الأربعاء، 28 مارس، 2012

السيف أمامي، والسيف ورائي، والمسلم يعدو كغزال تتبعه كل كلاب الصيد!

(بتصرف عن بيت شعر لمعين بسيسو)

السبت، 24 مارس، 2012

اللهم انصرنا بالإسلام، وارزقنا صدق التوكل عليك، ويســّر لنا طاعتك، واكرمنا بها، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك. آميييييين يارب العالمين.

الأربعاء، 21 مارس، 2012



أُمّـــــــــــــــــــــــــــــي
أصبحت أمي، خديجة هانم أبو حديد، أرملة في الثامنة والثلاثين، مسئولة عن الحفاظ على مستوى معيشتها ومعيشة أولادها الستة، كما كان الحال قبل رحيل الوالد 4\4\1944، فابتكرت منطقا زرعته في نفوسنا مفاده أنه من قلة التهذيب أن نأخذ مصروفا لنشتري به الحلوى التي تعود التلاميذ شراءها في المدرسة، فترسخ في أعماقي إحتقار "الشبرقة" (أي شراء كل ماتهواه النفس) مسترشدة ببيت الشعر الذي تردده على مسامعنا ليل نهار:"وخالف النفس والشيطان واعصهما×وإن هما محضاك النصح فاجتنب"!

إهتمامها بقيمتين: النظافة والتحصيل العلمي والثقافي. تحترم التقشف من دون شح، وتحتقر الإهدار وتتقزز من السرف، أما استراتيجيتها فتتلخص في: لا زواج لبنت أو ولد قبل الحصول على الشهادة الجامعية كحد أدنى، ولا تخفي أسفها لأنها أضاعت، بعد حصولها على شهادة إبتدائية زمانها، فرصة التخرج في معلمات السنية وكان بإمكانها أن تكون مدرسة وناظرة ومفتشة في وزارة المعارف العمومية! تفخر بحفظها أجزاء كاملة من القرآن الكريم، وتعتز بأنها تستطيع أن تراجع لنا دروس اللغة الإنجليزية بتسميع الكلمات. تقرأ جريدة "المصري" و "أخبار اليوم" وكل مؤلفات شقيقها الأكبر الأديب الرائد محمد فريد أبو حديد، تفتخر به وتحبه كأنه وطن، وقد ورثتنا هذا الإفتخار الذي تعمق لديّ بعد قراءتي الدارسة لمؤلفاته الكاملة، كما تحب المجاهدين الوطنيين مصطفى كامل ومحمد فريد. تحفظ الكثير من الشعر والأمثلة الشعبية وتستخدمها في اللوم والتأديب، خفيفة الظل، لماحة تطلق الدعابة من دون أن تضحك مكررة "كثرة الضحك تميت القلب". تكره السوقية واللفظ الفاحش ورفع الكلفة وتحذر من "الدفلقة" قائلة: "زد غُبا تزدد حُبا" ليظل كل واحد "حافظ مركزه"، على حد تعبيرها، فهي شديدة التمسك بكرامتها وكرامة أولادها ولها في ذلك مقولة "إعرف صاحبك والزم" وكنت أفهم معناها بأنه إذا بدرت من أحد تصرفات غير مناسبة فلا تقترب منه مرة أخرى حتى لا تتكرر الإساءة.

عندما قدمت لها كتابي الأول "رومانتيكيات" الذي أصدرته دار الهلال عام 1970، وكانت كلمة الإهداء المطبوعة هي "إلى أمي التي حملتها وطفت بها العالم"، قرأته في جلسة واحدة وقالت بحسم: "زي أسلوب خالك!" والذي يعرف منزلة خالي الأديب أبو حديد لديها يعرف أنها رفعتني بقولها فوق أعلى قمم الأدب، غير أن الذي أضحكني ساعتها أنها عادت وأردفت بجدية: "لازم عبد الناصر يقراه!".

استطاعت بجهادها ودعمها المعنوي أن تحقق فينا طموحاتها الثقافية وأحلامها العلمية بعد أن أصبح خمسة من أولادها من حاملي شهادة الدكتوراة وعندما اكتفيت أنا بالماجستير انحدرت من عينيها الدموع في حسرة!

حملت همي فترة أزمتي المهنية حين صدر قرار بمنعي من النشر أغسطس 1971، وصعب عليها رؤيتي تحت وطأة الظلم الذي أوصلني إلى الإعتقال السياسي يناير 1973، جاءتني زائرة مستبد بها الهلع فقلت مخففة عنها: "عارفة ياماما السرير الذي كان ينام عليه سيدنا يوسف في سجنه؟" قالت:"ماله؟" قلت:" أنا أنام عليه!" قالت بفرح:"بجد والله؟"!

تكالب عليها الحزن الثقيل بسبب ماحل بي من ظلم وتولد عنه مرضها بالسرطان لكن أمنيتها تحققت بألا تتعذب طويلا فالموت برأيها "مكبة من ذهب"!

صعدت روحها إلى بارئها 11\11\1976 بعد أن ظلت تتمتم: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لاشريك لك لبيك"، وبدت ابتسامة الفرح بلقاء الله مرتسمة على وجهها إلى يوم البعث إن شاء الرحمن الرحيم.

السبت، 17 مارس، 2012


مرثية مبهجة


  علاء خالد شاعر، لا أعرف الكثير عنه ،يكفيني معرفة سنة ميلاده 1960،  سكندري متزوج من فنانة رسامة اسمها سلوى رشاد، ليس لديهما أبناء وعندما قلت له: أحسن! سألني: لماذا؟ فقلت: حتى لا تتألم من القلق عليهم ومن الغضب منهم ومن نفسك لأنك تسامحهم على الدوام، وكان هذا قبل أن أقرأ "تصبحين على خير": مرثيته المبهجة لأمه التي رحلت وهو في الخامســة والأربعين.

أنا لا أقيد الشعر بإطار شكلي أو تعريفي، لا أصفه ولا أدون لأحد سكة الإتصال به، أعرفه على الفورمهما اختلفت ملابسه، وأحتفي به قديما وجديدا ومتجددا، غنائيا متراقصا، ورصينا متخوشنا، يتباين، يتناقض، لايهم  الأهم : أن ألقاه شعرا ولا يسألني أحد كيف أعرفه فأنا أعرفه على الفور ولا أدرك: كيف؟

هذا ماحدث بالتمام مع مرثية:  "تصبحين على خير"، كنت أحايل نفسي، بشراب القرفة باللبن ثم بالنعناع مع الشاي الأخضر، طالبة تخفيض ضغطي الذي تصاعد بعد ركاكة مروعة داهمتني في صفحة أولى لجريدة صباحية.

متهيبة قرأت الصفحة الأخيرة:  "في آخر كل حزن فرح \في آخر كل موت حياة \نعم \تصبحين على خير." قلت لنفسي: صحيح في آخر كل موت حياة لكن من يضمن الفرح؟

دخلت البداية متشجعة: "بروح شابة \تنظرين إلى يدك المسنة بدهشة كأنها ليست لك \ وأن هذه التجاعيد \ تخص امرأة أخري، \ أفنت نور يديها في غسيل الملابس والصحون. \ يد عمياء تتحسس طريقها إلى التراب \ قبل العملية بقليل \ نزعت خاتمك وابتسمت \ كموظف يستريح \ بعد أن يسلم آخر عهدة له."

لقطات تتتالى، خطوات رشيقة في حديقة الحزن الأخضر. يأسرني خفوت نواحها. تدمع عيناي رغم رسم ابتسامة عريضة.

 أيجوز لي أن أكسر إيقاع التوليف الراسم للملامح العزيزة درءا للإضمحلال؟  أجذب : "كل مساء، ولساعات متأخرة من الليل \تظلين ساهرة \ تحتفلين بقطع أواصر المحبة مع الماضي \ تحولين صورك النادرة إلى آلاف المزق الصغيرة المبعثرة على السرير \ تكسرين الأحجار الكبيرة للذكرى \ وتحولينها إلى تراب \لم يبق دليل على حياة كنت أحد أبطالها \ لا أعرف أي مخبر سري كنت تتوقعين ظهوره بعد موتك \ ليقيم الحجة عليك."

قصيد طويل سحبني معه إلى شاطئ الطيبة يطعمني فاكهة فواكه الآلام :"كان بيتنا حزينا \ولكنه حزن شفيف \ لايورث \ كان نصيبك فائقا منه \ بموتك، انحسر هذا الحزن \ وأصبح كندبة وردية لحرق قديم \ كوسام من ماض \ غير قابل للتكرار."

حملت المرثية بيدي ووضعتها بإحترام واجب عند رف بمكتبتي قريب شاكرة لها صنيعها في مداواتي، وعند النظرة المودعة تأكدت أن غلافها جزء لا يتجزأ من صوتها الناطق من تحت الشباك: "تصبحين على خير".


الثلاثاء، 13 مارس، 2012

التدين المريب
منذ سنوات عدة تلقيت رسائل كانت تصلني أحيانا من أمستردام بهولندا وأحيانا من داخل القاهرة  بغلاف أزرق وخط ردئ وأسلوب ركيك ملئ بالأخطاء النحوية والإملائية ويبدو أن كاتبها كان يتابع ما كنت أكتبه بالمصوّر، واحدة من تلك الرسائل كانت تعلّق على قطعة من كتاباتي تحتوي على تداعيات من زمن الطفولة. كان التعليق وقحا يتبنى أسلوبا تهكميا أقتطف منه هذا الجزء على سبيل المثال: "المرأة المحجبة صافي ناز كاظم: بعد الإطلاع على ما كتبته في مجلة المصوّر .... لنا بعض الملاحظات: المرأة عورة ولا يباح لها أن تضع صورها على صفحات المجلات لأن في هذا فتنة للرجال وتصوير المٍرأة رجز (هكذا كتبها!) ويقال أن المرأة إذا تصورت فرأى صورتها الرجال أو النسوة الأجنبيات فهي فاسقة........ولا يشفع للمرأة ظهورها بحجاب فهي عورة بحجاب وفي كافة الأحوال ....ولا يباح للمرأة إمتلاك قلم.....بل المرأة لأنها ناقصة عقل لا يسمح لها باستخدام أية أدوات باستثناء المكانس والفرشات وأدوات المطبخ وكل ما يتعلق براحة البعل في بيته........لايجوز للمرأة أن تحمل أرنب (لم يكتبها أرنبا) أو غير هذا من حيوانات لها أسماء مذكرة .... لا يجوز السفر للمرأة .....ولا يجوز لك ركوب القطار لأن القطار مذكر وكان أولى بك أن تركبي الناقة...... كما لا يجوز لك أن تعرفي نفسك بأنك ناقدة مسرح ......فلا يجوز للمرأة أن تحشر عورتها الأنفية فيه...إلخ".

عندما وصلتني هذه الرسائل بكل كلامها الفارغ لم أمزقها واحتفظت بها قرينة على نشاط بعض المراكز المشبوهة المتخصصة في بث ونفث سموم حقدها الأسود على الإسلام الوضئ، وفي زحمة الأحداث كدت أنسى شأن هؤلاء الأفاعي حتى شكت لي إحدى صديقاتي من نشاط مجموعة سيدات أجنبيات، من أستراليا وأوروبا، يرتدين النقاب ويتحرّكن في مجال الدعوة، رغم عدم معرفتهن باللغة العربية، وينتهجن منطقا في الحلال والحرام يتشابه كثيرا مع المنطق التهكمي الذي ظهر لي جليا في تلك الخطابات المشوّهة المعادية للإسلام التي تبثها تلك المراكز المشبوهة في أمستردام وغيرها، ورأيت، في التشابه، كيف قسم أعداء الإسلام أنفسهم إلى فريقين: فريق يخترق صفوف المؤمنين بادعاء الإسلام والدخول فيه ثم يبدأ في المزايدة على المخلصين حقا لدينهم العزيز بانتحال تدين مريب يكون شغله الشاغل هو تثبيت كل المزاعم الباطلة التي يدّعيها ويروّجها الفريق الآخر المهاجم من الخارج والتي هي على شاكلة "لا تحمليي الأرنب لأنه مذكّر" و "لا تركبي القطار لأنه مذكّر واركبي الناقة..." إلى آخر هذه السماجات، وكان من الواضح أن هناك من يدّعي الإسلام ليكون جواز مروره للتخريب من الداخل تارة بتحريم كل شئ وتارة بتحليل كل شئ؛ تارة بالجمود والتشنج وتارة بالتساهل والتسيب.

الذي نعرفه على وجه اليقين أن رسولنا الكريم، خاتم الأنبياء والمرسلين، محمد بن عبد الله جاء رحمة للعالمين بكتاب عربي مبين حلاله بيّن وحرامه بيّن، ولن يكون من الصعب على المؤمنين لو تسلّحوا بالوعي الصادق بدينهم الحق، أن يشتموا النتن والخبث في "التدين المريب" الذي يتسم أصحابه بالشراسة وبالإستعلاء والمراء الكاذب، وصدق الله العظيم الذي قال في كتابه العزيز، من سورة محمّد: "أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم (29) ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم (30) ".

الخميس، 8 مارس، 2012

من صندوق الجواهر:

أكتب عنها بمناسبة يوم المرأة 8 مارس

أكتب عن الأستاذة الدكتورة معصومة محمد كاظم في "يوم المرأة" بصفتي واحدة من المراجع التي بإمكانها حكاية مسيرتها وسيرتها، لا أتحرج من كونها شقيقتي الكبرى فأنا أتزين بهذه الحقيقة، إنها الرائدة في علم الرياضيات يذكرها تقرير ترشيحها لجائزة جامعة عين شمس التقديرية لعام 2003 \ 2004  بأنها "قامت بأبحاث وإنتاج علمي يتسم بالتنوع والأصالة والعمق، كما تبنت تحديث مناهج الرياضيات بموضوعات جديدة مثل الرسومات التخطيطية والهندسات اللاإقليدية والنمذجة وغيرها.....لكل هذه الريادة للمرأة العربية ولكل هذا السبق العلمي الذي حققته بوجودها العلمي المتميز والمنير والثقافي المشرف في كثير من المؤتمرات والمحافل العلمية يمكننا أن نرى بجلاء مردود هذا السبق والريادة بكل الأبعاد المثمرة على الساحات الثقافية والفكرية والقومية....".

لسبب لم أفهمه أبدا رفضت "أختي" مبدأ الإضاءة الإعلامية للتعريف بقدرها وقيمتها العلمية الرائدة على طول مشوارها الأكاديمي الذي طرقت فيه أبوابا لم يسبقها إليها أحد، بين الرجال والنساء في مصر والوطن العربي، وعندما دبرت لها مصيدة كلام عن نفسها، سجلته لها يوم الجمعة 19 \7 \ 2002 تحت غطاء دعوة للغداء في فندق السلام بالقرب من منزلها بمصر الجديدة، كانت تقاطعني بعد كل استرسال: "إوعي الكلام ده تكتبيه"! هل كان هذا زهدا منها أم وجهة نظر وراءها التساؤل: من يهتم وماذا يهم؟ وحين كنت أتحفز بقول مثل: أنت يامعصومة كاظم خبيئة غالية من كنوز مصر العلمية ومن حقنا أن يعلم شعبنا مدى ثراء أرصدته بما يمتلكه من علماء وأدباء ومفكرين وموهوبين على مدى الأجيال تكذيبا لحلقات الندب والعويل بادعاء فقرنا الحضاري وتخلفنا العلمي، تكتمني دعابتها الجادة التي لا تكف عن ترديدها: "متى صلُح الزمان؟" و "متى كرّم الوطن مُحبيه؟"، تقولها وهي تهون على نفسها وعلى من حولها إغماط الحقوق وتطفيف الموازين.

×××
تكبرني بعشر سنوات وسبعة أشهر، مولودة 14 يناير 1927، هي كبرى الصبيان والبنات في أسرتنا وأنا الصغرى، طفولتي في أربعينات القرن الماضي ، الذي هو القرن العشرين، هو وقت مراهقتها ومطلع شبابها، بينما كانت الفتيات في عمرها يتطلعن إلى صور فاتنات السينما ويحاكين أزياءهن كانت هي تعلق صورة مكبرة للعالم والفيلسوف الإنجليزي إسحق نيوتن الذي اكتشف قانون الجاذبية، وتصمم ملابسها "فيونكة" عند الرقبة على نسق ما كان يلبسه "نيوتن"! نالت منا لقب "التلميذة الخالدة"، الذي عُرفت به "مدام كوري"؛ ذلك لأنها لم تترك أي فرصة متاحة للقراءة والدراسة من دون أخذها ولو كانت الفرصة في محل "بروفيلي" الذي اشتهر بتعليم الحياكة في الأربعينات وإن لم تنشغل لحظة بهذه الخبرة، كان استغراقها في حل "مسائل الحساب" وسيلة لهوها في طفولتها وأصبحت مواد الحساب والهندسة والجبر واللوغاريتمات مرادفها عندي: "أختي معصومة"!

هي القدوة في عائلتنا التي حددت مبكرا وبلا جدال مساواة البنت والولد في مواصلة التعليم إلى الشهادات العليا بحد أدنى "ماجستير" ومن دون حد أقصى فالدكتوراة وراءها الأبحاث والأبحاث والأبحاث؛ شغفا بالعلم والمعرفة لا طمعا في منصب ولا مباهاة.

يقول ملفها العلمي الكثير والكثير الذي لا يجوز لي أن "ألخم" نفسي والقارئ بذكر تفاصيله، وإن أحببت أن أقتبس منه هذه الشواهد: أنها من مؤسسي كلية البنات جامعة عين شمس؛ إذ أنها أول معيدة من خريجات الكلية يتم تعيينها بها وكان ذلك عام 1951 عقب تخرجها عام 1949 في قسم الرياضيات والتربية من معهد التربية العالي للمعلمات وكانت الأولى على دفعتها، وبعد نيلها دبلوم معهد الدراسات العليا في الرياضيات 1952 حصلت على ماجستير التربية في طرق تدريس الرياضيات من جامعة أيوا بالولايات المتحدة الأمريكية 1955، ثم ماجستير أخرى في الرياضيات البحتة من جامعة كانساس 1961 ودكتوراة الفلسفة في مناهج وطرق تدريس الرياضيات 1964 من جامعة كانساس نفسها. أختيرت عضوا في حلقة اليونسكو لتطوير مناهج الرياضيات بالبلدان العربية من 1966حتى 1972، وشاركت في..وفي..وسافرت إلى...وإلى ...وحضرت المؤتمرات الدولية لتدريس الرياضيات في بلدان الشرق والغرب والشمال والجنوب في السبعينات والثمانينات والتسعينات حتى عوّقها المرض عن السفر وإن لم يعق نشاطها الذهني المشارك في كل مؤتمرات وندوات ولجان الرياضيات بمصر ومواصلة الإشراف على الرسائل العلمية وأبحاث طلابها.

معصومة كاظم: أول سيدة تتخصص في طرق تدريس الرياضيات، وأول سيدة تحصل على ماجستير في الرياضيات البحتة، وأول سيدة تحصل على دكتوراة الفلسفة في المناهج وطرق تدريس الرياضيات، وأول سيدة تشترك في تطوير وتحديث مناهج الرياضيات، وأول سيدة تشارك بالجهد الأكبر في تأليف أول كتاب عن الرياضيات الحديثة باللغة العربية، وهو كتاب "أساسيات تدريس الرياضة الحديثة"، مع الأستاذ الدكتور وليم عبيد والأستاذ الدكتور محمود شوق، وأصدرته دار المعارف 1969.

تقول معصومة كاظم في مقالها الجذاب عن رواد ورائدات الرياضيات: ".....هذه الورقة عن رواد الرياضيات في مجالين مختلفين بينهما علاقة وثيقة، المجال الأول هو مجال التخصص في الرياضيات والثاني هو مجال تدريسها؛ فالرياضيات لا يمكن أن تستغني عن طرق تدريسها إذ تحتاج إلى العناية بهذه الطرُق حتى يتحقق الهدف منها وحتى لا تتّهم بأنها علم جاف يصعب فهمه مما يؤدي إلى تجنبه والإقبال على الدراسات الأدبية، مع أننا نعيش عصر الكمبيوتر والتكنولوجيا ولا يمكن مسايرة عصرنا إلا بالرياضيات......كما أنني اخترت تقديم الرائدات في علم الرياضيات لأن الكثيرين يعتقدون أن المرأة أقل من الرجل في فهم وفي حل المشكلات الرياضية مع أنها، حتى عند أبسط النساء، تقوم ببعض الأعمال التي تحتاج إلى رياضيات تستخدمها في بيتها وسائر تعاملاتها التجارية وغيرها............ وكان العالم الرياضي فيثاغورس أول من شجع النساء على تعلم ودراسة الرياضيات وأنشأ سنة 539 قبل الميلاد أكاديميته لتدريس العلوم والرياضيات والتحق بها ما يقرب من 28 امرأة، بعضهن دارسات والبعض الآخر مُدرّسات، وقامت زوجته ثيانو بكتابة بعض المؤلفات في الرياضيات والفزياء والطب وسيكلوجية الطفل، وبعد وفاة فيثاغورس قامت زوجته واثنتان من بناته بمواصلة إدارة أكاديميته العلمية، وواصل أفلاطون، سنة 387 ق. م.، تشجيع النساء على التعلم وأكد على هذا فيما كتبه في جمهوريته قائلا: على النساء اتباع كل ما على الرجال، وبناء على ذلك انضم إلى أكاديميته عدد كبير من النساء متحديات للقانون الذي كان يحرّم على النساء في ذلك الوقت الذهاب إلى الإجتماعات العامة. وكانت هيبتشيا، إبنة ثيون عالم الرياضيات الذي كان يعمل في متحف الإسكندرية مركز الإشعاع العلمي بالمدينة، أول من عُرف من رائدات علم الرياضيات.....كانت أستاذة للرياضيات بجامعة الإسكندرية، 375 \ 415   ميلادية ............................ومع أن ما عُرف عن مؤلفاتها الرياضية ليس بالكثير إلا أن معاصريها كانوا يقدّرونها علميا فقد نالت علما راقيا وشغلت منصب رئيسة فلاسفة مدرسة أفلاطون الجديدة، وقتلها المتدينون المسيحيون بسبب معتقداتها الوثنية وفلسفتها.........".
×××

كانت معصومة كاظم تطلبني هاتفيا كلما خطر على بالها بيت من الشعر الذي تحفظه تراجع معي به قوّة ذاكرتها، وفي يوم من أيام مرضها طلبت مني إكمال أبيات للمتنبي جعلتني أفتح ديوانه وأقرأ لها:

"وزائرتي كأن بها حيـــــــاء
فليــــــس تزور إلا في الظلام
بذلت لها المطارف والحشايا
فعافتها وباتت في عظامي"!

قاطعتني قائلة: "ياه...كأنه يصف آلامي، على فكرة يا صافي المتنبي ده شاعر كويّس!".

ضحكت فضحكت: مع السلامة يا معصومة، وتحية لك في الذكرى السابعة لرحيلك إلى رحمته سبحانه، في 3 يونية القادم إن شاء الله.




الجمعة، 2 مارس، 2012

زهقانة موووت!

= بعض القراء يتصوّر الكاتب نادلا عليه أن يقدّم طلبات الزبائن خاضعا مطيعا، مما يدعوني إلى قول به الكثير من الشفقة على النفس: إنني يا سادة منذ أمسكت بالقلم وهو مجداف زورقي؛ لايأمرني إلا واجبي ولا ينهاني إلا ضميري، وحالي كما هو منذ صرت مع حاسوبي المحمول (المدعو لابتوب) أكتب، زائدا أني لا أخضع لاستفزازات عصابة "خالتي فرنسا" المنتشرة حاليا في مواقع التعليقات بالشبكة العنكبوتية تقطع الطريق بالجهل والغباء والفظاظة والغلاظة متباهية بسوء الأخلاق!

= صعبة جدا محاولاتي إسماع صديقاتي، والناس عموما، ما أود أن أنطق به؛ أكلم صديقتي الودودة أو المناوءة أو صاحبة مشواري في المدارس الإبتدائية والثانوية والجامعة والعباسية الشرقية والشارع العمومي على شريط الترام، ما إن أبدأ الكلام حتى يقفزن في حلقي يكملن ما تصوّر لهن استنتاجاتهن أنني سأقوله، فأقول بهدوء: "لأ مش ده اللي كنت عاوزة أقوله!" آملة أن تهبط استنتاجاتهن وينتظرن سماعي، أفندم؟  ينتظرن؟ من هن؟ هوهوهوووووه! لماذا؟ لكي لا أختنق؟ لا وكلا وغير مهم بالمرّة ما أود قوله، المهم هذا السباق والملاحقة المستمرة في الاستنتاج، لإثبات ماذا؟ أنهن في صحوة عقلية؟ أنهن يعرفن أكثر مني ما حدث لي أو ما أضيق به أو أفرح له أو أندهش منه أو يغيظني؟ من فضلك اسمعيني توقفي قليلا عن التكهن ذلك لأنك دائمة الخلط بين الأسماء والأماكن فزيد عندك هو عبيد وعبيد لديك هو زيد وجنوب إفريقيا لا تفرق عندك عن مالطة، وينقطع الخط! أماالأخرى، الألمعية الوثابة في السرد والفكاهة والسخرية، فما أن أفتح فمي، والمكالمة على حسابي، حتى تبطش بي بمقاطعات الاستنتاج  بثقة هائلة و"ألاطة" لاحد لها، ولا دكتور لويس عوض في زمانه، أو تواضع مفتعل تنسحب به من المقاطعة والاستماع معا. أتوسم النجاح مع بادية الطيبة: "عاوزة أقول لك..."، أتوقف عن الإكمال، لأن صديقتي إنتقلت مني فجأة إلى أم فلان التي تدبر احتياجات منزلها، وتعود لي باستنتاج: "أيوة ياحبيبتي كنت بتقولي نتقابل مافيش مانع يوم الأربعاء"، فأبادرها: "لأ مش ده اللي كنت...."، فتصر: "خلاص في المكان اللي يعجبك!"، "ياستي ده مش الموضوع الله!"، "أمال إيه الموضوع؟"، "نسيت!"، وتنتهي المهاتفة وأبقى بعدها مهدودة الحيل في محاولة تذكر ماكنت أود أن أقوله!