الأربعاء، 29 فبراير، 2012

داء الثلج
كأنني في مطار مدينة أزورها فأجد أن ناسها من الثلج: يروحون ويجيئون وهم من الثلج ودماؤهم بيضاء وانا أقول: يا إلهي إن دماءهم ماء. أحس بحرارتي وينتابني الخوف من العدوى. أخرج مصحفي وأرفعه في مواجهتي أتقي به عدوى التحول إلى ثلج بينما الرجل الثلجي يتصفح جواز سفري. خوفي يتزايد فأحرك لساني بآيات أحفظها من القرآن الكريم ثم يعلو صوتي رويدا رويدا حتى أبدو كأنني أخطب بآية الكرسي وسورة الإخلاص والمعوذتين وعندها يتقدم مني أحد عمال المطار ويسألني: "هل أنت من مصر؟" فأهز رأسي بنعم وأنا مستمرة في تلاوة "قل هو الله أحد"، يبتسم لي وهو يهمس: "أنا كذلك من مصر ولكني أقيم هنا منذ وقت طويل ولا أزال أحفظ هذه السورة"، ثم يرتفع صوته مكمّلا معي: "الله الصمد لم يلد ولم يولد"، وإذا بي أكتشف مصريين كثيرين غيره تجتذبهم الكلمات، التي تبدو وكأنها توقظهم من سبات عميق كانوا قد استسلموا له، ويأتون نحونا، وفي امتزاج له رنين يتردد بين جنبات المكان يكملون معنا السورة بالآية الكريمة: "ولم يكن له كفوا أحد". أبكي تأثرا: "لماذا لا تعودون؟". أتسلم جواز سفري وأخرج من المطار عبر قنوات المغادرة التي لا تخلو من مصري مصاب بداء الثلج يردد كأنما يتذكر: "قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد".

أخوض تجربة مثل هذه الأحلام وتظل محفورة بذاكرتي ويكون بإمكاني استحضارها بتفاصيلها مهما جرت فوقها الأعوام؛ لا زلت أتذكر الرؤيا التي رأيتها سنة 1961، وكنت قد بدأت دراستي بالولايات المتحدة الأمريكية بمدينة لورنس بولاية كانساس، رايت من يقول:"النبي محمد حاضر بالمدينة"، فجرى المشتاقون يهرعون إلى حيث قيل إنه سيجتمع بالناس ليجيب على أسئلتهم. كان قلبي يخفق بشدة وأنا أبكي وأقول: " نعم يارسول الله لديّ أسئلة كثيرة" بينما أنا أدخل قاعة اللقاء بأرائكها المصفوفة على اليمين والشمال وبينها ممر. جلست على أريكة خلفية بسبب الزحام. الكل باك. الكل صامت ولا نسمع سوى دقات قلوبنا. نظرت أمامي، إلى حيث يفترض أن يكون الرسول جالسا إلى المنصة، فرأيت رجلا بعينيه حَوَل وليس به أي صلة شبه بما نعرفه من ملامح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أو صفاته الوضيئة، قلت في نفسي: "هذا ليس النبي محمد، هذا لايمكن أن يكون محمدا صلى الله عليه وسلم"، وفجأة وقر في قلبي أن هذا الدّعي يمكن أن يكون "الّدجّال". ملأني الغضب وقلت لا بد أن أعلن هذا الأمر. تلفت حولي وبدت لي كل الوجوه مُصدّقة تصديقا تاما أن ذلك الدّعي على المنصّة هو النبي محمد ـ والعياذ بالله ـ وأنني لو وقفت وقلت له أنت كاذب فسوف يفتك بي هؤلاء الناس لا محالة، لكن حماسي غلب خوفي فنهضت صائحة: "أنت لست النبي محمدا أنت أحول كاذب....."، وواصلت خطابي بآية الكرسي؛ أقولها كأني أخطب وصوتي واضح قاطع للصمت حتى ختمت بشهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله، أقولها وأنا أستشعر الجرأة والمخاطرة وقد لبستني استجاشات فدائية، ثم أدرت ظهري وخرجت من القاعة ولدهشتي وجدت الجمهور، الذي خفت أن يفتك بي، يتشجع ويخرج معي تاركين وراءنا الدّعي الأحول وبطانته!

عندما صحوت، وقتها، قلت: هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يكون نطقنا بشهادة التوحيد، مجرد نطقنا، بمثابة مخاطرة فدائية لا يقدم عليها إلا شجاع جرئ؟.

أما يوم الخميس 20 يونية 1996 الموافق 4 صفر 1417، فكانت الرؤيا الواضحة قد بدأت بأن رأيت نفسي داخل أرض فلسطين المحتلة بمكان وجدت في حديقته طفلتين يهوديتين تقولان "نتنيهودي"، فسألتهما: أهكذا تنطقان اسمه "نتنيهودي"؟ فقالتا "نعم"، وعندما دخلت البناية وجدتني في بهو به عدد من الحاخامات يقومون بمراسم احتفال ديني لترسيم "نتنياهو" فجلست أشاهدهم وهم لا يبالون بمشاهدتي لهم. كانت لهم هيئة مترهلة سوقية مثل هيئة حوذي العربات الشعبية، وكانوا جادين في أداء طقوسهم حول "نتنياهو" ومن بينها خطوات رقص هزلي. بعدها وجدتني في غرفة و نساء يهوديات شرسات يدرن حولي ويتلمظن لضربي ونهشي وأنا أدافع عن نفسي بترديد "الله أكبر" التي بدت كسياج يحميني و يدفعهن عني وهن كثيرات يصدر منهن طنين كطنين الزنابير. كنت في ورطة حقيقية لا شئ يبعدهن عني سوى آية الكرسي والمعوّذتين وسياج "الله أكبر"، حتى رأيت مجموعة من الرجال يفصل بيني وبينهم حائط به باب حديدي مغلق فوقه كوّة صغيرة مثل الثقب، نظرت إليهم فأشاروا إلى الثقب، فقلت: كيف أخرج من ثقب صغير؟ فقال أحدهم: انظري إلى الثقب بتركيز ورددي "الله أكبر"، ففعلت، فإذا بالثقب يتسع ويتقدّم واحد من الرجال ويشرع في معالجة قضبان الباب الحديدي بقوة فتنثني وتتسع، وهو لا يكف مع مجموعته عن ترديد "الله أكبر ولله الحمد"، بينما أنا أهرع خارجة من فتحة الخلاص، وأرى النساء اليهوديات الشرسات من خلف زجاج نوافذهن لا يزلن متلمظات غاضبات هائجات.

الأحلام بئر ثرية مليئة اغترف الفنانون منها الكثير، ولقد سيطرت الرؤى بقوة على عالم "سترينبرج" المؤلف المسرحي السويدي، كما أنها امتزجت بعوالم السينمائيين الكبار مثل "إنجمار بيرجمان" و"فلليني" و "أنتونيوني"، ولست أقصد بـ "السيطرة" معنى أنهم اكتفوا بحكاية أحلامهم، لكنهم تأملوا الإمكانات الموحية المستمدة من القدرات اللامحدودة الكامنة في الرؤى والأحلام بصفتها واقعا روحيا لا شعوريا، مماثلا ومتوازيا مع الواقع المادي المحسوس ذلك الذي نخوضه في اليقظةحياة يومية. وإذا كانت أحداث الحياة اليومية مؤثرا هاما في صياغة الأحلام؛ فإن الأحلام والرؤى مؤثر هام بدوره في صياغة الأحداث اليومية.

الخميس، 23 فبراير، 2012

عن التمويلات الأجنبية وغيرها

مازلت أحتفظ  بالصفحة التي كتبتها سوسن الأبطح في ملحق «المنتدى الثقافي»، 23/11/2005 بجريدة الشرق الأوسط، تحت عنوان «فنانون ومثقفون يطالبون بإنقاذهم من شروط الممولين الغربيين»، وكان الذي غاظني  هو التعميم الذي ورد في العنوان المكمّل: «ماذا بقي للعرب بعد أن باعوا ثقافتهم بالدولار؟» إذ كان المفروض أن يكون القول: «ماذا بقي لهؤلاء.. » وليس لـ«العرب»، فإذا كان هناك من يقبل أو يطلب أو يسعى لتحصيل «التمويل»، من أي جهة، ولأي سبب حقيقي أو مزعوم، فليس معنى ذلك أن أمة العرب «كلها» قد باعت ثقافتها، فهناك الكثير الذي يرفض حتى العلاج على حساب الدولة، دولته، وإن كان هذا من حقه، لأن القرارات لا تصدر بـ«الحق»، وإنما بـ«الولاء»!

الطريف في الموضوع  الذي حفزني للإحتفاظ بقصاصته هو  ما سجلته الكاتبة من استغاثات لبعض الفنانين، الذين قبلوا تمويلات من جهات أجنبية ومع ذلك يشتكون نائحين ببجاحة تامة  من دون أي خجل: «المانحون يجعلوننا جزءاً من مشروعهم التنموي، هذه السنة يجب أن نتكلم عن الجندر، والسنة المقبلة عن المعاقين.. يصعب على واحدنا أن يضبط نفسه مع إيقاع الممولين، يقال لنا إنه فن في خدمة التنمية، أين قيمة الخيال والتعبير عن المتعة.. مجتمعاتنا لا تنمو وإنما تنمّى..»! يا سلاااام شوفوا شوفوا! هل رأيتم الذي لم يخطر بباله تعجبنا ممن يقبل تمويلا ويرفض شروطه؟ أنقول: ما كل هذه الرقاعة، أم: ما كل هذا «الاستهبال»؟

 نعم ياسادة من حق «المانح» أن يشترط، ومن حرية «طالب المنحة» أن يرفضها، فأين القهر الذي يبرر الشكوى؟ ثم: ما هو الباعث الذي يدفع فناناً أو مثقفاً لكي يمد يده ويتسول «منحة»؟ أليس أمام المسرحي الذي يبحث عن «قيمة الخيال» فنية «المسرح الفقير»، التي من أصولها «الاستغناء»، ليحقق إطلاق سراح تعبيره متعالياً على الخضوع للشروط وقيودها وفخاخها؟ والمثقف الذي لا يريد أن يكون ترساً في عجلة «مشروعات» لا يرضاها، أليس أمامه ابتكار مشروعه الخاص الذي من سماته الإبتكارية ألا يمد يده ويعتمد على قدراته الذاتية وإلا فلا؟

فيما مضى كان هناك «شعراء البلاط»، الذين أسسوا في تراثنا الشعري باب «المديح» وباب «الهجاء»، لقاء أجر و هبات ومنح وتمكين، وكان هؤلاء يقفون على عتبات حكامهم وأصحاب السلطة في بلادهم، يمدحونهم، صدقاً أو كذباً، بأنهم قد حققوا لناسهم الرخاء والهناء والفوز على الأعداء، ومع ذلك فمن ذا الذي احترم يوماً «شاعر بلاط» ولو كان بقدر المتنبي؟

 نذكر مما قاله «المتنبي» وهو «يمدح» كافور الإخشيدي، راغباً في عطاياه: «وما أنا بالباغي على الحب رشوة ضعيف هوى يُبغى عليه ثواب»، ثم قوله: «وإن مديح الناس حق وباطل ومدحك حق ليس فيه كذاب، إذا نلت منك الوُدّ فالمال هين وكل الذي فوق التراب ترابً!".  ورغم الحكمة البادية في قول المتنبي هذا إلا أنه كان أكبر مخالف لها فلقد رأيناه بعد تأكده من أن كافور «جوده من اللسان»، يهجوه قائلاً: «لا شيء أقبح من فحل له ذكر تقوده أمة ليست لها رحم»! وظل المتنبي، وقد وضع نفسه في خانة العبيد ـ بطلبه الجود مقابل المديح الكاذب ـ يدعي الحرية: «حصلت بأرض مصر على عبيد كأن الحر بينهم يتيم» من دون أن تكون له شواهد على حريته المزعومة فكل  هجاء المتنبي لكافور، كان سببه الوحيد أن كافور لم يعطه مليماً، أو درهماً، أو سحتوتاً، ولم يخش لسانه الحاد، ولم تهزه عبقريته الشعرية في الهجاء «العنصري»، قليل القيمة في الأخلاق، وإن أصبح من «عيون» الشعر العربي مما يثبت أن الإبداع الفني ليس فضيلة في كل أحواله.

 والحقيقة أنني من أشد المعجبين بموقف كافور الإخشيدي، لأنه صمد أمام نفاق المتنبي، ولم يفتح خزائن مصر، المؤتمن عليها، ليتقي شر شاعر جاء يمدحه من تحت ضرسه، لقاء أجر. ولقد اتهم الموالون للمتنبي والمؤرخون كافور بأنه: «استمال العبيد وأفسدهم على ساداتهم» و«... لا يصفو قلبه إلا لعبد كأنه يطلب الأحرار بحقه...» أينعم ولم لا؟ ألا يحق لكافور، بعد كل الإذلال الذي لاقاه من «الأسياد» المحقرين له، بسبب لونه وجنسه، أن ينتصر لمن استشعر لهم الظلم؟

مدح المتنبي كافور قائلاً: «قواصد كافور توارك غيره...» وحين نهض كافور ليلبس نعله رأى أبو الطيب المتنبي، غير الطيب، شقوقاً بقدميه استغلها في شتمه، حين انقلب عليه، قائلاً: «تظن ابتساماتي رجاء وغبطة وما أنا إلا ضاحك من رجائياً، وتعجبني رجلاك في النعل إنني رأيتك ذا نعل إذا كنت حافياً، وإنك لا تدري ألونك أسود من الجهل أم قد صار أبيض صافياً، ويذكرني تخييط كعبك شقه ومشيك في ثوب من الزفت عارياً، ومثلك يؤتى من بلاد بعيدة ليضحك ربات الحداد البواكيا». والذي أراه أن «كافور» كان ذكياً، عالماً بدوافع المتنبي وأمثاله، فحين كتب إليه المتنبي يستأذنه في المسير إلى الرملة، بحجة إنجاز مال له بها، أجابه كافور: «لا والله ما نكلفك المسير لتنجز مالك، ولكنا ننفذ رسولاً يقبضه ويأتيك به في أسرع مدة، ولا نؤخر ذلك إن شاء الله». وكان من الطبيعي أن تملأ هذا الإجابة الداهية المتهكمة، المتنبي بالغل والغضب.

 المتنبي شاعر عظيم لكنه، مع ذلك، منحط إنسانياً، أما كافور الإخشيدي، الذي رفض تمويله و«بعزقة» أموال الخزينة المصرية على كذباته، فيقول عنه قاموس المنجد باختصار: «مملوك أسود اشتراه محمد الإخشيدي، واستوزره، قبض على زمام الأمر في مصر وسوريا وانتصر في الحروب. قصده العلماء والشعراء، مدحه المتنبي. توفي بمصر سنة 968 ميلادية».

ولا أدري لماذا ذكر القاموس المدح ولم يشرإلى هجاء المتنبي، الذي قتل في الطريق إلى بغداد سنة 965 ميلادية، قبل وفاة كافور بسنوات ثلاث.


الجمعة، 17 فبراير، 2012

ردح  ثقافي!

قال زيد لعبيد مزمجرا: ياحاصل على جائزة القذافي!

فما كان من عبيد إلا أن بادره على الفور بلكمته قائلا: أفندم أفندم؟ ياحاصل على جائزة العويس!

مع هذا التراشق الثقافي، الذي اشتعل بمولوتوف الجوائز والذي حدث بالفعل الشهر الماضي، ليس أمامنا سوى أن نستنتج  تشابها، أقرّ به عبيد عن دراية، بين شماريخ "العويس" و شماريخ "القذافي" أليس كذلك؟ ولنا أن نتساءل بعد ذلك عن إمكانية معايرة حتمية لكل من فاز بجائزة مبارك! هووووووووووووووهووووه! ولا يمكن هنا طبعا أن نغفل الحاصل على جائزة "صدام" وجائزة "القذافي" معا، وقد حدث ذلك بالفعل لأحدهم منذ سنوات، ومع نظرة إستفهامية من نظرات باسم يوسف، التي تحمل الإجابة بين طياتها، يمكننا الإستدلال على خلفيات الوسائل و الطرق والحيثيات والأسباب والأساليب والمؤهلات والمتطلبات التي كان يجب توفرها للحصول على  تلك الجوائز، وفاز بها من فاز في ساحاتنا الثقافية على طول السنوات الماضية في ظل حكم قتلة ولصوص شعوبهم، وكيف هان الأمر على الفائزين وهم، بحكم ثقافتهم، يعلمون أنهم يتسلمون جوائزهم من أيدي الطغاة مغموسة بدماء ضحايا البطش القاتل والجوع الظالم والقمع الخارس للآهات؟ كيف ناموا وكيف كان صباحهم وكيف طالعوا وجوههم في المرآة، أوعلى صفحة قدح شاى كانوا يرتشفونه؟ كيف وقفوا أمام ضمائرهم وهم يكذبون وفي كل واد يهيمون ويقولون مالا يفعلون؟ وكيف ظل هناك من ظل ينعتهم بـ  "النخبة" و"رموز" الأمة و"قادة" الفكر و"حكماء" الوطن؟

لسنا بحاجة إلى المزيد من القول، ولنا أن نكتفي بهذا القدر وإن لم نلتزم بعدد الكلمات المطلوبة للمقال.




الأربعاء، 15 فبراير، 2012

عصابة خالتي فرنسا
تجوّلت في بعض مواقع الشبكة العنكبوتية وقرأت تعليقات من يمكن أن أطلق عليهم أعضاء عصابة "خالتي فرنسا"؛ نسبة إلى ذلك الفيلم الذي كتبه الفنان المبدع المخلص بلال فضل يصوّر مهنة البلطجة والكذب والإفتراء على خلق الله. لقد نابني من هذه العصابة الكثير وأرجو من الله سبحانه وتعالى أن يقتص لي من أفرادها في كل مكان قصاصه العادل وهو بهم عليم، وعلى كل شئ قدير، غير أن الأخطر والأكثر إيلاما في هيمنة هذه العصابة على الكثير من مواقع الشبكة العنكبوتية هو محاولتها التشويه المروّع، بتزوير المنطق والمنطلقات والأهداف، لسلاح، كان بيد الشرفاء والصالحين و تصدى بقوة وأمانة ونبل للفساد والإستبداد وأفصح عن المطالب الشعبية بجرأة واستبسال وساهم في خلع زمرة من القتلة واللصوص في ثورة الشعب 25 يناير 2011، ولقد ذكرني هذا الفعل الآثم بمسرحية "ياسلام سلّم الحيطة بتتكلّم"، التي كتبها المسرحي الراحل سعد الدين وهبة في نهاية الستينيات من القرن الماضي وعرضها مسرح الحكيم في موسمه المسرحي 1970.

 تبدأ المسرحية باستعراض أحوال فساد قام في عصر من العصور، مشابه إلى حد بعيد بما عاصرناه وكابدناه؛ فساد أودى بالشعب إلى الفقر وسوء الحال، مما يدفع بإمرأة شريفة متمردة إلى التستر وراء حائط تتكلم وتحرّض الناس على التمرد ومواجهة مجلس السلطنة الفاسد وتنادي بسقوطه. يشيع في المدينة أمر هذا الحائط المتكلّم الذي يمثل خطرا حقيقيا على السلطان المبتعد عن شعبه والتارك أمره لأهواء مجلس السلطنة يتحركون به وفق منافعهم وغاياتهم. يلتف الناس حول الحائط المتكلّم الممثل لقوة المعارضة للسلطان ووزرائه، ويمتلك الحائط، بالتفاف الناس من حوله، قوة تفوق قوة السلطان. تظل المرأة الصالحة متسترة وراء الحائط لا يعرفها الشعب لكنه يعرف أنها تتكلم بما يرجو ويحب، ويؤمن بها كحائط يجد كل فرد في كلامه صدى لما يتردد في داخله ولا يبوح به: "بني آدم حاطط لسانه جوه بقه إنما الحيطة طلعت لسانها ونطقت!". حين يكتشف  السلطان أمر المرأة يلقي القبض عليها، يسألها وتجيب بلا خوف:

"السلطان: ألا تخافين بطشي؟
المرأة: الجثث لا تخشى الموت.
السلطان: وأنت جثة؟
المرأة: منذ نويت أن أحاربك!"

من حوار المرأة مع السلطان نفهم إصرار المرأة بالثورة على الفساد لكننا نلمح كذلك بداية تخبطها في كيفية الوصول لإرساء تفعيل ثورتها، هو يسألها عن سلاحها وهي تقول إنه لسانها الذي: "عندما أيقنت أنه غير قادر ركبته في الحائط". وبهذه الكلمة نرى بداية الخيط  الذي يجرّها للأخطاء التالية التي سوف ترتكبها بكل حسن النية والحب للعدل وخير الناس، ويكون أهم ماطرحه "سعد الدين وهبة" هو موضوع مناقشة أخطاء وسلوك القوى الثورية التي تتصوّر أنها بإمكانها، طالما توفر لديها حسن النية، أن تتولى بذاتها تقرير السبل الناجعة للخلاص من الفساد من دون الإنغماس السافر مع الناس.

نجد أن المرأة التي لا تهتز في مواجهتها الشجاعة أمام السلطان ومجلس السلطان تقع على الرغم من فصاحتها في فخ المساومة حين تقبل أن تكون عضوا في مجلس السلطنة وتتكلم من الحائط ،أي من منبر المعارضة، بما استقر عليه رأي المجلس!

من وجهة نظرها تجد المرأة في المساومة فرصة: "صوت شريف في مجلس السلطنة أفضل من لاشئ!"، وتقبل المخاطرة، ولا يكون غريبا بعد ذلك أن يتحول كلام المرأة إلى منطق الذين يؤمنون بفكرة إمكانية الإصلاح من داخل النظم الفاسدة، ورغم أن هذه المناورة قد تبدو مقنعة للبعض إلا أن الواقع الفاسد، خاصة عند إحساسه بالخطر، يكون عادة في قمة مكره وغدره الذي يفوق كل توقعات القوى الثورية الشريفة، ونرى هذا يحدث تماما بعد السقطة التكتيكية من "إمرأة الحائط"؛ فهي رغم محاولاتها المستمرة لتوازن بين مبادئها ومتطلبات موقعها الجديد تدرك شيئا فشيئا أن ما تفعله ليس تماما ما يجب أن يكون، وتدرك أنها ليست المُناوِرة (بضم الميم وكسر الواو) بل هي المتناوَر عليها (بفتح الواو)، وكان ذلك مخطط الإنقضاض على ثورة المرأة الذي عبر عنه الوالي بعد القبض عليها: "نهبها الحياة ونهبها لسانها .......في مقابل أن يتكلم الحائط بما نريد نحن لا بما في دماغها هي!".

نرى كيف تبدل الأمر بـ  "إمرأة الحائط" حين تركت موقعها الآمن بين الشعب فتحولت من محاربة للسلطان إلى مبررة لأفعاله ملتمسة له الأعذار مزينة لوجهه أمام الناس: هذا الوجه القبيح الذي لا يكاد يعي جوهر ماتعنيه وصايا المرأة ونصائحها وإرشاداتها ولا تستره المسرحية أمامنا في أي لحظة.

تدرك "إمرأة الحائط" خطأها المروع حين يقوم الوزراء الفاسدين وعصابتهم وبلطجيتهم بالإستيلاء على حائطها، ( يمكن أن نقول هنا مواقع شبكتها العنكبوتية!) الذي اكتسب بمحصلة كلامها الثوري الصائب ثقة الناس، ويستنطقونه كلمات تخضع لأغراضهم بصوت يحاكي صوتها! ونسمعها في قمة مرارتها تقول: "صنعته ليخدم الشعب ضد أعدائه ولم أصنعه كي يستخدمه الأعداء ضد الشعب".

كان على "إمرأة الحائط" أن تواجه الناس بواقع الكذب المهلك وتفضح أسطورة الحائط المزوّر لصوتها ليتم هدمه بعد اكتشاف حقيقته، والذي يهمنا في خضم ذلك هو اختفاء المرأة لعدم جدواها كفكرة للإصلاح من داخل أجهزة فاسدة، وأن الناس هم الذين هدموا الحائط؛ أي بددوا الوهم.

تتركنا المسرحية بأمر أساسي وفكرة واضحة مفادها في بيت الشعر الذي يسوقه مؤلف المسرحية على لسان الراوي:

"يا ناطقا من جدار وهو ليس يُرى
إظهر وإلا فهذا الفعل فتـــــــّـــــان"!

لا يمكن لصوت شريف يعمل من أجل البلاد والعباد أن يكون قوة غامضة مستترة من وراء حائط، أو شبكة عنكبوتية، بل عليه أن يكون بين الناس يأخذ منهم ويعطيهم حتى ينضج بينهم وينضجوا معه فلا يختلط مساره ويقع في فخ المساومات بجهل وبراءة: ذلك الفخ الذي يجيد النصّابون والدجالون فتحه عميقا بكل وسائل الشر والخداع ودقات الطبول الفارغة!

رحم الله سعد الدين وهبة.

الخميس، 9 فبراير، 2012

إنها بصمة المُدمّرين


..وما إن سمعت بخبر الحادث المروع، الأربعاء 1\2\2012، حتى طار لبي وتنقلت بين قنوات المذياع المرئي أبحث عن أخبار لا دش كلام  هجمات "التوك شو"، مطحنة الرغي في لغتنا الصحيحة، التي يبثها المذكور بكل قنواته وفضائياته، غير أنه لم يكن هناك مهرب مما توقعته و حدث بالفعل وهو؛ خروج كل ربابة بموالها يعزف عازفها ويغني منشدها الاجترارات بأصنافها المتعددة  مهتبلين اتساع رقعة منصات انطلاق متفجرات الكلام الخارجة من حاويات الأذى، التي كانت محدودة ومحصورة بقصور الإمكانات إلى أن فتحت الألفية الثالثة مغاليق الصناديق، ما تم تسميته "ثورة الاتصالات"، وطارت وطاويطها من محابسها لتلبس في وجوهنا صباح مساء توسوس وتصوصو وتصفر وتنهش وتمصمص ولا مجال لطردها ولو بالطبل البلدي.

سحبت الصوت وكان يكفيني إخبارا هلع الأمهات والآباء والأهل والأصدقاء الذي نطقت به الوجوه، وكان يكفيني التعرف على بصمة المدمرين الواضحة التي لم تتقن شيئا، سنوات حكمها المشين، غير الفتن والحرائق والقتل والشر الغبي، وهل نسيت حيثيات الحزن والغضب التي  إنبثقت من حريق مبنى مجلس الشورى المصري التاريخي العريق، 19/8/2008،  إذ رأيت حينها في ألسنة اللهب وحشا عنيدا واثقا بإمكانه أن تمتد أطرافه الأخطبوطية إلى حيث يشاء أو يشاؤون؟

كنت أخاف الزلازل والبراكين لأنها قوة دمار مباغتة يقف الإنسان أمامها عاجزا، لم يعلم كيف بدأت ولا يملك إرادة إنهائها، أما  حوادث القتل و الحرائق فهي، إن لم تكن بفعل فاعل مجرم، تكون بفعل إهمال فاحش آثم وتقصير خائن للأمانة.

شاهدت عام 1971 حريق دار الأوبرا الخديوية الملاصق للمركز الرئيسي لإدارة إطفاء الحريق بميدان العتبة، ودارت وقتها الثرثرة الخائبة التبريرية حول كيف أنها خشب في خشب ولذلك كان من السهل أن ينشب فيها الحريق، كأن قابلية الأوبرا للاشتعال كانت سرا تم اكتشافه على التو، كأنها لم تكن تضاء بالمشاعل والشموع من دون أن يمسها الخطر، لأن الذي أنشأها عام 1869 أقام بالقرب منها وحدة إطفاء جاهزة للدفاع عنها منبها على ضرورة تأمينها.

بعد حريق الأوبرا احترق متحف الفن الإسلامي بباب الخلق وتمت "كلفتة" الحدث بخسائره المروعة، مادية ومعنوية، بالثرثرة المعتادة عن الخشب وقابليته للاشتعال، وظلت حرائق منطقة الموسكي والصاغة، وما يجاورها من متاجر شارع الأزهر تأكل ورش الصناعات المحلية، أحذية وملابس وخلافه، بمعدل حريق كل أسبوع، أو ما يقرب من ذلك، حتى صارت من طبائع الأمور يدهشنا سكونها كأن النار قد تقاعست عن أداء عملها المتوقع!

حرائق، فتن، تخريب، كانت سياسة المدمرين وسلاحهم وفلسفتهم لتمكين فسادهم  حسبناها، في وقتها، من ابتكارات الإهمال واستفحالات التقصير والاستهتار واللا مبالاة، استكمالا لمشاهد طفح المجاري وانفجار المواسير واختلاط مياه الصرف الصحي مع مياه الشرب، سواء بسبب انتهاء العمر الافتراضي للمواسير القديمة أو بسبب خراب ذمة من أشرف على تجديدها بأردأ الأنواع وأسوأ المهارات، التي لا تهتم بغلق الفجوات لتصبح من جانبها آبار موت تبتلع الأطفال، وحوادث صعق المواطنين بأسلاك الكهرباء العارية المدلاة، ناهيك عن تلال القمامة التي تمرق جوارها العربات الفارهات لتجسيد مفارقة المثل المصري الشائع "زبال وفي يده ورده"! وإذا بالقاهرة العزيزة تنسحب برمتها إلى العشوائية، فبدلا من أن تنهض القرى وترتفع إلى صلاح المدينة وأحكام نظامها وتنسيقها وانضباطها ونظافتها وأمنها وأمانها، حدث العكس لتتحول القاهرة إلى قرية هبطنا معها حتى وصلنا إلى تهوين حريق مجلس تاريخي، منوط بفحص شكاوانا، لتعديل المائل، ودفع الأخطار، وتهدئة الخواطر، وتأكيد حقنا في الأمن والأمان والطمأنينة؛ ولم تكن  الخسارة في اللوحات النادرة لكبار فنانينا الرواد التي كانت تزين الجدران، ومعها تلك الوثائق التي قيل، بالكثير من الهدوء والتبسيط والاستهانة بقيمة الخسائر، أنه قد تم حفظها في الكمبيوترات! وكم كان هذا القول مؤشرا دالا على العقلية التي نظر بها القائل المسئول وقرينه إلى وسائل تأمين سلامة مبنى المجلسين الشورى والشعب، إذ كانت المصيبة التي استشعرناها هو  ذلك الهلع الذي بات يحاصرنا، ولم يكن سببه فحسب حافلات القهر والقمع التي كانت تحوّط الجامعات والمنشآت بالأمن المركزي، بواقع دائم، ولا الجوع، ولا غلاء الأسعار، ولا طوابير الخبز، والسحابة السوداء، وأوبئة الأمراض الفيروسية والسرطانية، وعصابات تجارة الأعضاء البشرية.. إلخ، كان  الهلع الأكبر هو  الكشف: أننا في "تيتانيك" تغرق ولا يهتم أحد من المكلفين حمايتنا بالبحث لنا عن أطواق إنقاذ بعد أن احتكروا لأنفسهم كل قوارب النجاة.

خلعتهم ثورة 25 يناير 2011 ولكن: لا تزال بصمتهم التدميرية تلاحقنا!