السبت، 16 فبراير، 2013

فن كتابة:

مَنْ وما تحت الأرض

وقفت فزعة متجمدة بمكاني أراقبهم. كانوا متشابهين كأنهم نسخ مصبوبة في قالب واحد؛ الوجه شاحب جامد التعبير والرأس بيضاوي صغير والجسم نحيل وعليه زي موحد بارد اللون. يتحركون آليا من تحت الآرض ومعهم ذلك المنشار الغريب، كأنهم دمى بداخلها أحجار بطارية، يغرسون المنشار من تحت الأرض ثم يلتفون معه مُحدثين قطعا دائريا لا يلبث أن يسقط،  بمن وما عليه، قرصا عاجزا في باطن الأرض حيث يتحلل فورا في حمض الهلاك.

أزيز المنشار متواصل وهم يتنقلون بسرعة مذهلة مستمرين في قطع الأرض أقراصا  عاجزة تتهاوى في ومضة أمام عيني ليلتهمها حمض الهلاك مُحدثا صوت شفط حاد وحاسم.

على عِرق رفيع من عروق الأرض المفتوحة أحاول أن أهرب إلى الجانب الآخر الذي مازالت به الأرض مستقرّة وما أن أنقل خطوتي وأبدأ السير على العِرق في حذر شديد حتى أرى بقعة الأرض، التي كنت أقف عليها وتركتها لتوّي، تنهار.

أخشى أن أفقد توازني وأقع في إحدى الهوّتين على جانبي العِرق الرفيع، أرفع رأسي وأنظر أمامي حتى تثبت خطوتي وأنا أستعين بآيات من القرآن أقرأها في تضرع إلى الله أن يساعدني. أجتاز البقعة الحرجة وأنتقل إلى الأرض التي لاتزال متماسكة.

ما أن أجد نفسي على أرضية صلبة حتى أهرع بالجري إلى ميدان رئيسي وأنا أصيح وأدق الأبواب لأوقظ النائمين: "استيقظوا إنهم يقطعون الأرض هناك بمناشيرهم أقراصا تسقط  في حمض الهلاك فتحترق على الفور، أفيقوا إنهم يتقدمون بسرعة صوبكم!".

تُفتح الأبواب تباعا وألحظ الارتباك على الجميع؛ يتوقفون عند أبوابهم وينظرون في نعاس إلى بعضهم البعض متسائلين: "وماذا بوسعنا أن نفعل؟".

يستولي عليّ الأسى فأقول في نفسي: "ليس أمامي إذن سوى أن أطير" ؛ أمد ذراعي إلى أعلى وأدق الأرض بقدمي  حتى أرتفع تدريجيا وأنا أحس بجسمي أثيريا خفيفا يمكنني من إختراق الجدران في مرونة ويسر.

 أنظر من إرتفاعي فأجد المخلوقات الآلية لا تزال في حركتها الدائبة؛ تطل من الجوف، ومعها المناشير، تشق طريقها بلا هوادة في قطع الأرض؛ دوائر تهبط أقراصا إلى هوّة حوض الهلاك الملتهب، بما عليها من عمائر وبيوت وحوانيت والناس بداخلها مُطمئنون إلى أنهم قد أغلقوا أبوابهم جيدا فأخلدوا خلفها إلى الهدوء متصورين أنهم  بذلك قد وجدوا حلا نموذجيا لدرء الخطر.

+ إضافة: في خضم التعاسة من غَلَبة الشر هناك دائما لحظات غبطة؛ بشرط الإيمان المطلق والتصديق بقوله تعالى في سورة النور آية 11: "لا تحسبوه شرا لكم بل هو خيرٌ لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم".


هناك 4 تعليقات:

  1. لحظات الغبطةلن يستشعرها ويفهما الا شديد اليقين بالله المستسلم من قبل ومن بعد

    ردحذف
  2. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  3. "لا تحسبوه شرا لكم بل هو خيرٌ لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم".

    ردحذف
  4. انا من غالقى الابواب .. واعلم ان مجرد تجاهل ما يحدث لا يحل شيئاً ولكن ما البديل الممكن عمله ؟ اكتفى بالدهشة من الناس المنقادين وراء مخربى العقول ومخربى الشوارع والموضة الآن ان تكون معارضا ثورياً سباب لعان منكوش الشعر صارخ الصوت ممتلىء الجيوب المولتوف واتساءل احيانا اليست الفتنة اشد من القتل ؟ اليس اختفاء بعض الوجوه العكرة التى تحرق البلد حلاً ؟ لا ادرى ولكن اؤمن تماما على اية حال ان هذه البلد اقوى من كل هذه المحن المتتالية المكان أكثر اصالة من أهله .. والله موجود

    ردحذف