السبت، 9 فبراير، 2013

فن كتابة:

الأم القاتلة أطفالها

ليست مجنونة مطلقا؛ لو كانت مجنونة لدمّرت كل شئ في سوْرة جنونها ولأكملت المشهد بذبح نفسها، لكنها بعد ذبحها طفليها، يوسف ومريم، خرجت بهدوء وكامل وعيها لتدبر قصة مُختلقة تساعدها على الهرب من العقوبة أدت فيها ببراعة دور الأم المفجوعة بمشهد فلذتي كبدها المذبوحين؛ صرخت وانتحبت كأنها مصدومة بالمفاجأة وحولها الجيران مُصدّقين هول مُصابها، (وهل كان بإمكان مخلوق أن يتشكك لحظة في صدقها؟)، أبلغت البوليس، وشرع الجميع في البحث عن الجناة بمؤشرات تكهنات "منطقية" ليس بينها احتمال أن تكون الجانية يد آثمة لــ "أم" قاتلة، وذهبت بعدها إلى بيت أسرتها لكنها، كما تقول،"من ساعتها مش عارفة أنام"، (يا سلام! حضرتها كانت تود أن تنام!)، لم تعترف إلا بعد حصار الأدلة لتضيق دائرة الاشتباه حولها فانهارت وقالت لغوا كثيرا عن مبررات فعلتها الشنعاء متسائلة: "حد يقتل عياله؟"، (نعم! أنت!).

المرعب في هذه الحادثة أنها، في جانب منها، تُلخّص مايحدث الآن في طرقات بلادنا وميادينها ومنصّات فضائياتها، (أينعم وإعلامها)، مهما أغلظ الجميع  القسم بــ (ثلاثة بالله العظيم)، أنهم أبرار مخلصون يسعون نحو "إنقاذ" مصر متسائلين: "حد يقتل بلاده؟"، والرد بلا تردد: "نعم! أنتم!"، جميعكم بلا استثناء إلا الذي نطق بفطرة الأب الحاني والإبن البار وهو، بلا تردد كذلك، الشهيد الحي الشاهد "حماده صابر"، قائلا بعزّة وفداء: "أنا كنت عاوز البلد تِهدى!".

"حماده صابر" ليس متنازلا عن حقّه، ولا خانعا لقوة البطش القاتلة، ولا كاذبا ولا مُتراجعا، ولا أيا من التفسيرات التي إنهالت من كل حدب وصوب، متسابقة في الجَزّ على الأسنان، العمياء عن رؤية ما رآه "حماده صابر" في جملته البسيطة التي تعني؛ أريد بلدا "وطنا حاميا"، لا "خناقة" شوارع و "شرشحة بلكونات" تُشحذ فيها السنج والمطاوي وتُسن سكاكين الألسنة بسموم الثعابين والعقارب وحشرات صناديق الأذى المكبوتة، التي أينعت بفضل أيد فتحت لها الغطاء ليتحول المشهد إلى أدغال وأحراش يتعاظم فيها السحل والتحرش ويتفاقم بها الإفساد وسفك الدماء تحت دعاوى إنقاذ خائبة الرجاء.

 حماده صابر يريد إستقامة الأمور حتى تستقر قوّة الحق فوق الجبروت، وفوق المشاحنات، وتسقط  أقنعة القتلة الداهية؛ بحصار الأدلة إلى أن تضيق حولهم دائرة
 الاشتباه ،حتى يتبيّن الخبيث من الطيب، ويهلك من يهلك عن بيّنة ويحيا من يحيا عن بيّنة.

ويا أيها الصائح بعنوان " أولئك هم الكفرة الفجرة" هتافك التكفيري هذا لن يساعد حماده صابر  بشئ،  فكن عاقلا ،(فالمسألة ليست فش غِل لترتاح سيادتك)، وخذ نفسك إلى سبيل الحكمة، لو أنك تنشد "الإنقاذ" حقا وصدقا ويقينا، وقد سأل سائل الإمام علي بن أبي طالب عن صفة من قاتلوه هل هم من الكفار؟ قال لا، هل هم من المنافقين؟ قال لا؛ بل "هم إخوة بغوا علينا"، مُستحضرا هداية الآيات الكريمة  من سورة الحجرات: "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (10)"، صدق الله العظيم.

+  تنويه: نستدل كذلك من الآيات الكريمة هذه المعلومة "إنما المؤمنون إخوة"، بما يعني أن "أخوّة" المؤمنين ليست إختراعا لجمال الدين الأفغاني كما تصوّر "أخ" من الكتّاب!

هناك 3 تعليقات:

  1. سلمت يداكي :) ولكن عندي ملحوظة إن حماده صابر عليله علامات استفهام كبيره اوي من تراجع واقول عجيبه وشهادات جيرانه ولكن أنا برضه عجبني رده إنه عايز البلد تهدي لو كانت دي نيته فعلا يبقى هو راجل بجد

    ردحذف
    الردود
    1. فطرته صادقة يا أسماء، وهذا هو المهم، إنه مثل الشعب المصري الذي يحاول الكثير اللعب في دماغه فيخرف أحيانا لكن وعيه الحقيقي يطلب وطنا يحميه؛ يحميه من الخديعة قبل كل شئ. حرس الله بلادنا ونجّاها من القتلة واللصوص.

      حذف
  2. الأستاذة الفاضلة ألف تحية من الجزائر
    بعض ماأكتبه على صفحتي على الفيسبوك بعد ما قاطعت الصحافة المكتوبةالتي استمرت أكثر من عشرين سنة

    سيدتي شيء من اللباقة

    ليس من العادة متابعة قناة نسمة التونسية ،لكن اغتيال المناضل التونسي شكري بلعيد جعلني أتابع قناة نمسه وغير نسمة لأطلع على مجريات الأحداث وموقف النخبة التونسية منها
    كانت تتحدث مع الصحفي في مقابلة عن اغتيال شكري بالعيد،تشعب الحديث ،العام والخاص،إلى أن سألها الصحفي عن رأيها في موقف الثوار في ميدان التحرير بمصر الذين أقاموا صلاة الغائب على روح شكري بالعيد . ردت وبمنتهى الهدوء و البرودة وبدون أدنى مجاملة التي تتطلبها مثل هذه المواقف التي تتصل بالموت ورهبة الموت و الخشوع للموت، قالت أن شكري كان يهتم كثيرا بتونس ولا يهتم إلا تونس، ثم راحت تركز على "نحن " التوانسة ولم تشر ولا بكلة واحدة لموقف ثوار مصر الذين عبروا عن تضامنهم ب"الصلاة " على روح الفقيد ولا اعتقد أن ذلك الموقف التضامني من ثوار مصر بتلك الطريقة يعكس أصولية أو سلفية
    كان على الأقل ،من باب المجاملة ،توجيه الشكر و التحية لمن شاطر وتضامن ولو ب"الصلاة"
    يبدو أننا نعاني ليس من أصولية واحدة بل أنواع مختلفة وتشكيلةواسعة من الأصوليات، ولا نعاني من سلفية واحدة بل أنواع مختلفة وتشكيلة واسعة من السلفيات

    ردحذف