الجمعة، 1 يوليو، 2011

جنرالات الكازوزة

# كنا قد تعودنا في جلستنا بمقهى الفيشاوي، في زمن الشباب الغالي، أن نراه، بسترته المهلهلة المزينة لصدره بعدد لابأس به من نياشين"غطيان الكازوزة"، رائحا غاديا متجهما في صمته أو زاعقا بكلمات تبدو كالخطاب الحماسي الذي لايفهم منه سوى إيقاعات توعد ووعيد، وتوافقنا جميعا على الإشارة إليه بـ "جنرال الكازوزة"! وصار"جنرال الكازوزة" لقبا نطلقه من بعده على كل منفوخ، غضبه ضجة بلا طحن؛ يتكلم بما يشبه الكلام لكنه ليس بكلام، أو يكتب بما يشبه الكتابة لكنها ليست بكتابة، ولو شئنا الآن أن نختار لأصحاب نداءات "متأسفين ياريس"، الأوفياء للقتلة واللصوص في مظاهرات ميدان مصطفي محمود، لقبا دقيقا لما وجدنا لهم أفضل من  "جنرالات الكازوزة"!

# في زمن "الديموقراطية التي لها أنياب" 1971\1981، التي لم تنقطع عضاتها عني، كانت تقف على باب زنزانتي سجانة ضخمة مخيفة كفيلة بأن تلقي الرعب في قلب من لم يتبين طيبتها، وكانت قد نصحتنا بفرد أصابع كفنا الخمسة في مواجهة مكتب مأمور السجن، حيث يربض ضابط المباحث المنوط به تكديرنا، ونقول "الله أكبر الله أكبر"، لينصرف عنا ويكفينا شره! منذ ذلك الحين لم أتوقف عن فرد أصابعي الخمسة وأنا أغلق باب بيتي كل ليلة بالمفتاح والترباس مرددة إبتهالي بطلب الأمن والأمان: "اللهم اكفنا شر مباحث أمن الدولة، وشر السجن والإعتقال، وشر الظلم والبهتان، وشر التهديد والترويع، واحرسنا بملائكتك وجندك، الله أكبر الله أكبر"!

# بما أن للجسم  ردود أفعال آلية لانتحكم فيها، ارتفع ضغطي ارتفاعا فاق في خطورته ارتفاعه الذي يحصل يوميا بعد قراءتي الصحف،  فلم يكن أمامي سوى معالجة حالتي باسترجاع حكاية طريفة من صندوق حكاياتي حينما استعنت منذ أعوام بأم أحمد لتصعد السندرة في بيت العائلة لجردها والتخلص من غير المرغوب فيه. بدأت أم أحمد في الإطلالة من باب السندرة تسألني:" هل تريدين هذه؟" فأقول:" لا ياأم أحمد خذيها"، وبعد أن تراكمت الـ"تريدين هذه؟" مع الـ"لا خذيها"، إذا بأم أحمد على حافة السندرة وبيديها حبيبي القديم الذي لم تستطع أمي نفسها أن تتخلص منه بسبب اصراري على الإحتفاظ به، قلت دفعة واحدة:
" لا هذا غير ممكن يا أم أحمد!" قالت باستهانة:"طيب ومالزومه عندك؟ هذا ينفع بنتي منضدة تكتب عليها واجبات مدرستها!"، نظرت إليه وقد تساقطت مفاتيحه كلها،  وتمزقت شبكة شباك ميكرفونه، وتخدش سطحه الأملس فداهمني وجع الندم؛ كانت غلطتي أنني تركته منذ وضعته أمي سنوات سفري بالسندرة، كيف نسيته وتخليت عنه حتى صار هيكلا عظميا بين يدي أم أحمد لايمكن إحياءه؟ أغمضت عيني وقلت كأنني أقفز قفزة غطس في عمق بحر يكتم الأنفاس:"طيب خذيه يا أم أحمد!"، وحين كانت تستعد للخروج شيعته لآخر مرة وهو على رأسها  كبيرا ضخما مكعبا لم يعد يصلح إلا منضدة لصبية تكتب عليه دروسها.

إنه مذياعنا التليفونكن، اشتراه أبي عام 1932 قبل إنشاء الإذاعة المصرية الرسمية بعامين وقبل أن أولد أنا شخصيا بخمسة أعوام، ألفت رؤية هذا المذياع في ركنه المهم في البيت. مصنوع من الخشب المصقول الذي يجبر من يراه على احترامه بصفته قطعة أنيقة من الأثاث، تهتم به أمي وتغطيه بمفرش جميل من الكروشيه وتضع فوقه زهرية، وعندما توفى والدي وعمري ست سنوات تصورت أن "بابا" داخل المذياع لذلك كنت أقف أمامه وأقبله وأستأذنه عند الخروج وأشتكي له من يغضبني من أهلي! وهكذا بدأ ارتباطي بسماع الإذاعة عبر صلة "الأبوة" التي أضفيتها على جهاز مذياعنا الخشبي التليفونكن!

فعلا فعلا زال الصداع وانتظم ضغطي ونجوت من دائرة الخطر، إنها وصفة مؤكدة أهديها لقرائي الأعزاء من السيدات والسادة: احكوا الحكايات!

هناك 4 تعليقات:

  1. السلام عليكم

    بتوع اسفين ياريس دول ميقدروش يعيشوا من غير صنم

    يعبدونه

    تحيتي يااستاذة

    ردحذف
  2. سعيد جدا بقراءة مدونتك وسعيد انك اصبحتى مستقلة عن نوارة البت الشقية

    ردحذف
  3. أرجو منك سيدتى الفاضلة أن تقومى بعرض كتاب(الاقتباس)للثعالبى وأن تذكرى رأيك وتقييمك له فأنا أعتبره من جواهر الأدب العربى المنسية ...وعندى لك فكرة أخرى أن تكتبى عن الشاعر هاشم الرفاعى الذى مات صغيرا ولولا حكم القدر لأصبح من أميرا للشعراء بلا منازع ...وخالص الشكر لك سيدتى على ما خطته يديك من جميل بسيط الكلام

    ردحذف
  4. أيوه، الحكايات دواء. شكرا يا أستاذة

    ردحذف