الخميس، 14 مارس، 2013


حكايات الترام

عاصرت أمجاد الترام وسطوته ونفوذه ودوره التاريخي في مظاهرات الطلبة في الأربعينيات حين كانت تُشد السّنجة، الممتدة منه إلى الحبل الكهربائي، ليتوقف عن السير علامة الاحتجاج أو لتغيير اتجاهه وفقا للمسيرة الطلابية قبل 23 \ 7 \ 1952.

 كان اسمه الدارج "ترومّاي" وعند المتأنقين "ترام واي"وعند أهل الإسكندرية "ترام" فحسب. دائما كان عامرا مزغردا بالركاب؛ به درجة أولى "بريمو"بقرش صاغ ونصف (15 مليما) ومقاعدها منجدة بالجلد وزبائنها من كبار الموظفين من وكلاء الوزارة إلى المديرين العموميين إلى المستشارين وكبار المحامين وعلماء الأزهر وأمثالهم، ودرجة ثانية (سكوندو) بثمانية مليمات، أو تدفع قرشا وتأخذ كبريتا بالنكلة الباقية، وهي غير منجدة وزبائنها خليط من الموظفين الكبار لكن بخلاء و من صغار الموظفين والعامة والطلبة، وكان هناك جزء يغلق من جهتين ببابين ومخصص للسيدات عليه لافتة "حريم"!

كان الترام يسير منطلقا على قضبانه لا تجرؤ سيارة أو أتوبيس على اغتصاب مساحة طريقه وإلا دق لها السائق بعصبية آلة التنبيه، التي تقع تحت قدمه اليمنى والتي لها صوت كقرع الأجراس.  مزدحم غاص  دائما بالراكبين من مختلف الأشكال والألوان والطبقات، يقفز الباعة على سلمه من الجانبين الأيمن والأيسر لبيع الحلوى والمشابك والحاجات الضرورية والبسيطة للبيت، هناك جو مرح وأسري يجمع راكبي الترام ، ويمكن أن أقول إن تركيبة الترام ككل كانت تتمتع بما يمكن أن يقال عنه "سنس أوف هيومر" أي إحساس عال بالنكتة. كل البيوت التي سكنا فيها منذ ولادتي 17 أغسطس 1937 كانت كما يقول التعبير "على شريط الترام"، أي في شارع رئيسي  يمر به الترام سواء بالإسكندرية أو بالقاهرة، فألفت ضجيجه حتى أنني لم أكن ألحظه لكن ما أن كنت أستضيف إحدى صديقاتي للمبيت
حتى أراها ساهدة لم تذق النوم إلى الصباح وهي مندهشة كيف يأتيني النوم وصوت الترام يملأ أرجاء شقتي..

ترام 22

في طفولتي شاعت حكاية تندّر بها الناس عن الريفي، ولا مؤاخذة، الذي اشترى الترام إعجابا به ولم يدر أن البائع احتال عليه مُستغلا طيبته وسذاجته، التي لم يدرك بسببها أن الترام لا يُشترى، ومنذ ذلك الحين، أو لعل قبلها، أصبح تلميح " إشترى الترام" و "باع له الترام" مختصر الدلالة على  ساذج  يتم النصب عليه في أي تعامل مادي أو معنوي؛ خاصة في مجالات تسويق الأفكار والمبادئ بالكذب والخداع .

تميّز  ترام رقم 3، المنطلق من نهاية شارع العباسية بفرعيه طريق الفجالة وطريق العتبة،  فكانت عرباته الأكثر أناقة في الشكل والنظافة،  لكن ترام  22، المتوجه إلى ميدان السيدة زينب، كان يفوقه في خفة الظل، التي لم يحرم منها ترام 3 على كل حال و كانت تتجلّى عندما يصعد راكب متسائلا في اهتمام "ده طريق العتبة ولاّ الفجالة؟" ثم يجلس من دون إجابة كأنها لا تعنيه!

  كانت عربات ترام 22 المفتوحة من الجانبين بعرض أرائكه، و تأرجحها الذي كان يخيفني وأنا طفلة متوقعة الإندلاق منها في أي دوران، تعطي الفرصة للإستماع إلى الكثير المطروح من الركاب المتبرعين بالإفتاء في كل شئ؛ من أول الوصفات الطبية لعلاج شتى الأمراض الخفيفة و المزمنة والمستعصية، رافعين شعار إسأل مجرب ولا تسأل طبيب، إلى الحيل القانونية المؤدية إلى كسب القضايا والدعاوى المرفوعة منك أو عليك، مرورا طبعا بالنصائح الخاصة بالخلافات بين الأزواج والأبناء والأقارب والجيران، وما يخطر وما لا يخطر على البال من الآراء، التي لا يمنعها رقيب، في السياسة والساسة والزعماء، التي كان يفوز في أغلبها  النحاس باشا، وإن طالت الألسنة ذكر زوجته السيدة زينب الوكيل ورددت ما اشتهر عنها من تسلطها على إرادة زوجها الزعيم الجليل مستشعرين الشفقة عليه من كيد النساء!

 لم يختلف مجلس فتاوى ترام 22  عن  مجالس فتاوى مجموعات "أبو العرّيف"، التي صارت تبثها القنوات الفضائية في أيامنا المعاصرة، سوى افتقاد خفة الظل التي  تميز بها مجلس فتاوى ترام 22.
  
  
الترام النايلون

لا أدري بالتحديد متى ظهرت الأنسجة الصناعية لكنني ما زلت أذكر سطوتها في منتصف الأربعينات عندما تغلبت منسوجاتها، "النايلون"، على المنسوجات القطنية والصوفية والكتانية فكانت هي الأناقة والأمل المنشود، خاصة في ملابس النساء التي أقبل عليها الجميع رغم إرتفاع ثمنها، وصارت  كلمة "نايلون" مرادفة لكل جديد غير قابل للمنافسة، حتى وصل الأمر إلى  تعبير: "حاجة نايلون خالص!" يتم إطلاقه بصيغة الإعجاب على أي شئ، إنسان أو حيوان أو جماد، فيفهم السامع أن ذلك الشئ بالغ الجمال؛ مثلا يقول قائل عن إمرأة "حاجة نايلون خالص" يعني فاتنة متفجّرة الأنوثة مثل جميلات هوليود "هيدي لامار" و"مورين أوهارا" "ديانا دربن" و"آفا جاردنر" و "جرير جارسون" و "فيفيان لي" وغيرهن من شهيرات ذلك الزمان، ولذلك لم يكن غريبا، وإن كان طريفا، إطلاق "الترام النايلون" على ترام جديد إختلف تصميم عرباته عن الشكل المألوف الذي إعتاده الناس وإشتهر بهذا الإسم  فكان يكفي  قولنا: "ركبنا الترام النايلون" من دون أي حاجة لذكر رقمه!

ظللت مع الترام حتى شهدت إرهاصات نهايته حين إزدحمت الطرقات بالسيارات وتعالت صيحات أصحابها كلما صادفهم ترام "إمتى بقى يشيلوه!" فأشعر بغصّة كأنهم يغتابون أحد أقربائي فأبادر بنبرة حنين: "الله هوه كان عمل إييييييييه؟" فيأتي الرد زاعقا: "زاحم الدنيا"!

عزيز قوم ذل؛ يسلك سبيله كهيئة الإنسان الطاعن في السن الباحث عن جدوى لاستمراره في الحياة؛ يتلطف مع الجميع وهم يلكزونه ويدفعونه بالأكتاف. في يوم من أيام عام 1984 كنت في الفجالة بعد أن إشتريت مقدّمة ابن خلدون و حملتها مع كتب أخرى تثقل يدي وتوجع كتفي ووقفت أنادي سيارات الأجرة في استجداء: "عباسية ..عباسية" وهيهات أن يرق لي قلب من قلوبها القاسية، وإذا بي ألمح ترام 3 خط "فجالة \ عباسية" قادما وأنا بالقرب  من "محطته"، بدا لي كفارس من الزمن الغابر مُنقذ رغم اشتعاله بالمشيب، استبد بي الشوق فأسرعت لألحق به، رغم أنني لم أكن بحاجة إلى الإسراع فسوف ألحق به على كل حال إذ أن طريقه قد اغتصبته السيارات وهو متوقف يعطيها الأولوية في سعة صدر الكبار الصابرين على تجاوزات الصغار. صعدت وجلست وسألت جاري كم ثمن التذكرة؟ قال: عشرة صاغ، جاءني الكمساري فقلت ممازحة: عشرة صاغ بحالها؟ كانت بثمانية مليمات! رد جاري بشجن: كانت بستة مليمات! قلت مستشعرة صباي "مش على أيامي!"





هناك 4 تعليقات:

  1. بدعي لك يا حبيبتنا كلنا ، ربنا معاكي

    ردحذف
  2. الأستاذة الفاضلةالف تحية من الجزائر
    خارج السياق
    مصر :العبودية في شكلها الأنيق
    ترتبط العبودية عند البعض باللون وهذا غير صحيح. في العالم القديم كان العبد أشقرا و وسيما وصحاب شعر أصفر وعيون زرقاء ،أما "كونتا كينتي" فهو جزء من تاريخ العبودية وليس كل تاريخ العبودية. وتاريخ العبودية هو تاريخ نشأة الملكية وتقسيم العمل، و العبد في القديم لم يختر العبودية.
    أما من يزور مصر هذه الأيام فيشاهد شيئا أخرا يختلف تماما عن تاريخ العبودية ،يشاهد بأم عينه باش مهندسين و باش مهندسات و"بهوات" و"كونتيسات " آخر "شياكة " يوقعون توكيلات لبعضهم بعضا من أجل استعبادهم. مما يجيز الحديث عن الاستعباد الذاتي ، بمعنى أن الفرد هو الذي يطالب باستعباده ،أي يطالب أن يتحول إلى عبد. وفي حقيقة الأمر من يطالب بالعبودية فهو ليس حرا أساسا ، ولهذا نراه يوثق عبوديته ويصبح عبدا "رسمي" من خلال ما يسميه "التوكيل"


    ردحذف
    الردود
    1. الله! هل أنت نور الدين؟ هل جئت مصر بالفعل أم لغيت الرحلة؟ لم تتصل بي ماهي الحكاية؟

      حذف
  3. الأستاذة الفاصلة ألف تحية من الجزائر
    هل يعقل أزور مصر ولا أزور الأستاذة صافي ناز لقد سعدت كثيرا لما رحبت بي لم أزر مصر بعد . إن اراد الله وشاء أزورها هذا الأسبوع
    لكن كتبت ما كتبت لتأكيد فقط

    ردحذف