الثلاثاء، 15 نوفمبر، 2011

من صندوق الجواهر:

الاستشهاد: أعلى قمم الشعر
16 سنة مرت علي استشهاد الدكتور فتحي الشقاقي ، مؤسس حركة الجهاد الاسلامي المقاوِمَة على أرض فلسطين . ففي يوم الخميس 26 اكتوبر 1995، الموافق 2 جمادي الثاني 1416، ظهرا، تم تنفيذ قرار اسحق رابين، 73 سنة ، بقتل فتحي الشقاقي، 44 سنة ، تحت إشراف رئيس الموساد ، وكان هناك ثلاثة اختيارات للتنفيذ، فوافق رابين على واحد منها. جاء هذا القرار بالقتل والتنفيذ قبل وأثناء وبعد أن وقف اسحق رابين في واشنطن يتعهد أمام العالم بالسلام، يوم الخميس 28 سبتمبر 1995، ويقول : كفانا دماء ودموعا ، كفانا!.

بين يوم الخميس 28 سبتمبر 1995 والخميس 26 اكتوبر 1995 أثبت رابين أن احترامه للعهد لا يمكن أن يصمد ولو لشهر واحد . ولم يكن في نكث رابين لعهده بعدم القتل أي غرابة ، فإذا لم يكن مجرم حرب ومجرم سلام مثل اسحق رابين واحدا من الذين قصدهم القرآن الكريم بقوله : «الذين ظلموا من أهل الكتاب »، فمن يكون؟

وحين خفقت قلوبنا في جدلية بين ألم لفقدان قمر من أقمار المقاومة الفلسطينية ، وبين فرح لفوز جندي مرابط بالشهادة في سبيل الله، يعرف أن أجره الفوري أن يظل حيا مرزوقا عند الله، وقف اسحق رابين يقول بفظاظة الشامتين ودمامة الخنازير والقردة : «إنني غير آسف لموت الشقاقي والحياة أفضل بدونه». وكان الباطل مع رابين. ونشرت الصحف صورا عديدة للمجاهد الشهيد، وقارنت نظرته الفتية الصبوحة في عينيه الباسمتين، المعقودتين علي إحدى الحسنيين : النصر أو الشهادة ، وبين نظرة الالتواء والحقد والشراسة في عيني رابين المتجهمتين الشيطانيتين ، وفيهما طالعت السجل الحافل لمجرم عتيد اسمه اسحق رابين .

في يوم الأربعاء أول نوفمبر ، ليلة ذكرى وعد بلفور المشؤوم عام 1917، كانت جنازة الشهيد فتحي عبد العزيز الشقاقي، وتم دفن الشهيد ابن فلسطين قرب دمشق ، لأن سلطات الاحتلال الصهيوني منعته من الدفن في مسقط رأسه بفلسطين المحتلة .

في مساء السبت 4 نوفمبر 1995 شاء الله سبحانه وتعالى أن يقتل إيجال عمير الصهيوني المتعصب إسحق رابين، وأن يعلن : «أنا غير نادم ، وقد نفذت أمر الله ! »، وهكذا في أقل من أسبوع ارتدت الكلمة الحاقدة لرابين حين قال : "أنا غير آسف"، عند قتله شهيدنا فتحي الشقاقي ، لتعود إلى نحره : "أنا غير نادم"، يقولها عند مقتله قاتله من أهله! .

يوم قرأت نبأ استشهاده في مالطا، أذاعوا اسمه فتحي الشقاقي ، وحين تأملت صورة بدت غير مألوفة لدي، فقد كان لا يزال في مخيلتي يوم رأيته آخر مرة في القاهرة، صيف 1981، وكان اسمه لا يزال على لساني : عز الدين الفارس ، كما قدم نفسه إليّ، حينما كان يكوّن : مركز أبحاث مجلة المختار الإسلامي ، ويكتب ويوقع باسم عز الدين الفارس ، تيمنا باسم الشهيد البطل عز الدين القسام، وقتها كان ينهي دراسته بكلية الطب جامعة الزقازيق ويخطو نحو الثلاثين من عمره، في وجهه البشاشة، وللأمل مفتوح الذراعين، وللحلم يرنو بنظرته، يحمل أوراق شعر وكلمات نثر مفعمة بالجمال ، يستخدم "فيما" كثيرا وتعجبني في مواقعها . يشرح التاريخ ، ويعرض الكتب فتبزغ لها رؤى لم يكن يلتفت إليها أحد ، ويقدم الدراسات لتثقيف الوعي لنفهم لماذا يحدث لنا ما يحدث. كان رأيه أننا نحصد ثمارا مُرّة لأخطاء أناس جرفهم أخطبوط التغريب فأنساهم أنفسهم، حين أداروا ظهورهم لمنهج الله وساروا مع مصالح العدو، ثم ماتوا . وكان يرى الإبقاء علي جذوة المقاومة مستمرة ، وإن كانت خافتة لا يهم لأنها ستقوى باصرار الروح المنتصرة الطاردة للانهزامية والخنوع والتثبيط . النصر من عند الله ، فليس علينا أن نتوقع رؤية النصر بأعيننا ، فالمقاومة ، وعدم اليأس منها ، نصر في ذاته؛ يكفي أن نغرس الشجرة ونحميها لتنمو وستجني الأجيال القادمة الثمرة الطيبة بديلا عن الثمار المرّة التي ورثناها نحن .

أعجبته كلمة للإمام علي بن أبي طالب : «نِعْم الحارس الأجل »، قالها ، كرم الله وجهه ، عندما نصحوه باتخاذ احتياطات ضد المتربصين به، فتحرر الشهيد منذ البداية من كل خوف ليتحرك خفيفا طائرا بجناحين : الشعر والأمل في الشهادة .

شاعرا كان ، من قمة رأسه حتى أخمص قدميه . كتب الشعر وقال به ، فيما قال : «تلفظني القدس إن كنت نسيت ، تلفظني الفاء ، تلفظني اللام ، تلفظني السين ، تلفظني الطاء ، تلفظني الياء ، تلفظني النون ، تلفظني كل حروفك يا فلسطين ، تلفظني كل حروفك يا وطني المغبون : إن كنت غفرت أو كنت نسيت »، لكنه وجد الكتابة لا تكفي ، فجعل الشعر الشهيق والزفير والقيام والقعود والحركة والخطو نحو أعلى قمم الشعر : الاستشهاد . في دراسة له نشرها بمجلة «المختار الاسلامي» القاهرية ، ابريل 1981، كتب يقول : اليوم والمسلم يقف مغلوبا مجردا من القوة المادية لا يفارقه شعوره أنه الأعلى .. فهو يستشهد ، ويغادر إلى الجنة ... إن حكمة الله هي التي قررت أن تقف العقيدة مجردة من كل زينة وطلاء وإغراء ليقبل عليها من يقبل وهو على يقين من نفسه، فهو يعرف أنه اختار الجهد والمشقة والجهاد والاستشهاد.

لقد كان فتحي الشقاقي حقا عزا للدين وفارسا، ويظل أكلة الأكباد ، على كر الأزمنة ، فرحين دائما بمقتل حمزة ، كلما مرت بالمسلمين أُحُد، لكن أيام المسلمين تعرف معرفة اليقين أنه لا بد من نصر الله، هذا هو الحتم الذي نؤمن به لأنه ليس الحتمية التاريخية التي يقول بها الماركسيون، بل هي حتمية وعد الله ، الذي لا يخلف وعده للمرابطين دفاعا عن ثغور الاسلام، وصدق الله القائل في  سورة الشورى\ آية 39: «والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون» .





هناك 3 تعليقات:

  1. حقا هو من صندوق الجواهر

    اسكنه الله فسيح جناته

    تحيتي لكي سيدتي

    ردحذف
  2. الأستاذة الفاضلة ألف تحية من الجزائر
    أنا وفتحي الشقاقي و محسنة توفيق
    كان ذلك في ربيع 94 في بيروت في ندوة فكرية ، كنت أصغر الحاضرين سنا وعلما . كيف لا ومن ضمن الحضور كان المفكر القومي الكبير الراحل قسطنطين زريق . و الوفد المصري كان اكبر الوفود عددا وعدة ، من ضمنهم الفنانة المناضلة محسنة توفيق التي كانت تجلس بجانبي بسب حرف الميم ، اسمها يبدأ بحرف الميم واسمي يبدأ أيضا بحرف الميم محمد نور الدين .
    كانت الفنانة محسنة توفيق لا تترك لا شاردة ولا ورادة تمر دون تعليق أو تعقيب وأحيانا مقاطعة. استمرت الندوة أربعة أيام وفي الأمسية الختامية جاءتنا دعوة عشاء من فلسطيني صاحب مؤسسة حضرنا جميعا ، وبعد العشاء مباشرة دخل شاب نحيف وبلحية خفيفة ومعه اثنين مرافقين التف حوله من يعرفه من الحضور الفلسطينيين بعدها صافح الجميع و الابتسامة لا تفارقه ، إنه فتحي الشقاقي .
    كان يجلس مع هذا ويحاور ذاك ويحي آخر بعدها اقتربت منه الفنانة محسنة توفيق وحياها بحرارة كبيرة وقتها كانت ترتدي جينز وشعرها منفوش وبيدها سيجارة وما يرافق ذلك من مقتضيات السهرة .
    ولأنه مناضل كبير و صاحب فضية كبيرة و يحمل هم امة بأكملها لم يلتفت لهذه الأشياء الصغيرة التي كثيرا ما يتوقف عندها من ابتليت بهم الأمة ويسمون أنفسهم "إسلاميين "، يتوقفون عند شعر المرأة ويعدونه عورة ما بعدها عورة وبالمناسبة اليوم في جريدة القدس العربي خبر يقول أن جمعية ما يسمى النهي عن المنكر و الأمر بالمعروف في جزيرة العرب " تتعهد بملاحقة النساء صاحبات العيون المثيرة للفتنة " .
    لقد جلس الشهيد فتحي الشقاقي ليس مقابل الفنانة محسنة توفيق، إنما جنبا إلى جنب تحاوره ويحاورها باحترام شديد وتقدير كبير كان الحوار حول العمل الفلسطيني. كنت أجلس بالقرب منهما أنا وصديق جزائري يدعى مصطفى الذي تجمعه صداقة مع الفنانة محسنة توفيق في إطار المؤتمر القومي العربي رغم صداقته النضالية مع الفنانة محسنة توفيق إلا أنهما كانا على خلاف دائم .
    وبعد هذا السهرة التي لم تدم طويلا ودعنا الشهيد فتحي الشقاقي وكان الوداع الأخير لأنه بعد أشهر معدودات استشهد . رحم الله الشهيد فتحي الشقاقي ورحم الله جميع شهداء الأمة العربية.

    ردحذف
  3. الله يرحمه يارب ,, وفلسطين مازالت ولادة .. وربنا قادر على أن يرزقنا أمثاله ..

    ردحذف