الأربعاء، 8 يونيو، 2011

فيلم الفاجومي وصنعة تشويه المحترمين

يوم أُعلنت الهزيمة باسم النكسة في يونيو 1967 وجد الشاعر أحمد فؤاد نجم نفسه يتقيأ دما ومع هذه الحالة الجسمانية المفاجئة جلس يكتب قصيدته الشهيرة "الحمد لله خبطنا تحت باططنا"، التي كلفته 1968 قرارا بالإعتقال مدى الحياة، إذ حين سمعها عبد الناصر قال غاضبا لشعراوي جمعة وزير الداخلية: "في ناس تقول الكلام ده ولسّه واقفة على رجليها؟"، قاصدا ما تضمنته القصيدة من جرأة التشخيص: "يا أهل مصر المحمية بالحرامية\ الفول كتير والطعمية\ والبر عمار\والعيشة معدن وآهي ماشية آخر آشية مدام جنابه والحاشية بكروش وكتار.............................إيه يعني شعب ف ليل ذله ضايع كله\ ده كفاية بس أما تقول له إحنا الثوار\ وكفاية أسيادنا البعدا عايشين سعدا\ بفضل ناس تملا المعدة وتقول أشعار\ أشعار تمجّد وتماين حتى الخاين\ وإن شاالله يخربها مداين عبد الجبار!". كان طبيعيا أن تخرج القصيدة الترجمة الفورية لقدر عنيف من الغضب والألم أحسّه الشعب المصري واستنزف من جوف الشاعر الدم. وعندما تسللت القصيدة إلى الناس تسللت معها عشرات القصائد السياسية المُغنّاه من مثل: "بقرة حاحا"، "ميكي"، "يعيش أهل بلدي"، "يا مرحرح"،( وهي صورة ساخرة للشريحة الملاصقة للسلطة السياسية الناصرية من مؤيدي الحل السلمي "تموت ف الدبلوماسية وتخاف م الفدائيين")، "القضية"، (صورة دقيقة ومؤلمة لإرهاب السلطة السياسية ومنهجها في تلفيق القضايا ضد المواطنين، " والقضية يا قضايا\ بالمكايد والوشاية\ دبروها وفصلوها\ بالمقاس لبست قفايا....\ الحكاية إن البلد مش ملك ناسها\ والخلايق ف البلد مش مالكة راسها\ والبلد أصلا بلدنا مش عليلة\ البلد علّتها جاية من خرسها").

مع القصائد فاجأ الناس بنيان فني باهر الوعي والجمال مكوّن من شاعر وموسيقي مغن، وبدأت دوائر المثقفين تردد "إمام\نجم" بدهشة وتعجب؛ كيف تأتّى لهذا الكيان الفني أن يقول ببساطة ورونقٍ ما يجب أن يقال وكما يجب أن يقال وتماما في توقيته المطلوب من دونٍ حسابات خوف أو وجل؟

 كانت حلقات الإستماع تتجمع في بيوت من يملكون أجهزة تسجيل ومنديل الأمان من السلطة، (كان إمتلاك جهاز تسجيل وقتها يلخص على الفور النوعية القادرة ماليا على هذا الإمتلاك مضافا إليه امتلاك منديل أمان السلطة الذي لم يتوفر إلا للحلقات الثقافية والإعلامية المتاخمة لها والمتعاونة مع وزير الداخلية، وكانت السلطة، بواسطة هؤلاء، تريد أن تُشبع حب استطلاعها عن هذا الكيان الفني الذي "قب" من تحت الأرض، مصرّحا بنبض الشعب، خارج إرادتها لتكون في موقع يمكنها من السيطرة عليه والخسف به تحت الأرض مرّة أخرى عندما ترى أن الوقت قد آن لفعل ذلك. وهكذا إستأثر بالفرصة الأولى للإستماع إلى الكيان الفني "إمام\نجم" جمهور كان في معظم الأحيان يستحق أول من يستحق السياط الملتهبة التي كانت تتهاوى في جلال ودأب من صوت الشاعر نجم والموسيقي المغني الشيخ إمام، فتقع واثقة في مكانها حيث كان يجب أن تكون. قليل جدا من هذا الجمهور الذي اعترف لنفسه بأن إمام ونجم  يقدمان المواجهة الصادقة بنقاء تام واستبسال كامل وأن عليهم أن يتقبلوا هذه المواجهة بالعرفان ويدعمونها إلى حد الفداء أو يناصبونها العداء ويبذلون ما في وسعهم للقضاء عليها. وانقسمت تلك القلة بالفعل إلى قسمين: المدعّمون والمقوّضون، الذين بعد فشل مصائد الإغراء إشتدّت حملاتهم للتهوين من قيمة البنيان الفني الراسخ، وأفردت الصفحات لمقالات الضرب والهجوم والتشويه والإتهامات الشخصية في الصحف والمجلات كافة، وضُرب الحصار الإقتصادي بقصد التجويع، رغم أن الجوع كان زميلا ملازما لهما متآلفا معهما يزيحانه بأقل زاد وأبسط احتياج، لايقيم زهدهما أدنى إهتمام له، (كان محمد حسنين هيكل قد نصح في البداية بإشباعهما باعتبار أن فنهما صرخة جوع!)، فالحقيقة أن أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام عيسى برزا من تحت طحن الرحى ليعكسا رؤية النبض الشعبي بكل روعته وفصاحته وبلاغته من دون مواربة.

عندما تفجرت الحركة الطلابية في يناير 1972 كان الشيخ والشاعر خارجين لتوّهما من معتقل عبد الناصر، ( بعد قضاء ثلاث سنوات فحسب من قراره حبسهما "مدى الحياة"  فشاء الله أن يكون "المدى" هو  مدى حياة عبد الناصر!)، وفوجئا بأغنياتهما شعارات يرفعها الطلاب: "ماتقوليش ماتعيدليش\ حرب الشعب وغيرها ما فيش!"، ووجدا الفرق الشاسع بين هذه الجمهرة من ضمير الشعب المصري وبين تلك الجماعات الزنخة التي كانت تحوطه قبل الإعتقال ولا يجد بينهم سوى "اليويو"؛ الذي " أستك لسانك فارد ولامم حسب الأبيّج يامهلباتي!" و"الحلاويلا" الذي "يتمركس بعض الأيام ويتمسلم بعض الأيام ويصاحب كل الحكام وبستاشر ملّه" و "القواد الفصيح" المستعد دائما لبيع وعرض بنات أفكاره تحت الطلب!

وإذا كانت جمهرة النبض الشعبي الصادق قد وجدت في شعر وغناء الكيان الفني "نجم\إمام" كل ما افتقدته في أجهزة الإعلام  فنا وصدقا، على طول العهد الناصري والعهد الساداتي وعهد المخلوع محمد حسني مبارك، فقد وجد أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام عيسى في النبض الشعبي المتبدي والمتصاعد والمعبر عن نفسه ببطولة فذة رغم البروج المشيّدة: "فرحة هلّت واحنا حزانى!".

***
قدم الشاعر أحمد فؤاد نجم في سيرته الذاتية "الفاجومي" فنا مكتوبا محكما مجدولا باللباقة والذكاء، يسرد النزوات، عرضا، مستعينا بظرف الصياغة لتهوينٍ الشائن، ملفلفا النقائص في براءة العفوية مستورة بصدق المعترف، غير متنصل وغير متباه، من أجل ذلك أجد فيلم "الفاجومي"، الذي ألفه وأخرجه عصام الشماع، منوها أنه مأخوذ من مذكرات الشاعر أحمد فؤاد نجم ومتسميا بعنوانها، لا يعدو كونه نهشا في قامة لم يفلح في الإرتقاء إليها، ولا يجوز أن نرى فيه، بكل مشاهد المضاجعات الجنسية الفجة وزوايا الإثارة الرخيصة والإنفلات القبيح غير المبرر وغير الأمين وغير المتوافق مع اللقطات الأرشيفية المقحمة عن الثورة والثوار، سوى شئ حقير فاجر وكاذب، ولقد خسر بطله خالد الصاوي كل ماجمعه من نجاح عن دوره في أهل كايرو، وظهر في هذا القرف المهين زاعقا فظا بشعا سميك الظل لا يمت، بكل كتلته الدهنية، بأي صلة بشاعر نحيف كما ورقة السيجارة كبير القيمة كما أهرامات الجيزة. والقول ينطبق إلى حد بعيد على الممثل صلاح عبد الله الذي توهم دور الشيخ إمام فلم ير من هذا الفنان العظيم سوى فقدان البصر!




هناك 3 تعليقات:

  1. صدقتى يا دكتوره فى مقالك وازيد ان عمى احمد فؤاد نجم سبع رابض فى غابة مليئة بالضباع النتنة وفى الصعيد نعشقه عشق نظرا لرجولته وشجاعته فى قول الحق وقول ما نريد ان نقوله ولكن يكبلنا الجهل والغباء والخوف من السلطان نعم عمى احمد نجم كان يقول ولا يخاف ويقول بكل جرائة وبكلمات قليلة ولكنها من شعبيتها وبساطتها اللغوية تصل لقلوبنا فورا انا رغم صغر سنى ولم اعاصر غير عصر حسنى مبارك المخلوع والمسجون والمعدوم قريبا ان شاء الله لكننى كنت ابحث كالدودة عن كل ما كتب ونشر ومنع فى العصور السابقة وكان عمى احمد نجم من نجوم معتقلات السياسة فى كل تلك العصور ولم نسمع انه نافق اى عصر بل كان ضيف دائم على سجون كل هؤلاء الزعماء ادعوا من كل قلبي ان يمتعه بالصحة والعافية ويطيل فى عمره وفى عمر حضرتك ويباركلنا فى مقالات حضرتك ويبارك فى عمر بنته نوارة اللى ورثت حدة طبعه وشجاعتها فى الحق ولسانها اللى بينقط سكر بس سكر سخن اللى يقع عليه يسلخله جلده

    ردحذف
  2. فى البدايه لكى منى تحياتى
    وللعلم فأنا لم اشاهد الفيلم حتى استطيع الحكم عليه
    لكن لى عند حضرتك عتاب
    وقبل العتاب سأهرب بقلمى من التحدث باللغه العربيه لأنى اظن انه لا يجوز التحدث امامك بالفصحى حتى لا ينفضح جهلى
    ونخش بقى على العتاب
    الشاعر احمد فؤاد نجم او الحاج احمد كما نطلق عليه احيانا هو هرم اول فى الشعر وللعلم فكتابتى للشعر هذا ان كنت شاعر يرجع الفضل الأول فيها للحاج احمد فأنا من عشاقه بداية من جيفارا ويافلسطينيه وكلمتين وزهر الجناين والجدع جدع وغيره لذلك لن تجدى من اهو احرص منى فى الدفاع عنه لكن
    اوليس الحاج احمد هو من قال فى مذكراته بأن الشيخ امام قد تعرض للأغتصاب فى طفولته للعلم انا لا اكذبه فأنا اصدقه تمام الصدق لكن سؤالى ما الفائده التى عادت على كمتلقى من تلك المعلومه
    هذا شئ
    شئ اخر
    لن أبلغ حينما أقول انه لا يوجد من هو اكثر من الحاج احمد فى تردده على المعتقلات ايام عبد الناصر والسادات لكن ابان عهد المخلوع فلقد فتحت له القنوات الأرضيه قبل الفضائيات لقول مايريد وذلك تنفيذ لسياسة قل ما تريد ونحن نفعل مانراه
    شئ اخر
    ما العيب اذا كان الفيلم ملئ بالمشاهد المثيره والمضاجعات الجنسيه فالعيب فى رأيى ان يكن ذلك زج على حياة الحاج احمد
    انا لا ادافع عن الفيلم فألف فيلم لن يعطو مثل هذا الرجل حق
    لكن ما احزننى هو قسوتك الشديده فى نقد الفيلم بل انى اظن فى نفسى الصواب حينما اقول ان نقدك للفيلم قد تجاوز حدود النقد
    سأعيد عليكى كلماتى قبل ان انهى تعليقى هذا لااجيا من الله ان تلتمسى المعنى الذى عجزت حروفى نتيجة جهلى عن تبيانه
    انا من عشاق الفاجومى بل ان شعره واغانى رفيقه احفظها عن ظهر قلب وتجاوز الأمر حتى اصبحت على موبايلى
    انا مش اشد المعجبين بنقدك وجرأة قلمك
    انا لا يهمنى نجاح الفيلم او رسوبه او حتى ضعفه لأنى كما قلت سالفا ان الف فيلم لن يعطو هذا الرجل حقه
    لكن عتاب هذا ناجما عن تقديرا لكى ذلك التقدير الذى جعلنى اعلق الان بتعليق اخشى ان يثير حفيظتك فهذا وان حدث فسأندم اشد الندم
    لكى منى تحياتى وخالص تقديرى

    ردحذف
  3. That's weird 'cause Ahmed Fouad Negm himself liked the movie..

    ردحذف