلقى على الفور تأييد كُناسة دكان الناصرية وترحيب غيرهم ممن اعتادوا الأمان في ظل الاستبداد والعين الحمراء والضرب بيد من حديد.

 

 من مدوّنتي أختار:

 

× الجمعة 7 ديسمبر 2012، هل رأيتم؟

 

شروط إذعان لرئيس مُنتخب من مُدّعين لا صفة لهم!

 

شروط إذعان من جبهة إحراق الوطن؛ برئاسة عمرو موسى ومحمد البرادعي وحمدين صباحي وليلى علوي ويسرا وشريهان وإلهام شاهين وخالد يوسف وخالد الصاوي! لا لم أقرأ إلى الآن اسم الراقصة فيفي عبده ولا الراقصة دينا.

 

ياحلاوة! وهناك المزيد من العجب الهباب؛ من الذين يرفعون صورة الديكتاتور الأكبرعبد الناصر في احتجاجهم على "ديكتاتورية" الرئيس المنتخب!

اللهم خذ مصر إلى بر النجاة والأمن والأمان بحولك وقوّتك يا رب العالمين،
اللهم انصرنا بالإسلام واكرمنا بطاعتك.

×  ردا على مُعلّق : السلام عليكم، رجاء عدم خلط الأمور في بعضها: أولا أنا لا ثأر لي مع الحقبة الناصرية ولكنني شاهدة على كم الفرص التي أضاعها عبد الناصر بديكتاتوريته واستبداده وجهله قبل غروره، ولك أن تقرأ كتابي الخديعة الناصرية حتى تفهم ما أقول، أو كتاب الأستاذ فتحي رضوان "72 شهرا مع عبد الناصر"، لتعرف من هو طالب السلطة بحق، ولك أن تتذكر أن الدكتور محمد مرسي رئيس مُنتخب ولم يستول على السلطة، وتذكر أن، أتباع السيد حمدين صباحي طالبوه بالتنازل لحمدين، يعني كان المطلوب من الناجح الأوّل أن يتنازل للراسب الثالث في سباق التصفية الأولى لانتخابات الرئاسة، طالبوه، بلا خجل بل بوقاحة كاملة، أن يتلاعب في اختيارات الشعب المصري، فمن بالله عليك المجنون بالسلطة؟ ثم أين هو الدستور الذي عصف به محمد مرسي؟
إننا مازلنا في مسودّة دستور لم يُستفت عليه بعد، وجبهة احراق الوطن ترفض الاستفتاء وتعوّق فرصة أن يكون لدينا "الدستور"، فمن الذي يعصف لحجب الدستور وتنقية القوانين؟ ثم مالك وأبو الفتوح وغيرتك عليه لأن الإخوان لم يدعموه؟ لقد أخذ  عبد المنعم أبو الفتوح فرصته وأنا صوّت لصالحه في البداية لكن حمدين دخل الانتخابات لتعويقه، والدعم من الأمور التطوعية وأنت لا تجبر من لا يدعمك على دعمك، من حقّ الإخوان اتخاذ القرارات التي تناسبهم لا التي تناسب منافسيهم، يا سبحان الله يعني من حق الوفد والتجمع والناصريين والماركسيين إلخ إلخ أن تكون لهم أسرارهم وخططهم وقراراتهم وطموحاتهم للسلطة ومطلوب من جماعة الإخوان، فحسب، أن يخنعوا للكافة؟

ولا تكلمني عن المنشقين وثروت الخرباوي فلا شهادة لهم يمكن أن يُعتد بها، أقول قولي هذا لله بموضوعية يفرضها علينا الإسلام بقوله تعالى، ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى، وللعلم فإن الأسباب بيني وبين الإخوان مقطوعة تماما، أمس واليوم وغدا، والحمد لله رب العالمين، وربي يعلم أنني لا أريد من مخلوق جزاء ولا شكورا، والله أعلم بالمتقين.

لعلك تذكر كذلك اللافتة التي تم رفعها في ميدان التحرير "ممنوع دخول الإخوان" فهل كان هذا من حق أحد؟ من له حق "التكويش" على ميدان التحرير الذي إتسع ليسرا المباركية وليلى أم نسب وإلهام المناوئة للثورة، ولم يتسع لمواطنين كل ذنبهم أنهم "محظورون" بأمر من لا أمر لهم! ثم ماهذا النداء الأخرق "الإنذار الأخير"؟ ألا تراه من جعبة إرهاب مجنون؟ "إنذار أخير"؟ ثم ماذا؟ هه؟ التصعيد بالتهديد إلى استباحة البلاد والعباد، وهاهي بشائره عند مُجمّع التحرير وبعدها، كما أفادوا، بغلق مترو الأنفاق لإرهاب الوطن بجريمةالعصيان المدني ؟

  "إنذار"؟ لم يتأدبوا حتى بقول "نداء"!

إنني أدافع عن حقي وحق الشعب المصري في أن تُحترم أصواته التي أدلى بها وهو مسرور في إنتخابات أقرها الجميع، تلك الأصوات التي عُصف بها بإلغاء مجلس الشعب ويستهتر بها الآن بالتطاول على مقر رئيس مُنتخب، حتى رأينا من يدافع عن "الوارث" بشار الأسد، قاتل شعبه ومدمر مُدُنه، يهتف بسقوط رئيس مُنتخب ويُقرر أن الإخوان أعداء الله، وأقصد هنا بالتحديد صديقة عمري السيدة شاهندة مقلد؛ التي وقفت أساندها عام 1966 في قضية إغتيال زوجها الشهيد صلاح حسين وأنتهي معها اليوم بالمفارقة وهي فخورة بتكفيرها خصومها؛ تحدد وفق أهوائها من هم أعداء الله ومن هم أحبابه، ثم تشكو من يد امتدّت لتغلق فمها حماية لها من ظلمها لنفسها بارتكاب إثم التكفير!



السبت، 8 ديسمبر، 2012

فن كتابة

تلكمو المشاهد الكابوسية

× لم يعجبني ذلك الاتشاح المتولول بالسواد، رغم أنني أحب اللون الأسود لوقاره الوسيم، الذي تكثف  بأجوائه  الميلودرامية وخيّم على حفل إفتتاح المهرجان فقد كان بالغ الركاكة، نسيت عنوان ذلك المهرجان المقصود، غير متعمّدة وأخشى الخطأ وليس بي طاقة الآن للبحث والمراجعة  إذن دعوني، فحسب، أكتفي بأنه الذي بكى فيه عزت أبو عوف بكاء مرا، وارتدت فيه ليلى علوي ويسرا وإلهام شاهين السواد، ومعهن بعضهن، حتى اللطيفة البليغة المبهجة رجاء الجداوي وهي الوحيدة التي لايليق عليها الانخراط  في طابور هذا الافتعال شديد السماجة.

من أجل ماذا كان كل هذا الحزن ياترى؟ الشهداء؟ نحن لا نبكي الشهداء، ولا يجوز الحداد على شهيد؛ فلقد نال مجد الاستشهاد بهذا الوعد الإلهي الذي نجده في سورة البقرة آية 154: "ولا تقولوا لمن يٌُقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون"، وبالآية الكريمة رقم 169 من سورة آل عمران: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون"، "لا تحسبن" ناهية عن الظن بأن الشهداء أموات، و"بل" تأكيد قاطع بأنهم "أحياء" لديهم الرزق من رب العالمين، وعندهم الفرح والبشر بنعم الله وفضله جلّ جلاله، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فما معنى تلكمو المشاهد الكابوسية التي يتزعمها فريق الفن "السياسي" بقيادة خالد يوسف والراقصة الاستعراضية السابقة شريهان؟

×  نصرة لله والرسول، ودعما لثورة الشعب المصري، وحماية لمصرنا الغالية؛  شاركت، السبت الماضي، الموافق الأول من ديسمبر 2012، في التجمع الشعبي المدافع عن اختياره الانتخابي الحر وغير المزوّر، أمام جامعة القاهرة عند ميدان نهضة مصر، ردا على من وقفتُ أصد حشدهم ضد الإسلام العزيز قبل 25 يناير 2011، وأصد اليوم نفاقهم، وأناشد ثوار ميدان التحرير ألا ينخدعوا بمن يدّعون وصالهم، هؤلاء الذين سبق ونزلوا الميدان، بعد 25 يناير 2011 بأيام قليلة، تحت لافتة "لجنة الحكماء" بنية نزع فتيل الثورة!

إنهم يتنادون الآن بالعصيان المدني، محاولة جديدة ، أشد خطرا وأكثر نزقا وسفها وخيانة، تدعو لحرق الأخضر واليابس، لتحقيق ما فشلوا في تحقيقه من قبل، إنهم أعداء الثورة فاحذروهم؛ يسرقون لسانكم، ويختلسون إرادتكم، ويشوّهون أهدافكم ليبلغوا مالا ترضون، ويستغلون معارضتكم الشريفة لمآرب أنانيتهم وأحقاد فشلهم الانتخابي، لا يرقبون في مصرنا إلاً ولا ذمّة؛ ما تحسبونه موسى هو الفرعون، وما تحسبونه عيسى هو السامري يصنع عجلا له خوار لينصّبه رئيسا بديلا عن رئيسنا المنتخب، الذي كان له شرف الفوز بـنسبة 51% لاغير دليلا على أنها إنتخابات نزيهة، وليست كالمزوّرة  بنسبة 999% التي عوّدونا عليها على مدى 60 سنة.

بسم الله الرحمن الرحيم "ولما رءا المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا اللهُ ورسولُهُ وصدق اللهُ ورسولهُ وما زادهم إلا إيمانا وتسليماً"، صدق الله العظيم، الأحزاب 22.


الجمعة، 7 ديسمبر، 2012

هل رأيتم؟

شروط إذعان لرئيس مُنتخب من مُدّعين لا صفة لهم!

شروط إذعان من جبهة إحراق الوطن؛ برئاسة عمرو موسى ومحمد البرادعي وحمدين صباحي وليلى علوي ويسرا وشريهان وإلهام شاهين وخالد يوسف وخالد الصاوي! لا لم أقرأ إلى الآن اسم الراقصة فيفي عبده ولا الراقصة دينا!

ياحلاوة! وهناك المزيد من العجب الهباب؛ من الذين يرفعون صورة الديكتاتور الأكبر عبد الناصر في احتجاجهم على "ديكتاتورية" الرئيس المنتخب!

اللهم ارزق إبنتي الهداية.

اللهم خذ مصر إلى بر النجاة والأمن والأمان بحولك وقوّتك يا رب العالمين.

اللهم انصرنا بالإسلام واكرمنا بطاعتك.

الوردة البيضاء

الذي يخاف على نفسه من نثر قشر اللب بوجهه عليه أن يحل مشكلته بشكل شخصي؛ صار المذياع المرئي، واسمه الشائع هو "التلفزيون"، يسبب لي فزعا لا يحتمل حتى أنني لا أغامر بمشاهدته إلا في النادر، ومن هذا النادر أن يتم الإعلان في ذكرى عبد الوهاب و أم كلثوم وأسمهان وليلى مراد ورجاء عبده ونجيب الريحاني عن عرض لأفلامهم؛ إذ تستهويني فيها رؤية شوارع القاهرة في الثلاثينيات والأربعينيات، كما يستهويني نسق الأثاث والعمارات والشقق ولغة الحديث ونطق الكلمات، فوق حلاوة غناء عبد الوهاب وأم كلثوم وليلى مراد ورجاء عبده وأسمهان وعبقرية نجيب الريحاني التي لم تتكرر حتى يومنا هذا.

البعد الزمني لهذه الأفلام، الذي قد يتعدى نصف القرن، يحقق الانفصال المرغوب عما نشاهده فنلاحظ أبعادا جمالية، لم تكن مقصودة غالبا. لأم كلثوم أفضل فيلمها "نشيد الأمل"، وأفضل لعبد الوهاب فيلم "الوردة البيضاء"؛ نرى الممثلة سميرة خلوصي أمام عبد الوهاب لا تتكلم كثيرا وإذا تكلّمت فبعبارة أو عبارتين لا لزوم لهما، مثلا تسأل عبد الوهاب: "ده دفتر تليفون؟" فيرد قائلا: "أيوه"، فتقول: "عندنا واحد زيه فوق"! ولا بد أن نضحك، ليس برفض الركاكة بل لتحبيذها لأن الركاكة هنا واقعية جدا، فهكذا تماما يبدو المحب ركيكا عندما يريد أن يجر خيط الكلام مع حبيبه فيتمحّك بأي كلام. سميرة خلوصي مع ذلك تقول الكثير بالصمت وبإيماءات رأسها التي تتابعها الكاميرا متابعة ايقاعية رشيقة وغاية في الجمال. إنني أرى سميرة خلوصي بلفتاتها، جريا أو مشيا أو سكونا، هي الوردة البيضاء.

أنا أحب فيلم "الوردة البيضاء"!

السبت، 1 ديسمبر، 2012


نصرة لله والرسول، ودعما لثورة الشعب المصري، وحماية لمصرنا الغالية؛ أشارك اليوم، بحول الله وقوّته، في التجمع الشعبي المدافع عن اختياره الانتخابي الحر وغير المزوّر، أمام جامعة القاهرة عند ميدان نهضة مصر، ردا على من وقفتُ أصد حشدهم ضد الإسلام العزيز قبل 25 يناير 2011، وأصد نفاقهم اليوم، وأناشد ثوار ميدان التحرير ألا ينخدعوا بمن يدّعون وصالهم، هؤلاء الذين سبق ونزلوا الميدان، تحت لافتة "لجنة الحكماء" بنية نزع فتيل الثورة!

إنهم يتنادون الآن بالعصيان المدني، محاولة جديدة ، أشد خطرا وأكثر نزقا وسفها وخيانة، تدعو لحرق الأخضر واليابس، لتحقيق ما فشلوا في تحقيقه من قبل، إنهم أعداء الثورة فاحذروهم؛ يسرقون لسانكم، ويختلسون إرادتكم، ويشوّهون أهدافكم ليبلغوا مالا ترضون، ويستغلون معارضتكم الشريفة لمآرب أنانيتهم وأحقاد فشلهم الانتخابي، لا يرقبون في مصرنا إلاً ولا ذمّة؛ ما تحسبونه موسى هو الفرعون، وما تحسبونه عيسى هو السامري يصنع عجلا له خوار لينصّبه رئيسا بديلا عن رئيسنا المنتخب، الذي له شرف فوزه بـنسبة 51% لاغير دليلا على أنها إنتخابات نزيهة، وليست كالمزوّرة  بنسبة 999% التي عوّدونا عليها على مدى 60 سنة.

بسم الله الرحمن الرحيم "ولما رءا المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا اللهُ ورسولُهُ وصدق اللهُ ورسولهُ وما زادهم إلا إيمانا وتسليماً"، صدق الله العظيم، الأحزاب 22.


صافي ناز كاظم

السبت
1 ديسمبر 2012

فن كتابة:

دندرة

تساءل الدكتور...المهندس الاستشاري والناشط السياسي: لماذا لم نسمع عن حادث قطار طيلة حكم عبد الناصر؟ ثم أرجع ذلك "لوجود الثواب والعقاب"! ( الوطن 20\11\2012 ص 7). لن يكون ردي البدهي: ألا يكفي سيادتك حادث قطار 5 يونيو 1967 الذي دهس الوطن بأكمله؟ لأني أذكرك، والأجيال الجديدة التي يحب البعض إستغفالها بإعادة تشكيل الماضي وكتابة تاريخه وفقا للأهواء، بحادث "دندرة" المروّع الذي وقع على مقربة من القناطر الخيرية حين شهدت مياه النيل فاجعة أليمة في الساعة الثامنة من صباح الجمعة 8 مايو عام 1959 أطاحت بالرحلة النيلية التي نظمها نادي نقابة المهن الزراعية من مرسى روض الفرج فتحوّلت، كما وصفتها الصحف يومها، من نزهة إلى رحلة موت على ظهر الباخرة "دندرة" التي كانت تحمل 200 راكب عندما بدأت تغوص في أعماق النيل وهي على بعد أمتار قليلة من محطة الوصول ولم يستغرق غرقها سوى 15 دقيقة بينما استمرت عمليات البحث عن الجثث أسبوعا كاملا وأسفر الحادث عن غرق 79 من ركاب الباخرة ما بين أطفال ونساء ورجال، وقد هز الحادث، كالعادة، الوجدان الوطني حتى أصبحت "دندرة" كلمة مرادفة لكل حادث مهول فكان الناس تقول، مثلا، "قلبوها دندرة!" بما يعني خراب وكارثة، والغرض من التذكير بـ "دندرة" لا يهدف إلى التهوين من فاجعة حافلة الأطفال التي دهمها قطار أسيوط نهار السبت 17 نوفمبر 2012 لكنه رغبة في أن تتوقف العبارة السقيمة التي تلوكها الألسن: "هذا لم يكن يحدث من قبل"، كلا ياحضرات فكل مايحدث الآن حدث من قبل على مدى السنوات، البعيدة والقريبة، الماضية بالشبر وبالذراع، والذي كنا، فحسب، نود ألا يعود إلينا من جديد بكل أسبابه الروتينية المعروفة؛ وعلى قمّتها الإهمال ابن الفساد المتولّد من خائن المسؤولية قليل الذمّة وقليل الدّين!

"قلبوها دندرة"، أي والله، وهذا للأسف ما أخشى نُذُره في مطالعة "الخناق" الدائر بين عصابات الناهشين قلب الوطن تحت مسميات الدفاع عن "الديموقراطية" و "القانون" و "ودم الشهداء ومطالب الثوار"؛ للأسف مازلنا عند صيحة الشاعر أحمد شوقي قبل وفاته منذ 80 عاما: "إلام الخُلف بينكمو إلاما \ وهذي الضجة الكبرى علاما \ وفيم يكيد بعضكمو لبعض وتبدون العداوة والخصاما؟"  حتى أننا نصرخ اليوم صرخته الخالعة للقلب: "شهيد الحق قم تره يتيما بأرض ضُيّعت فيها اليتامى"ّ!

على فكرة:

× كل الذين انسحبوا من التأسيسية ما كان لهم أن يكونوا بها من البداية؛ من أول لينا الطيبي حتى فاروق جويدة مرورا، طبعا، بوحيد عبد المجيد وأمثالهم.

× البعض يحفظ النظريات ويجيد تسميعها لكنه يعجز عن حل أي مسألة؛ إياك أعني فاسمعي يا هبة رؤوف عزت.

× هناك من يحل المسائل ومن صواب نتائجه نستنبط النظريات.

× لم تعد التغريدات اسما على مُسمّى فقد صارت نعيقا في نعيق.

× الممثلة زبيدة ثروت كانت تملك في يوم من الأيام لقب "جميلة العينين" لكن هذا لايُعطيها حق الخوض في السياسة "عمياني".

× إنني، والله، لأحبّذ ابتعاد الفنانين والفنانات، الممثلين منهم والمخرجين،عن مدار إبداء الرأي في غير شؤونهم تجنبا لكشف فضائح الأمية والجهل والغباء وغياب الوعي المؤدي إلى سوء التقدير؛ الذي دفع فنانة عريقة إلى الاعتراف بأنها كانت ترغب في عمر سليمان رئيسا لجمهورية مصر. يكفيكم أداء المدوّن لكم في "الورق"، وإحراز "بطولات" الأفلام، وتكريم نوادي الليونز والروتاري والإنرويل والروتر آكت.

× هل سمعتم من قال غاضبا على قناة أون تيفي: "صلاة الفجر قاعدة للظهر"؟

صدق الشاعر العراقي مُظفر النواب: "أضحك؟ إيش لون أضحك؟، أبكي؟ إيش لون أبكي؟"!


السبت، 24 نوفمبر، 2012

فن كتابة:

الفئران تلعق من دمائنا حساءها

هذا العنوان مأخوذ من صورة شعرية دقيقة وموجعة جاءت في قصيدة أمل دنقل "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة"، التي كتبها في وقت هزيمة يونيو 1967، حين قال: "لفئران تلعق من دمي حساءها ولا أردها"!

هذه الصورة تقتحمني هذه الأيام، ولا أملك الفرار منها فهي أمامنا جميعا ولم يعد هناك من يحتاج إلى شرح أو كلام، اللهم إلا هؤلاء المغرمون ببث الرسائل السلبية إلى وجدان الأمة لسلبها الوعي بحقها في صد الفئران اللاعقة، بتلذذ، دماءها.

التاريخ يعيد نفسه إلى درجة الملل؛ لا أحد يتعظ،، لا أحد يتعلم، لا أحد يستفيد؛ في ظل كل هذا التوتر والعصبية والتربص الذي تشيعه مذابح واعتداءات وتحرشات الكيان الصهيوني، المدعومة بأمريكا، لضرب هذا وذاك لتغيير خارطة الشرق الأوسط، والوطن العربي، والأمة الإسلامية، وفقا للأهواء الجشعة والشعارات السوقية المبتذلة، تمهيدا لتأكيد هيمنة منطق القوّة الباغية على الكرة الأرضية والتحكم في مقدرات سكانها، وإخضاع الكافة لميزانها المطفف، ومكاييلها السارقة؛ استغرقت في قراءة عدد من مجلة "الهلال"، صدر بتاريخ أول يوليو عام 1940، كان عددا خاصا عن "الحرب"، بمناسبة انضمام إيطاليا موسوليني إلى جانب ألمانيا هتلر، الذي أشعل الحرب العالمية الثانية سبتمبر 1939 واستطاع أن يبقر بطن أوروبا ويتوغل في أحشائها بدعوى إفساح المجال الحيوي للشعب الألماني للتغلب على الوضع الجغرافي "المطوق" لألمانيا، وبناء عليه إلتهم هتلر، خلال فترة وجيزة، النمسا وتشيكوسلوفاكيا وبولونيا والدنمارك والنرويج وبلجيكا وهولندا وفرنسا حتى تهددت إنجلترا، التي كانت الإمبراطورية العظمى المحتلة لبلاد عديدة لا تغرب عنها الشمس. اختارت إنجلترا في لحظة الخطر ونستون تشرشل رئيسا للوزراء في مايو  1940 ليقود جبهة الحلفاء ضد ما تم تسميته دول المحور بقيادة ألمانيا هتلر، وكان تشرشل قد وقف يقول في مجلس العموم البريطاني: ".. فإني لست أذكر يوما من أيام الحرب الماضية كنا فيه أدنى إلى الخطر وأقرب إلى الزوال مما نحن فيه اليوم".

كانت إنجلترا في ذلك الوقت تحتل "مصر"، ويقيم بالقاهرة مندوب احتلالها المعتمد البريطاني، يحكم بلادنا علانية، ويؤكد بوضوح لكل الأطراف أنه السلطة الفعلية العليا بها. ورغم أن الشعور الوطني العام، في ذلك التاريخ 1940، كان قد بلغ ذراه في كراهية هذا المحتل الغاصب المذل لكرامتنا، ويرى أننا لا ناقة لنا ولا جمل في صراع هذه الحرب بين معسكرين مجرمين يتنازعان الأسلاب والسرقات، وقد ترسخ في أعماق أهل مصر، عبر السنوات المهينة المريرة، معرفة الكذبات المفضوحة للافتات "الحرية" و"الديمقراطية" و"الحضارة" التي كانت أجهزة الدعاية البريطانية تصرخ بها، مع حلفائها وأذنابها، مؤكدة ادعاءها أنها تدخل الحرب لتحمي "الإنسانية" من بطش النازية ووحشية الفاشستية، إلا أن الأمر لم يخل، طبعا، من أصوات عربية ومصرية وقفت تساند أكاذيب "الإمبراطورية البريطانية"، ونشرت هلال 1/7/1940 صوتا من تلك الأصوات النشاز، التي لا يخلو منها زمن من الأزمان، بقلم سامي الجريديني، استغرق 5 صفحات يهتف بإنسانية المحتل القاتل لبلاده.

انتخبت "الهلال" مجموعة من أصحاب الأقلام وحددت الكتابة عن "الحرب"، كان أعمقها ما كتبه الدكتور أمير بقطر تحت عنوان: "التطورات الاجتماعية المنتظرة بعد الحرب الحاضرة".

لم يظهر الدكتور أمير بقطر انحيازه لأي كتلة أو معسكر، بل إنه بدا مزدريا لكل مظاهر الحماس المواكب لملعب الحرب ومقولات الزعماء في عصره وما قبل عصره.  و لم يخف شبح ابتسامة تهكم تعتريه بعد كل جملة طنانة يوردها مقتبسة من غيلان الحرب على كل جانب؛ يورد من أقوال اللورد كتشنر في الحرب العالمية الأولى – (1914 إلى 1918) قوله: "الاعتدال في الحرب غباوة، فإذا ما خضنا غمارها وجب أن نوطد العزيمة على ربحها بأي ثمن كان، فلا الحقوق الشخصية، ولا شرف الفروسية، ولا وخز الضمير، يلزم أن يكون حائلا بيننا وبين النصر"! ويبين د. بقطر أن الناس في فترة السلام تنسى الصيحات الخشنة: "تلك العاطفة الحيوانية الوحشية التي لا يزال الإنسان يكنها نحو أخيه الإنسان رغم العلم والنور والمدنية.. يقولون أن الكذب مباح في ثلاثة: الحرب والصيد والانتخابات، بيد أن بعض الشعوب غالت أخيرا في احترام القانون الدولي ومراعاة الآداب الاجتماعية، فكادت تروح ضحية غيرها من الشعوب التي لا ترعى للصدق حرمة، ولا للأمانة ذمة، والتي جاهرت في مناسبات شتى أن الآداب الاجتماعية لا يمكن تطبيقها على الشؤون الخارجية..!" ثم يواصل: ".. أعتقد أن العالم كله سيجعل البنادق والقنابل عمدته........ و ستضطر الحكومات، حتى أشدها ديمقراطية، بالأخذ بشيء من المبادئ المشتركة بين الفاشية والنازية والشيوعية المعروفة اليوم ... دل تاريخ الحروب على أنه سرعان ما تضع الحرب أوزارها حتى تكتسح بلدانها موجة طاغية من الانحلال الأدبي والتفكك الخلقي ... وليس هذا بغريب من الناحية العلمية، إذ أن الطبائع الإنسانية.. الوحشية.. تأخذ في الظهور في أبشع صورها وأخشن ملامسها، كلما طعنت الأزمات طمأنينة الإنسان في الصميم، وهددت كيانه... لا بد أن يختل في ختامها الميزان.... فتصبح الملايين من النساء بغير رجال، ويصبح الملايين من الأطفال بغير آباء، وتباع الكرامة وعزة النفس بأبخس الأثمان... ستظل هذه الفوضى أعواما لا يعلم إلا علام الغيوب عددها، وتظل العناصر الاجتماعية تتفاعل كمواد الكيمياء حتى يصفو المزيج".
...
ما أشبه اليوم بالبارحة، إلا أن تحليل د. أمير بقطر لم يدرك ما تفتقت عنه العقلية الإجرامية الباغية لحل مشكلة "النساء بلا رجال" و"الأطفال بلا آباء"، وذلك بقتل النساء والأطفال في عمليات "الإبادة" المنهجية المسجلة باسم الكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية التي أكدها أوباما، في خطابه بجامعة القاهرة 2009، بقوله: "روابطنا بإسرائيل غير قابة للكسر"!  

الجمعة، 23 نوفمبر، 2012


"الفنطاس" رواية من فن المزاح

رواية "الفنطاس" تأليف الدكتور عمرو عبد السميع، صدرت عن الدار المصرية اللبنانية عام 2003، على غلافها تنويه "من الأدب الساخر" وتقع في 238، وأفضل تعريفها بأنها من "فن المزاح"؛ هذا الفن الذي أجده اللغة المناسبة للتعبير عن الكثير من مآسينا القومية والوطنية والإنسانية.

شخصية الرواية المحورية مهزومة الروح بسبب نشأة مجروحة بالعار والفضيحة ولم تجد لانكسارها سوى قناع الجهامة لتتوارى وراءها وتشق طريقها في دروب الكذب والادعاء والنفاق والتزييف للوصول إلى مواقع السيطرة والتحكم؛ هذه الشخصية اسمها في الرواية "سمير متولي" لكننا يمكن أن نقابلها كل يوم في الحياة بأسماء أخرى قد تختلف في تفاصيلها لكنها تتفق بنتائجها.

"الجهامة" قناع للتفاهة؛ فكما يقول المؤلف: "....الجهامة وثقل الظل صارا بمرور الوقت ومن خلال محن الوطن وانكساراته صنوان لمعنى الجديّة والوطنية حيث، وبحكم التعريف، لاتوجد وطنية مرحة..."! ويصف عمرو عبد السميع إحدى مَلكات بطله "سمير متولي" شارحا: "...المَلَكَة التي رأى سمير ضرورة اتشاحه بها في عمله السياسي هي أن يكون قناصا للفرص، نهّازا لكل نصف مناسبة من أجل التأثير على الناس، ومن ثمّ لفت نظر القيادات، وبالتالي التصعيد السياسي الذي يدخل في روع الناس أن هناك قوى خفية وراءه فينخرطون في سلاسل لانهائية من التأويلات حول قوّته ثم ينصاعون أمام المَرَدَة، الذين خلقوهم، في ذلة وانسحاق عظيمين...".

من الصعب تلخيص رواية "الفنطاس" لأنها ليست حكاية، إنها رصد وتحليل لمن تحايل وتلون واستفاد من كل العصور وبلغ ذروة استفادته حين تمكّن من عبور المحلية ليسمع من يناديه بلقب "دولي" وكان ذلك، وفقا لتأكيد المؤلف: "بعد أن أصبحت الجاسوسية والشذوذ حقّين أصيلين من حقوق الإنسان"!


الأحد، 18 نوفمبر، 2012

فن كتابة:

بل الرقص "عيب" و"حرام"

 "مونودراما" بعنوان "الرقص حرام" مضمونها، كما يقول الخبر، عن راقصة شهيرة "تعقد مقارنة بين طبيعة عملها الذي يُحرّمه الناس وما يرتكبه آخرون من جرائم لا يوصمون معها بالعار على الرغم من أنهم يتسببون في إيذاء الآخرين بأفعالهم"، وهكذا تبدأ المغالطات التي لابد من تصحيحها؛ فالحلال والحرام ليسا بيد الناس، وغير صحيح أن الجرائم التي تؤذي الآخرين لا توصم بالعار.

عندما تصرّح راقصة بأنها تصوم وتصلي وترقص لأن الرقص "لا عيب ولا حرام"،  نفهم أن المسكينة لديها الإيمان لكنها لم تتعلّم دينها على وجهه الصحيح، هي محتاجة أن تفهم أن عليها الاختيار بين الاستقامة على دين الله وبين مواصلة الانكفاء وراء منطق الشيطان الذي يغرر بها حين يسوّغ لها الفتوى الضالة: "الرقص لا عيب ولا حرام"، ومع ذلك فأنا على يقين أنها لو ظلت على إيمانها وصلاتها وصيامها وإحسانها إلى الفقراء فلا بد أن يأتي اليوم الذي يشدها فيه حبل الإنقاذ لتتوب وتؤوب وتنال نصيبها من خزائن رحمة ربنا العزيز الوهاب.

 الذي يتدلى في بئر أو يتسلق الوعر في طرقات الجبال يربط خصره بحبل متين طرفه في يد مشفق أمين يشده، حين الخطر، فلا يغرق المتدلي في البئر، ولا يتوه الشاطح في الجبال أو ينزلق متهشما، هكذا أنظر إلى من يواظب على صلاته وعبادته مع ارتكابه حماقات وأخطاء القول والفعل، فالصلاة والعبادة تكون هي حبل الانقاذ للمؤمن السادر في فتنة الدنيا وزلات أهواء النفس ومكابرة الجدل والمِراء.

يقف المؤمن يردد قنوت وتر العشاء مجددا العهد أمام الله كل ليلة: "...نشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجُرك"، مما يدفعه إلى مراجعة نفسه، وحين يجد أنه لا يخلع ولا يترك صُحْبة الفُجّار يؤلمه ضميره ويصاحبه وخز النفس اللوامة، ثقيلا موجعا، فلا يعود يجد في صُحبة الفجار أو أفعالهم ماكان يُمتعه أو يُسلّيه أو يُغريه، بعد قليل يجده الفُجّار ثقيل الظل ويجدهم غُلظاء؛ فلا ضحكهم يُضحكه ولا مداعباتهم تُلاطفه ولا إنفلاتهم إنطلاقه ولا تحللهم حُريّته؛ تشده صلاتُه إلى الاستقامه لابد، إن عاجلا وإن آجلا، فالله حليم صبور ينتظر الاستغفار ليغفر، والتوبة ليتوب، يطمئن عباده بأنه كتب على نفسه الرحمة ويقول في سورة الزمر آية 53: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم"، صدق الله العظيم.

 بعض العاملين بالمهن التي تُخالف الكثير من حدود الله، مثل التمثيل والرقص وخلافه، يتسابقون إلى أداء العُمرة وزيارة قبر الرسول الكريم، ونلمح نبرات التهكم على ألسنة المُعلّقين الزاعمين أنها رحلات مظهرية للشهرة والمباهاة...إلخ، وأقول: فليكن! إن المباهاة بالتقوى أفضل كثيرا من الجهر بالمعاصي، إن جيلي لايزال يذكر مظهريات نقيضة كان الحرص عليها من مفاخر العصر؛ مثل ديكور "البار"في المنازل والبيوت "المسلمة"، وتقديم المشروبات المحرّمة كأمر عادي مُسلّم به، ورحلات الشتاء والصيف إلى أوروبا وأمريكا ومحاكاة أهلها في الآثام، والتعجب لأن هناك من لايزال يصوم ويصلي، وأتذكر فورا الآية رقم 100 من سورة الاسراء: "قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربّي إذا لأمسكتم خشية الانفاق وكان الإنسان قتورا".

السبت، 10 نوفمبر، 2012


مذكرات طفلة مصرية من 1947  (1)

أكتوبر 1947: اليوم افتتاح الدراسة وبدء عام جديد. احتفلت منذ شهرين بعيد ميلادي العاشر. لقد أصبحت كبيرة ويجب أن أتحمل مسؤولية هذه السنة الدراسية الصعبة؛ سنة ثالثة ابتدائي،  سندرس اللغة الإنجليزية لأول مرة، وسنأخذ دروسا صعبة في الحساب لكي نستعد العام القادم لشهادة الابتدائية، وسيسمحون لنا باستخدام القلم الأبنوس. هذا القلم يستخدمه إخوتي الذين بالثانوي، وهو يجعل الخط جميلا ولا تتسخ الأيدي من الحبر، كما هو الحال مع هذه الريشة، ويمكن أن نكتب به العربي والإنجليزي من دون أن نغير السن. هذا القلم الجديد كله مميزات، لكن مدرس الخط العربي لن يسمح لنا باستعماله. إنه يقول: لكي يتحسن خطك وتتعلم فعلا كيف تكتب الحروف لا بد من استعمال الريشة. وهكذا لا بد أن أحتفظ بريشة سنة ثانية وأشتري سنا عربية لحصة الخط العربي وسنا إنجليزية لحصة الخط الإنجليزي، وأحمل معي زجاجة حبر أسود. الحبر الأزرق ممنوع. مازلت أسعد حظا ممن كانوا يستخدمون شيئا اسمه القلم البسط.

نوفمبر 1947: ضاع مني اليوم قلمي الأبنوس الغالي. بكيت لماما لكي تشتري لي غيره. رفضت وقالت لن أشتري لك كل يوم قلما بثلاثين قرشا ثمن ثلاثة أرطال من اللحم. نعم كان يجب أن أحافظ على كنزي الغالي، فثلاثين قرشا ليست مبلغا سهلا. لا بد أن أحرم نفسي من رحلة حديقة الحيوان وأقتصد الخمسة قروش، وكذلك رحلة الأهرامات وأقتصد العشرة قروش، حتى أستطيع أن أعوض الثمن الباهظ  لقلمي العزيز. الحمد لله انه أرخص الأنواع، فقلم إخوتي بعشر رحلات إلى الهرم، أي جنيها كاملا.

ديسمبر 1947: البرد شديد اليوم. تمنيت أن تنتهي الحصة الثالثة سريعا حتى تأتي الفسحة، وتمنيت لو كنت مازلت بروضة الأطفال؛ في روضة الأطفال كانوا يقدمون لنا  الكاكاو باللبن ومعه بسكوت جميل بالسمسم. الحقيقة أن سنوات الروضة لا تعوض. كل شيء في الروضة كان جميلا، كانوا يقدمون لنا في الفسحة الصغيرة الكاكاو باللبن والبسكوت والموز، وفي فسحة الغداء كنا نأكل الأرز باللحم المفروم. للآن لم أذق مثل هذا الأرز اللذيذ. ورغم أنني كنت لا أحب الكوسة إلا أنهم كانوا يصنعونها بطريقة مدهشة تنسيني تماما أنها كوسة. وكانت الفاكهة برتقالا أو يوسفيا أو موزا أو تينا، كنت أسمع أنهم فيما مضى كانوا يقدمون التفاح. ذات مرة ظلوا أسبوعا يقدمون لنا فاكهة التين فقط، ولأني أحب التين لم ألحظ ذلك حتى نبهتني الطفلة التي بجواري قائلة: إيه ده؟ كل يوم تنتين تنتين تنتين، فتصورت أنها تقصد صوت الجرس كل يوم: تن تن تن، تن تن تن، فقلت لها: طبعا لازم الجرس يدق كل يوم وكل حصة وكل فسحة!

فاصل وأواصل المرة القادمة إن شاء الله.
لساني حصاني:

يوم الجمعة حلو ونادي (2)

 رغم أن روضة الأطفال التي قضيت بها دراستي للروضة لمدة ثلاث سنوات، كانت مدرسة حلوة إلا أنني كنت دائما أتمنى لو كنت بروضة أطفال كوبري القبة أو قصر الدوبارة، السبب أن روضة قصر الدوبارة وكوبري القبة كانتا أشهر روضتين للأطفال، لأنهما كانتا من نجوم برامج حديث الأطفال بالإذاعة،  وما زلت أذكر أغنية خفيفة الدم لأطفال روضة كوبري القبة: "يوم الجمعة يا يوم الجمعة/ حلو ونادي وشمسك طالعة/ بنبطل ما نروحش الروضة/ وبنلبس فساتينا المودا/ وتفوت ست ايام نستنى/ يوم الجمعة يا يوم الجمعة".

كنت أحلم دائما في حصة الموسيقى ونحن نغني: "لا تخافي يا حمامة/ والقطي الحبّ الكثير/ ثم عودي بالسلامة/ واشكري الله القدير"، أننا في برنامج حديث الأطفال وبابا شارو يقول:  "سمعتم دلوقت غناء اخوتكم أطفال روضة العباسية". كيف لم يعرف بابا شارو أن روضة العباسية مدرسة مهمة وأن التي تعلمنا فيها أبلة إحسان أبو زوبع مؤلفة كتاب "قراءة الأطفال"، الذي يتعلم منه كل تلاميذ الروضة  في مصر كلّها من سنة أولى وعمرهم خمس سنوات حتى سنة التخرج حين يتركوا الروضة وعمرهم سبع سنوات لينتقلوا إلى المدرسة الابتدائية؟

لا بد أن نسمع في برنامج حديث الأطفال بالإذاعة أغنيات من كل المدارس وليس فقط من مدرسة كوبري القبة ومدرسة قصر الدوبارة، لا بد أن أكتب لبابا شارو في هذا الموضوع.

يناير 1948: عرفت اليوم أن الكاكاو باللبن والبسكوت أبو سمسم والأرز باللحم المفروم ليست أهم شيء في الوجود. سمعت إخوتي الكبار بالجامعة يتحدثون ويقولون إن مجانية التعليم في مدارسنا الحكومية شيء ضروري وعاجل. لا بد أن يذهب كل طفل إلى المدرسة. لا بد أن يقدم العلم للجميع. طبعا العلم لجميع الأطفال أهم من الكاكاو باللبن لبعض الأطفال.  وسمعت إخوتي يرددون أبياتا من قصيدة ألقاها متظاهر اسمه محرم وهبي، في مظاهرة من المظاهرات التي تجوب الشوارع كل يوم، أعجبتني فحفظتها: "يا أيها الوطن العزيز أما كفى/ عظة تعاود أن تنام فتؤسرا/ كم من حوادث نبهتك خطوبها/ فغفلت حتى الغرب باعك واشترى/ أسفي على الشرق العزيز وأهله/ يأتون ما حط البلاد وأخرا/ لا يعرفون الحكم غير غنيمة/ وسعت محاسيب الرجال كما ترى/ يتخاصمون إذا المآرب عطلت/ فإذا انقضين فلا خصام ولا مرا/ كل يريد لدى البلاد زعامة/ يسمو برايتها ويعلو المنبرا"!

 ونواصل المرّة القادمة إن شاء الله.

لساني حصاني:

من علّم الخروف أن ينطق الحروف؟  (3)

فبراير 1948: طرت اليوم فرحا، جاءت إلى مدرستنا تلميذة جديدة محوّلة من مدرسة أهلية، جاءت إلى فصلنا وأجلسوها إلى جواري واكتشفت المفاجأة: هذه التلميذة هي زهرة عباس التي تغني في برنامج بابا شارو مع فرقة عش العصافير. فرحت جدا فأنا أولا أحب صوتها، ثم أخيرا أصبح هناك من يمثل مدرستنا في برنامج حديث الأطفال. صحيح أن بابا شارو لن يقول زهرة عباس من مدرسة العباسية الابتدائية، لكنها صارت من مدرستنا هي وأختها الصغيرة سوسن على كل حال. طلبت منها أن تضمني لأغني مع فرقتها ورحبت قائلة إن الفرقة محتاجة لأصوات أطفال كثيرة لأناشيد وطنية خاصة بفلسطين، وسوف تأخذني لأتعرف على اختها الكبرى بلقيس التي تعزف على البيانو وعلى بقية أطفال الفرقة. سأتعرف أيضا على الأستاذ أحمد خيرت، الذي يؤلف ويلحن جميع الأغنيات التي تقدمها فرقة "عش العصافير" وفرقة "بيت الفن".

الأستاذ أحمد خيرت هو المؤلف والملحن للفرقتين، إلا أن كل فرقة لها شخصيتها. زهرة هي نجمة "عش العصافير" ونجاة الصغيرة هي نجمة "بيت الفن"، ولو أن نجاة الصغيرة بدأت تغني أغنيات الكبار وسمعنا أنها ستصبح مغنية محترفة خارج برنامج الأطفال. واضح الآن وهي تغني عند بابا شارو "طوفوا ببيت الله يا معشر الحجاج" أنها تقلد أم كلثوم ولا تغني مثل الأطفال، وكذلك اندهشنا من غنائها كلاما مثل: "أنا عاوزة ألعب وأغني، مدام فؤادي متهني، غني يا بلبل فوق غصنك، وريني فنك من فني، وحياة عينيك تسأل عني"، لقد أحرجتنا هذه الأغنية تماما خاصة كلمة "وحياة عينيك". الطفلة الظريفة في بيت الفن هي سعاد حسني التي تغني "من علم الخروف، أن ينطق الحروف، فقال ماء ماء، وما درى الهجاء"، وتغني "أنا سعاد أخت القمر، بين العباد حسني اشتهر".

ونواصل المرّة القادمة إن شاء الله.

لساني حصاني:

حكاية جُحا والصّبيان  (4)

مارس 1948: أخذتني زهرة عباس إلى بيتها في شارع فاروق. ذهبت مع أختي فاطمة التي تستعد لشهادة الابتدائية، إنها تكبرني بقليل لكنها تتصرف معي كأنها أستاذة لمجرد أنها تدرس حساب المائة، وتشبك الحروف في الكلمات الإنجليزية التي ما زلنا نكتبها منفصلة. ماذا ستفعل معي العام القادم عندما تكون هي بالمدرسة الثانوية وأكون أنا مازلت بالمدرسة الابتدائية؟ الذي غاظني منها اليوم وجعلني أبكي بدموع حقيقية تصرفها في بيت زهرة. قالت زهرة للأستاذ أحمد خيرت إننا نريد أن نغني مع الفرقة. سأل الأستاذ أحمد خيرت أختي كم عمرك قالت: 12 سنة، وسألني فقلت: عشر سنين، فجلس على البيانو وقال: من التي تريد أن تغني؟ كان يجب على فاطمة أن تنسحب وتشير إليّ لأنها تعرف أنني أنا التي أعرف أغني، لكنها طبعا أستاذة في الابتدائية تدرس حساب المائة وتكتب الحروف الإنجليزية بالمشبك، تقدمت هي إلى الأستاذ أحمد خيرت بعد أن دفعتني بعيدا، وقالت له: أنا!  وكان ما توقعت فبمجرد أن سمع الأستاذ أحمد خيرت صوتها قال لها: بس! وقرر أن نغني مع المجموعة فقط : "فلسطين لبيك نحن الفدا، وهذي الجحافل شحب الردى"! ولم يحاول أن يعطيني الفرصة ويمتحن صوتي.

خسارة الأحلام التي حلمتها قبل أن أقابله في أن يلعلع صوتي من الراديو بعد أن ظللت أسبوعا أغني في الحمام وأتدرب على أغنيتي المفضلة: "قد قيل للصبيان/ جحا اشترى خروفا / فجمّعوا جُموعهم/ ووقّفوا صفوفا/ وكلما جر جحا خروفه تعجبوا/ وقال منهم قائل/ هذه أمور عَجب/ كيف تجر يا جحا/ كلبا وأنت طاهر؟/ فترك الحبل لهم/ وعاد وهو حائر"!


والسلام ختام!
فن كتابة:

الراقصة والإسلام "المُعتدل"!

سنوات طويلة مضت منذ مشاهدتي راقصات محترفات يرقصن في الأفراح؛ ربما كان ذلك منذ كنت طفلة وكانت الأفراح تقام في البيوت في الردهات الواسعة أو فوق أسطح المنازل التي لم تكن ترتفع أكثر من ثلاثة طوابق، ولا أزال أذكر لمحات من تلك الأفراح حضرتها عند بعض معارفنا وكانت الراقصة تعتلي منضدة وترقص وهي تغني "خاين ياغزالي خاين كَل عيشي وملحي وخلا بيا"، و تشعرني بالبؤس والجزع والرغبة في البكاء شفقة عليها وهي تُمتهن بوضع النقود ملتصقة بجبينها أو صدرها وأتمنى لو توقفت عن رقصها وغنائها أو قرر أهلي ترك المكان، منذ ذلك الحين لا أتذكر أنني حضرت حفلا به راقصة حتى جاملت، منذ سنوات، صديقة لي بحضور حفل زفاف نجلها في واحد من فنادق القاهرة الكبرى ظهرت به الراقصة فيفي عبده مختلفة تماما عن تلك الراقصة المنسحقة صاحبة الغزال الخاين؛ استولت الراقصة على الساحة وأصبحت المستضيفة للعروس والعريس وأم العريس ووالده وأم العروس ووالدها، تأمر فتطاع هذا يغني وهذا يتكلم وهذا من هنا يسير وهذا يقف وذاك لا يتحرك، كل شئ من حقها، لا تترك الساحة إلا لتأتي بثوب جديد ورقصة جديدة كان منها "رقصة العوالم"  تقدم فيها لقطات من حياة "عالمة" أسطى معها صبيها المخنث يقدم لها الشيشة لتدخن تمهيدا للدخول في طقوس البخور لحماية "العالمة" من الحسد، وكان أن وضع الصبي المبخرة على الأرض لتمر عليها الراقصة العارية وهي تمضغ في تهتك كلمات التسابيح الطاهرة: "الأولة بسم الله والثانية بسم الله...... حتى السابعة بسم الله، رقيتك رقوة محمد بن عبد الله،  وحصوة في عين اللي شافك وما صلاش ع النبي!".

 نعم لهذا الحد كانت الاستهانة بذكر الله والنبي الكريم قد بلغت مبلغها أمام الحاضرين بين متأفف في صمت مستكين للورطة متحرج من الانسحاب، ومن لبسته مقولة "دعنا من التشدد تشجيعا للإسلام المعتدل" فتصور أن تلك الصيغ المقدسة صارت "فولكلورا"  له حصانة "حرية الإبداع"؛ بعد أن شاعت لوحات الرقص التي تصور الموالد والكل يهتز على إيقاع "الله الله الله"، والصياح بـ "الله أكبر..الله أكبر" في مجال العبث والهزار، والترخص الذي دفع بعادل إمام إلى إستباحة أجمل مقولة نطقها المسلمون الأول وهم تحت وطأة التعذيب: "أحدٌ أحد"، قالها سيدنا بلال الحبشي، مؤذن الرسول، وأرتجف لها وأنا أكتبها الآن، لكن السيد عادل إمام كان قد وجدها، في عديد من عروضه، محكا للمزاح والسخرية؛ يقولها فيضحك الناس من دون وخز لتأثم ومن دون ادراك لذنب استشعره الناس اليوم حيال فيلم اسمه "عبده موتة" لم تزد إهانته للمقدسات عن تراث من  الإهانات الجسيمة سكتت عنها طويلا أجهزة رقابية، أزهرية ومدنية، لم تكن تسكت عن إهانة من كانوا يستحقون الإهانة.




الأحد، 4 نوفمبر، 2012

فن كتابة:

بالوظة ابرهيم نافع

أخيرا تم فتح باب التحقيق مع الأستاذ ابرهيم نافع في أمور ليس بينها موضوع "بالوظة"، الذي يهمني على مستويين عام وخاص، ولا يبدو، حتى الآن أنه قيد إهتمام نقيب الصحفيين الأستاذ ممدوح الولي.

 الحكاية بدأت  ونحن نستمع "بكل ثقة" إلى السيد النقيب الأستاذ إبراهيم نافع يزين لنا الإشتراك في مشروع "بالوظة" في اجتماع حضرتُه، منذ مايقرب من 17 سنة، في القاعة الكبرى بمبنى النقابة القديم، أبو جنينة، لنتملك مسكنا صيفيا يفوق في جماله وراحته ومكسبه مشروع الساحل الشمالي، الذي لم يكن لمعظمنا أي مشاركة فيه، وهل كان من الممكن ألا نثق؟ كلا ياسادة وألف كلا، فإذا لم نثق بنقيبنا وبنقابتنا فبمن نثق؟.

 أقر وأعترف أنني لست من هواة المشاريع من هذا النوع، وأشهد أنني أصلا لم أكن قد سمعت عن "بالوظة" هذه إلا حين ذكرها، ببشاشة وشغف، السيد النقيب إبرهيم نافع، وهو يصف لنا بالخرائط تفاصيل جمال الموقع وقربه من القاهرة و"التساهيل" الموعودة و المؤكدة لإتمام المشروع "اللُقطة" في غضون عام أو عامين، بس وعنها: وقعت في الفخ، وهل كان من الممكن ألا أقع؟ كيف؟ إنه نقيبنا يا سادة، الحارس على مصالحنا والأمين على أموالنا، فهل كان هناك ثمة مجال لسوء الظن والإسترابة في ضحك على الذقون؟ كان معنا كل الحق أن نصدّق وأن نثق فكان أن دبّرت بالطول وبالعرض المبلغ المطلوب، وهو 8 آلاف جنيه، وأن أدفعه، ألفا تنطح ألفا، للإشتراك المبدئي في تلك "البالوظة"!

بيْد أنه منذ ذلك الفخ الذي نصبته لنا بشاشة النقيب إبراهيم نافع ووعوده التي في الخيال وصدقناها، إذ لم نتوقع مطلقأ أن  تتشابه بأي حال من الأحوال مع وعود الشركات النصّابة التي نقرأ عنها في صفحات الحوادث، ومازال لسان حالنا يقول كما تقول الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان  في قصيدتها عن الحقوق الضائعة:"ما زلنا في غرف التخدير على سُرر التخدير ننام، والعام يمر وراء العام وراء العام وراء العام، والأرض تميد بنا والسقف يهيل ركاما فوق ركام، والكذب يُغطّينا من قمة هامتنا حتى الأقدام، يا قوم إلام وحتّام ياقوم إلام وحتااااااااااامممممممممم!".

سنوات شالتنا وسنوات حطتنا، ونقيب يأتي ونقيب يروح، ونحن نبل ونشربها أوراق إيصالاتنا التي تفيد بما دفعناه، و للعلم هناك من دفع أضعاف مادفعته، نفتح السيرة مع كل مرشح في إنتخابات النقابة: ياناس طيب هاتوا فلوسنا! والرد: أصلنا إشترينا بها أصولا! ولماذا  اشتريتم؟ كان لازم! وما العمل؟ سنحاول بيع هذه الأصول وهناك بالفعل مشتر! يعني  خير؟ طبعا خير خييييييييييييير! ونتلقي الوعود الخلابة حتى تنتهي الإنتخابات ثم نعود لننام على سرر التخدير؛ لا أحد يهتم  فلا حيلة ولا حياة لمن ننادي!

ثمانية آلاف جنيها لي في ذمة نقابتنا، أشهدكم عليها إخوتي في "المواطنة"، أرجو أن  يجيئ يوم تتسلمها ابنتي من بعدي، فلا يبدو أنني  سأنالها بنفسي مهما إمتد بي العمر، أما حضرة النقيب السابق إبراهيم نافع ومن بعده حضرات النقباء، على مدار السنوات المنصرمة والقادمة، فأهلا بهم في زمرة أكلة الحقوق، "إذا وقعت الواقعة"، قريبا إن شاء الله من غير مقاطعة!




السبت، 27 أكتوبر، 2012

فن كتابة:

المشير محمد حســين طنطاوي

لست أمّ العرّيف، ولا أدّعي مستندات ووثائق، ولم ولن أقابله في حياتي، لكنني ،بإحساس داخلي، رأيته؛ المشير "محمد حسين طنطاوي"، منذ تتابعت أحداث ثورة الشعب المصري في 25 يناير 2011، مثال: "رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه"، وهذا الرجل المؤمن من آل فرعون ذكره القرآن الكريم في سورة غافر آية 28 لنعرف أن هناك دائما في دائرة الظالمين والقتلة واللصوص مَنْ يكتم تأييده للمظلومين وتعاطفه مع المقهورين ويُخفي رفضه للمفسدين وغضبه وقرفه من مُمارسات غرور السلطان وتجبّره، في مسايرة مؤقتة، حتى تحين فرصة مؤازرة الحق فيكونون عونا لنصرته.

 حتى الآن لا أستطيع أن أميّز صوته من بين الأصوات؛ فهو ليس كثير الكلام وإن تكلّم فهو خفيض النبرة مختصر موجز مباشر الهدف نحو البؤرة المطلوبة من الخطاب. قادر على كتمان غضبه من دون محاولة لإنكاره، لا يبتسم ولا يتجهّم؛ له سمت مُحافظ مهذب تساعده عليه ملامحه الدمثة التي خلقه الله عليها. كان من الممكن في ساعات البغتة الثورية أن ينحاز إلى الذين أمروا بقطع الاتصالات الهاتفية والحاسوبية وأطفأوا الأنوار ليشيعوا الارتباك والفزع بين الشعب الذي خرج يقول حقي برقبتي، لكنه آثر في تلقائية حاسمة أن يكون مع منطق الرجل المؤمن: "أتقتلون رجلا أن يقول ربيَ الله" ،فلم يتحسس عنقه، تحسبا لنتائج كان من المؤكّد أن تطيح برأسه، بل انطلق بقلب شجاع ينبض بتساؤل مخلص: أتقتلون شعبا انتفض لكرامته ولم يخش في سبيل ذلك كائنا من كان؟

 صدّقت تأكيداته كلّها؛ أن لا رغبة له في السلطة، (سلّمها بالفعل 30 يونية 2012 من دون جلبة في يسر وسلام)، أنه مرحلة انتقالية وليس "حُكما" لـ "عسكر"،( نعم لم يكن "عسكر" كالذين حكمونا بالفعل على مدي 60 عاما وطغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد، وهناك الآن من يحاول بعثهم بعثا رثّا  بجهلهم وغبائهم وأنانيتهم وتلعثمهم في كل الأمور)،  تلطمنا المذبحة من شارع لميدان، وأرى جزءا منها بعيني من شرفتي المطلة على ميدان العباسية، وأصدقه في تكرار قسمه أنه لم ولن تمتد يده لقتل مواطن مصري، ناهيك عن ثوار أجلاء ساندهم منذ اللحظة الأولى، لأنني تعرّفت عليها في الحال: تلك بصمة اللصوص والقتلة، فالثعابين وبيض الثعابين الذي يفقس كل لحظة بأفواج من الفلول مختلفة الألوان والأشكال والسموم واللدغات تنسل مواصلة تقديم خدمات الفتن والفوضى المأمولة خلاقة وخناقة، ومنهم من لبس قناع الثائر وسارع في الأيام الأُوَل للثورة بتشكيل مجلس حكماء ذهب إلى كتلة الشعب الطيب بميدان التحرير بنية سوداء حمقاء لنزع فتيل الثورة، على حد قولهم صراحة وفضاحة، ومنهم من ظل يُحرض للضرب بيد من حديد مع شعلات لهب العين الحمراء، ومنهم من ظل يسفه مقولة "شرعية الثورة" و"الشارع لا يريد"وهي تنديدات تتجدد إلى الآن يرفع لواءها على السمان!

 نفض عن كتفه فتنة المديح، حين نُسب إلى محمد حسنين هيكل قوله، الذي امتعضت له، أنه لا يتحرج من  اعتبار المشير طنطاوي رئيسا للجمهورية، وتجاوز عن الكثير من الاتهامات، التي حمّلته أوزارا ما أنزل الله بها من سلطان؛ تناثرت بها مفردات ككرات النار عن صفقات وتحايلات واتفاقات وخبايا وأسرار.................إلخ إلخ إلخ!

لا أصدق حتى الآن سوى إحساسي أنه حرس مصر من شرور مستطيرة كانت على الباب تنتظر غفلة أو تخاذلا وتقدم للإنقاذ في نبل لايريد من مخلوق جزاء ولا شكورا.

اليوم 27 أكتوبر يسبق عيد ميلاده السابع والسبعين يوم 31 أكتوبر 2012، فكل عام وهو طيب.

الأحد، 21 أكتوبر، 2012

فن كتابة:

الفنان ميّت يتسلّى بالخلق

وصلت أخيرا إلى شجاعة الاعتراف بأني أكره الفن. الشعور أنا متأكّدة منه وإن كان التعبير عنه لم ينضج تماما على لساني، قليلون جدا الذين عبّروا قبلي عن مدى كراهيتهم للفن ولذلك فإن تراث التعبير في هذا الموضوع قليل وغير متوفّر وهذا يجعلني رائدة في الحقل وهو أمر شاق، ومُقلِق إلى حد ما، وكل الذي وصلت إليه للآن هو خطوط عامة للفكرة تجري كما يلي:

 الاعتراف بأني أكره الفن. رأيي أن الفنان ميّت يتسلى بالخلق؛ لقد وصلت، لدهشتي، إلى ملاحظة أن الفنان إنسان فشل في تحقيق الحياة فهرب إلى الابداع، وملاحظة أن الإنسان المتكامل السعيد هو الذي حقق حياته ولا يمكنه الخلق الفني لأنه شبعان. وغالبا ما يصل صمم الفنان عن الحياة؛ التي هي زرع وحصد وثأر وحب ومثالية وبدائية وعرق وتعب ورجل وامرأة وانجاب أطفال وموت، إلى عجزه عن الاحساس باللحم والدم فنرى عطفه على بطله الذهني أو تمثاله أو لوحته وقلقه على أسلوبه وقوالبه أكبر جدا من عطفه وقلقه على أقرب الناس إليه، وغالبا، كذلك، مانجده لا يهتم بمتابعة الصحف لأنه يفضل العزلة ويكره البشر؛ يتحايل عادة باتهامات شتى يبرر بها كراهيته للبشر، وأكثر الاتهامات شعبية وانتشارا اتهامهم بالتفاهة وعجزهم عن الفهم وبلادة الحس بينما هو غارق في الشفقة على نفسه التي يعتبرها طبقة أرفع من الآخرين وجديرة باستثناءات خاصة.

في كل مطالبة باستثناء أو امتياز يخبث عادة النتن، وهذا هو جبروت الميّت حقا، مما يجعل أمر تقديس الفن من بواعث الضحك  جدا: الفن هو الكفن الذي يجمع رفات الميت، ( الذي يكون أحيانا مُحنّطا إلى درجة بارعة لا يبدو فيها الميّت ميّتا).

لن يوافقني أحد على هذا الرأي؛ فالذين باع لهم الفنان الأوهام منذ عصور تاريخية قديمة من الصعب عليهم أن يعترفوا بسذاجتهم البالغة مبلغ الحماقة، ولكن كل إنسان كامل جمعته صداقة أو قرابة أو زواج أو تعامل مع فنان يستطيع أن يشهد بأن معاشرته مملة للغاية، وهناك الروايات التي تدور حول خيبة الأمل التي تنسكب على كل من قابل فنانا سبق أن أعجبه فنه.

( هذا بعض ماكتبته في بيتي بمدينة نيويورك وأنا أنتهي من استكمال  شهادة الماجستير في نقد المسرح التي حصلت عليها ،للعلم وليس للمباهاة، من جامعة نيويورك يونية عام 1966، ولم يكن هناك ساعتها أي حس أو خبر عن تيارات إسلامية مؤثرة تغسل الدماغ من بعيد أو قريب بل على العكس تماما؛ كانت التيارات اللادينية من جوقة اليمين واليسار هي المهيمنة على أروقة الفن والثقافة في كل بقاع الدنيا، ولم تمنعني، ولم تُحرّضني بالتأكيد، تلك الأجواء من قولى هذا في شأن الفنان، كما أنها لم تمنع الماركسي برتولد بريخت من أن ينتصر لرأي قاضيه "أزدك"، في مسرحيته "دائرة الطباشير القوقازية"، الذي حكم بإدانة إمرأة إشتكت متحرّشا بها قائلا لها: "إنك يا لودفيكا بإسرافك في أكل الحلوى والطعام عامة، وبمكوثك طويلا في الحمام في الماء الفاتر، وبكسلك وبشرتك الرخوة، قد هتكت عرض هذا الولد، هل تظنين أنك تستطيعين أن تتمخطري في كل مكان بمثل هذه الأرداف ثم تخدعين المحكمة؟ إن هذا إعتداء منك مع سبق إصرار بسلاح ممنوع"! ).

السبت، 13 أكتوبر، 2012

فن كتابة:

نشيـــــــــد الاستبداد

أَكَلَنا النّملُ الأبيض على مدى 60 عاما فقضى، تدريجيا، على أخضرنا ويابسنا وترك بلادنا مُجوّفة، نعم "مُجــوّفــة"؛ هيكلها الخارجي يبدو كأنها بكامل صلاحياتها تحتاج  فحسب ترميما هنا وإصلاحا هناك ويُظن أنه مع الجهد والصبر تتعدّل الأمور، لكن هذا تصوُر فيه الكثير من التعامي عن الواقع الصعب الذي خلّفته لنا جحافل النمل الأبيض بنهشها محاصيل الحاضر ومخزونات المستقبل نهشا طماعا نهما، لم يرع فينا إلاّ ولا ذمّة، لم يتوقف لحظة، ولم تزل فلوله حتى الآن؛ فلول الحقبة الناصرية ومن بعدها فلول الساداتية حتى لحقتهما فلول مبارك وسوزان والأنجال ومن يلوذ بهم، تواصل الشمشمة لعلّها تتنبّه إلى عود لم يكتمل مًصه فتلحقه بالازدراد حتى لا يتبقى من الأمل شيئا، ولا يغرّنا التشاجر والتخاصم والتعارك فيما بينهم فكله حراك التنافس بين كتل النمل المتوحشة.

لا تكف فلول حقب الاستبداد المتتالية عن الجعير بنشيدها الذي يُعلي من قيم أساليب: "العين الحمراء" و "الضرب بيد من حديد" وبقية العبارات الطنانة التي مُفادها: "الشعب إتمرع إديله على دماغه إحنا مش عاوزين حاكم يكون بابا جدو عاوزين واحد يعيد هيبة الدولة كفاية فوضى!"،  وهنا يجد  نشيد الاستبداد فرصته ليعلو بعقيرته يشيد بأمجاد السفاحين واللصوص الذين مروا على بلادنا عبر العصور؛ مبادرين بالطبع بذكر السفاح محمد على الجزار؛ الذي لم يقتل الأمراء المصريين، (المماليك)، وحدهم بل ظل يعتمد سياسة قتل كل من ظن أنه عقبة في طريقه أيا من كان: جماعات وفرادى، هذا الذي احتقر الشعب المصري وكان الود ودّه أن يستبدله بمجموعة من الأجانب لم تخرج عن كونها عصابات جهولة من صعاليك أوروبا، وارجعوا في ذلك إلى شهادة الشيخ محمد عبده التي سجّلها في مقاله بجريدة المنار 1902 بعنوان: "آثار محمد على في مصر"، ملخصا دور ذلك المحمد علي،  باعث مصر الحديثة المزعوم، بأنه "لم يستطع أن يُحي ولكنه إستطاع أن يُميت"!

ويأخذنا نشيد الاستبداد لنجد أنفسنا، في وهدة "التجويف"، أمام نمل أبيض يتخلق من رماد استبداد مندثر، تخضبت يد "زعيمه" بقتل العلماء الذين خالفوه الرأي، وزاد على ذلك بقصص مؤكدة عن  اغتياله الأصدقاء والأخلاء والأطباء المقرّبين، ومع هذا لا يستحي النمل المتخلق من رماده عن المعافرة المستحيلة، في محاولة سقيمة شديدة الفجاجة والركاكة لبعث ما لا يمكن بعثه من جلباب لأب أكلته العثة، يستقدم بصياغة ثقيلة الظل نمط أحزاب العائلات  المنقرض، التي لعبتها الهند بأنديرا غاندي ابنة نهرو، وباكستان ببيناظير بوتو ابنة المعدوم ذو الفقار علي بوتو.

و يُكمل منشد، غريب الأطوار، لنشيد الاستبداد عبثا مُضافا يطالب بتكريم قائد جيوش النمل المتوحش: المخلوع محمد حسني مبارك، الذي لم تبرأ مصر ولا شعبها بعد من أكله لحمها الحي ولم تزل الدماء على شفتيه لم تجف، باعتباره من أبطال نصر أكتوبر، مع أن الأولى بالتكريم بذكر بطولاته، التي لا تغفلها السجلات الأمينة لحرب أكتوبر، هو المشير أحمد بدوي وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة الذي اغتالته الحقبة الساداتية، 2 \ 3 \ 1981، مع  13  من  كبار قادة القوات المسلحة، في ظروف حادثة مريبة لم يُفتح ملفّها للتحقيق العادل حتى الآن.

فأين لمصر المفر ياربي أمام كل إبداعات الغش والغباء هذه؟




الجمعة، 12 أكتوبر، 2012


حكيم روحاني حضرته

الذي تعودنا عليه منذ زمن بعيد هو ولع البعض باعطاء النصائح الطبية؛ أحيانا بدعوى "إسأل مجرّب ولا تسأل طبيب" وأحيانا بدعوى موروثات الطب الشعبي ونصائح العطارين وحلاّقي الصحة وأحيانا من ثقافة وقراءة مجلّة الدكتور وما إلى ذلك من المعروف والثابت والمُسلّم به. كما أننا تعودنا منذ زمن أبعد على استباحة النقد المسرحي والأدبي والفني من كل من هب ودب؛ يقول ويقرر ويشيل ويحط  باعتبار أن بوابة الفنون من غير بواب يدلف إليها من شاء وقتما شاء وكيفما شاء يعيث الفساد في الأصول والعموم والقواعد والابتكارات وعلى المتخصصين الصمت الرصين في خضم الضوضاء.

 الجديد الذي شد حيله هذه الأيام هو انتشار ظاهرة "أبو العرّيف" الذي يفتي في كل شئ من أول الديانات والحقائق التاريخية والقوانين  والدساتير والبرلمانيات والكوتات حتى الإقتصاد والتشكيلات العسكرية والوزارية؛ التي لا يتردد فيها كل "أبو عرّيف" بالإعلان عن قائمة ترشيحاته التي تحدد من يصلح ومن لا يصلح لهذه الوزارة أو تلك، وغالبا ما تكون القائمة هي مجموعة أصدقاء ومعارف السيّد المتطفف في التقدير المتطفل على شأن ليس من شأنه، ناهيك طبعا عن المسألة الزراعية التي قرأنا فيها العجب العجاب فيكفي أن يكتب من يكتب صارخا "القطن القطن" أو "القمح القمح" حتي يصبح خبيرا زراعيا يشار له بالبنان تستدعيه اللجان للإدلاء بدلوه، ولوكان من خريجي الحقوق والآداب والفنون التطبيقية، ويُستبعد من أجله من أفنى حياته بحثا وزرعا وحصدا في العلم الزراعي وفي لب المشكلة الزراعية!

أما آخر ما ورد في هذا الأمر  فهو "التحليل النفسي"، فقد صار عدّة النصب التي يلت ويعجن بها العديد، إذ يجلس من يتصوّر حاله "حكيم روحاني حضرته"، من الذين نصّبوا أنفسهم مرشدين للرأي العام، لا يتوانى عن الاسترسال بالثرثرة الجاهلة البلهاء بأقوال كيفما اتفق مُحرّفة مخطوفة خارج سياقها من قول عالم أو صفحات كتاب، لا يهمه الخلط والتبجح بالتعالم من غير علم، ولو كان على حساب غمط  جهد ثوار استشهد منهم من استشهد وضحى منهم من ضحى بأغلى حواسه دفعا للظلم وشراء لحق العزة والكرامة للبلاد والعباد.