الخميس، 8 مارس، 2012

من صندوق الجواهر:

أكتب عنها بمناسبة يوم المرأة 8 مارس

أكتب عن الأستاذة الدكتورة معصومة محمد كاظم في "يوم المرأة" بصفتي واحدة من المراجع التي بإمكانها حكاية مسيرتها وسيرتها، لا أتحرج من كونها شقيقتي الكبرى فأنا أتزين بهذه الحقيقة، إنها الرائدة في علم الرياضيات يذكرها تقرير ترشيحها لجائزة جامعة عين شمس التقديرية لعام 2003 \ 2004  بأنها "قامت بأبحاث وإنتاج علمي يتسم بالتنوع والأصالة والعمق، كما تبنت تحديث مناهج الرياضيات بموضوعات جديدة مثل الرسومات التخطيطية والهندسات اللاإقليدية والنمذجة وغيرها.....لكل هذه الريادة للمرأة العربية ولكل هذا السبق العلمي الذي حققته بوجودها العلمي المتميز والمنير والثقافي المشرف في كثير من المؤتمرات والمحافل العلمية يمكننا أن نرى بجلاء مردود هذا السبق والريادة بكل الأبعاد المثمرة على الساحات الثقافية والفكرية والقومية....".

لسبب لم أفهمه أبدا رفضت "أختي" مبدأ الإضاءة الإعلامية للتعريف بقدرها وقيمتها العلمية الرائدة على طول مشوارها الأكاديمي الذي طرقت فيه أبوابا لم يسبقها إليها أحد، بين الرجال والنساء في مصر والوطن العربي، وعندما دبرت لها مصيدة كلام عن نفسها، سجلته لها يوم الجمعة 19 \7 \ 2002 تحت غطاء دعوة للغداء في فندق السلام بالقرب من منزلها بمصر الجديدة، كانت تقاطعني بعد كل استرسال: "إوعي الكلام ده تكتبيه"! هل كان هذا زهدا منها أم وجهة نظر وراءها التساؤل: من يهتم وماذا يهم؟ وحين كنت أتحفز بقول مثل: أنت يامعصومة كاظم خبيئة غالية من كنوز مصر العلمية ومن حقنا أن يعلم شعبنا مدى ثراء أرصدته بما يمتلكه من علماء وأدباء ومفكرين وموهوبين على مدى الأجيال تكذيبا لحلقات الندب والعويل بادعاء فقرنا الحضاري وتخلفنا العلمي، تكتمني دعابتها الجادة التي لا تكف عن ترديدها: "متى صلُح الزمان؟" و "متى كرّم الوطن مُحبيه؟"، تقولها وهي تهون على نفسها وعلى من حولها إغماط الحقوق وتطفيف الموازين.

×××
تكبرني بعشر سنوات وسبعة أشهر، مولودة 14 يناير 1927، هي كبرى الصبيان والبنات في أسرتنا وأنا الصغرى، طفولتي في أربعينات القرن الماضي ، الذي هو القرن العشرين، هو وقت مراهقتها ومطلع شبابها، بينما كانت الفتيات في عمرها يتطلعن إلى صور فاتنات السينما ويحاكين أزياءهن كانت هي تعلق صورة مكبرة للعالم والفيلسوف الإنجليزي إسحق نيوتن الذي اكتشف قانون الجاذبية، وتصمم ملابسها "فيونكة" عند الرقبة على نسق ما كان يلبسه "نيوتن"! نالت منا لقب "التلميذة الخالدة"، الذي عُرفت به "مدام كوري"؛ ذلك لأنها لم تترك أي فرصة متاحة للقراءة والدراسة من دون أخذها ولو كانت الفرصة في محل "بروفيلي" الذي اشتهر بتعليم الحياكة في الأربعينات وإن لم تنشغل لحظة بهذه الخبرة، كان استغراقها في حل "مسائل الحساب" وسيلة لهوها في طفولتها وأصبحت مواد الحساب والهندسة والجبر واللوغاريتمات مرادفها عندي: "أختي معصومة"!

هي القدوة في عائلتنا التي حددت مبكرا وبلا جدال مساواة البنت والولد في مواصلة التعليم إلى الشهادات العليا بحد أدنى "ماجستير" ومن دون حد أقصى فالدكتوراة وراءها الأبحاث والأبحاث والأبحاث؛ شغفا بالعلم والمعرفة لا طمعا في منصب ولا مباهاة.

يقول ملفها العلمي الكثير والكثير الذي لا يجوز لي أن "ألخم" نفسي والقارئ بذكر تفاصيله، وإن أحببت أن أقتبس منه هذه الشواهد: أنها من مؤسسي كلية البنات جامعة عين شمس؛ إذ أنها أول معيدة من خريجات الكلية يتم تعيينها بها وكان ذلك عام 1951 عقب تخرجها عام 1949 في قسم الرياضيات والتربية من معهد التربية العالي للمعلمات وكانت الأولى على دفعتها، وبعد نيلها دبلوم معهد الدراسات العليا في الرياضيات 1952 حصلت على ماجستير التربية في طرق تدريس الرياضيات من جامعة أيوا بالولايات المتحدة الأمريكية 1955، ثم ماجستير أخرى في الرياضيات البحتة من جامعة كانساس 1961 ودكتوراة الفلسفة في مناهج وطرق تدريس الرياضيات 1964 من جامعة كانساس نفسها. أختيرت عضوا في حلقة اليونسكو لتطوير مناهج الرياضيات بالبلدان العربية من 1966حتى 1972، وشاركت في..وفي..وسافرت إلى...وإلى ...وحضرت المؤتمرات الدولية لتدريس الرياضيات في بلدان الشرق والغرب والشمال والجنوب في السبعينات والثمانينات والتسعينات حتى عوّقها المرض عن السفر وإن لم يعق نشاطها الذهني المشارك في كل مؤتمرات وندوات ولجان الرياضيات بمصر ومواصلة الإشراف على الرسائل العلمية وأبحاث طلابها.

معصومة كاظم: أول سيدة تتخصص في طرق تدريس الرياضيات، وأول سيدة تحصل على ماجستير في الرياضيات البحتة، وأول سيدة تحصل على دكتوراة الفلسفة في المناهج وطرق تدريس الرياضيات، وأول سيدة تشترك في تطوير وتحديث مناهج الرياضيات، وأول سيدة تشارك بالجهد الأكبر في تأليف أول كتاب عن الرياضيات الحديثة باللغة العربية، وهو كتاب "أساسيات تدريس الرياضة الحديثة"، مع الأستاذ الدكتور وليم عبيد والأستاذ الدكتور محمود شوق، وأصدرته دار المعارف 1969.

تقول معصومة كاظم في مقالها الجذاب عن رواد ورائدات الرياضيات: ".....هذه الورقة عن رواد الرياضيات في مجالين مختلفين بينهما علاقة وثيقة، المجال الأول هو مجال التخصص في الرياضيات والثاني هو مجال تدريسها؛ فالرياضيات لا يمكن أن تستغني عن طرق تدريسها إذ تحتاج إلى العناية بهذه الطرُق حتى يتحقق الهدف منها وحتى لا تتّهم بأنها علم جاف يصعب فهمه مما يؤدي إلى تجنبه والإقبال على الدراسات الأدبية، مع أننا نعيش عصر الكمبيوتر والتكنولوجيا ولا يمكن مسايرة عصرنا إلا بالرياضيات......كما أنني اخترت تقديم الرائدات في علم الرياضيات لأن الكثيرين يعتقدون أن المرأة أقل من الرجل في فهم وفي حل المشكلات الرياضية مع أنها، حتى عند أبسط النساء، تقوم ببعض الأعمال التي تحتاج إلى رياضيات تستخدمها في بيتها وسائر تعاملاتها التجارية وغيرها............ وكان العالم الرياضي فيثاغورس أول من شجع النساء على تعلم ودراسة الرياضيات وأنشأ سنة 539 قبل الميلاد أكاديميته لتدريس العلوم والرياضيات والتحق بها ما يقرب من 28 امرأة، بعضهن دارسات والبعض الآخر مُدرّسات، وقامت زوجته ثيانو بكتابة بعض المؤلفات في الرياضيات والفزياء والطب وسيكلوجية الطفل، وبعد وفاة فيثاغورس قامت زوجته واثنتان من بناته بمواصلة إدارة أكاديميته العلمية، وواصل أفلاطون، سنة 387 ق. م.، تشجيع النساء على التعلم وأكد على هذا فيما كتبه في جمهوريته قائلا: على النساء اتباع كل ما على الرجال، وبناء على ذلك انضم إلى أكاديميته عدد كبير من النساء متحديات للقانون الذي كان يحرّم على النساء في ذلك الوقت الذهاب إلى الإجتماعات العامة. وكانت هيبتشيا، إبنة ثيون عالم الرياضيات الذي كان يعمل في متحف الإسكندرية مركز الإشعاع العلمي بالمدينة، أول من عُرف من رائدات علم الرياضيات.....كانت أستاذة للرياضيات بجامعة الإسكندرية، 375 \ 415   ميلادية ............................ومع أن ما عُرف عن مؤلفاتها الرياضية ليس بالكثير إلا أن معاصريها كانوا يقدّرونها علميا فقد نالت علما راقيا وشغلت منصب رئيسة فلاسفة مدرسة أفلاطون الجديدة، وقتلها المتدينون المسيحيون بسبب معتقداتها الوثنية وفلسفتها.........".
×××

كانت معصومة كاظم تطلبني هاتفيا كلما خطر على بالها بيت من الشعر الذي تحفظه تراجع معي به قوّة ذاكرتها، وفي يوم من أيام مرضها طلبت مني إكمال أبيات للمتنبي جعلتني أفتح ديوانه وأقرأ لها:

"وزائرتي كأن بها حيـــــــاء
فليــــــس تزور إلا في الظلام
بذلت لها المطارف والحشايا
فعافتها وباتت في عظامي"!

قاطعتني قائلة: "ياه...كأنه يصف آلامي، على فكرة يا صافي المتنبي ده شاعر كويّس!".

ضحكت فضحكت: مع السلامة يا معصومة، وتحية لك في الذكرى السابعة لرحيلك إلى رحمته سبحانه، في 3 يونية القادم إن شاء الله.




هناك 4 تعليقات:

  1. الأستاذ الفاضلة ألف تحية من الجزائر
    " الذي لا يحمد على حوت سواه " لقد أضحكتني من أعماقي ، لكن أتمنى ألا تكون على وزن الذي لا يحمد على مكروه سواه .
    رحمها الله وأسكنها فسيح جنانه . هناك تجربة عشتها مع ابني محمد العربي الذي اظهر نبوغه لما دخل المدرسة في سن خمس سنوات لكن بالموازاة أظهر تصرفات من لا يعرف يقول أن هذا الطفل غريب الأطوار كان لا يهتم بشكله ولا مظهره حتى و هو في الثانوية وبعدها في الجامعة لقد كان كل اهتمامه منصبا على الرياضيات التي كان متفوقا فيها ولقد كان دائما الأول في دفعته وبفارق كبير بينه وبين الثاني في مرحلة الليسانس و الماستر ولقد استفاد من منحة دراسية إلى فرنسا لتحضير شهادة الدكتوراه .
    ورغم أن اسمه محمد العربي الذي فيه الكثير من الاستفزاز الحضاري و الديني ، لكن جامعة باريس 6 وهي أول جامعة متخصصة في الرياضيات فضلته على جورج وبيار ورشحته ليكون معيدا بها لأن الغرب معياره العلم وهو حاليا معيدا وفي نفس الوقت يخضر شهادة الدكتوراه . لكن ما لا يعرفه محمد العربي وهو من مواليد 1 مارس 1989 أن ذلك ليس من أجل سواد عيونه.
    لعلمك سيدتي الفاضلة أن فرنسا وحدها كل سنة تأخذ بين 13 و 15 ألف طالب جزائري زبدة ما تنتجه الجامعة الجزائري وهؤلاء جميعا تستوعبه الجامعات و المراكز العلمية ولن يعودوا كما لم يعد من قبلهم
    إنه استنزاف علمي وحضاري تسهم فيه هذه الأنظمة التي لا تهتم لا بالعلم و لا بالعلماء

    ردحذف
  2. يا الله حضرتك شخصيه جميله جدا ووفيه اوى لأختك ربنا يجمعك بيها فى الجنه ان شاء الله .

    فعلا ارى السمو فى ردودك واخلاقك .يا ليت كلامك يقراءه كل مصرى ليعى ويتعلم :))

    بحبك يا أميره الصحافين

    ردحذف
  3. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

    رحمها الله رحمة واسعة، علمها سوف يتحدث عنها ويتذكرها التاريخ ان شاء الله، كم من علماء لم نسمع عنهم ولكن تحدثت عنهم اعمالهم بعد مغادرتهم للدنيا، الوفاء نادر هذه الايام، فما بالك بالوفاء للاخت
    الله يرحمها ويحسن اليها يا رب ويصبرك على فراقها

    ردحذف