الأربعاء، 30 مايو، 2012

أكلة لحوم البشر

ساحة لا تفصح عن دلالة محددة، قد تكون فناء سجن أو فناء معسكر أو فناء لأي تجمهر ما. الفناء ملئ بالناس وهم كذلك غير محددين؛ خليط رجال ونساء، يمكن أن يكونوا مثقفين وسجناء سياسيين ويمكن أن يكونوا من عامة الناس مجتمعين بسبب مولد أو مهرجان أو معسكر تجمع شعبي، يبدون جميعا متساوين في الأهمية وفي الحقوق والواجبات لكن هناك الشعور بأن مجموعة من بينهم هي المسيطرة في الحقيقة وهي التي تملك تحريك الدفة وحدها بإرادتها الخاصة، وهي مهيمنة بالفعل بشكل كامل إلى درجة البراعة في إخفاء حقيقتها المهيمنة وناجحة في الإختفاء التام بحيث لا يمكن التعرف بسهولة على أفرادها أو أعضائها وقادرة على ترسيخ الثقة لدى الجميع بأنهم أحرار يجتمعون ويتفرقون ويتصرفون وفق إرادتهم وأنهم يمرحون تحت حماية طقس ديموقراطي خالص.

لقطة شاملة تؤكد الانطباع السائد بالمساواة بين الجميع؛ حيث لا علامات مميزة ولا وجوه بارزة على نحو خاص. تتحدد اللقطة تدريجيا: تقترب وتشمل قطعا جزئيا من التجمهر يتبين فيه وجهي ووجه إمرأة شابة كستنائية الشعر المصفف بعناية مع درجة إحمرار زائدة في بعض تموجاته بسبب إستعمالها للصبغة؛ منمقة الملبس والملامح، تعطي إنطباعا مقصودا بأنها متحضرة وتعرف اللياقة والأصول، تبدو ودودا طيبة لكن تحت طيات عينيها تكمن قسوة باردة. تظهر في اللقطة كذلك وجوه غير محددة تتناول طعاما بلذة فائقة. الطعام شئ أبيض مفروك مطبوخ بالخل والثوم ويأكلونه بالملاعق من أطباق مقعرة مثل أطباق الكشري اللذيذ في مطاعم القاهرة المتخصصة في تقديمه.

اللقطة مستمرة لكنها تزداد تحديدا ويشحنها شعوري الصامت الداخلي بالتخوف من المرأة ذات الشعر المصبوغ. يتعاظم خوفي عندما تنظر إلي بنظرة لا تستغرق نصف ثانية. يشملني خاطر فوري يتحول إلى يقين بأنها واحدة من الجماعة المهيمنة وأنها مكلفة بمراقبتي، وهنا يتحول تخوفي إلى مقت شديد لها يتبدى على وجهي على الرغم مني، في الحظة ذاتها يبدو أن المرأة قد أدركت ما يعتريني فتنظر إلي وتبتسم محاولة أن تطمئنني فيتزايد مقتي لها. طوال هذا التحول الداخلي الصامت الذي يشغلني ألاحظ عملية الأكل المستمرة والتي تتم بشهية وتلذذ كبير يغمر الآكلين. فجأة يقول لي أحد الآكلين بتلقائية وكرم: ألا تتناولين معنا الغداء؟ أجيب بمودة وتشكك: أخاف يكون لحم خنزير. يجيب الرجل بظرف ورقة بالغة مع تقوى واضحة: أستغفر الله العظيم ياشيخة؛ لحم  الخنزير حرام لكن هذا لحم بني آدم. تفلت مني صرخة وأنا أدق صدري: ماذا؟ تأكلون لحما بشريا؟ هنا تتدخل المرأة ذات الشعر المصبوغ قائلة ــ ( متخذة أسلوب الإنسان الناضج العلمي واسع الأفق الذي انتهى منذ وقت طويل من مناقشة التفاصيل الصغيرة والذي يجد نفسه مضطرا أحيانا لمناقشة عقول غبية ما زالت تتمسك بالشكليات!) ــ : نعم؟ هل ستخرجين ببدعة أن لحم البشر حرام أيضا؟ أقول باندفاع وثورة غالبة تلون كلماتي: طبعا وأقول بكل ثقة إن لحم البشر محرم دينيا! ترد المرأة بهدوء وصبر العالم المدرب على مناقشة الجهلاء: هاتي لنا آية من القرآن! أجيبها بقوة وحماس تغالبه الدهشة لأن علي أن أجلب الأسانيد لإثبات بدهية تحريم أكل لحم البشر: "أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه؟). هنا تضحك المرأة براحة من انتصر أخيرا بسلاح أعدائه، ومن دون أن تفقد قدرتها على إعطاء الانطباع بأنها علمية ومتحضرة وتعرف اللياقة والأصول تقول: طبعا الميتة والدم ولحم الخنزير حرام، لايجادل أحد في ذلك، لكن هذا اللحم الذي نأكله ليس ميتة، نستغفر الله، هذا ياسيدتي لحم ناس ذبحناهم بأيدينا!

تتركز اللقطة على وجهي وتعكس حالة جزع كامل وغثيان، وأصمت تماما حين أقرر داخليا الامتناع عن مواصلة المناقشة. ألاحظ أن الآكلين على الرغم من استمرارهم في الأكل قد فقدوا جزءا من شهيتهم كأنه قد طرأ على ذهنهم فجأة احتمال أن أكون أنا التي على حق ويكون لحم البشر محرما حقا!

اللقطة عامة وتظهر بها المرأة وهي تنصرف عني باسمة تقول: ألم تقرئي أن ألذ لحم مطبوخ هو لحم البشر؟ ــ (أتذكر أنني قرأت ذلك منذ سنوات في مجلة ريدرزديجسيت الأمريكية) ــ تنتهي مرحلة الأكل وأعرف أن الجميع يتهيأ لمرحلة غلق الأبواب. أفكر بسرعة: لابد أن أهرب قبل أن تغلق الأبواب. يقين كامل بأن محاولتي للهرب ستكون فاشلة؛ فأنا مراقبة والمجموعة المهيمنة مسيطرة تماما لدرجة أنها لا تتدبر أمر احتمال بأن هناك من قد يفكر في الهرب. اللقطة على وجهي وقراري حاسم نهائي: سأحاول الهرب مهما كان اليقين بأني سأفشل. أجري وأفلت في اللحظة التي ينغلق فيها الباب ــ (الباب ضخم ويشبه باب سجن القناطر للنساء).

طريق مفتوح خلاء. أجري أجري أجري وأنا متأكدة أن يدا ستمتد في كل لحظة للقبض على كتفي. بعد فترة من الجري الفزع بلا وعي أتمالك نفسي وأجرؤ على النظر خلفي ولدهشتي أجد أنني نجحت في الهرب وقد أفلت تماما من خطر السيطرة علي واستعادتي.

سوق كبيرة مكتظة بالناس أدخله وأنا ألهث من الجري والفزع وأبادر بالسؤال: بالذمة أليس أكل لحم البشر حرام؟ الناس مجتمعة حولي وأنا أستفتيهم في أكل لحم البشر وأتعجب إذ أجدهم متفقين معي بلا مجهود: طبعا أكل لحم البشر حرام!
يجيئ دوري لألتقط أنفاسي وأرتاح، وباطمئنان أشير إلى جهة المكان الذي يأكلون فيه لحم البشر: هناك يذبحون الناس ويطبخون ويأكلون لحم البشر!

تأتي معي مجموعة مستطلعة الأمر الذي حكيت عنه. نصل المكان الذي كنت به وأنا واثقة أن المرأة عنيدة وقوية ولن تتنازل عن اقتناعها بأن ذبح البشر وأكلهم حلال، أشير إليها وإلى الآكلين مستعدة لمعركة: هؤلاء يذبحون ويأكلون لحم البشر بالخل والثوم! أتفاجأ بالمرأة ترتبك وتتخاذل وتقول: غير صحيح.. غير صحيح! قبل أن أتهيأ لتكذيبها يواجهها الآكلون بشجاعة تأتيهم بغتة: لاااااااااااااااااااااااه قفي ! تتحدد اللقطة على وجوههم كشهود: نعم؛ نحن نذبح ونطبخ ونأكل لحم البشر وافتحوا الثلاجات بالداخل تجدونها مليئة بخزين من لحم البشر المجمّد!

يتولى الناس أمر المرأة واستجوابها بينما أنصرف أنا إلى الآكلين وأسألهم: هل لاحظتم غيابي توا؟ قبل أن يجيبوني يقرع أذني صوت المرأة حديديا مع لقطة مكبّرة لوجهها وقد اختفت منه المودة والطيبة وتأكدت فيه القسوة الباردة: لقد بحثنا عنك شهرين كاملين! تساءلت: من أنتم؟ قالت: العجلة الداخلية!

تتركز اللقطة هذه المرّة على يديها وألحظ  نقشا دقيقا، بخاتم صغير في إصبع المرأة البنصرفي يدها اليسرى: الدائرة وبداخلها المثلثين معشقين في شكل نجمة سداسية بقلب عجلة روتارية.




قرأت الآن عن مجموعة المثقفين الذين قرروا مقاطعة إنتخابات الإعادة، ومنهم بهاء طاهر الحاصل على كل جوائز مبارك، و محمد سلماوي الذي كان ضمن وفد المثقفين الـ 11 الذي قابل مبارك أكتوبر 2010، والله عملوا طيب لأن التصويت شهادة وهؤلاء سقطت شهادتهم منذ زمن.

الثلاثاء، 29 مايو، 2012

صوتي في إنتخابات الإعادة للأستاذ الدكتور محمد مرسي، بلا تردد، وأسأل الله أن يرزقه التوفيق في القول والعمل، وأن يؤيّده بنصره وبالمؤمنين.

الاثنين، 28 مايو، 2012

مانشيت الصفحة الأولى من جريدة التحرير اليوم يقول: "و..وجد شباب الثورة زعيمهم!" و صورة بعرض الجريدة لحمدين صباحي وتحتها: حمدين صباحي يطل على جماهيره من الشرفة!
هو فووووووووق والجماهير تحت؛
مشهد من جنون فقاعات العظمة!

لكم الله أيها الثوار!

الأحد، 27 مايو، 2012

حمدين صباحي يتصرف الآن مثل حازم أبو إسماعيل، يحشد في الشوارع والميادين المحتجين على النتائج التى تخالف هواه وأهواءه!

اللهم اكفنا شر منطق: فيها أو أخفيها!

ربّ نجنا من الذين لا يرعون في بلادنا وأمانها إلا ولا ذمة.

إن لم تستحِ فاطلب من محمد مرسي التنازل لحمدين صبّاحي!

اللهم إنا نستدفع بك عنا تكويش الناصريين ونرجسيتهم وذاتيتهم المفرطة وتفضيلهم الدائم لمصالحهم فوق مصالح البلاد والعباد، وتآخييهم الأبدي مع كل مصاص لدم شعبه، مع كل الطغاة والسفاحين، وتعاونهم المشهود مع فلول صدام حسين ومعمّر القذافي.

عليك بهم ياربنا.

الجمعة، 25 مايو، 2012

لغة الظاد!

صار الخلط بين حرف "الزاي" وحرف "الذال" وباء وصل إلى كل الصحف المصرية، بعد أن كان داء متفشيا بين الناطقين من المذيعين والمذيعات فحسب، ناهيك عن كتابة المعلقين في مواقع "الفيس بوك" و"التويتر" وما إلى ذلك، صحيح أن من سمات لهجتنا المصرية العامية تحويل "الذال" إلى "زاي"؛ فحين نريد أن نقول "الذين" نقول "الّزين"، وحين نريد "ذكي" نقول "زكي"، كما أننا نحوّل "الثاء" إلى "سين" فنقول "سُمّ" ونحن نقصد "ثمّ"، و"حديس" ونقصد "حديث"..إلخ.

 الطريف أنه عندما تنبه البعض إلى هذا الخلط، الذي تأثرت به فصحانا، وجدنا من حوّلوا كل "زاي" إلى "ذال" وكل "سين" إلى "ثاء" فنجد من يقول "الذكاة" وهو يشير إلى "زكاة"عيد الفطر مثلا، أو "الناشذ" وهو يعني المرأة "الناشز"، والذي يغيظني أنني كلما كتبت "لا تنابزوا" يتم تصحيحها، وبكل قنزحة، إلى "لا تنابذوا" حتى تعالى صياحي بأن يا ناس اقرؤوا آية 11 من سورة الحجرات وارحموني، أما إذا كان الإسم "سناء" فلابد أن يحوّلوه إلى "ثناء" وإذا كان "ثناء" حوّلوه إلى "سناء"!

 ولا نعد ولا نحصي في حواديت الخلط والخلاطين، الحل هو أن يتم توزيع قاموس على المراجعين في الصحف والمجلات يراجعون الخلط المؤسف ليعرف الناس متى يخرج اللسان ومتى يدخل الفم تمهيدا للنطق الصحيح والكتابة السليمة، أما حضرات المعلّقين في ساحات الشبكة العنكبوتية فـ "إيدكم والأرض" منهم؛ يكتبون العامية بكمية أخطاء مهولة  لاتخطر على بال، في الهجاء وكل شئ!

 وأذكر في هذه المناسبة أن الإخوة في العراق والخليج ينطقون ويكتبون "الضاد: ظاء"، وينطقون ويكتبون "الظاء: ضاد"، وحين تراجعهم يتمسكون بنطقهم ويقولون بثقة: "ألا تعرف أن العربية اسمها لغة الظاد؟"!