الخميس، 12 مايو، 2011

مقالي الذي تم نشره بالمصوّر 11 5 2011

مئة عام على مولد المثقف القدوة: فتحي رضوان
11 مايو 1911 \ 2 أكتوبر 1988
لعلي، بهذا المقال الذي تتفضل اليوم المصور بنشره، أكون المحتفلة وحدي بمئوية هذا الوطني الجليل: فتحي رضوان الذي تتوهج ذكراه المعلّمة مع توهج إرادة الشعب المصري بثورته المذهلة في 25 يناير 2011.

  فتحي رضوان هو من سجنه أنور السادات في هجمة اعتقالاته المروّعة لكل رموز مصر الثقافية والأدبية والسياسية في سبتمبر 1981، ونعته في خطبته يوم 5 سبتمبر 1981 بأنه قد بلغ السبعين وأنه "خرف"!

وكان ذلك الاعتقال لفتحي رضوان هوالتالي منذ خرج من سجن الملك فاروق ليلة 23/7/1952، فمن هو فتحي رضوان الذي عاش عمره يدمج الفن بالجهاد للحق والجهاد بالفن للجمال و لم يفز حتى وفاته ، 2/10/ 1988، بجائزة الدولة التقديرية من أي سلطة حكمت مصر؟ ولا مكان للدهشة والرجل لم يكن في كل العهود إلا جبهة معارضة لصالح الوطن والناس، يرفض المسايرة والتخفي بالرأي طمعا في رضاء السلطان وعطاياه ، وإن كان قد  قبل في بداية حركة يوليو 1952 أن يكون وزيرا مؤسسا لوزارة الثقافة والإرشاد القومي في حكومة عبد الناصر مطلع الخمسينيات، إلا أنه  تعامل مع الوزارة من منطلق الجندي الذي يلبي نداء مسؤليته نحو خدمة الوطن وليس  كمرفأ يهدأ فيه ويسكن أملا في تحقيق مكاسب غير مشروعة والعياذ بالله. أسموه "جناح المعارضة" داخل مجلس الوزراء ، وقد ذكر في كتابه " 72 شهرا مع عبد الناصر" انه كان يتكلم بالبدهيات ويندهش من الذين كانوا يهنئونه علي "شجاعته"!

 كانت "الوزارة" عند فتحي رضوان موقعا جديدا من مواقع جهاده المستمر، ولذلك لم يبق بها سوى تلك الشهور المذكورة في كتابه ولم يتقلد بعدها أي منصب وزاري آخر حتى رحيله ، فلم يكن من الممكن لمثله أن يحتمل، بفتحة علي الياء ـ أو يُحتمل ـ بضمة على الياء ـ فآثر الانسحاب من المناصب السلطوية كلها ـ وخرج لائذا بمكتب المحاماة وقلم الكتابة، وحين أتيحت صحف المعارضة ـ في المرحلة الساداتية ـ اصبح من أشد فرسانها جسارة وبسالة، يقول الحق كاملا ووقت لزومه في يسر وبساطة وسيولة ، شهيقا وزفيرا وتنفسا طبيعيا لصدر الأمة.

 كانت مقالاته الأسبوعية ، في ذلك الزمن السبعينات والثمانينات في جريدة الشعب ، بلسما لجراح القلب والروح والفم، كانت قراءتي لها مخففا لإحساسي بالاختناق حين لم يكن بإمكاني كتابة رأيي  فما من مقولة قيلت ، أو إجراء تم، أو حادث حدث ، وتمنيت في إثره رفع صوتي وقلمي بالاعتراض أو التفنيد إلا ووجدت عند أستاذنا النبيل فتحي رضوان ما يشفي غليلي ويكفيني ، وقد أسرع بمبادرة في مقاله الأسبوعي يقظا متابعا متصديا في شهامة ، مواجها السلطة ، أيا كانت ، العين بالعين في فتوة ونصاعة وشموخ ؛ بين جيله وأقرانه هوحقا: "الكاتب الحر" الذي لم "يحسبها" أبدا.

كنت أرى في مقالاته ـ مع قوة الموقف ـ "فن كتابة" يتألق بين الكلمة والكلمة والسطر وما يليه ، أدبا راقيا مصقولا من العنوان الى المدخل حتى نقطة النهاية ، في إيقاع منضبط  كأنه الشعر، وكنت أقول: ها هو فن المقال يعود به فتحي رضوان ليصبح فن المرحلة المسيطر. توارى المسرح وتوارت القصة وتوارت الرواية ، حتى الشعر تقهقر لان تلك المرحلة ـ مرحلة كامب ديفيد والهيمنة الأمريصهيونية ـ فرضت فنين لازمين لها: فن الخطابة وفن المقال، وفي الفنين أشرق فتحي رضوان ابنا متطورا ممتدا من موقف وبلاغة مصطفى كامل .

أول لقاء لي وجها لوجه مع فتحي رضوان كان يوم 25/11/1981 عندما كان الإفراج عن الدفعة الأولى من معتقلي تلك الهجمة الساداتية السبتمبرية فادحة الظلم والإستبداد . واللقاء الثاني كان بمكتبه بشارع عبد الخالق ثروت حيث أهداني كتابه الضخم القيم "الإسلام والمسلمون" ، وعرفت يوم مولده 11\5\1911 ، السنة التي ولد فيها نجيب محفوظ ، وكان عيد ميلاده "السبعون" قد مر وهو ملقى بالسجن الساداتي تحت سيل هجوم وتنديد ينعته على الملأ بـ"الخرف" وهو النموذج المبدع في الوعي والحكمة.

تتضمن قائمة مؤلفات فتحي رضوان الطويلة: 16 نصا مسرحيا ، و4 مجموعات من القصص القصيرة ، 4 كتب من أدب التراجم ، و3 في الذكريات السياسية ، ومثل عددها في التاريخ السياسي ، وكتابين في السياسة والاجتماع ، و7 دراسات نقدية وإسلامية مختلفة ، ومذكرات في القانون الدستوري ، وبحوثا قصيرة ومالا يعد ولا يحصى من المقالات والخطب ، غير أن احب كتبه إلى نفسه كانت: "خط العتبة" ، و"الخليج العاشق"، و"محام صغير"، و" 72 شهرا مع عبد الناصر"؛ حين أعود لقراءتها يبدو كأني أستعيد سماعه وهو يتكلم بحديثه الطلي المتدفق الممتلئ بالشجن والحزن والمفارقات والدعابة والضحكات ، فهذه الكتب الأربعة هي مسلسل سيرته الذاتية منذ كان طفلا فصبيا فشابا فكهلا وشيخا، وهي أعمال أدبية تجتذب بأسلوبها الوهاج المفعم بالحيوية قارئها وتأخذه عدوا يلهث بين الصفحات كأنه في زورق على سطح شلال لا يملك أن يتوقف أو يلتقط أنفاسه حتى يبلغ منتهاه فيفيق ليجد أنه ، رغم سرعة حركة الصور، صار متملكا لهذه الصور المتتالية الكثيفة حتى ليخالها القارئ ، بتداخلاتها المتراكمة وتفصيلاتها الدقيقة ، جزءا من تجربته هو الشخصية وفصولا حية من ذكرياته يجتر نوادرها فيضحك، ويستعيد آلامها فيعتصر القلب. وأنا اشهد أنني لم أقرأ في أدبنا المصري المعاصر نظيرا لمثل السيرة الذاتية في "خط العتبة" ، و"الخليج العاشق" ، التي تسجل حياة طفل مصري نما وترعرع في حيين من أعرق أحياء القاهرة ، وأكثرها ازدحاما بالحوادث والشخصيات والعلامات ، وهما "حي السيدة زينب" ، و"حي الخليج" المجاور له، ذلك الطفل الذي شاء له الله سبحانه أن يكون من أفضل وجوه الثقافة والوطنية المصرية ، وأن يكون مع ذلك من بين الذين أسماهم هو في كتابه "مشهورون منسيون" ، إلى جوار المجاهد "محمد فريد" و"عبد العزيز جاويش"، وغيرهم الكثير الكثير، الذين يسقطون سهوا أو عمدا أو جهلا من كتابات الراصدين لمشاهدنا الثقافية والأدبية والفنية والجهادية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق