السبت، 18 مايو، 2013

اليوم مرور 46 سنة على رحيل الأديب الروائي الرائد محمد فريد أبو حديد ومن المفيد أن أعيد هنا نشر مقالي عنه الذي نشرته بجريدة الشرق الأوسط  14 يونيو 2008 بعنوان:


«أبو حديد»: في معركة الثقافة المصرية


تأتي مراحل وفترات يعلو فيها صخب التغريب وضوضاؤه واللادينية وخروقاتها، حتى ليتصور المراقب أن مصر قد انتزعت ـ معاذ الله ـ من قلبها وروحها إلى الضياع. وقبل أن يستبد اليأس بأبنائها البررة، نراها وقد نهضت مسترجعة نفسها بملامحها العربية الأصيلة متألقة بسماتها الإيمانية الباهرة: تماما كما أرادها الله دائما منذ الزمن الغابر ومنذ ما يقرب من 1500 سنة.

غير أن هذه العودة لا تكون إلا بيقظة دائمة لرواد وجنود مثابرين كان منهم في زمن سيطرة الاحتلال: محمد فريد أبو حديد، مع وجوه بارزة أخرى أخلصت للتيار العربي والإسلامي حتى قمة الاستشهاد، بينما كان أهم وجه قاد التيار نحو محاكاة الغرب بإصرار وعناد هو أحمد لطفي السيد، الذي تولدت منه مجموعة العلمانيين والمستغربين المعاصرين الذين لا يزالون يحلمون باليوم الذي تتم لهم فيه كتابة اللغة العربية العزيزة بالحرف اللاتيني، كما دعا إلى ذلك عبد العزيز فهمي وغيره.

كان التيار الإسلامي العربي يستقطب على مسار طريقه الكثير من الشباب الواعي الذي أضاف إلى البعد الثقافي الأدبي المحض الأبعاد السياسية المتأثرة والمؤثرة في واقع مصر المباشر. ومن الناحية الأخرى استمر كذلك التيار الاستغرابي: الساعي إلى محاكاة أوروبا، في استقطاب كثير من الشباب الذي كانت وجهته دائما الغرب وقيم الغرب ومتغيراته، ناسفا في نفسه كل إمكانيات عودته إلى أصالته، راميا التيار العربي الإسلامي بتهم الجمود، والسلفية. والمضحك أن الجمود والسلفية في عرفهم هو العودة إلى سلف العرب فقط، أما العودة إلى سلف الغرب من يونان وخلافه فهي في رأيهم حضارة وتمدن، كما كان المؤمن برؤى الوحدانية الإسلامية يتم اتهامه بالتخلف والظلامية، بينما المتوغل في خرافات الفولكلور وأساطير الوثنية يعتبر أصيلا تراثيا عريقا. غير أن قوة امتداد التيار العربي الإسلامي في عمق التربة المصرية، كانت تحسم المعركة طوال السنين لصالحه، رغم كل الأقنعة التي اتخذها ويتخذها التيار العلماني التغريبي لتغطية حقيقته المعادية لمصالح الأمة، بقسمات الجاذبية والعالمية والحداثة والحضارية والعلمية والتجديد.

كان من الضروري أن ينصرف جهاد الرواد في التيار الثقافي العربي والإسلامي إلى تأليف وترجمة ونشر ما من شأنه أن يعمق وعي الفرد المصري بانتمائه الأصيل ويرقي إدراكه بكنوز لغته العربية الخصبة لدحض دعاوى الحاجة إلى الحرف اللاتيني واللجوء إلى اللغة العامية كبديل تدريجي للفصحى لكي يتم فصل الأمة عن لغة كتابها العزيز ومن ثم عزلها عن مصدر فكرها المتكامل.

من واقع الإحساس بخطورة الغزو الثقافي الغربي، الذي مازال يطمع في سلخ مصر المحروسة عن عروبتها وإسلامها لصالح محاكاة الغرب، نستطيع أن نفهم ونرى أي دور جهادي تنويري وإصلاحي هذا الذي اضطلع به مبكرا الجيل الأول من الرواد الذين نذكرهم اليوم بعرفان وامتنان حين نذكر منهم رائدا خالدا هو محمد فريد أبو حديد في ذكرى رحيله 18/5/1967، يجدر بنا التعريف بمحمد فريد أبو حديد الذي ولد في أول يوليو 1893. منذ أعماله الأولى: مذكرات المرحوم محمد (ألفها 1918)، وروايته الثانية «ابنة المملوك» (ألفها 1924، وتقع أحداثها أيام محمد علي بين سنوات 1804 و1807)، وصلاح الدين الأيوبي (1927)، حتى آخر أعماله «أنا الشعب» (ألفها 1953)، وترجمته الفريدة لمسرحية شكسبير «ماكبث» شعرا مرسلا (1957)، مرورا بقممه الأدبية: السيد عمر مكرم (دراسة لشخصية أنجزها 1937)، وروايته «زنوبيا» (ألفها 1940)، ولعلها أول أثر أدبي عربي يخلد ملكة تدمر، و«الملك الضليل.. امرؤ القيس» (ألفها 1942)، و«المهلهل سيد ربيعة» (ألفها 1943)، و«مع الزمان» (ألفها 1930)، و«عنترة بن شداد» (الفها 1945)، و«آلام جحا بين ماهوش وجانبولاد» (ألفها 1946)، وروايتيه الجميلتين للأطفال: «عمرون شاه» 1947، و«كريم الدين البغدادي» (1950)، مع إنجازه الضخم في إقدامه الواعي لترجمة وتحقيق كتاب ألفريد بتلر الهام «فتح العرب لمصر» (عام 1932).. إلى آخر القائمة الطويلة من أعماله الخالدة. كرس محمد فريد أبو حديد حياته الأدبية على مدى 50 عاما رائدا أصيلا وجنديا مثابرا في حركة المقاومة الثقافية التي خاضها المخلصون للثقافة المصرية ضد هجمة التغريب والاقتلاع من الجذور التي جاء بها الاحتلال الإنجليزي، ومن قبله الاحتلال الفرنسي، فكانت الغاية التي تمحورت حولها أعمال محمد فريد أبو حديد من البداية هي: أن يعرف الإنسان المصري نفسه عربيا ومؤمنا عزيزا من خلال تاريخه العظيم، لكي يحب تلك النفس فتثمر وتعطي تاريخا مستقبليا أعظم.

حين نعتبر محمد فريد أبو حديد واحدا من رواد حركة المقاومة في الدفاع عن أصالة الثقافة المصرية، فهذا يعني أننا نريد أن نؤكد على المعركة الثقافية التي تبلورت منذ مطلع القرن العشرين ومستمرة حتى يومنا هذا في قسمة الساحة الثقافية المصرية إلى تيارين رئيسيين: التيار العربي الإيماني وتيار التغريب.



هناك 6 تعليقات:

  1. وكيف نجد من يحفظ الهوية العربية والإسلامية الآن فى ظل برامج تسخر علنا من الآذان وسط تصفيق الحاضرين من المسلمين وبرامج تدعو الشيخ حسن البنا وسيد قطب برواد الصهيونية الإسلامية ومن يصرح بان خطر الشيعة اعظم من اليهود مخالفا قول الله عن اليهود وعداوتهم للإسلام .. المصيبة هذه المرة أن عامة الناس صارت تطعن فى الإسلام خلال عداوتها مع الإخوان سيدة محجبة خرجت فى مظاهرة منذ اسابيع ترفع لافتة كتبت عليها يسقط الإسلام الفاشى .. الأمر لله من قبل ومن بعد

    ردحذف
    الردود
    1. قال الله تعالى في سورة يوسف آية 110، بسم الله الرحمن الرحيم:

      "حتى إذاإستيأس الرّسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجيّ من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين"، صدق الله العظيم.

      لا عليك ياهبة من كل هذا الذي ذكرتيه ويزعجك وتذكري وعد الله سبحانه بنصر المؤمنين. واعلمي أن في زمن أبوحديد كان التحدي أكبر وكان هناك من يمُن علينا بالإحتلال الإنجليزي ويجهر بأن له الفضل علينا وأن الإسلام هوالمسؤول عن تأخرنا!

      ياعزيزتي علينا أنفسنا لا يضرنا من ضلّ إذا اهتدينا، وتذكري: قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون.

      حذف
  2. مقالي اليوم على الفيس بوك تعليقا على تلك الفتاة التونسية

    العري في أحضان الصحابي الجليل زهير بن قيس البلوي

    زيارتي إلى الشقيقة تونس كانت مرتين، الأولى في السبعينيات لما كنت طالبا في السنة الأولى في مرحلة الليسانس.كانت العطلة الصيفية وكنا مجموعة من الأصدقاء توجهنا إلى تونس بواسطة القطار،نعم في السبعينات لمن لا يعرف كان القطار ينطلق من الجزائر العاصمة إلى تونس العاصمة التي وصلناها منتصف النهار .
    كنا نعرف الهدف و الغاية من زيارة تونس بخاصة أننا شباب فتوجهنا "على طول" من محطة القطار إلى الحمامات التي كانت مدينة أوروبية بكل ما تحمل الكلمة من معاني ودلالات وإيحاءات.
    لما عدت إلى الجزائر، تحدثت عن زيارتي إلى تونس ، وأنا لا أعرف من تونس إلا شاطئ الحمامات وشارع الحبيب بورقيبة و" "كافيه دو باري " وتلك التونسية التي "تحرشت" بها في شارع أم كلثوم .
    أما زيارتي الثانية إلى تونس قبل ثلاث سنوات: فلا الأهداف هي الأهداف و لا الغايات هي الغايات ولا السن هو السن ولا رفاق الطريق هم رفاق الطريق. هذه المرة كنت برفقة "وزيرة الداخلية" ما يتطلب الكثير من الانتباه و الحذر و الحيطة و الانضباط حتى في استعمال وتوظيف المصطلحات ،فلم يعد الحديث عن شاطئ الحمامات إنما عن زيارة تونس العميقة ،ولم يعد الحديث عن تونس السياحية إنما تونس المعالم الأثرية و التاريخية ،وغيرها من المفردات والمصطلحات التي توحي أنها زيارة ثقافية بامتياز وليس ما يصر الناظرين على شواطئ مدينة الحمامات .
    نظر إلي مسير الفندق باندهاش واستغراب وكأنه لم يصدق ما سمع عندما سألته ،ونحن في عز الصيف و الحر، عن الطريق إلى مدينة القيروان .
    وأنا أتجول في مدينة القيروان شعرت وكأنني في مدينة جزائرية :تقارب الذهنية و ردود الفعل وتشابه أنماط السلوك وأينما توجهت ألاقي ترحيبا وحظوة وتبجيلا .
    قلت لزوجتي هذا الترحيب ليس بسبب ترقيم السيارة الجزائري أو لأننا ضيوف من الجزائر ، إنما لأنك محجبة .لم تصدق زوجتي إلا عند مسجد عقبة بن نافح لما منع قيم المسجد جميع السياح من الدخول ،وأمامهم جميعا ،في شيء من التحدي، سحب الحاجز الحديدي وطلب مني ومن زوجتي الدخول إلى داخل المسجد ولم ينس "مطالبتنا " بركعتين لله بعدها راح يشرح لنا تاريخ المسجد ودوره في نشر الثقافة الإسلامية وعن الفاتح عقبة بن نابع الذي يتمنى زيارة ضريحه بمدينة بسكرة .
    بعد مسجد عقبة بن نافع توجهت إلى ضريح الصحابي زهير بن قيس البلوي. تصادف وصولي إلى الضريح مع وصول مجوعة من السياح الأجانب .كان المشرف على الضريح ،الذي تبدو عليه علامات الشدة و الحزم يوزع قطعا من القماش على السائحات ويبدو أن السائحات الأجنبيات كن يعرفن التقاليد و الرموز الإسلامية إلا "طفلة " صغيرة لم تتجاوز من العمر الخامسة أو السادسة عشر قفزت مباشرة إلى بهو الضريح وكانت ترتدي "شورت " قصير جدا أما صدرها فكان شبه عاريا ولما انتبه لها المشرف صرخ في وجهها إلى حد التعنيف وكان يتحدث بلغة فرنسية سليمة جدا وطالبها باللباس الشرعي حتى يأذن لها بالدخول .
    كنت أراقب ذلك الموقف الصارم و الحاد من طرف ذلك التونسي ما أثار فضولي فتقدمت منه وسألته عن موقفه الحازم، هل هو تطبيق "التعليمات" أم موقف شخصي .نظر إلي بحزم ورد بطريقة لم أتوقعها ثم قال ،بعدما توجه بنظره إلى الشرطي الذي كان يقف أمام المدخل وكأنه يوجه له الخطاب وإلى السلطة الني يمثلها
    قال بالحرف " حنا في القيروان ما نخافوش إلا من ربي"
    لماذا كل هذه الحكاية؟ لقد تذكرتها وأنا أقرأ اليوم صباحا عن تلك البنت التونسية في مدينة القيروان التي عبرت عن احتجاجها ورفضها للحركة السلفية فنزعت ثيابها وتعرت "بالكامل"

    ردحذف
    الردود
    1. و..حنا كمان مانخافوش إلا من ربي!

      والفتاة المُحتجة غبية، فلو أنها تحتج على جهل البعض فلماذا ترتكب جهلاا مقابلا؟

      حذف