الأحد، 31 يوليو، 2011

محمود درويش

حين خرج محمود درويش من حصاره في الأرض المحتلة ودخل القاهرة مطلع 1971، بعد هزيمة 5/6/1967 وبعد وفاة عبد الناصر 28/9/1970، لتكون أول مدينة عربية يراها ويسمعها ويمشي في أسواقها، كانت القاهرة قد عرفته من كتابات غسان كنفاني أولا، التي حرص أحمد بهاء الدين على نشرها بمجلة «المصور»، وكان أحمد بهاء الدين هو الاحتضان المصري الأول والمخلص لمحمود درويش، وقد أطلق عليه وصفه بـ«فلذة الكبد»!

غسان كنفاني هو صاحب البحث والمصدر الأول لإذاعة أنباء وأخبار وأبيات «شعراء الأرض المحتلة». «شعراء الأرض المحتلة»، كان مصطلحا جديدا سمعته لأول مرة من فم غسان كنفاني مطلع عام 1967، قبل هزيمة 5/6/1967، حين كنت في بيروت أحضر مؤتمرا أدبيا، لعله كان الآسيوي الأفريقي، ودعاني غسان كنفاني لتمضية يوم عائلي مع زوجته الوفية آن وأطفاله، جلس غسان يتكلم ونحن نتناول طعام الغداء، نحن نأكل وغسان يتكلم فرحا بشوشا متوقدا بالبلاغة والحماسة والتأثر، حول بحثه وكشفه ووسائله الفدائية ليحصل على قصائد «شعراء الأرض المحتلة»: محمود درويش، مولود في 13 مارس 1942، وزميلاه سميح القاسم، وتوفيق زياد.

كان غسان يقول بفخر إنهم البرهان المادي لمقاومة الفلسطيني الذي ظل على أرضه ولم يبرحها منذ اغتصابها عام 1948، لم ينس اللغة ولم ينس الحق ولم ينس... إلخ. وظل غسان يعدد مناقب الذين لم يبرحوا الأرض ويحكي كيف حاكم هو والده بقوله: لماذا تركت وكيف تحملت الرحيل، وكيف، وكيف؟

كان غسان مفتونا بقصيدة محمود درويش «سجل أنا عربي»، وكنت أنا منبهرة بقصيدته الأخرى: «يا وجه جدي/ يا نبيا ما ابتسم/ من أي قبر جئتني/ لتحيلني تمثال سم/ الدين أكبر/ لم أبع شبرا/ ولم أخضع لضيم/ لكنهم رقصوا وغنوا/ فوق قبرك فلتنم/ صاح أنا صاح أنا/ صاح أنا حتى العدم». مازلت أحفظ القصيدة من لسان غسان وهو ينشدها على أذنيّ، وقتها: لم تكن المسألة عنده وعندي مسألة شعر فحسب، وإن أطربنا وإن أذهلنا بجماله وقوته وصدقه ونبضه، لم نفكر لحظة في محاكمته بميزان النقد البارد، كان الأمر بالتحديد يتماثل مع فرحة من عثر على بقية أهله أحياء تحت الأنقاض، لذلك لم أفهم ولم أقبل ما حاوله محمود درويش، بعد ذلك بسنوات، تعديل مشاعرنا بصيحة: «أنقذونا من هذا الحب القاسي»، طالبا نقدا يتعامل مع المستوى الجمالي لشعره وشعر «الأرض المحتلة»، فلم يكن من حقه تصور أن «شعراء الأرض المحتلة» كانوا ظاهرة وجدنا فيها تعويضا معنويا عن هزيمة 5/6/1967، كما جاء في كلام له نشرته «الأهرام» 19/2/2008.

كان فرحنا بشعرهم قد سبق هزيمة يونيو، وكان الزمن السابق لهزيمة يونيو لا توجد به أية توقعات لهزيمة كالتي جرت.

الذي أذكره أنني أخذت محمود درويش، حال وصوله إلى القاهرة 1971، من نزله بفندق شبرد، ودعوت عبد الرحمن الأبنودي ليصاحبنا إلى شارع الغورية، آملة أن ألقي بمحمود درويش في أحضان الشعب المصري، بعيدا عن الدائرة المغلقة التي حاولت أن تضرب حوله سياجا من العزلة، بزعم الحرص والحماية، وقد تسببت في أن توغر صدر بعض شعراء مصر النابغين المفلسين الجالسين على مقهى ريش يؤيدون منطق نجيب سرور الساخر: «اشمعنى محمود درويش مدلل في فندق شبرد، طب ما احنا كمان شعراء الأرض المحتلة»!

ترك محمود درويش القاهرة بعد 15 مايو 1971 وعاد إليها زائرا في مناسبات لم تتح له إلا بعد رحيل محمد أنور السادات، وكانت القاهرة، كعهدها، تستوعب كل شيء!



    
 
أولجا

في مطلع 1976 ـ ربما شهر فبراير ـ بعد وصولي إلى بغداد بخمسة أشهر، كانت هناك مناسبة فنية كبرى حرصت على الاسراع لشراء بطاقة حضورها مهما ارتفع الثمن، ليس هذا فحسب بل حرصت على اعداد ثوب جديد أنيق مناسب للحدث العزيز: حفل فرقة الرحابنة، منصور وعاصي وفيروز في "قاعة الخلد".  ذهبت إلى محل بشارع الرشيد، لشراء القماش، وعند خروجي من المتجر لفتت نظري لافتة ملاصقة له تعلن: "أولجا الخياطة اللبنانية".  ببشاشة قدمت إليها أمتار قماش المخمل وقلت أحفزها للإسراع: "أريد أن أحضر به حفل فيروز". مطت أولجا شفتيها في ازدراء: "هادا قماش ما ينفع". بلعت خشونتها وقلت بصبر: "ياست أولجا ده قطيفة جديدة غالية". قالت بعنطزة: "غالية مو غالية ما تنفع... هادا نوع لا تخش به ابرة ولا خيط، ما أحبه، يالله خديه لغيري أو اشتري نوع مال أوادم!". كانت أولجا قصيرة مليئة بيضاء سوداء الشعر القصير الناعم عند منتصف رقبتها، تلبس نظارة مرتكزة على أرنبة أنفها، ولها ملامح طيبة رغم عبوسها وشراستها البادية. أذعنت لأمرها  واشتريت قماشاً مختلفاً وعدت إليها وهي تعد غداءها برصانة وعلى مهل. قلت: "يارب ياست أولجا القماش هذه المرة يعجب". من دون أن تلمسه قالت وهي تنظر من بعد وتقلب سلطتها: "إيه... هيك... زين".

غرفت جزءاً من طعامها وزقّته ناحيتي في مقابلها على طاولتها العريضة التي تبتلع دكانها المزدحم بالملابس والأقمشة وأدوات مطبخها ومعيشتها ورفت على وجهها العابس ابتسامة رقيقة وهي تسألني عن "شو بعمل ببغداد"؟ وأبدت ارتياحها لأنني: "مو مثل هادول ..."! وعرفت أن معظم زبائنها مصريات يعملن في الملاهي الليلية، ولعلي كنت أول مصرية تدخل دكانها ولا تطلب منها "المقطع والمشلّح" ـ على حد تعبيرهاـ وهي "بنت" جادة و"ما تحب المسخرة" لكن "الشغل شغل"، (كانت الحرب المستعرة في لبنان ذلك الوقت قد قذفت إلى بغداد بموجة من المصريات اللاتي كن يعملن في الملاهي اللبنانية ولم يستطعن العودة إلى مصر، و لم يجدن سبيلا إلا التوجه إلى العراق، فأغرقن الليل البغدادي بكثافة منهن لافتة وظالمة لسمعة المصريات عموماً، حتى أن واحدة من هؤلاء البائسات، اللاتي قابلتهن لاحقاً في دكان أولجا، قالت لي بتبجيل شديد واعتذار ضمني أنها لا تسكت على إهانة المصريات أبداً، وأنها حين أوجعها تعميم أحدهم انبرت مدافعة: «لأ... بقولك إيه... ماتبصليش وتقول المصرية كذا... المصرية أشرف من الشرف...  آه يكون في علمك يعني»!
كانت أولجا تؤمن إيماناً مطلقاً بقوتها الروحية وقدرتها على استشفاف الواقع غير المرئي، فإذا رأت في منامها رؤيا لا بد ـ برأيهاـ أن تكون صحيحة مئة بالمئة. في إحدى زياراتي لها وجدتها عابسة متحفزة بعد أن "رزعت" سماعة الهاتف بوجه المتكلم، قالت: "هادي البنت ما تخجل تكلمني بعد ماشفت بالمنام شو صاير منها؟".
كما أنها لم تكن تخفي قرفها من بعض زبوناتها، ليس بسبب أنها "بنت مؤدبة لاتحب المسخرة" فحسب، لكنها كانت تشير باختصار فور خروج الزبونة المكروهة: "هادي تشتغل مع الأمن". وفهمت أن كثيرات من المسكينات وقعن في فخ استغلالهن للتجسس بالتهديد والإجبار، وزادت الوطأة بعد استلام صدام حسين للسلطة،  (79 ـ 80)، في تلك السنة  لم أكن محتاجة الى السماع من أولجا، كانت تنظر وتزم شفتيها وتشيح بيدها، فأفهم بالترجمة الفورية  ويلات الشعب العراقي. سألتها مرة: "هل شفت مثل هذا من قبل"؟ فهزت رأسها بعنف وهلع:  ".. بدنا نشوف أكتر". كانت أولجا تحكي عن رؤى مناماتها: "البنايات عم تتحرك، العماير عم تنهد، الأرض عم توقع، والدم نهر وراءه نهر"!






الجمعة، 22 يوليو، 2011


الضلع الثالث لنجم والشيخ إمام

حالا مر عامان على رحيل الفنان محمد علي، الذي تمنى الرحيلا فجاءه 9 سبتمبر 2009، هذا الفنان المنكر لذاته  واهبا بيته في عطاء لا حدود له للكيان الفني: الشاعر أحمد فؤاد نجم والموسيقي المغن الشيخ إمام عيسى  وكان بحق الضلع الثالث لثنائيتهما من دون منازع أو إدعاء.

جاءني يوما لأرى صور آخر إنتاجه في فنه "لتلقائي" صعد معه البواب حتى باب شقتي. كان البواب مذهولا، فقد بدا محمد علي بملابسه وهيئته مزركشا زركشة تلقائية خليقة بأن يظنه من يجهله مجذوبا في أفضل الظنون. يرتكز على عصاه مع البنطلون والسترة الجينز الفضفاضة ولونهما الأزرق الكالح، بانت تحت السترة أطراف متعددة الألوان بين البمبي والبنفسجي والأخضر لملابس كدسها فوقه لتقيه البرد، ووضع على رأسه طاقية مغربية جوخ حمراء طربوشية فاقعة الاحمرار تاركا شعره الأبيض من تحتها مسترسلا طويلا، وعلى كتفه تعلقت حقيبة كبيرة سوداء بالغة الأناقة، تلك التي أخرج لي منها صور لوحاته التي ما زالت تدور حول الشيخ إمام والشاعر نجم، وأهل حارته وحجر رصف الطريق، وزخارف الشبابيك، والقباب والمآذن والألوان الزاعقة الصاخبة يكسرها ثم يعقلها اللون الأزرق.

قلت: قهوة يا محمد؟

قال: طيب.

قلت: أو تفضل الشاي؟

قال: طيب.

قلت: القهوة تركي أم نسكافيه؟

قال: أي حاجة.

قلت: باللبن؟

قال: أي حاجة.

كل إجابته تأتي بهدوء وبلا اهتمام فالأمور عنده متساوية. وضعت أمامه كوب القهوة باللبن والسكر الزائد حسب تقديري لما يمكن أن تكون رغبته، مدركة أنه من الصعب تحديد رغبة من لم تعد لديه رغبة في شيء.

محمد علي مولود في مايو 1930.  مسكنه كان في درب المقشات عند جامع الصالح طلائع بعد أن تهدم منزله العريق في حارة حوش قدم المتفرعة من شارع حوش قدم المتفرع من شارع الغورية. ولد وعاش وتغيرت به الأحوال وتبدلت معه الحرف، لكنه في كل هذا لم يخرج عن عالم الغورية. كان صائغا حتى تعرف على الشيخ إمام عيسى، رحمه الله، ثم أصبح واحدا من ثلاثي فرقة الكيان الفني إمام نجم. لم يتعلم القراءة أو الكتابة، لكنه يستطيع توقيع اسمه "محمد علي"، بطانة الشيخ إمام، يأخذ بيده في المشاوير، ويرتب له احتياجاته، ويرعاه ويستضيف الجميع في بيته، المكون من غرفة معيشة وغرفة نوم صغيرة جدا، ويحفظ ألحان الشيخ ويردد وراءه المقاطع المطلوب ترديدها مع الكورس. كان الشيخ إمام يشهد له بأذن موسيقية دقيقة تجيد النشان على المقام الموسيقي. يتحدث الشيخ إمام، يتكلم الشاعر أحمد فؤاد نجم ويصول ويجول مع الضيوف والمستمعين، ويظل محمد علي صامتا معظم الوقت إلا في المقتضب مثل "تشرب شاي" و"تفضل" وتبقى لديه وسط الضجيج ابتسامة لا تفارق عينيه كأنه على وشك الانفجار بضحكة ساخرة.

حين عرف الغناء والموسيقى عرف معهما الألوان والفرشاة، فأصبح الرسم قراءته وكتابته، وحديث صمته الطويل الدائم. لا يعرف الحماس إلا عندما يؤكد أنه حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قبل توبته عن المعاصي التي تمنى أن تغسلها عنه فريضة الحج.

صنفه النقاد تحت لافتة "لفنان التلقائي" ولكني اخترت له فنان النبض الشعبي، لأنه نهل من النبع الأصلي مباشرة بلا واسطة، فهو في موقع ومن موقع التماس البكر مع رؤية الشعبيين ونبضهم، لوحاته الكثيرة كلها رجال ونساء وأطفال تعكس التعب والمشقة والقهر والصبر ولا عجب، فهي وجوه سواد الشعب المصري المتعب العامل دأبا في احتمال ونكتة تحت طحن الرحى.  

كنت قد سألته، وهو يرشف قهوته، ما أخبار الفنان محمود اللبان؟ قال: مااااات. قلت: وما أخبار بيت الشيخ إمام؟  أخته لا تزال تسكن فيه؟ قال: ماااااتت... قلت: أنا زرت حوش قدم وشفت أنقاض بيتكم القديم، وقابلت صاحب القهوة جاركم حسن بطنجها،قال: ماااااااات.

كل مرة يخبرني فيها بموت أحد ترتسم على وجهه ابتسامة تتهلل فيها نظرة عينيه كأنه يعلن عن نيل المتوفى لجائزة "كسب المليون"و"عقبال أمالتك"!

 هذه البشاشة مع سيرة الموت يا محمد؟

سعل ضاحكا، أو ضحك سعالا، وهو ينظر في اغتباط أمامه إلى الأفق وراء زجاج النافذة، ثم استطرد: محمود اللبان مات صباح حصوله على قرار منحة التفرغ. بعد قوله هذا ظل يهز رأسه بما يمكن أن يكون تعجبا من المفارقة أو أسفا لتأخر صدور القرار حتى مات محمود اللبان، ثم أردف بابتسامة واسعة: أنا ما أخدتش منحة تفرغ. قلت: هل قدمت؟ كرر: ما أخدتش تفرغ.

لماذا تبدو السعادة كلها على وجهك يا محمد، كلما ذكرت خبرا مؤسفا؟ هل أنت مسرور لأن توقعاتك كلها جاءت في محلها؟

بادرته: هل استطعت أن تبيع معرضك الأخير؟ قال برضاء: بتوع المقتنيات أخدوا ثلاث لوحات بس ما صرفتش، قالو السنة الجاية الصرف.

بعد قوله هذا انتابته حالة، ولم استطع أن أعرف هل كانت قهقهة عالية أم نوبة سعال حادة.



الأربعاء، 20 يوليو، 2011

.. وعاد هيكل ليطل من "التحرير" كأنه ناصح أمين!

ليس لي كلما رأيته يطل في زماننا كأنه ناصح أمين سوى أن أستدعي ذكرياتي وأكرر تساؤلاتي:

هل يتصور الأستاذ محمد حسنين هيكل أن معاصريه قد ماتوا كلهم، فلا أحد هناك بقى  ليقول له: اتق الله؟

لم أكن في يوم من الأيام من المعجبين بالأستاذ هيكل، منذ بدأت طالبة صحافة أتمرن في دار أخبار اليوم نوفمبر 1955 وأنا في الثامنة عشرة من عمري. كان "علي ومصطفى أمين"، رحمهما الله رحمة واسعة، صاحبي الدار ورئيسي تحرير الجريدة اليومية "الاخبار" والأسبوعية "أخبار اليوم"، وكان نجم الدار الاول هو الاستاذ محمد حسنين هيكل مؤلف كتاب "إيران فوق بركان"، الكتاب الثالث من سلسلة "كتاب اليوم" الصادر مايو 1951. كان على ومصطفى أمين  في طريقهما إلى بلوغ الثانية والأربعين، وكان هو قد احتفل ببلوغه الثانية والثلاثين ويرأس تحرير مجلة "آخر ساعة"، يحتل غرفة مصطفى أمين السابقة في الدور الأول من بناية أخبار اليوم 6 شارع الصحافة، قبل أن ينتقل التوأمان إلى الطابق الأخير، الذي يطل على عشوائيات عشش الترجمان. على الرغم من حكاية "الطابق الأخير" وأناقته وغرفة سكرتاريته التي تضم أكثر من ثلاثة، منهم الكاتبة نعم الباز، إلا أننا لم نشعر أبدا برهبة "الرئاسة" وخوف "التسلط" من المالكين للمال وسياسة التحرير. كانت الصحافة لا تزال بطقسها "الكاجوال"؛ الصغير لا ينحني للكبير والكبير لا يبطش بالصغير، ولمن يحاول، هناك صعود مباشر لصاحبي الدار والشكوى لهما من طغيان من يريد أن يتجبر ويقل ذوقه، فيتم فورا جبر الخاطر للصغير وإعادة الكبير إلى مساره السوي. كانت كل الأبواب مفتوحة، وكانت مهمة السكرتارية فقط هي تنسيق الدخول والانصراف للزائرين كافة. في ظل هذا الطقس الحر الكريم، الذي تربينا عليه مهنيا في دار أخبار اليوم على يد الأستاذين علي ومصطفى أمين، وتربى عليه من قبلنا الأستاذ هيكل، وتمتع به تمتعا كاملا أتاح له البروز والتألق والانتشار، كان هيكل في "آخر ساعة" يؤلف مدرسته المضادة لمنهج الأخوين الديموقراطي: الباب المغلق، الدائرة المغلقة من مجموعة الصحافيين المخصوصة، العازلة، بين هيكل وبقية "شعب" أخبار اليوم! وكنت أشعر، وأنا في تلك السن الصغيرة، أنني لست بحاجة أبدا الى الاقتراب منه، لا أحادثه ولا أحييه ولا أبادره بابتسامة من تبحث عنده عن فرصة تعلّم مهنية. يهمسون: صديق عبد الناصر فأتعجب: ألا تجعله هذه الصداقة أكثر اقترابا من الناس وأكثر تراحما مع زملائه؟

لم يلبث الأمر حتى أخذه عبد الناصر ليكون رئيسا لتحرير "الأهرام"، وصاحبها من دون حق امتلاك "شرعي"، وأصبح واضحا التوحد بين عبد الناصر \"السلطة"، وبين هيكل المعبر عن مصالح السلطة والشارح لأهدافها وقراراتها والمبتكر لمصطلحاتها. أعطاه عبد الناصر مبنى "الأهرام" الجديد، الهائل في مواجهة مبنى "أخبار اليوم" الذي تضاءل أمامه يوما بعد يوم، وانكمشت معه مدرسة صحافة "الأبواب المفتوحة"، لتنتفش مدرسة الاحساس المتضخم بالأهمية. وجثم هيكل بأهرامه ومنهجه الإستبدادي على صدر الصحافة المصرية وصحافييها. وأصبح رواد المقاهي من الشعراء والأدباء المهمشين الساخرين يتهكمون ويطلقون عليه "باستيل" الصحافة، إشارة الى سجن الباستيل الفرنسي الشهير الذي كان سقوطه أشهر انتصارات الثورة الفرنسية. اقتنى هيكل كبار الكتاب المصريين، يتباهى بهم في حضرة عبد الناصر لتنحني، مع رؤوسهم، هامات انجازاتهم السابقة قبل أن يسلسلهم باستيل هيكل ويجعلهم يسقطون في أعين أترابهم، ومن كانوا يوما من المقدرين لقدرهم.

في يوم من الأيام، 1968 أو 1969، كنت مع أصدقاء في مقهى الشاي بالهيلتون ومعنا الأديب الدكتور يوسف ادريس والكاتب لطفي الخولي وزوجته ليليان أرقش، وإذا بي أرى يوسف إدريس يكاد يبكي وهو يشكو للطفي الخولي، أن سكرتيرة هيكل تمنعه من مقابلته. غلى الدم في عروقي، وكنت ساعتها من أشد المقدرين لفن يوسف إدريس وأراه قوميتي الأدبية، فانبريت أعبر بغضب شديد عن رأيي بأن ظفر أدب يوسف إدريس برقبة كل ما يكتبه هيكل، وأن الواجب أن يطرق هيكل باب يوسف إدريس طالبا التشرف بمقابلته وليس العكس. لم يسعد يوسف إدريس بطول لساني، ارتبك وخاف، تصوّروا؟، وقبل أن ينطق لطفي الخولي بكلمة كان هو المعتذر له عن تطاولي!

هكذا أفسد هيكل من جرى تسميتهم "النخب" و"رموز" مصر، مستفيداً من اقترابه من عبد الناصر، ولو كان حضرته حقا مفكرا وهاديا وعارفا "اللحظات الفارقة" لما أضاع على عبد الناصر، وعلى مصر من ورائه، اللحظات الذهبية، والفرص الباهرة، التي أتاحتها المرحلة من 1952 حتى 1970، والتي كانت قادرة على تحقيق المعجزات لمصر والوطن العربي والشرق الاوسط، و... فلسطيييييين!

لقد توفرت لعبد الناصر عناصر نجاح وانتصار، لم تتوفر لغيره: 1ـ الاجماع العربي، 2ـ محبة الشعب له حتى درجة البلاهة، التي مازال الكثير غارقين فيها، 3ـ الانصياع لقراراته وأوامره بيقين أنه ثقة و يعني ما يقول، 4ـ  مناخ التأييد العالمي لحقوق التحرر ونهضة الشعوب ضد القوى الاحتلالية الامبريالية... الخ، ومع ذلك فإن عبد الناصر ضل وأضل، يوافقه ويدعمه الاستاذ محمد حسنين هيكل بالتبريرات والتعميات والتجهيلات، ثم يأتي، بلا حياء، الآن ليواصل سفسطته كأنه الحكيم الذي لو واتته الفرصة لنفع بها عباد الله!

 لو أن حضرته حقا كان "الحكيم"، الذي يريد أن يلبس اليوم سمته، لفعل ما فعل بيدبا مع الملك الجبار دبشليم، ولقال لعبد الناصر مثلما قال بيدبا لدبشليم:"... أقمت فيما خُوّلت من المُلك وورثت من الأموال والجنود، فلم تقم في ذلك بحق ما يجب عليك، بل طغيت وبغيت وعتوت وعلوت على الرعية، وأسأت السيرة، وعظمت منك البلية، وكان الأولى بك أن.... تحسن النظر برعيتك، وتسن لهم سنن الخير الذي يبقى بعدك ذكره... فإن الجاهل المغتر من استعمل في أموره البطر والأمنية، والحازم اللبيب من ساس الملك بالمداراة والرفق"!

لكن محمد حسنين هيكل لم يقم بواجبه وغرّته الأماني وعليه أن يدرك، وهو على أعتاب الـ 88، أنه مفلس ولا يملك ذرة مصداقية تخوّله لحق النصح أوالإدلاء بأي شهادة، ناهيك عن الإطلالة من طاقة عنوانها:"التحرير"!


الاثنين، 18 يوليو، 2011

الحمد لله أخيرا منّ الله علينا بوزير للأوقاف نثق به لأول مرة منذ عهد السلطان برقوق ؛منذ سبعة قرون مثلا!

تحية للأستاذ الدكتور محمد عبد الفضيل القوصي وزير الأوقاف في التشكيل الوزاري الجديد مع دعائي المخلص لبلادي وله!
أيوة يا نشوى شيلي عني شوية!

السادة الأفاضل لم يعرفوا بعد أن معظم النساء الشعبيات يخرجن للعمل بمهارات المسح والكنس والطبخ لكي يتمكن من الإنفاق على تربية أطفالهن وتحقيق "حلم الذهاب إلى المدرسة" لأولادهن حين يرفع الزوج لا فتة "وأنا مالي"، بل ويتنطع الزوج عليهن بالمن والأذى لكي يعطينه "إتاوة" حق السماح لهن بالخروج للعمل!

وهذا يحدث لأسباب أخرى وبتفاصيل أخرى للزوجات، والنساء على وجه العموم، في الشرائح الأعلى، وقولي لا علاقة له بالنسوية ولا بالإنحياز لكن له علاقة قوية برفضي محاولة البعض المغالطة والدفع لرفع معاش الرجل فوق معاش المرأة!

السبت، 16 يوليو، 2011

.....والرجل الذي يعول؟

أنه في أهرام الإثنين 4 يوليو 2011، وفي الصفحة الأولى، تحت العنوان الكبير: "9 مليارات جنيه لتحسين أوضاع أصحاب المعاشات"، جاء التالي، الذي هو، واعذروني، "الإستهبال" على أصوله، "وردا على سؤال حول التفرقة بين معاش المرأة والرجل الذي يعول، قال وزير المالية إنه ستتم دراسة هذا الأمر حيث إن الدستور المصري يكفل المساواة بين الجنسين"!

 يالها حقا من أزمة دستورية تسبب فيها دستورنا المصري العزيز؛ إذ أنه ، ياااااااااخبر، لايسمح بالتفرقة "المطلوبة" بين معاش المرأة و "الرجل الذي يعول"؛ مما سوف يجهد وزارة المالية، بوعد وزيرها، إلى قدح زناد فكرها وبذل طاقتها لـ "دراسة هذا الأمر": ياسلااااااااااااااام!

ألم نعلم بعد أن "الرجل الذي يعول" صار من نوادر الحكايات في زاوية "صدّق أو لا تصدّق"؟

في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي كانت هناك أغنية شهيرة لسان حال الزوجات تقول: " عاوزين كام رطل عسل وكمان زيت وجاز وبصل "، هذا المطلب يأتي بعد تملق للزوج "سوسو حنتوسو ياحلاوتك ياشطارتك يا سوسو!"، حتى يحن قلبه ويلبي لزوجته كل طلباتها بقاعدة واجبه في الإنفاق إذ أنه "الرجل الذي يعول"! . طبعا هي أغنية لم أسمعها شخصيا، فقد كانت قبل مولدي، لكنها ظلت من المرويات الضاحكة التي تحكيها والدتي مع مثل يقول: "اطبخي ياجارية ،طيب: كلف ياسيدي!".

على ضوء هذه الأيام ،التي يكاد ينقرض فيها الزوج المنفق؛ "الرجل الذي يعول"، بدت الأغنية كأنها من طرائف الزمن المدعو "الزمن الجميل"، فحتى مطلع الستينات كان من الممكن التسليم بأن "الإنفاق" قيمة واجبة على الزوج ،إلا إذا تطوعت الزوجة وساعدت في المصروف جزئيا ويكون الزوج ممتنا شاكرا على "التضحية" من جانب الزوجة الطيبة.  تدريجيا أصبحت "التضحية" أمرا لازما؛ إذا تقاعست عنه الزوجة أو تبرمت تتهم بالشح وعدم التعاون وأن ليس بعينها حصوة ملح!

لم يلبث الأمر حتى سلمت الزوجة تماما بضرورة إلغاء كلمة "عاوزة" و "عاوزين" فقد صار الواقع يقول لها: العاوز يغرم من جيبه.

تقبلت المرأة المسئولية الكاملة في المشاركة إلى أن اختفت كلمة "المشاركة" لتقع المسئولية الكاملة في الإنفاق على كاهلها، ولم تعد تتطلع إلى شكر أو تحية،  بل ولم يعد من حقها حتى الشكوى من الأعباء، "وإن كان عاجبك!" ، حتى وصلنا إلى واقع غريب وجائر ملخصه: "انفقي وأنا سيدك"،  يقولها الرجل بتناحة ومن غير ضرورة، فلو التمسنا العذر لزوج تخبطت به الأحوال وأصبح غير قادر على الإنفاق فكيف نلتمس العذر لزوج يمتلك فوق القدرة لكنه يبخل ويفضل الطمع في امكانيات الزوجة لكي تتكفل بالتكاليف كلها؟ وإذا جادلت تكون الكلمة الضاربة: "طيب سيبي شغلك واقعدي في البيت وأنا أصرف!"، وحين ترضخ لذلك الشرط، على سبيل التجربة، تبدأ مرحلة "تنشــيف الريق"، ليس بسبب طموح إلى "عاوزين كام رطل عسل......الخ"، بل أحيانا بمستوى طلب شراء جورب تلبسه إذ ينجعص حضرة "المنفق" نافخا أوداجه محققا: "وفين الشراب اللي اشتريته لك السنة الماضية؟" ، وهكذا تعود الزوجة لعملها هربا من المذلة وتحريرا لرقبتها من الخنق والخناق.

 ما يغيظني ،والحال كما نري، الكاريكاتير الآثم المستمر في الكذب  بتصوير زوج يخرج جيوبه معلنا افلاسه وقد أرغمته زوجته على شراء خروف العيد وكحك العيد وحلاوة المولد، بعد أن أخذته إلى متجر تشتري منه "عجب عينها"، والزوج المسكين وراءها يسدد فواتير المشتريات التي يحملها مكدسة ومرتفعة في لفائفها حتى مستوى أنفه وهو مرغم ومستسلم : أين هذا بذمتكم إلا أن يكون في صفحة "الوفيات"؟

قال "والرجل الذي يعول" قال!

الأربعاء، 13 يوليو، 2011

أصل حكاية هاملت
 تعمد شكسبير أن يكون هوراشيو هو راوي قصة هاملت؛ فهوراشيو هو صديق هاملت الذي يعرفه حق المعرفة، وقد راقب من البداية ملابسات أحواله، وتفصيلات مآزقه المعقدة في مواجهة عمه الفاسد كلوديوس، الذي قتل والده، الملك هاملت، واغتصب عرشه وتزوج زوجته (أم هاملت)، هوراشيو إذن هو الشاهد الأمين الذي اختاره شكسبير للشهادة الصادقة لكي لا تتشوه صورة النبل والعدل والجسارة التي تميز بها هاملت في خوض معركته لإنقاذ بلاده،  ولكي يؤكد أن بقية شخصيات المسرحية، المكونة للسلطة الجائرة والعناصر المتاخمة لها، والتي انضم إليها كثير من النقاد والمحللين الأدبيين، كان من مصلحتها التكالب على هاملت للقضاء عليه معنويا وماديا بشتى الطرق، ولو باختراق الصداقة والحب والأمومة!

هوراشيو هو المثقف الواعي الذي يقف مع الشعب لكنه يعلو برأسه المفكر الذي قرأ التاريخ الإنساني وفهم حاضره السياسي، وامتلأ قلبه بالحب نحو البشر وصدره بإدراك قوتهم وضعفهم، فأصبح مزيجا من الحكمة يلخصها، أو يرسمها، شكسبير في قول هاملت: "هوراشيو إنك لرجل شريف، لن ألتقي بمثيله، أنت الذي اختارته نفسي منذ أن بدأت تميز بين الناس، لأنك كالذي عانى كل شيء فأصبح بذلك لا يعاني شيئا، يتلقى من الأقدار الخير والشر بامتنان واحد، وطوبى لهؤلاء الذين يتوازن عندهم العقل والعاطفة، فلا يصبحون مزمارا في يد الحظ يعزف عليه ما يشاء، اعطني هذا الرجل الذي يرفض أن يكون عبدا لأهوائه وسوف أضعه في قلب قلبي ".
تنقسم مسرحية هاملت إلى عالمين: عالم داخل القصر وآخر خارجه، هوراشيو من خارج القصر لكنه، بسبب صداقته لهاملت، له خطوات داخله، وهاملت من داخل القصر لكنه بقضيته وموقفه ينتمي إلى حيث تتوافق مصلحة الشعب مع مصالحه، وحيث يكون الناس الحماية له.

من الفصل الأول نرى هوراشيو بين الحراس يحلل لهم دواعي الحراسة المكثفة، وهو ينتظر ليختبر بنفسه ماهية الشبح الذي يشبه الملك السابق هاملت والد هاملت، ويظهر في رداء الحرب كل ليلة بعد انتصاف الليل ، ليختفي عند صياح الديك في الفجر بعد أن يطالب ابنه الأمير هاملت بالثأر له من قاتله.
 ويستمر هوراشيو على طول المسرحية وعرضها وعمقها، مراقبا ومحللا وسندا ناصحا لهاملت، فهو المستودع الأمين لأسراره، الفاهم لأدق مشاعره وآلامه، وحين يتخلى برهة، في المشهد الأخير، عن عقلانيته ويحاول أن يقتل نفسه لأنه لن يتحمل الحياة بعد رحيل هاملت، يمنعه هاملت وهو يوصيه بأن يستمر على قيد الحياة، مبينا أن بقاءه على قيد الحياة هو التضحية الحقيقية التي يقدمها لصديقه هاملت: " أه يا إلهي، هوراشيو، تعلم كم سيجرح اسمي من بعدي، لو ظلت الأشياء هكذا غير معروفة، تحمل التنفس بصعوبة، في هذا العالم القاسي، لتحكي قصتي".

يطيع هوراشيو وصية صديقه هاملت ويتحمل مسؤولية رواية قصته بدوافعها الحقيقية من منظور شكسبير، الذي أراد في بناء شخصية هاملت أن يطرحه ممثلا للحق ضد الباطل الذي تشخصن في الملك الفاسد القاتل كلوديوس، ولنا أن نتخيل كيف يمكن أن تتشوه الأحداث لو أنها سردت من خلال خصمه كلوديوس وحاشيته.

عندما يتعمد شكسبير أن يحكي حكاية هاملت عن لسان هوراشيو، فهو يعني أنها تختلف عما لو كانت عن لسان أمه مسلوبة الإرادة، أو عن بولونيوس رئيس الوزراء ومستشار كلوديوس وجاسوس السلطة المتلصص المتصنت، فإن أم هاملت، التي تزوجت عمه قاتل والده، وبولونيوس السياسي الفاسد، طرفان في القوة المعادية، يقفان بمصالحهما وأخطائهما في معسكر كلوديوس، ولذلك فهما ـ (وقد تأثر بهما الكثير من النقاد على مر التاريخ الأدبي لهذه المسرحية) ـ لا بد أن يريا حزن هاملت النبيل اكتئابا مرضيا، ووقفته العنيدة أمام جرائم كلوديوس ميولا انتحارية عبثية، وتأملاته، لإعادة ترتيب أوراقه وامتحان قدراته، ترددا وعجزا عن الفعل، وانفجاره حسرة عندما يكتشف أن براءة أوفيليا، حبيبته، تستغل للإيقاع به فيعتبر أن هذا الاستغلال، لاختراقه ومعرفة خططه، نوع من هتك العفة ومن العهر المعنوي، هذا الغضب المنطقي من جانب هاملت، يريانه جنونا حقيقيا، ومحاولته انتشال أمه من براثن الإثم الذي ارتكبته بالزواج من قاتل منحل، وقاحة وعقوقا ومشاعر غير طبيعية.

قصد شكسبير ألا تكون رواية قصة هاملت بلسان شخصية من شأنها أن تسيئ تفسيره، ولذلك كان من الضروري أن نرى في اختياره لهوراشيو «راويا» نقطة جوهرية، وللأسف كانت هذه النقطة الجوهرية هي المفتاح الذي تجاهله كثير من النقاد عن بصر كفيف، أو عن عمد في بعض الأحيان، مع أنه المفتاح الوحيد الذي علينا أن ندخل به المسرحية لتتوهج أمامنا، بلا لبس أو تشويش، إضاءات باهرة تبرز أصل حكاية هاملت: المثقف صاحب الموقف، الذي يقوي عقله بالإيمان، ويدعم إيمانه بالعقل.




الجمعة، 8 يوليو، 2011

قال المُهر لست بغلا!

#  كالفرس الكريم رفعت رأسها بالرفض ثم ثبتت نظرتها المكتحلة، وحين تواثب الُمُهر زغرد صهيلها؛ قال المُهر: إني مُهر! قصد المُهر: لست بغلا إنما: "ابن حلال للوطن"!

#  طمبل طمبل مزيكا، دخّل وشّك فابريكا، يطلع شكلك أنتيكا، دوغري تحبّك أمريكا!

#  " لم نولد أبدا لننقاد، سوف يتوسلون، سوف يجادلون، يخدعون بمنطقهم،يركبون فوق رأسنا الجميل ويأخذوننا، بما ليس من حقّهم، قضية مسلّمة، ولكن قريبا، الوقت سوف يأتي، وعليهم أن يفهموا أننا: لم نولد أبدا لننقاد!"، هذه كلمات لأغنية إنجليزية لفتت نظري مطبوعة فوجدتني مدفوعة بشهية عارمة لترجمتها إلى العربية، وتدفعني لأتذكر لافتات جميلة رفعها متظاهرون في أمريكا، احتجاجا على غطرسة الجبابرة، تقول ما ترجمته: "أنتم تسلحون الطغاه ثم تقصفون شعوبهم"!

#  عشر سنوات مرّت على رحيل صديقي وزميلي الفنان بهجت عثمان، فنان الكاريكاتير البديع صاحب كتاب "الدكتاتورية للمبتدئين: بهجاتوس رئيس بهجاتيا العظمى"، الذي صوّر فيه بالرسم والتعليق رؤيته الساخرة الواقعية لقبح وبشاعة وجُرم النظم الدكتاتورية أينما وكيفما كانت. رسم بهجت صورته الشخصية بصفته "الزعيم بهجاتوس رئيس بهجاتيا العظمى"، وسك عملتها وتعليقه تحتها: "عملة بهجاتيا تنخفض بانخفاض الدولار ولا ترتفع بارتفاعه!"، أما بطاقة الإستفتاء في إنتخابات "بهجاتيا" فهي ثلاث دوائر: "نعم، نعمين، نعمات!"، وآخر صورة لرسام الكاريكتير الذي نقد الرئيس "بهجاتوس" كانت جثته محمولة على محفّة!

#  زاملت "بهجت" في غرفة بدار الهلال تضمنا مع رسام الكاريكاتير الرائد الكبير الفنان عبد السميع عبد الله، من أغسطس 1966 حتى أغسطس1971، بعدها جاء فارس السيف والقلم، يوسف السباعي، بقراره الحنون الرحيم المتسامح بقصف قلمي ومنعي من ممارسة واجب المهنة واضطراري للمكوث في بيتي بانتظار عدل زوار الفجر لاصطحابي، بين فينة وأخرى، إلى حدائق سجن القناطر للنساء من أجل أن أستمتع بصفير صراصير الليل! قابلت بهجت يسير، ذات مرة، نحيلا في شارع قصر النيل فسألته بلهفة: لماذا يابهجت فقدت وزنك هكذا؟ فرد على الفور بضحكته التي لم تكن تفارقه: "في أيامنا الحلوة دي لازم الواحد ييجي له سُكّر"!

#  هاجت عليّ ضروسي، خلعت وحشوت وقتلت أعصاب، كان بينها واحد كلما احتك بباطن خدي قاتلني فصرت حين أتكلّم أو آكل أميل وجهي لأحمي ضرسي من خدّي؛ يعني أنه من الممكن أن يكون خدّك عدوا لضرسك يؤذيه مسّا فيقاتلك!

#  كنت أغسل بحرص الطبق الصيني، الذي ألصقت أجزاءه المكسورة بأوهو، مانعة عنه الماء الساخن حتى لا تلين المادة اللاصقة ويتفكك. على طول مشوار حياتنا نقوم بعلاج الكثير من الشروخ والكسور التي تصيبنا بها الأيام وأوغادها؛ لذلك علينا أن نحاذر فلا نعرّض أنفسنا لدرجة غليان؛ صيانة لنا حتى لا نتفكك ونتناثر ويشمت بنا الشامتون، ولا ينبئك عن خُلق الليالي كمن فقد.........!

#  "المحن الصمّاء" من تعبيرات الشاعر صلاح عبد الصبور، الذي رحل عن دنيانا في أغسطس 1981 وهو في الخمسين من عمره، و "المحن الصماء" هي الأشياء الهامشية التي رغم تفاهتها تتراكم وتضايقنا وحين نتفرغ لصدّها نبدو صغار العقول. لابد أن نكبّر دماغنا فلا نرد على المغالطات المتكالبة، المتعمدة وغير المتعمدة، والزمن كفيل بكنس الأوراق الصفراء، التي لابد أن تجف وتذروها الرياح، وهناك حكمة مصرية خالدة ملخصها: "سيبه ينشف يقع لوحده"!

#  وجوه الشهداء تعاودني كلما إستشعرت القنوط، تربّت على كتفي، يحممني نهر الحزن الأخضر، يقتلع أعشاب القنوط السوداء، أما رأيتكم تخرجون كأسراب البجع المسحورة تنتفضون أُناسا؟، يقينا كنت أراكم بأعناق الحق الناصعة، وأنا أتمتم ذاكرة: ..إن الباطل كان زهوقا!

الخميس، 7 يوليو، 2011

مقالي المنشور بمجلة الدوحة عدد يوليو 2011

من سيرتي التي على لساني

كانت معلمة الجيل الأستاذة نبوية موسى قد كتبت سيرتها الذاتية بعنوان: "تاريخي بقلمي"، فقلت لنفسي لو أني كتبت يوما شيئا من سيرتي لأخترت عنوان: "سيرتي على لساني"، مع أنني لست جادة في إنجاز هذا الأمر، اللهم إلا مايستحق ذكره بين حين وآخر عندما تلفق عني الحكايات وتتكاثر معها الأكاذيب أو تسقط المعلومات في عدم الدقة. 

من باب الحيطة أرجع إلى مناسبة زواجي من الشاعر الفاضل أحمد فؤاد نجم الذي تم يوم 24\8\1972، بعد عام من صدور منعي من النشر 1\8\1971 بقرار من يوسف السباعي في بداية حكم محمد أنور السادات، ذلك المنع الذي إستمر 12 سنة.

قال نجم "تزوّجيني" فقلت "موافقة"؛ كان ذلك في أول لقاء لنا 31\7\1972. بين لقائي هذا الأول وعقد القران 24\8\1972 التقيت به ما لا يزيد عن أربع مرات فحسب فقد كانت معرفتي بشعره ومواقفه ضد المستبدين كافية لي. الذي شد أزر قراري بالموافقة هو موقف المعارضة الشديدة التي واجهت ذلك القرار، ليس من جانب أمي وحدها رحمها الله، ولكن من أصدقائي وصديقاتي، الذين تعجبت من اندهاشهم وحثي على الرفض رغم حماسهم البالغ للشاعر المناضل ولفنه المذهل مع صاحبه الموسيقي الملحن المغني الشيخ إمام عيسى. كنت كلما لاقيت نصحا بالرجوع عن الزواج من نجم تزداد مسؤوليتي بضرورة وواجب الإسراع نحوهذا القران. لم تكن الحكاية قصة غرام  بيني وبينه، كما يحلو له أن يقول، لكنها حكاية لا يصدقني فيها أحد لأنها كانت موقفا شعريا مني يفوق في جمال دوافعة حكايات الحب المعتادة بين الرجال والنساء. كنت قد انتهيت من قراءة سيرة حياة الشاعر البطل الوطني "عبد الله النديم"، "العودة إلى المنفى" التي كتبها الأديب الأستاذ أبو المعاطي أبو النجا. بين كل سطر وآخر أجد فيه عبد الله النديم واقعا في مأزق أو أزمة أو إفلاس أو جوع، مخذولا مطاردا محاصرا أبكي وأقول: لو كنت أعيش زمنك لنهضت أفديك يا عبد الله النديم! لذا لم يكن غريبا حين وجدت أحمد فؤاد نجم يسير إلى جانبي، مخذولا مطاردا محاصرا، يطلبني للزواج أن أتنبه: هاهو الشاعر الشجاع صنو عبد الله النديم خارج لتوه من المعتقل منفي داخل الوطن، والناقد غالي شكري أمام باب "الأتيـليــه"، 31\7\1972، يقول لي وللشاعر المسرحي نجيب سرور: "المباحث ألغت ندوة إمام ونجم"، فيئز الغضب في صدري وأقول لنجيب: لا بد أن نذهب إليهما حالا لنعلن تضامننا معهما، يوافقني نجيب ويصحبني إلى الغورية ومنها نخترق الحارة والعطفة إلى حوش قدم ونصعد السلم المعتم لأجد نفسي في غرفة مكدسة باللوحات والألوان، تخص صاحب الغرفة الفنان التلقائي محمد علي، وهو الضلع الثالث في هذا الكيان الفني، والشاعر النحيل يجلس على شلتة على الأرض وأمامه على الأريكة الخشبية المغني الملحن الضرير يحتضن عوده. يتم الترحيب المتبادل وأجتهد لكي أعبر لهما باختصار عن عمق احترامي وإجلالي لهما ولفنهما الباسل من دون أن أنزلق إلى المستهلك والركيك. كنت حزينة متألمة وجادة، وعائدة منذ شهور من أداء فريضة الحج وأخذ العهد أمام الله سبحانه برجم الشياطين أينما أطلوا برؤوسهم بأشكالها المختلفة. أعجبني من الشاعر والشيخ أنهما كانا ضاحكين لا مباليين كأنهما لم يكابدا أي لسعة من لسعات الشقاء. لم ألبث طويلا وحين تهيأت للذهاب أصر نجم على توصيلي إلى شارع الأزهر وكان قوله المفاجئ التلقائي: "ماتتجوزيني"!، داهمني للوهلة الأولى إحساس بالورطة آذيت بسببه نفسي باللوم: "أفندم يا ست صافي؟ كنت تبحثين عن عبد الله النديم لتفتديه، وهاهو أمامك بشحمه ولحمه؛ الشاعر الذي يعطي ولا يأخذ، الذي كلما إشتد ساعده في العمل كان أجره السجن والإعتقال والتجويع، الشاعر الذي صاح في زمن الكبت والخرس بعد هزيمة 5\6\1967: "قول الكلمة عالي بالصوت البلالي، قول إن العدالة دين الإنسانية"، وتنفيذا لذلك قال قصيدته في عصر البطش الغاشم التي كلفته سجنا كان مفترض أن يكون مدى الحياة فشاء الله أن يكون مدى حياة الآمر به: "كفاية أسيادنا البعدا عايشين سعدا بفضل ناس تملا المعدة وتقول أشعار، أشعار تمجد وتماين حتى الخاين وإن شاالله يخربها مداين عبد الجبار"، الشاعر الذي بحق لم يبع شبرا ولم يخضع لضيم، واستمر لومي لنفسي على هذا المنوال حتى وصلت إلى: هذا الشاعر يحتاج لمن يعتني به ويحافظ عليه ويرممه؛ يقص أظافره (عانى نجم من ذلك بالذات كثيرا!)، ويأخذه لطبيب العيون لأنه يحتاج نظارة قراءة، ويحضر له كمية هائلة من الصابون والفنيك وفرشاة مسح بلاط وتنظيف المكان كل أسبوع على الأقل، يحتاج لسرير ومرتبة ووسادة، وطعام وفق نظام غذائي متوازن، هذا شاعر النبض الشعبي وضعه الله أمانة في عنقك ياست صافي ناز، إذا كنت حقا مستعدة للفداء كم تزعمين!

بعد زواجنا مباشرة صدر أول ديوان شعر لنجم في بيروت كتبت فريدة النقاش مقدمته تقول فيها: ".........ولقد تزوج أحمد فؤاد نجم أخيرا من الصحفية صافي ناز كاظم وهو يحاول ألا يؤثر هذا في علاقته بالغورية وبالشيخ إمام..."، بما يفيد طبعا أنني بغطائي لشعرى وفقا لإلتزامي الإسلامي مؤثر ضار على المسيرة "التقدمية" للشاعر من وجهة نظرها الماركسية. ضحكت وقلت: أهكذا إذن يافريدة؟ ما كان قصادكم رايحين جايين تسمعوا مجانا وتسجلوا ببلاش وكله يروّح ينام في بيته الدافئ على سريره المريح والشاعر والشيخ في إطارهما "الفولكلوري" أو "الكادح" كما ترغبون!

لم تلبث الأحداث أن تطورت ودخل نجم السجن بعد زواجنا بأربعة أشهر 29\12\1972، ومعه الشيخ إمام ومحمد علي الرسام، وشاركت في إعتصام طلبة جامعة عين شمس يناير 1973 إحتجاجا على كذب شعارات الديمقراطية التي رفعها أنور السادات. كانو طلبة وكنت صحفية كاتبة ناقدة ممنوعة من النشر، ذهبت إلى إعتصامهم أقول إنني لا أملك أن أساندهم بقلمي ولذلك فإنني بانضمامي إلى إعتصامهم السلمي، الذي هو حق من حقوقنا الدستورية، أكون قد قمت بواجبي الصحفي الشريف. إستمر الإعتصام بقصر الزعفران في قلب الجامعة من أول يناير 1973 حتى التاسع منه عندما إقتحمته قوات الأمن المركزي بقيادة اللواء أحمد رشدي، وتم القبض عليّ مع الطلبة والطالبات بتهمة الإندساس والتسلل إلى صفوف الطلبة لإثارتهم وتحريضهم على قلب نظام الحكم ـ ( في المعتقل كنت أنادي الطالبات مزاحا: يابنات في تفتيش إللي قالبة نظام الحكم تعدله فورا!).

في المعتقل تبين لي أنني أنتظر حادثا سعيدا وجاء الإفراج عني في شهر حملي الأخير، ليرزقني الله بإبنتي الغالية نوارة الإنتصار أحمد فؤاد نجم، في فجر اليوم الثالث من معارك تحرير سيناء 8 أكتوبر 1973، وليكرمني الله بجعلها من الملايين الذين شاركوا في نصرة ثورة الشعب المصري 25 يناير 2011 بميدان التحرير.
ليْلى دوس: إطلالة على وطن جميل


أدهشني ترحيبها: "أهلا أهلا صافي ناز...فينك من زمان"؟

معقووووووول؟ أبعد كل هذه السنوات ـ 50 سنة ـ ما زلت تذكرينني ياليلى؟ منذ 1960 آخر مرة إلتقينا، كنت محررة شابة في مجلة الجيل مع رئيس تحريرها موسى صبري، الذي كان يحبك كثيرا، تضحك: "أيوه...أيوه..."!

إنها هي ليْلى ـ بفتحة على اللام وبسكون على الياء أو بكسرة تحت اللام تجرّها إلى الياء ـ أشارت بإصبعها: " بفتحة على اللام والسكون على الياء بس؛ أنا لا أحب الخوجنة"!
هي، كما كنت أراها في سنوات الخمسينات، بمرحها الطفولي وظُرفها الراقي وصراحتها التي لا تتنازل، وحبها للمهمشين والمظلومين الذين هبت من أجلهم بجمعية تحسين الصحة لحماية مرضى الدرن والعناية بأسرهم.

بعد أن تركت فيللا والدها، المحامي الشهير توفيق باشا دوس، سكنت بيتها الحالي في الدور الثامن بجاردن سيتي، مع راعيتها "زينب"، إتساع البيت يبدو واضحا لكننا نجلس في محدودية الشرفة التي تحولت إلى غرفة معيشة مختصرة ومشرقة ومريحة. يتقارب مجلسنا، ومعنا إبنة أخيها صديقتي دكتورة مديحة دوس، أستاذة اللغويات بقسم الأدب الفرنسي بكلية الآداب جامعة القاهرة، جئنا نحتفل بعيد ميلادك يا ليْلى، تسارع بالتنويه بكل فخر: "خمسة وتسعين سنة"! وتضحك.

كم أنا مسرورة بهذا اللقاء، شكرا لكتابة الزميلتين تهاني صلاح وسهير حلمي عنها بجريدة الأهرام 17يونيو 2011، التي نبهتني إلى ضرورة السعي فورا للذهاب إليها لوصل ما انقطع أولا: بمناسبة عيد ميلادها أول يوليو، وثانيا: لترى كيف توافق إشتراك والدي، محمد كاظم أصفهاني الخبير في تحقيق الخطوط والأختام، مع والدها، توفيق بك دوس المحامي المتطوع للدفاع عن أبناء الشعب المصري في القضية التي إشتهرت عام 1920 باسم "قضية المؤامرة المنظورة أمام المحكمة العسكرية" والتي حاكم المحتل الإنجليزي بمقتضاها 25 من أشرف أبناء مصر بتهمة "التآمر على قلب نظام الحكم والتحريض على قتل عظمة السلطان والوزراء"، من بينهم عبد الرحمن فهمي بك وتوفيق صليب وياقوت عبد النبي ومنير جرجس عبد الشهيد وابرهيم عبد الهادي المليجي ومحمد حسن البشبيشي وقرياقص ميخائيل والشيخ محمد المصيلحي وعازر وناشد غبريال ومحمد الميرغني.

 كان بيدي صورة من التقرير الذي كتبه والدي مع زملائه الأربعة: الأستاذ الشيخ على عوض والأستاذ الشيخ عبد الرزاق والأستاذ الشيخ حسن شهاب  والأستاذ محمود أفندي حسني؛ الخبراء الفنيين والمستشارين في الخطوط، الذين انتدبهم الدفاع لفحص الأوراق والمستندات التي عوّل عليها المدعي العمومي الإنجليزي في اتهاماته، وجاء من نص الصفحة الأولى من التقرير التالي: "تقرير مقدّم منا نحن الخبراء الموقعين عليه في قضية المؤامرة المنظورة أمام المحكمة العسكرية ؛ كلّفنا من قبل الدفاع في هذه القضية بلسان الأستاذ توفيق بك دوس المحامي لعمل ما يأتي، الموضوع، حيث أنه تقدم في هذه القضية ورقة كبيرة قيل أنها بخط ياقوت عبد النبي وعليها بعض تصليحات قيل أنها بخط محمد أفندي حسن البشبيشي المحامي......إلخ"، ثم تابع صفحة 3: ".......................اجتمعنا في يوم الإثنين 9 أغسطس سنة 1920 بغرفة المحامين بمحكمة الإستئناف الأهلية واستلمنا من حضرة توفيق بك دوس صورا فتوغرافية لبعض الأوراق السالفة الذكر وطلبنا الإطلاع على أصول هذه الأوراق فتحدد لذلك صباح اليوم التالي وفي الساعة التاسعة من يوم الثلاثاء 10 أغسطس 1920 اجتمعنا وانتقلنا مع حضرتي مصطفى النحاس بك وأمين عز العرب أفندي إلى غرفة المستر باول حيث توجد لديه أصول الأوراق المذكورة.........إلخ".

قدّمت لها الأوراق: شوفي ياليلى بابايا كان مع باباك!

أمسكت ليلى عدسة تكبير الخط وقرأت باهتمام بالغ ثم رفعت رأسها وقالت بجديّة: "نأخذ فوتو كوبي"، قبل أن أتساءل: كيف؟ كانت قد قامت من فورها، من دون مساعدة، واتجهت إلى جهاز التصوير الضوئي لديها وأنجزت المطلوب بنفسها وبمهارة عالية، ما شاء الله، ثم قالت: "هل تعرفين من هم هؤلاء الذين كانوا يحاكمون ثوار 1919؟  والدي كان في لندن وسمع من يناديه باسمه وفوجئ بأنه القاضي الذي كان يحاكم الثوار وأنه لا يزيد عن مجرد بهلوان يعمل في واحد من المسارح الرخيصة"!

في كلمات له نشرتها "المصوّر" في عددها الصادر 7 يوليو 1950 ـ قبل وفاته بشهرين في 18 سبتمبر 1950ـ  ظل المحامي توفيق باشا دوس على انحيازه لمطالب بني وطنه قائلا: "...إن لدينا الآن مسائل معلقة تشغل بال كل مصري غير المسائل السياسية على أهميتها وهي المسائل الإجتماعية...وعلاج هذه المسائل في نظري يكون بتحسين حالة الفقراء، ورفع مستوى معيشتهم، ومحاربة الجهل والمرض ، وهذا هو ما أتطلع إلى تحقيقه لاعتقادي أن له المقام الأول من الأهمية." وهكذا كان من الطبيعي أن تكون إبنته هي ليلى دوس: رائدة العمل الإجتماعي ومؤسسة جمعية "تحسين الصحة" التي قدمت لمصر الجليل من الأعمال من دون أن تنتظر من أي سلطة حاكمة جزاء ولا شكورا ولا حتى فتفوتة جائزة!

في عيد ميلادك الخامس والتسعين ننتظر عيدك المائة ولك مني ياليلى ألف تحية وتعظيم سلام!


الجمعة، 1 يوليو، 2011

جنرالات الكازوزة

# كنا قد تعودنا في جلستنا بمقهى الفيشاوي، في زمن الشباب الغالي، أن نراه، بسترته المهلهلة المزينة لصدره بعدد لابأس به من نياشين"غطيان الكازوزة"، رائحا غاديا متجهما في صمته أو زاعقا بكلمات تبدو كالخطاب الحماسي الذي لايفهم منه سوى إيقاعات توعد ووعيد، وتوافقنا جميعا على الإشارة إليه بـ "جنرال الكازوزة"! وصار"جنرال الكازوزة" لقبا نطلقه من بعده على كل منفوخ، غضبه ضجة بلا طحن؛ يتكلم بما يشبه الكلام لكنه ليس بكلام، أو يكتب بما يشبه الكتابة لكنها ليست بكتابة، ولو شئنا الآن أن نختار لأصحاب نداءات "متأسفين ياريس"، الأوفياء للقتلة واللصوص في مظاهرات ميدان مصطفي محمود، لقبا دقيقا لما وجدنا لهم أفضل من  "جنرالات الكازوزة"!

# في زمن "الديموقراطية التي لها أنياب" 1971\1981، التي لم تنقطع عضاتها عني، كانت تقف على باب زنزانتي سجانة ضخمة مخيفة كفيلة بأن تلقي الرعب في قلب من لم يتبين طيبتها، وكانت قد نصحتنا بفرد أصابع كفنا الخمسة في مواجهة مكتب مأمور السجن، حيث يربض ضابط المباحث المنوط به تكديرنا، ونقول "الله أكبر الله أكبر"، لينصرف عنا ويكفينا شره! منذ ذلك الحين لم أتوقف عن فرد أصابعي الخمسة وأنا أغلق باب بيتي كل ليلة بالمفتاح والترباس مرددة إبتهالي بطلب الأمن والأمان: "اللهم اكفنا شر مباحث أمن الدولة، وشر السجن والإعتقال، وشر الظلم والبهتان، وشر التهديد والترويع، واحرسنا بملائكتك وجندك، الله أكبر الله أكبر"!

# بما أن للجسم  ردود أفعال آلية لانتحكم فيها، ارتفع ضغطي ارتفاعا فاق في خطورته ارتفاعه الذي يحصل يوميا بعد قراءتي الصحف،  فلم يكن أمامي سوى معالجة حالتي باسترجاع حكاية طريفة من صندوق حكاياتي حينما استعنت منذ أعوام بأم أحمد لتصعد السندرة في بيت العائلة لجردها والتخلص من غير المرغوب فيه. بدأت أم أحمد في الإطلالة من باب السندرة تسألني:" هل تريدين هذه؟" فأقول:" لا ياأم أحمد خذيها"، وبعد أن تراكمت الـ"تريدين هذه؟" مع الـ"لا خذيها"، إذا بأم أحمد على حافة السندرة وبيديها حبيبي القديم الذي لم تستطع أمي نفسها أن تتخلص منه بسبب اصراري على الإحتفاظ به، قلت دفعة واحدة:
" لا هذا غير ممكن يا أم أحمد!" قالت باستهانة:"طيب ومالزومه عندك؟ هذا ينفع بنتي منضدة تكتب عليها واجبات مدرستها!"، نظرت إليه وقد تساقطت مفاتيحه كلها،  وتمزقت شبكة شباك ميكرفونه، وتخدش سطحه الأملس فداهمني وجع الندم؛ كانت غلطتي أنني تركته منذ وضعته أمي سنوات سفري بالسندرة، كيف نسيته وتخليت عنه حتى صار هيكلا عظميا بين يدي أم أحمد لايمكن إحياءه؟ أغمضت عيني وقلت كأنني أقفز قفزة غطس في عمق بحر يكتم الأنفاس:"طيب خذيه يا أم أحمد!"، وحين كانت تستعد للخروج شيعته لآخر مرة وهو على رأسها  كبيرا ضخما مكعبا لم يعد يصلح إلا منضدة لصبية تكتب عليه دروسها.

إنه مذياعنا التليفونكن، اشتراه أبي عام 1932 قبل إنشاء الإذاعة المصرية الرسمية بعامين وقبل أن أولد أنا شخصيا بخمسة أعوام، ألفت رؤية هذا المذياع في ركنه المهم في البيت. مصنوع من الخشب المصقول الذي يجبر من يراه على احترامه بصفته قطعة أنيقة من الأثاث، تهتم به أمي وتغطيه بمفرش جميل من الكروشيه وتضع فوقه زهرية، وعندما توفى والدي وعمري ست سنوات تصورت أن "بابا" داخل المذياع لذلك كنت أقف أمامه وأقبله وأستأذنه عند الخروج وأشتكي له من يغضبني من أهلي! وهكذا بدأ ارتباطي بسماع الإذاعة عبر صلة "الأبوة" التي أضفيتها على جهاز مذياعنا الخشبي التليفونكن!

فعلا فعلا زال الصداع وانتظم ضغطي ونجوت من دائرة الخطر، إنها وصفة مؤكدة أهديها لقرائي الأعزاء من السيدات والسادة: احكوا الحكايات!