الجمعة، 21 يناير، 2011

طاهر أبو زيد الأصلي
رائد التوك شو

طبعا لابد أن أنوّه بأنه "الأصلي" حتى لا يذهب الظن بالقارئ إلى النجم الرياضي الذي تألق في ملاعب الكرة، كان والده "أبو زيد" قد سمّاه حين مولده "طاهر" إعجابا بالنجم الإذاعي المتألق "طاهر أبو زيد"، الذي حددته بالأصلي، وقد رحل عن دنيانا يوم الثلاثاء 4 يناير 2011 فكبدني رحيله ألما مضافا بعد يومين من رحيل صديقتي الكاتبة عائشة صالح.

كان النجم الإذاعي العريق قد عاد مع برنامجه "أسبوعيات" ليتألق من جديد في البرنامج العام للإذاعة المصرية بعد غيبة سنوات طويلة اضطر إليها نتيجة لتنحيته قسرا عن الميكروفون عام 1972، وهو يشغل رئاسة إذاعة الشرق الأوسط ، بناء عن توصية مؤذية ملحة حملها يوسف السباعي إلى الرئيس الراحل أنور السادات، فتم حرمان المستمع المصري من الصوت الصبوح البشوش المتفائل الذي لم ينقطع صداه في آذان جيلنا، رغم الإنقطاع، نذكر من برامجه "جرب حظك"، 1953\1968 الرائد بلا شك في فن مايسمى اليوم "التوك شو"، "رأي الشعب"، 61\67، "فن الشعب" 56\67، "مع مجلس الأمة"، 62\67.

لم يحلم طاهر أبو زيد يوما بأن يكون مذيعا فحلمه الدائم كان المحاماة، وكان الحلم منطقيا مع بداياته حين اضطرته الظروف ليتوظف "محضرا" بعد حصوله على شهادة إتمام الدراسة الثانوية. أفادته هذه البداية في سبر غور المشكلات الحقيقية للشعب؛ ساكن القرى والدروب المنسية، كان عليه أن يذهب، عام 1942، في مهمة من مهامه،مع مندوب شركة سنجر لماكينات الخياطة لينفذ حكما باسترداد ماكينة اشترتها أرملة فقيرة بالتقسيط ولم تستطع أن تفي بالتزامها، وعند التنفيذ فوجئ المحضر الشاب طاهر أبو زيد، الذي كان وقتها عضوا بحزب مصر الفتاة في بلدته طلخا، بالسيدة وبناتها يولولن نادبات ماكينة الخياطة عند سحبها منهن، كأنهن يشيعن عزيزا ولم يستطع المحضر الشاب تحمل المشهد وبدا لنفسه جلادا ينفذ حكما بالإعدام على أبرياء، سأل مندوب سنجرعن مقدار المبلغ المتأخر، وكان خمسة جنيهات وهو قدر مرتبه الشهري الذي استلمه للتو، فما كان منه سوى أن أعطاه كله للمندوب ليعيد الماكينة للأرملة، ويبدو أن مندوب الشركة كان ينتظر مثل هذه المبادرة فتقاسم المبلغ مع المحضر طاهر أبو زيد وانقلب المأتم فرحا انطلقت فيه الزغاريد. هذه الروح الإنسانية السمحة التي تجود بما في طاقتها للإنقاذ ظلت السمة الرئيسية لطاهر أبو زيد تتبدى بوضوح في بشاشة صوته وعباراته وطلاقة لسانه.

لم يكتف الشاب طاهر أبو زيد بدور المحضر المنقذ فقرر أن يصبح محاميا عن المظلومين؛ يمنع مثل تلك الأحكام الجائرة في بلد يطحن البؤس ناسه في تلك الأيام التي لا يستحي البعض في نعتها بـ "الزمن الجميل"! ذهب يستأذن في الإلتحاق بكلية حقوق جامعة الإسكندرية فقال له رئيس المحكمة المسؤول أن السنهوري باشا، وكيل وزارة العدل، أصدر قرارا بمنع الجمع بين الوظيفة والدراسة ثم أردف ساخرا: روح بقى هات موافقة من السنهوري باشا! قال طاهر أبو زيد في عزم: حاضر! وركب القطار إلى القاهرة، إلى وزارة العدل، إلى مكتب السنهوري باشا، وأثناء معاندة السكرتير بعدم السماح للمحضر الطموح بمقابلة السنهوري باشا دخل المحامي الشهير والقطب السياسي فتحي رضوان فسهل له تحقيق المقابلة، قال له السنهوري: وماله المحضر؟ بكرة تترقى! فرد طاهر أبو زيد: سعادتك كنت كاتبا في مصلحة التلغراف ولم تكتف بذلك! فضحك السنهوري وفتحي رضوان وقال السنهوري: صدقت! ووقع له بالموافقة على الطلب.

جمع طاهر أبو زيد بين دراسة الحقوق ووظيفته الشاقة، وكان هذا الجمع بين الدراسة والعمل هو النموذج السائد لكل طلاب العلا في حقبة الأربعينات الصعبة التي توهج فيها الوعي الوطني الطامع إلى الترقي والتقدم لشغل المواقع التي تحقق للوطن ولفقرائه حلم كريم العيش، وأصبح بعد التخرج في كلية الحقوق 1948 محاميا تحت التمرين لمدة قصيرة إذ دفعه صديقة صبحي باسيلي، وكان يعمل مساعدا فنيا للإذاعة بالإسكندرية، ليجرب حظه في إختبار حددته الإذاعة لإختيار مذيعين اجتازه بنجاح باهر، وهكذا وجد طاهر أبو زيد نفسه، بشهادة الخبراء المتشددين في الإنتقاء، مذيعا معيّنا بالإذاعة اللاسلكية المصرية في 14 مايو 1950.

أصبح طاهر أبو زيد واحدا من الرعيل الإذاعي الثاني، بعد الرواد العظام أمثال: كروان الإذاعة محمد فتحي، وبابا شارو محمد محمود شعبان، وحافظ عبد الوهاب، وعبد الوهاب يوسف، وأنور المشري، وصفية المهندس، وتماضر توفيق، وكان الأقرب إلى قلبه هو الراحل الفنان الفذ عبد الوهاب يوسف، الذي دخل الإذاعة 1941 وتوفي فجأة 29 نوفمبر 1951، قدم خلالها، عشر سنوات فحسب، تحفه الإذاعية الخالدة إعدادا وإخراجا وتمثيلا منها "السيرة العطرة" و "قطر الندى" و "خوفو" و" علي بابا" و"السوق" الذي استلهموا منها "الليلة الكبيرة".

مازلت أذكر لطاهر أبو زيد برنامجه الشهير "جرب حظك"، الذي بدأه 1953 وأنا تلميذة في المرحلة الثانوية، وكيف كان الجميع يتوق ليكون واحدا من فرسانه، أي شخصياته، التي يستضيفها ويحاورها ويناغشها، متبسطا وضاحكا وتلقائيا ظريفا، ليخرج من ملامح كل شخصية الطريف والشيق والإنساني، وتراوحت شخصيات برنامجه من المجهول تماما وغير ذي الحيثية من بسطاء الناس إلى النجوم الزاهرة في أجواء الفن والصحافة والأدب، مرورا بتقديم الهواة؛ من يملك منهم موهبة حقيقية ومن يسيطر عليه الوهم.

في حلقة سمعتها من برنامجه "أسبوعيات طاهر أبو زيد"، بثها البرنامج العام في يوم جمعة قبل منتصف الليل، قدم فقرة جميلة من سجل تسجيلاته القديمة وكانت مع ليلى مراد التي أكدت أنها تعلمت "عفق" النغم من الفقها ـ وقصدت قراء القرآن الكريم والمبتهلين بالإنشاد الديني ـ وأعجبني تعبيرها "عفق" الذي نطقت قافه همزة هكذا "عفْءْ"، ويعني الصحيح والأصولي في الإمساك بالآلة الموسيقية ومن ثم التوصل إلى السيطرة وإتقان العزف والغناء. ألاحظ حالا أن "عفق" يمكن أن تكون مرادفة للإمساك بالتلابيب؛ حركة تجعلنا نسيطر بها على الممسوك، وهي كلمة لها في قاموس المنجد سبع معان منها جمع الشئ أو لاذ به، ومنها عفق الأسد فريسته، الغاية أن لب موضوعي الذي حاولت "عفقه" هو: ليس فحسب تحية الراحل العزيز طاهر أبو زيد، أحد أبرز "جبهة حماة اللغة العربية"، بل الشهادة ضمنا للإذاعة المصرية، في مرحلة  طفولتي وصباي مابين عام 1944 حتى 1954، بأنها كانت ضمن مكوناتي الثقافية، وأن أشهد ضمنا، بأن الإذاعة في تلك الفترةكانت" فنا" قبل أن تكون "إعلاما"، فازدانت بالفنون الإذاعية وبفناني الفن الإذاعي، ولذلك كانت الركيزة في الاختيار والاختبار، لمن يتقدم للعمل الإذاعي هو المعيار الجمالي: جمال الصوت، سلامته وصحة مخارج الحروف وخلوّه من الخرفشات والتطجينات والسرسعات، حسن اللفظ والتلفظ، جودة الإلقاء، متانة الأداء، وذكاء الروح، ومعيار تحديد جمال الصوت كان الحضور الجاذب للأذن وقدرته الظريفة الأنيقة اللبقة لاستقطاب انتباه المستمع. تنوعت الأصوات منذ إنشاء الإذاعة، مايو 1934، فكان هناك الصوت الذي استحق به محمد فتحي لقب كروان الإذاعة، وكان هناك الصوت القطيفي الودود الذي استطاع به محمد محمود شعبان أن يكون " بابا شارو" ويسجل إعجازا غير مسبوق أو ملحوق في الحديث إلى الأطفال، وكان هناك الصوت الرومانسي الشاعري لعبد الوهاب يوسف القادر على اللهجات البدوية والعربيه المختلفة، والصوت المغرّد الوقور الملئ بالحيوية والاستقامة معا لصفية المهندس، والصوت المضياف المتفائل لطاهر أبو زيد؛ كان الفرز دقيقا وأمينا ينتقي الموهبة ويبحث عنها وينتبه لها فيستدعيها، حتى وإن لم يكن صاحب الموهبة مدركا لصلاحيته، وهكذا اختار الصديق صبحي باسيلي صديقه المحامي طاهر أبو زيد ودفعه دفعا إلى لجنة اختيار المذيعين فيغريه نجاحه بترك حلم المحاماه الذي داعبه كثيرا من أجل الإذاعة، ذلك كله قبل أن يستفحل الصوت القنبلة، والصوت الناعي، والمقرّع، والمتعالي، والإستفزازي، والعدواني، وماضغ اللبان، مع الكابي والباهت والساقع والقاتل لنا مللا.

رحم الله الفنان الإذاعي طاهر أبو زيد، المولود 5 إبريل 1922 والمتوفي 4 يناير 2011، وجزاه  سبحانه عني وعن عارفي فضله خير الجزاء.










ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق