السبت، 25 يونيو، 2011

  
  أخذني الحماس فهتفت:   إن الفلافل مصرية خالصة!

  تداعت الذكريات وأخذتني إلى مشهد طريف في حفل الطلبة العرب السنوي بجامعة نيويورك عام 1964 ، أو لعله 1965، وكنت ضمن الفريق الطلابي الذي اختار اسم "أرابيسك" ليعرض فنون الوطن حبيبي الوطن الأكبر، ويتكون من طلبة الدراسات العليا نحو الدكتوراه والماجستير، فهذا قدري غريب العربي على العود، وهذا رجاء علام على الكمان، وهذا فيصل مع الطبلة، وهذا غازي خنكان يقود "الدبكة" الواثقة الشامخة العربية الأبية صائحا: كتف ع الكتف يا شباااااب! وحضرتي في غناء "طلعت يا محلا نورها شمس الشموسة"، و"تحت الرمانة حبي حاكاني....".

كانت هناك، في تلك الآونة، ضجة مناقشات وغضب بيننا بسبب ما كنا نطالعه عن سرقات الكيان الصهيوني وادعاءاته ثقافتنا و إنتحاله فنوننا وتراثنا الشعبي، ومنها محاولاته في نسبة "الدبكة" وباقي الرقصات الشعبية ـ حتى هز الوسط ـ إلى أصوله وتراثه، حتى صار الأمريكان يتصورون أننا نحن الذين أخذنا عنهم وليس العكس، وكانت "الفلافل" موضوع واحد من هذه المزاعم المغيظة، التي تقول في صياغتها السياحية: "تعال إلى إسرائيل وتمتع بأكل الفلافل"، مما دفعني، قبل الغناء، إلى أن أتقدم أمام الميكروفون تحدوني الغيرة الوطنية لأقول: " سيداتي سادتي :إن إسرائيل  تدعي أن الفلافل إسرائيلية، ولكن سيداتي سادتي دعوني أؤكد لكم بكل أمانة أن الفلافل التي هي الطعمية مصرية خالصة!"، ووجدتني عند هذه الفقرة الأخيرة و قد تهدج صوتي بالبكاء ونبرة الخطابة الحماسية العالية: ".. ذا فلافل إز بيورلي إيجيبشاااااااااان ن ن!".

كان الوقت، كما ذكرت، عام 1964، أو لعله 1965، قبل فاجعة خمسة يونيو 1967، وكانت أحاديثنا حول "مؤامرة" تحويل نهر الأردن.. و.. و.. و.. إلى آخر ما كنا نتابعه من قضايا مطبوعات مركز الدكتور العلامة فايز صايغ، المتبتل في دق نواقيس الخطر، وهو يشرح ما يتهددنا في فلسطين وسائر بلاد الأمة العربية!

 آآآآآآآآآآآآآآآآآه، وعلى رأي صديقتي الشامية: "شو مرت على قلبنا أحلام"، كان الوجع فيها هو ما صرنا نصبو إليه اليوم، ونراه حلولا عادلة وأملا عزيزا!

***
من دفتر ملاحظات ألبير كامي مازلت أتذكر، "صفق له الناس طويلا فتساءل: هل قلت شيئا غبيا؟". وعند وليام شكسبير مشهد في مسرحيته "يوليوس قيصر" لغوغاء تحلقوا حول الشاعر سينّا يريدون الفتك به رغم صياحه:" أنا لست سينّا السياسي أنا سينّا الشاعر"، وهم  على إصرارهم: "حسنا اقتلوه لرداءة شعره"!، وفي تصوير الأخطاء المركبة يضرب العراقيون هذا المثل "خسان خوسين بنات معاوية"، شارحين "أولا إسمهما الحسن والحسين وليس خسان خوسين، ثانيا هما أبناء علي بن أبي طالب وليسا بنات معاوية بن أبي سفيان"!، أما الطريف عندنا فهو منطق البليد الذي يطلب بكل بجاحة من الشاطر عدم دخول الإمتحان "عشان أنا مش مذاكر"!، والأكثر طرافة مشهد إثنين يقبع كل واحد منهما في صندوق قمامة ويعاير الآخر بـ "ياقذر"!، ولا يدهشنا تنطع أبو عيون وقحة، الذي يتناسى، ولم ننس، أنه هو الذي كان يطل، إلى جانب الكثيرين من أصدقائه ونخبته، من كل شبابيك عصر حكم مبارك وسوزان، و مع ذلك لا يخجل حضرته أن يأتي اليوم منددا بمن كانوا من "المقرّبين"، كأنه لم يكن منهم، منشدا: "وفي شرفات (ذاك) العصر قد وقف الرجال الزائفون ملمعين مهفهفين، ليلفتوا كل العيون، مثل البغايا حين يقطعن الطريق على وقار العابرين، لكنه زمن ويمضي وسننتصر  وسننتصر وسننتصر........." إلخ إلخ، من مسرحية "الفتى مهران" لعبد الرحمن الشرقاوي التي تم عرضها موسم 1966 من القرن الماضي في شنّة ورنّة!




هناك تعليق واحد: