الأربعاء، 11 يوليو، 2012


 


.ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض
لا يزعجني الاشتباك والتشابك فهذا النزوع ليس بالضرورة ميلا متأصلا للعدوانية، نعم، ليس بالضرورة رغبة للانقضاض والتجريح، إنني أراه رغبة حنون لكسر الوئام؛ لكسر ذلك الانسجام البليد والتجانس غير المنطقي، غير المبرر والذي هو من ثمّ: غاية في الخطورة، إثارة الشد والجذب، جلب التناقضات إلى السطح، أن يرى الوجه غير ما يرضيه في الوجه الآخر فلا يرتاح ويسكن، نعم: لا يجب أن تكون الراحة والسكون حتى لا نضع أوراق الشجر الزاهية بأيدينا لتغطي فوهة البئر وتبدو الطريق ممهدة، سالمة. ليست الطريق ممهدة ولا سالمة، فلماذا خداع النفس؟

كل تواؤم يحمل في طياته تنازلا بشكل ما. وحين يكون التواؤم بين صغير وكبير، بين ضعيف وقوي يتوضح التنازل بشكله الحقيقي: اقتطاع من الصغير الضعيف لكسب يضاف إلى الكبير القوي. ويمكن ضرب الأمثلة في هذه الحيثية على المستوى الدولي العالمي ولكني أفضل تقريب الأمثلة إلى حدود اختصاصي الأدبي، حتى أتواءم مؤقتا مع الاختصاصيين السياسيين، فأذكر على سبيل المثال تواؤم بين أديب شاب وناقد من جيل سابق. حين يجلس الأديب الشاب ضاحكا متجانسا منسجما مع الناقد، الذي تنحسر فعاليته الفكرية رغم أنه في مركز قوة، (إذ الحقيقة هي أن مركز القوة لا يصله الإنسان إلا وهو في مرحلة انحسار فعاليته الفكرية)، يكون ذلك التواؤم معناه أن الشاب يقتطع، مع كل دقيقة تمر في جلسته مع ذلك الناقد، شرائح من حقيقته وصدقه ليطعمها للناقد مقابلا غاليا لهذه الدقائق الحرام من التواؤم والتجانس المفتعل والمزيف.

التواؤم مع ذلك موقت. هو تسويف لاشتباك حتمي لا يمكن درؤه، ولعل إدراكنا لهذه الحقيقة هو التفاؤل الوحيد الذي يمسك عنا التردي القاتل في اليأس.

كل سطح هادئ يحتاج إلى إلقاء حصاة فيه لإثارة تموجه وإقلاق ركوده. من الحرص كنس أوراق الشجر النائمة في الطرقات: إثارتها حتى لا تتكوم وتخفي فوهات الآبار، تلك الأفخاخ التي تهددنا بالزلل والسقوط.

لعلي حكيت هذه القصة من قبل، لا بأس سأعيد حكايتها، فمنذ سنوات بعيدة كنت أتجول قرب منتزه حديقة الدراسة بالقرب من مسجد الحسين. مشرف أخضر على بانوراما للقاهرة العريقة. رأيت تمثالا يتوسط المنتزه حسبته لأول وهلة لبيرم التونسي فقد كان ذلك منطقيا لأن بيرم نبض مثل هذه الأحياء؛ نبض القاهرة البلدية، لكن الذين يخططون للمتنزهات قدروا أن بيرم كان يلبس صندلا رخيصا في قدميه وكانت له نظرة شرسة وكلمات خشنة رافضة وتعبير ينعكس فيه اللا وئام، لذلك لم يكن محببا أن يتوسط متنزها! عندما اقتربت من التمثال وجدت أنه تمثال أحمد بك شوقي أمير الشعراء. أحمد بك شوقي بوجهه الهادئ المنعم والوردة في اليد الرقيقة. في حياته صرخ العقاد في وجه إمارته الشعرية، يكسر الوئام ويهز الهدوء والسكون ويلقي بالحصى على سطح الاستقرار الشعري الراكد، وكذلك تقدم زكي مبارك ليشاكس في كل اتجاه.

زكي مبارك من جيل العقاد. لو اخترت له لقبا بلا تردد اقول: إنه رائد النقد التشاكسي أو المشاكس، لو التزمنا باختيار الكلمة الأبسط. بسبب خصوماته ومشاكساته وتفرده دخل في زمرة من ظُلموا ـ بضم الظاء ـ من أعلام تاريخنا الأدبي المظلومين، الذين تاهوا في صراعات التعصب حين تركزت بقع الضوء الإعلامية على أسماء بعينها لتتوجها بمفردها أعلاما للاستنارة والنهضة في مصرنا المحروسة، بينما غمط حق من وقفوا بأقدامهم ثابتين وحدهم من دون مريدين أو أصدقاء أو مزورين.

في كتابه "زكي مبارك ونقد الشعر" نماذج تطبيقية للمنهج النقدي للدكاترة زكي مبارك، الذي يعمد إلى جذب الفاكهة من قلبها في احتجاج غير خاف على هؤلاء الذين يبذلون الجهد لملء معدة القراء بالقشر الجاف حتى التشبع بالملل وسوء التغذية فلا يصلون أبدا إلى بؤرة التذوق الممتع. وزكي مبارك كرائد في فن النقد المشاكس يرفع قلمه ولا يتردد ليطيح بآراء د. محمد حسين هيكل في البارودي، والأستاذ أحمد أمين في مقدمته لشرح ديوان حافظ، ويقربنا من شخصية الشاعرين حافظ وشوقي الإنسانية بضعفها ولمحات شرها، ويجعلك بسرد هذا الضعف والشر لهذين الشاعرين أكثر حبا لهما وأكثر قربا. إن زكي مبارك ناقد قوته الفائقة كانت في قدرته على كسر التواؤم الخادع وتحريك المياه الآسنة، وكاتب تتغلغل فيك، حين تقرأه، الفائدة وتشعر بالصحة الفكرية والمتعة الثقافية وتعرف بواسطة أسلوبه الاستفزازي اليقظة فتزداد معه علما ووعيا. إنه الناقد الإبداعي الذي يجب أن تؤرخ به بداية النقد العلمي وليس الدكتور محمد مندور، كما يزعم المتعصبون لأهوائهم على حساب الحقيقة والعلم والتاريخ، هؤلاء الذين يحسبون دائما أن الدنيا ليست سوى أنوفهم القريبة جدا من أعينهم والتي لا يرون غيرها لضعف بصرهم الشديد.

هناك تعليق واحد:

  1. أكثر من رائعة ...والله العظيم عندك حق والله العظيم عندك حق والله العظيم عندك حق

    ردحذف