الأحد، 31 يوليو، 2011

    
 
أولجا

في مطلع 1976 ـ ربما شهر فبراير ـ بعد وصولي إلى بغداد بخمسة أشهر، كانت هناك مناسبة فنية كبرى حرصت على الاسراع لشراء بطاقة حضورها مهما ارتفع الثمن، ليس هذا فحسب بل حرصت على اعداد ثوب جديد أنيق مناسب للحدث العزيز: حفل فرقة الرحابنة، منصور وعاصي وفيروز في "قاعة الخلد".  ذهبت إلى محل بشارع الرشيد، لشراء القماش، وعند خروجي من المتجر لفتت نظري لافتة ملاصقة له تعلن: "أولجا الخياطة اللبنانية".  ببشاشة قدمت إليها أمتار قماش المخمل وقلت أحفزها للإسراع: "أريد أن أحضر به حفل فيروز". مطت أولجا شفتيها في ازدراء: "هادا قماش ما ينفع". بلعت خشونتها وقلت بصبر: "ياست أولجا ده قطيفة جديدة غالية". قالت بعنطزة: "غالية مو غالية ما تنفع... هادا نوع لا تخش به ابرة ولا خيط، ما أحبه، يالله خديه لغيري أو اشتري نوع مال أوادم!". كانت أولجا قصيرة مليئة بيضاء سوداء الشعر القصير الناعم عند منتصف رقبتها، تلبس نظارة مرتكزة على أرنبة أنفها، ولها ملامح طيبة رغم عبوسها وشراستها البادية. أذعنت لأمرها  واشتريت قماشاً مختلفاً وعدت إليها وهي تعد غداءها برصانة وعلى مهل. قلت: "يارب ياست أولجا القماش هذه المرة يعجب". من دون أن تلمسه قالت وهي تنظر من بعد وتقلب سلطتها: "إيه... هيك... زين".

غرفت جزءاً من طعامها وزقّته ناحيتي في مقابلها على طاولتها العريضة التي تبتلع دكانها المزدحم بالملابس والأقمشة وأدوات مطبخها ومعيشتها ورفت على وجهها العابس ابتسامة رقيقة وهي تسألني عن "شو بعمل ببغداد"؟ وأبدت ارتياحها لأنني: "مو مثل هادول ..."! وعرفت أن معظم زبائنها مصريات يعملن في الملاهي الليلية، ولعلي كنت أول مصرية تدخل دكانها ولا تطلب منها "المقطع والمشلّح" ـ على حد تعبيرهاـ وهي "بنت" جادة و"ما تحب المسخرة" لكن "الشغل شغل"، (كانت الحرب المستعرة في لبنان ذلك الوقت قد قذفت إلى بغداد بموجة من المصريات اللاتي كن يعملن في الملاهي اللبنانية ولم يستطعن العودة إلى مصر، و لم يجدن سبيلا إلا التوجه إلى العراق، فأغرقن الليل البغدادي بكثافة منهن لافتة وظالمة لسمعة المصريات عموماً، حتى أن واحدة من هؤلاء البائسات، اللاتي قابلتهن لاحقاً في دكان أولجا، قالت لي بتبجيل شديد واعتذار ضمني أنها لا تسكت على إهانة المصريات أبداً، وأنها حين أوجعها تعميم أحدهم انبرت مدافعة: «لأ... بقولك إيه... ماتبصليش وتقول المصرية كذا... المصرية أشرف من الشرف...  آه يكون في علمك يعني»!
كانت أولجا تؤمن إيماناً مطلقاً بقوتها الروحية وقدرتها على استشفاف الواقع غير المرئي، فإذا رأت في منامها رؤيا لا بد ـ برأيهاـ أن تكون صحيحة مئة بالمئة. في إحدى زياراتي لها وجدتها عابسة متحفزة بعد أن "رزعت" سماعة الهاتف بوجه المتكلم، قالت: "هادي البنت ما تخجل تكلمني بعد ماشفت بالمنام شو صاير منها؟".
كما أنها لم تكن تخفي قرفها من بعض زبوناتها، ليس بسبب أنها "بنت مؤدبة لاتحب المسخرة" فحسب، لكنها كانت تشير باختصار فور خروج الزبونة المكروهة: "هادي تشتغل مع الأمن". وفهمت أن كثيرات من المسكينات وقعن في فخ استغلالهن للتجسس بالتهديد والإجبار، وزادت الوطأة بعد استلام صدام حسين للسلطة،  (79 ـ 80)، في تلك السنة  لم أكن محتاجة الى السماع من أولجا، كانت تنظر وتزم شفتيها وتشيح بيدها، فأفهم بالترجمة الفورية  ويلات الشعب العراقي. سألتها مرة: "هل شفت مثل هذا من قبل"؟ فهزت رأسها بعنف وهلع:  ".. بدنا نشوف أكتر". كانت أولجا تحكي عن رؤى مناماتها: "البنايات عم تتحرك، العماير عم تنهد، الأرض عم توقع، والدم نهر وراءه نهر"!






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق