الأربعاء، 22 يونيو، 2011

تأملات في حديقة فيها شجرة وفيها عصفورة
ضاق صدري فأخذت نفسي إلى الحديقة التي أرتاح فيها. وحدي جلست مع العصافير التي راحت تتشاقى من حولي تتنافس في إلتقاط ما تراه ملائما لذائقتها الغذائية تخطفها برشاقة وتجري بها مرحة كيّادة تغيظ من سبقت من لدّاتها العصافير هاربة إلى أعلى الشجرة، مراقبة للهوها تارة ولتموجات النيل حبيبي تارة أخرى إنفرجت أساريري فحمدت الله على شفائي، ولو مؤقتا، من عادم "التوك شو" ونشع الكثير مما تسطره الأقلام، وهدأت بالتأمل فيما جرى وما يجري وما تتجاذبه الأطراف ليجري، ووجدتني العصافير مثلها ألتقط ما يحلو لي من خاطرات وأدونها وأنا تحت الشجرة:

#  دأب كثير من العلمانيين على التأفف من تفاهة القضايا التي يشغل المسلمون بها بالهم، بينما ينشغل الغرب بالتقدم العلمي وجولات الفضاء إلى زحل والمريخ والمشتري! ويتهكم هؤلاء العلمانيون على قضايا المسلمين من مثل مسألة تحليل الربا وتحريمه، وزي المرأة إلى آخر ما يزعمون.

# والرد على هذا التأفف العلماني طويل ومليء بالزوايا لكننا نختصر ونقول ببساطة إنه من غير الصحيح أن كل ما يشغل الغرب هو الفضاء وهموم التقدم العلمي فلحضرته مسائل تافهة مساوية لذلك في الاهتمام وضرب الأمثلة على ذلك لا يعد ولا يحصى،  وكذلك غير صحيح أن ما يعطلنا نحن عن ارتياد الفضاء وتحقيق الإنجازات العلمية الباهرة هو مناقشاتنا في تحليل الربا وتحريمه وزي المرأة المسلمة وما إلى ذلك، بحيث أننا لو كففنا عن هذا الكلام سينطلق بنا الصاروخ فورا إلى عين الشمس.

# منذ مطلع القرن العشرين والعلمانيون يدقون رؤوسنا، يهدمون ثقتنا بشخصيتنا الإسلامية السوية لنصبح، بدعاوى التغريب، مسخا مشوها متخلفا فاقدا خط الرجعة إلى الصحة التي تولد الإبداع والنهضة والتقدم والتغلب على الفقر والجهل والمرض. فلم تكن دعوى التغريب هذه تتضمن أبدا برنامجا ينهضنا على شاكلة النهضة العلمية الحقة المفيدة التي حققتها اليابان والصين وحتى كوريا. ولم يكن هذا الإغفال سهوا بل كان خطة يعرف العلمانيون جيدا أنها كانت مرسومة بدقة. لم يكن مسموحا لمصر ولا لأي بلد عربي وإسلامي أن يرتفع عن مستوى مسح أحذية سيده الغرب. وأمامنا هذا الرفض الهستيري لبرنامج إيران النووي وغض البصر في الوقت نفسه عن النشاط النووي السري والعلني للكيان الصهيوني، فهل يتصور العلمانيون حقا أن إباحة الربا وإغماض العيون عن تعرية شعور وأبدان المسلمات سوف يجلي عنا غمة التخلف العلمي، ويكون بإمكاننا الإمساك بالخيط السحري للصعود إلى القمر؟ أم سيواصل الغرب سلسلة اغتيال علماءنا كلما لاحت من بينهم عبقرية يفاجئهم بريقها خارج سيطرتهم؟

#  أجد هنا من المناسب التنويه عن كراسات المستشار الأمين الفاضل "طارق البشري" التي نشرها منذ سنوات تحت عنوان موحد "في المسألة الإسلامية المعاصرة"، وهي تجميع لعدد من أبحاثه ومقالاته التي ألقاها في ندوات لجمهور محدود، أو نشرها في مجلات وصحف لا تصل إليها كل يد، فهذا التجميع مع التصنيف يتيح الفرصة لجمهور أوسع التحرك عقليا، والانتعاش ذهنيا مع مناقشته موضوعات مختلفة تصور البعض أن أبواب مناقشتها قد أغلقت بأحكام نهائية، مثل موضوع "المعاصرة" و"الوافد والموروث" و"الإصلاح" و"التحديث" و"التطور" و"الغلو" و"هل غابت الشريعة بعد عهد الراشدين"، إلى آخر كل هذه العقد المربوطة في حناجر العلمانيين بحبال المقولات المستهلكة التي "تزغطوها" بلا نظرة ثانية لمراجعة أو تفكير ويواصلون "تزغيطها" لأجيالهم الشابة، يزمرون بها في كل مجال للنشر أو الكلام أو التعليقات. و"التزغيط" كلمة تعني دفس الطعام بالقوة داخل الجوف.

 #  يقول المستشار الفاضل طارق البشري في كراسة "ماهية المعاصرة": "إن أهم ما يواجه العالم العربي الإسلامي يرد من المواجهة بين أصول الحضارة العربية الإسلامية، التي سادت حتى بدايات القرن التاسع عشر دون منازع، والحضارة الغربية التي وفدت مع تغلغل النفوذ الغربي السياسي والاقتصادي والعسكري منذ بداية ذلك القرن. والتاريخ العربي الإسلامي يرتبط، خلال القرنين الأخيرين، بهذه المواجهة في كل جوانبه. وعلى مدى القرن التاسع عشر، فإن المواجهة السياسية والعسكرية قد شحذت همم المفكرين والقادة السياسيين العرب والمسلمين، يفتشون عن مكامن القوة في الغرب ويحاولون نقلها وعن مكامن الضعف في أنفسهم ويعملون على تلافيها. ثم كان للثورة العسكرية والسياسية الغربية المؤيدة بالتفوق العلمي والتنظيمي، ما اختل به ميزان التقدير في أيدي هؤلاء المفكرين والقادة؛ من ناحية مدى الجبر والاختيار في تحديد ما يأخذونه من الغرب وما يدعون من نظمهم وأفكارهم وأصول حضارتهم وعقائدهم. وجاء الاقتحام العسكري والسياسي فاضطربت تماما معايير الانتقاء لما يفيد العرب والمسلمين من منجزات الغرب، وشلت القدرة على التمييز بين النافع وغير النافع، وطمست الفروق بين التجديد والتقليد وبين النهوض والتغيير والإصلاح والاستبدال".

#  في هذه الكراسة نلحظ غضب طارق البشري شديدا لكنه هادئ يعبر عنه بالفصاحة والحجة والدليل والتدقيق في التصويب، والحرص البالغ في انتقاء الكلمات، التي يضطر أحيانا إلى نحتها، فهو لا يفور طاعنا ضيق الصدر بل يسدد مصطلح الرؤية ليذهب إلى موقعه مرتاحا، يقول: ".. نحن نتساءل الآن عما نستدعي من التراث، بعد أن كان آباؤنا يتساءلون عما يأخذون من الوافد..." ويقول عن "الإسلام" مصححا لمنهج التناول عند العلمانيين بأزيائهم المتنوعة والمختلفة: "... فهو الميزان وليس الموزون في ما تأخذ الجماعة وما تدع"، ويقول: "... وما يتعين الحذر منه بداءة هو هذا الترادف والتلازم بين الوافد والعصري، وبين الموروث والرجعي...". ثم ينحت هذا التعبير الحاسم والجريء الذي لم أقرأه عند أحد غيره: "الإصلاح الضار" ليعبر به عن فكرة الاندفاع، الذي شهده تاريخنا الحديث نحو كل لافتة براقة تحمل كلمة إصلاح بينما تكون هذه اللافتة في أحوالنا ضلالا بعيدا عن الإصلاح الحق، ليس لأن اللافتة مزيفة فحسب، ولكن لكونها إعلانا عن دواء لا يلائم حالة مريضنا فيقتله!


هناك 4 تعليقات:

  1. السلام عليكم

    مقال رائع واري ان هؤلاء من قال عنهم سبحانه وتعالي

    بسم الله الرحمن الرحيم





    قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا


    الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا


    أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا

    صدق الله العظيم

    تحيتي

    ردحذف
  2. الأستاذة الفاضلة صافي ناز كاظم ألف تحية من الجزائر

    أعلم جيدا أن العلمانية من مواضيعك المحببة، من خلالها أيتها الأستاذة المحترمة تقومين بتصفية الحساب مع تيار واسع في الفكر العربي المعاصر . سيدتي أنا لا أصادر على رأيك لكن بدا لي أو تهيأ أنك تمزجين عمدا بين العلمانية كمفهوم فلسفي ومعرفي، وبين من يسمون أنفسهم علمانيين عرب.
    إن العلمانية في منشئها الغربي و الفرنسي تحديدا لم تكن يوما حربا لا هوادة فيها على الدين، كما لم تكن دعوة للإلحاد .
    ومن الناحية المعرفية فإن العلمانية لا تحمل أي مضمون أيديولوجي ،قد يكون العلماني يساريا كما يقد يكون يمينيا ،وقد يكون مبررا لأكثر الأنظمة استبدادا وفاشية . فهي آلية لتنظيم الحكم ليس إلا .
    أما استشهادك بالكاتب و المفكر والرجل المحترم طارق البشري فأنا لا أتوقف عن تلك التوصيفات بل أراها مجرد مترادفات تؤكد أن العقل العربي يحب " الرغي " كما تقولون في المحروسة، لأن الثنائيات مثل ، الأصالة و العاصرة ، الوافد و الموروث ، التراث و العصر،الذات و الآخر ، المقدس و المدنس ، التراث و المقتبس. لا تعني في تقديري إلا شيئا واحدا لا غير هو : التخلف وكيفية تجاوز التخلف، هنا تنشأ جملة من التساؤلات ، هل نتجاوز التخلف بشروط خاصة و ملامح خاصة نملكها نحن العرب و لا يملكها الآخرون ؟ وما هي هذه الشروط ؟ ألا يوجد عند الآخر شيء يملك قيمة إنسانية عامة لا تتوفر في تاريخنا الخاص قد تلعب دورها مهما في نهضتنا .؟
    سيدتي قبل أن تتهمنني بالتغريب وما شابهه ، أقول إن استدعاء تاريخ الآخر ليحل محل تاريخنا الخاص سيحولنا إلى أدوات بلهاء غبية لاهثة تؤدي إلى الاستسلام العبودي أمام عظة الغرب .لكن رفض الآخر بدعوى الخصوصية الحضارية يؤدي إلى قطع حبل التواصل الحضاري الإنساني . من هنا فإننا في أمس الحاجة إلى سيف حاد يقطع جميع الشرايين الميتة فينا ،وهي كثيرة وكثير جدا يا أستاذة صافي ناز ،لكن دون أن يمتد ذلك السيف إلى شرايين القلب النابضة . ذلك يتطلب جراحين ليس مهرة فحسب بل عشاقا لهذا الجسد العربي الجريح .

    تحاتي الخالصة لأم نوارة

    ردحذف
  3. الام الغالية صافي ناز كاظم السلام عليكم
    هكذا نجدك دائما نجمة متلالة في قضية الهوية العربية والاسلامية خصوصاً ضد من يريدون ان يجعلونا نسخ مقررة من الحضارة الغربية وهم قد لايفهمون مدى ارتباطنا الوثيق بالهوية التى نحن عليها ... أمي الغالية قد يكون صدك وردك على أمثال هؤلاء هو السبب الرئيس في تضيق انتشارك في أوساط المثقفين وقد يعرفك البعض ويتغاضون عن كلامك ولكن أنت عندى مثل العلامة محمود شاكر كان يعرفه القليل ولكن التاريخ خلد ذكراه وهكذا أنت سوف تبقي علامة مميزة في التاريخ وستبقى أرائك شاهد على معركة الهوية المطموسة وستُذكري من الاجيال التى سوف تأتي محملة بالعز والشموخ ستذكرى كنموذج حارب ووقف فى أشد لحظات الانكسار .... تحياتي لكِ أمي الغالية الصافية أدم الله عليك العافية والصحة

    ردحذف
  4. ...بارك الله فيك سيدتى الفاضلة وأرجو من سيادتك ألا تطيلى الغيبة أكثر من ذلك فما أجمل صوت اليمام على النفس التى لم يعد أمامها سوى نعيق البوم ونهيق الحمير ورفسها...وسلام الله علينا أجمعين

    ردحذف