الأربعاء، 13 يونيو، 2012

الشيخ إمام القوّال أبو الحرير موّال
في الساعة التاسعة صباح الأربعاء 7 يونيو 1995، الموافق ليلة عاشوراء التاسع من المحرّم 1416، رحل الشيخ إمام عيسى المولود في 2 يوليو 1918 بعد أن تخلّد اسمه في سجل عشاق مصر المحروسة بصفته أول موسيقي ومغن يعتقل بسبب موسيقاه وغنائه في سجون الستينيات والسبعينيات.

بسرعة حمله "أولاد الحتّة"؛ أولاد "خوش قدم" بمعني قدم خير أو "حوش آدم" كما حوّلها المصريون على مزاجهم، ليتم دفنه في هدوء إلى جوار صديقه قارئ القرآن الكريم ومنشد التواشيح الدينية الشهير المرحوم الشيخ عبد السميع بيومي بمقابر المجاورين، ولم يتمكن أي حشد من أصدقائه ومحبيه من تشييعه إلى مثواه الأخير لكننا تجمعنا في مجلس العزاء عند بيته القديم، الذي دكه الزلزال في 12 أكتوبر 1992، وحين لم أستطع أن أستحضره في إطار الموت كدت أجزم أنه قادم. تلفت أكثر من مرّة عسى أن أراه كما عرفته دائما على مدى 23 عاما، منذ صيف 1972 لحين رحيله، نحيلا باسما هادئا دمثا خفيض الصوت مهذب العبارة سريع البديهة، يخطو بثبات، من دون معونة، على أرض الحارة والعطفة التي ألفها وألفته وأصبحت مرادفة لاسمه: فخوش قدم صارت تعني الشيخ إمام والشيخ إمام يعني المكمّل والمتكامل مع الشاعر أحمد فؤاد نجم وهما معا: أروع كيان فني عبر أدق تعبير عن رؤية النبض الشعبي وواكب مشاعره وردود أفعاله فأصبح بصدقه وأصالته المتميزة من مفاخرنا القومية في الإبداع والوطنية.

يوم أعلنوا، في 5 يونيو 1967، هزيمة جمال عبد الناصر باسم النكسة وجد الشاعر أحمد فؤاد نجم نفسه يتقيأ دما، ومع تلك الحالة الجسمانية المفاجئة جلس يكتب قصيدته الشهيرة "الحمد لله خبّطنا تحت باططنا"، التي كلّفته سنة 1968 قرارا بالإعتقال مدى الحياة، باح فيها بكم الغضب الذى نزفته قلوب الناس:

"الحمد لله خبطنا تحت باططنا، يامحلى رجعة ظباطنا من خط النار، يا أهل مصر المحمية بالحرامية، الفول كتير والطعمية والبر عمار، والعيشة معدن وآهي ماشية آخر آشيه، مادام جنابه والحاشيه بكروش وكتار، ح تقوللي سينا وماسيناشي ما تدويشيناشي، ما ستميت أتوبيس ماشي شاحنين أنفار، إيه يعني لما يموت مليون، أو كل الكون، العمر أصلا مش مضمون والناس أعمار، إيه يعني في العقبة جرينا ولاّ  في  سينا هيّ الهزيمة تنسّينا إننا أحرار؟ إيه يعني شعب ف ليل ذلّه ضايع كلّه ده كفاية بس لما تقول له احنا الثوّار، وكفاية أسيادنا البُعدا عايشين سُعدا بفضل ناس تملا المعدة وتقول أشعار، أشعار تمجّد وتماين حتى الخاين، وان شاالله يخربها مداين عبد الجبار!".

كان طبيعيا أن تخرج القصيدة الترجمة الفورية لقدر عنيف من الألم أحسّه الشعب المصري واستنزف من جوف الشاعر الدم.

عندما تسللت القصيدة إلى الناس تسللت معها عشرات القصائد السياسية المُغنّاة: "بقرة حاحا"، "ميكي"، "يعيش أهل بلدي"؛ (سخرية من الصيغة المزيّفة لتحالف قوى الشعب العاملة)، "كلب الست"؛ (سخرية من كلب أم كلثوم الذي كان أهم و أعز من مواطن مصري بائس)، "يا مرحرح"؛ (صورة متهكمة على الشريحة الملاصقة للسلطة السياسية الناصرية من مؤيدي الحل السلمي : "تموت في الدبلوماسية وتخاف م الفدائيين")، "كلام المصطبة"، "القضية"؛ (صورة دقيقة للإرهاب السياسي والابتزاز ومنهج تلفيق القضايا ضد المواطنين هذا الذي تفنن فيه العهد الناصري: "والقضية ياقضايا بالمكايد والوشاية دبروها وفصلوها بالمقاس لبست قفايا...، الحكاية إن البلد مش ملك ناسها، والخلايق ف البلد مش مالكة راسها، والبلد أصلا بلدنا مش عليلة، البلد علتها جاية من خرسها").

مع القصائد فاجأ الناس بنيان فني عمره خمس سنوات، وبدأت دوائر المثقفين تردد اسم "نجم – إمام" بدهشة واستغراب؛ كان التعجب والدهشة أن "نجم – إمام" يقول ببساطة وبراعة ما يجب أن يقال وكما يجب أن يقال وفي توقيته المطلوب تماما. وبدأت حلقات الاستماع تتجمع أولا في بيوت من يملكون أجهزة تسجيل ومنديل أمان السلطة، وكان إمتلاك جهاز تسجيل وقتها، قبل انتشار أجهزة التسجيل الترانزيستور الرخيصة، يلخّص على الفور النوعية القادرة ماليا على ذلك الامتلاك مضافا إليه امتلاك منديل أمان السلطة الذي لم يتوفر إلا للحلقات الثقافية المتاخمة للسلطة والمتعاونة مع وزير الداخلية والخادمة لأجهزة الأمن والمخابرات كافة؛ وكانت
 السلطة ، بواسطة هؤلاء المثقفين، تريد أن تشبع حب استطلاعها عن ماهية الكيان الفني الذي "قبّ" بغتة  من تحت الأرض، رغم موانعها المهيمنة على كل شهيق وزفير، لتكون متمكنة فيما بعد من السيطرة عليه والخسف به تحت الأرض مرة أخرى  عندما ترى الوقت قد حان لفعل ذلك.

نوعية تلك البيوت، التي كان بإمكانها إقامة سهرة يغني فيها "نجم - إمام"، حددت بالتالي نوعية الجمهور الذي يتم  اختياره للإستماع، ولم يكن من الممكن أن يكون من بينهم عامل أو فلاح أو مثقف حر منتم لضمير الشعب، وهكذ استأثر بالفرصة الأولى للإستماع إلى "نجم – إمام" جمهور كان في معظم الأحيان أول من يستحق السياط الملتهبة، التي كانت تتهاوى في جلال ودأب من الكيان الفني الصادق والشجاع و"المستبيع"، فتقع واثقة مكانها حيث يجب أن تكون، ومع ذلك، وبسبب حياة الإنفصام بين القول والفعل التي كان يعيشها ذلك القطاع من البشر، لم يكن بوسعهم أن يتعرفوا على أنفسهم في المرآة أو لعلهم لم يشأوا ذلك، قليل جدا منهم الذي اعترف لنفسه بأنه لا جدوى من الهرب وأن "نجم – إمام" إنما يقدّم المواجهة الصادقة بنقاء تام و استبسال كامل وعليهم أن يتقبلوا المواجهة بالعرفان ويدعّمونها إلى حد الفداء أو يناصبونها العداء ويبذلون ما في وسعهم للقضاء عليها، وانقسمت تلك القلة بالفعل
 إلى قسمين:

المدعمون: وتدعيمهم معنويا، غالب الأمر، بحماس الإنبهار والإجهاش ببكاء اللوم الذاتي .

المقوّضون: ومحاولاتهم معنوية ومادية بحملات التهوين من شأن قيمة البنيان الفني الراسخ، بل وانكاره، وأُفردت الصفحات لمقالات الضرب والهجوم والتشويه في الصحف والمجلات جميعها؛ (أبرزها مجهودات الناقد الموسيقي سليمان جميل شقيق الفنانة فايدة كامل ونسيب وزير الداخلية السابق النبوي إسماعيل والفنان سيد مكاوي، الذي علّمه الشيخ إمام العزف على العود مطلع مشواره الموسيقي)، وضُرب الحصار الاقتصادي حول الشيخ والشاعر وكان الحصار مضروبا جاهزا، وشُنّت حرب التجويع وكان الجوع من قبل ذلك زميلا ملازما لهما، وواصل الباقون التلهف على جمع التسجيلات وحضور دعوات الاستماع بشغف مع الهروب المتواصل من مسئولية الدعم أو التقويض، وكان هؤلاء هم الجمهور الغالب، وحقيقة الأمر أنه ساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تقوية جبهة المعادين وكان، في واقعه، جزء لا يتجزأ من تلك الجبهة، وحين إمتدت يد السلطة الناصرية وأطلقت قرارها باعتقال الشاعر والشيخ مدى الحياة انفض ذلك الجمهور المحايد لأنهم، بمواقعهم ومصالحهم، على وئام مع السلطة ومع المعادين للكيان الفني ومتى احتدم الموقف هم مستعدون دائما، "يافندم "،لسحب اعتراضاتهم وشرب دم "نجم – وإمام" وأكل لحمهما لو صدرت بذلك التعليمات.

شاء الله أن يتحول قرار اعتقال الشيخ والشاعر مدى الحياة إلى مدى حياة جمال عبد الناصر فحسب؛ أطلق سراحهما بعد قضاء ثلاث سنوات وراء قضبان السجن، وعندما تفجرت انتفاضة الحركة الطلابية في يناير 1972 فوجئا بأغنياتهما شعارات يرفعها الطلاب: " ماتقولّيش ماتعيدليش، حرب الشعب وغيرها مافيش"، ووجدا الفرق الشاسع بين جمهرة العمال والفلاحين والطلبة والمثقفين الصادقين وبين المجموعات الزنخة التي كانت تحوطهما من قبل وليس بينهم سوى "اليويو" الذي "أستك لسانه فارد ولامم حسب الأبيج يا مهلباتي" و "الحلاويلا" الذي "يتمركس بعض الأيام ،يتمسلم بعض الأيام، ويصاحب كل الحكام وبـستاشر ملّة" و "القواد الفصيح" الذي يبيع بنات أفكاره تحت الطلب!

ووجدت جمهرة النبض الشعبي في غناء الكيان الفني "نجم – إمام" كل ما افتقدته في أجهزة إعلام من فن وفكر وصدق، على طول الحقبة الناصرية والساداتية، ووجد نجم وإمام فيها: "فرحة هلّت واحنا حزانى".

كما وقف الشاعر أحمد فؤاد نجم أمام خامته "اللغة العامية المصرية" يعيد اكتشافها ليصوغ بها رؤيته؛ وقف الشيخ إمام عيسى أمام أصول الترتيل القرآني وروافده التابعة: موشحات المدائح النبوية والتسابيح والابتهالات الدينية ووجد فيها بئره الملآن يغرف منه بسخاء ويصوغ منه مفهومه لرسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وقد وجد في شعر أحمد فؤاد نجم المحور الذي يستطيع أن ينجدل معه بموسيقاه وأدائه الغنائي الفريد منتجا عملا فنيا متمم لبعضه البعض في وحدة لا انفصام لها. والذي يجب أن نعرفه أن الشيخ إمام، حافظ القرآن الكريم بقرءاته، تربى في مدرسة "الجمعية الشرعية"، وكان رئيسها الشيخ خطاب السبكي رحمه الله مثلا أعلى للشيخ إمام في مرحلة شبابه، وكان الشيخ إمام يذكر دائما لشيخه، العالم الفاضل، أنه صعد منبر الأزهر عند تسلمه شهادة العالمية وقال: "ياعلماء الدين، ياحكام البلاد أنتم على ضلال حتى تعودوا إلى كتاب الله وسنة رسوله"، فأخذوه وألقوا به في سجن المحافظة، ولا شك أن تلك النظرة "الشرعية" ترسخت في وجدان الشيخ إمام عيسى منذ صباه وأثمرت موقفه الجسور الحازم من كل أشكال "الضلال" في الموسيقى والغناء، وقد حاز الشيخ إمام بفضل موقفه أسبقية لم يكن لها مثيل؛ هي أسبقيته كونه أول موسيقي وأول مغن يدخل المعتقل بسبب موسيقاه وغنائه. ولعلنا نجد في إجراء إعتقال الشيخ إمام المتكرر في الحقبة الناصرية والساداتية إعترافا ضمنيا منهما بأن الرجل قدم لأول مرة وبشكل فعّال مؤثر وبارز "موسيقى الرأي" و "غناء الرأي" و أنه حقق ذلك بكل تراث مايمكن أن نسميه "الموسيقى الإسلامية".

إزاء موسيقى وأداء الشيخ إمام لا يمكن للمستمع أن يغفل:
أولا: أنه "شيخ".
ثانيا: أنه خارج من فنيةالأداء الديني غير متنكر لها بل مطوّعا لها، مستغلا من امكانياتها ما يدعمه في توظيفه المنقول إلى الغناء السياسي؛ الذي يعرف أنه استمرار لرسالته الدينية كما عرفها عند مربيه الشيخ خطاب السبكي: قول المعروف والنهي عن المنكر من فوق أعلى المنابر ولو كان ثمن هذا القول الزج بالسجون:

معدودة الخطاوي رايحة ولا جايه
ما يلمّكشي خوفك ع الدنيا الدنيه
قول الكلمة عالي بالصوت البلالي
قول إن العدالة دين الانســــــانية
كامش ليه وخايف فرّج الشفايف
هو العمر واحد ولاّ العمر ميـــه؟

ثالثا: عنصر الطرب المؤثر الشجي المطعّم لألحانه بشكل أساسي واضح، لكننا نرى أن عنصر الطرب عند الشيخ إمام ليس هو الذي إستخدم في تراث "ملا الكاسات وسقاني"، على سبيل المثال، كوسيلة مُغيّبة عن الوعي؛ مخدّرة و مثبطة: إن الشيخ إمام يحتوي عنصر الطرب ويسيطر عليه ويأخذ سرّه المؤثر الشجي ويستخدمه كأفضل مايكون متجنبا سلبياته دون أن ينسف ما يستخرج منه إيجابيا؛ إنه يتناول عنصر الطرب ويقترب به مستقطبا القلب في ألفة وهو محتفظ للعقل بكامل صحوته ووعيه سواء كان استخداما دراميا كما في "الأرغول"، أو كاريكاتيرا ساخرا كما في "القواد الفصيح"، ولمن يريد فهم مقصدي أرجوه مراجعة الإستماع إلى "الخط ده خطي"، "دلّي الشيكارة"، "الأوله بلدي" و "الطنبور"؛ التي أراها على وجه الخصوص النموذج الفذ لنجاح الشيخ إمام في تطويع وتطوير إمكانيات تراث إنشاد "الشيخ والبطانة"، من فنية الإبتهالات والمدائح النبوية، إذ يتجلّى  فيها، هي وموالها "ورد الجناين"، الوجدان الإسلامي للشيخ إمام: خصبا جياشا وبرهانا قاطعا منه على إسلامية النبض الشعبي والحمد لله.

 

هناك تعليق واحد:

  1. لم أتعجب لعدم وجود تعليق فهذا ليس مجرد مقال هو منجم لمجموعه من الأطروحات عن هذا الكيان الفني الذي سيدرس وستقدم عنه الرسائل والبحوث عندما يشاء الله لمصر ان تعاود بناء قواعد مجدها فى مختلف المناحي

    ردحذف