الأربعاء، 25 يوليو، 2012

من صندوق الجواهر:

سكن الرسول خديجة بنت خويلد

"أبشر يا ابن عم واثبت!
فوالذي نفس خديجة بيده، إنك لنبي هذه الأمة!
والله لا يخزيك الله أبدا: إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الدهر"!

هكذا انطلقت كلمات خديجة، قوية فورية جياشة، في رمضان عام 13 قبل الهجرة، لتظل عبر الأعوام التي تتوالى نحو الآن شاهد مبادرة قاطعة بالتسليم والإسلام، تعقبها بديهية الانحياز الكامل إلى الحق الذي رأته، ولمسته في سمات وقول الزوج الذي عاد لتوه من غار حراء، ليروي ما شاهده وحده، من لقاء الروح الأمين وما احتواه هذا اللقاء من علم وتكليف؛ مبادرة فورية بالعطاء، انحياز حازم ويقين بالتكليف الإلهي للنبي المختار، وعي لا رجعة فيه أن التصديق بهذه الدعوة معه العهد بالفداء بلا حدود، بيعة خالصة لله، ولرسوله، أمام وعد حق من الله سبحانه وتعالى إنه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة.

"أبشر"، "اثبت"، "والله لا يخزيك الله أبدا": ثلاث كلمات مختلفات، متصلات، هي مدلولات لثلاث ثمار ناضجات: "حب"، "وعي"، "شجاعة"؛ ثلاث ثمرات تخرج بدورها من مكونات ثلاثة تمثل الركائز الأساسية في شخصية تلك السيدة الفذة حين تجتمع فيها الرقة مع العقل مع الصلابة، لتشكل وجه السيدة خديجة بنت خويلد، سكن الرسول، في حضور كامل يصنع مثالا راسخا عبر الزمان يحدده: كيف تكون السيدة الرسالية وكيف يكون الموقف والالتزام لديها.

يضج التاريخ بكتابات وأقوال المؤمنين وغير المؤمنين في محاولات لم تنقطع لتفسير شخصية السيدة خديجة بنت خويلد، المرأة الثرية نجمة مجتمعها القرشي التي تزوجت مرتين وترملت في المرتين بعد أن أنجبت ابنا وبنتا في المرة الأولى وابنا آخر في المرة الثانية، سيدة الأعمال التي يتسابق أمهر شبان قريش لينالوا توكيلها لهم للخروج بتجارتها في قافلة التجارة القرشية نحو الشام فيقع اختيارها على الشاب الفقير ابن صديقتها في الصبا آمنة بنت وهب، ثم ترسل إليه بعد عودته بتجارتها رابحا تخطب نفسها إليه، وهو يصغرها بخمسة عشر عاما. وتخوض الكتابات في كل اتجاه، بدوافع الحب أو الحقد، بين مستكثر على الشاب الوضيء والسيدة العفيفة أن يكون الحب دافعهما إلى عرض الزواج وقبوله، ومسرف في تفصيل ما ألم بالسيدة من مشاعر منذ أن رأت الشاب أو ما اعتراه حين أرسلت تخطب نفسها إليه، بينما لا نكاد نخطئ في خلفية هذه الكتابات الحساسية المفرطة لدى الجميع إزاء واقع السنوات الأربعين التي كانت عمر السيدة خديجة في مقابل الأعوام الخمسة والعشرين التي كانت عمر محمد الأمين، حين التقيا زوجين، ونرى الجميع فريقين من جديد بين معتذر عن تلك السنوات الخمس عشرة،  فارق العمر، بالتبرير والتسبيب ومن يجدها ثغرة للوثوب منها وإليها حين تشتهي الأضغان مطعنا ومثلبا يؤذي بها السيدة والشاب الرشيد. ولا نملك ونحن نمر على هذه الكتابات بخيرها وشرها إلا أن نكتشف زاوية باهرة أخرى من زواية الشجاعة المتكاملة التي تميزت بها السيدة خديجة منذ بداية تعرفنا إليها حتى لحظة ابتسامتها الأخيرة عند الرحيل بصحبة ملاك الموت وهي ترجو لقاء الحبيب في الجنة في بيتها الموعود من اللؤلؤ المجوف إذ يخبرها النبي الرسول: يا خديجة إن الله يبشرك ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.

تقول الدكتورة بنت الشاطئ: “...المستشرقين الذين فاتهم أن يقدروا حاجة الشاب اليتيم إلى الأمومة حين تحدثوا عن زواجه بالأرملة الموسرة  فمارجليوث يجعل لمال خديجة المكان الأول في زواج كهذا، بين شاب فقير وأرملة كهذه كهلة مات عنها زوجان من بني مخزوم وتركا لها ثروة ذات شأن، ثم يمضي فيكتب كلمات تقطر سما وحقدا، إن دعوة خديجة جاءت محمد وهو يجتر كلمات مريرة سمعها من عمه أبي طالب حين خطب إليه ابنته أم هانئ، فرده لفقره وزوجها لذي مال واستشعر محمد ذلة الفقر ومهانته فما كاد يسمع عن رغبة خديجة في الزواج منه حتى أقبل متلهفا على الثراء، يداوي به جرح كرامته التي أهدرها فقره." (نساء النبي دكتورة عائشة عبد الرحمن، دار المعارف، ص52).

 وترد الدكتورة بنت الشاطئ غاضبة على المستشرق، الذي يتشابه كلامه التافه مع ثرثرة النساء الفارغات، فتقول: "وكذب مرجليوث فما كان مال خديجة هو الذي جذب محمدا وجعله يتجاوز عما بينه وبينها من فارق السن وإنما جذبه إليها جمال شخصيتها ودماثة طبعها ولطف سجاياها وكان ما بينهما من فارق السن كافيا وحده لأن يرضي حاجته الملحة عطف الأمومة التي افتقدها منذ كان طفلا في السادسة وظل على الأيام يجد لذعة الحرمان منها مرة المذاق."  وتواصل الدكتورة بنت الشاطئ ردها على مستشرق وراء مستشرق مفردة لثرثرتهم الفجة وتصوراتهم المتخلفة جهدا منها لم يكن له داع أمام مكذبين ابتداء بنبوة الرسول صلى الله عليه وسلم. فإشارات هؤلاء واهتمامهم بالبحث أساسا في حياة نبينا الكريم دافعها الأول محاولة فهم ما يرونه لغز الانتصار الساحق الذي أحرزه هذا "الرجل" الذي "تزعم" مجموعة من الأتباع واستطاع أن يقتلع سلطان أكبر قوتين، قوة الروم وقوة الفرس، ففي إطار نزع البعد النبوي من "محمد"، ليصبح مجرد "زعيم" أو "قائد" طموح للعرب يصير من الممكن لهؤلاء المحللين أن ينظروا سيرة حياة نبينا المبعوث رحمة للعالمين، مثل نظرتهم إلى نابليون أو بسمارك أو الإسكندر الأكبر في أحسن حالاتهم أو هرقل ويوليوس قيصر ومارك أنتوني، فيأخذ التحليل لديهم الظروف الموضوعية والذاتية التي تحكمت وأثرت في تكوين شخصية هذا الزعيم فأدت به إلى اختيارات معينة، تحكمت فيها شهوته أو أهواؤه أو مصالحه أو رواسب طفولته ومركباته النفسية وأدت به إلى ما أحرزه من انتصارات أو ما أصابه من خذلان، أما ونحن مؤمنون بمحمد "مختارا" من الله نبيا ورسولا و"مصطفى" من البشر لتتم تربيته وإعداده وصناعته على "عين الله" تحضيرا له منذ أن أودعه الله جنينا مباركا في رحم أمه ليكون أحسن الخلق أجمعين مؤهلا لحمل عبء "نبي آخر الزمان" الذي عليه أن يدعو أهل الأرض جميعا ليعودوا إلى عقيدة التوحيد.

في هذا الإطار من الإيمان يصبح كلام المنصفين المدافعين مظهرين أسبابا مادية لاختيار الرسول لخديجة أو لمحبة خديجة للرسول غير ذات موضوع.

الشاهد أن خديجة لم تستشعر تفوقا بمالها أو نقصا بكهولتها وأنها عندما ألقى الله محبة محمد في قلبها قدرته بمعيار "الندية" فوجدته أكبر منها وأجل وأثرى فسقط المعياران المادي والزمني اللذان لم يكونا سوى صنم من الوهم خضع له الناس في عجز وغباء، أما محمد فيدفعه الله إلى خديجة عن تدبير يفصله له بعد تزويجه لها بخمسة عشر عاما؛ حين تتنزل عليه الآيات لتطمئنه: "ما ودعك ربك وما قلى"، الضحى 3، فيذكره بسابق نعمته عليه حين ينتخب له عمه أبا طالب ليضمه إلى ابنائه: "ألم يجدك يتيما فآوى"، أو حين ينجيه من سابقة الشرك:  "ووجدك ضالا فهدى"، ثم حين يختار له خديجة لتحبه وتطلبه وتشد أزره:  "ووجدك عائلا فأغنى".

نعم هو الله وحده سخر خديجة لمحمد، صاغ قدرها وصاغ قدره ليتم اللقاء بينهما على "قدر" في الزمان والمكان بلا أي سبب "عقلاني" ندعيه نحن، أو مادي يرجف به المستشرقون ومن معهم من أعداء الله والرسول.

 وكما سخر الله هارون ليشد به عضد موسى: "سنشد عضدك بأخيك" سخر الله خديجة لتكون واحدة من أربعة شد الله بهم عضد الرسول الكريم هم: عمه أبو طالب، وعلي بن أبي طالب، والصديق أبو بكر، فما كان الله ليلقي برسوله أعزل وحيدا في غابة قريش: قلعة الغرور والعصبية والشرك والعتو الجاهلي.

تقدم أبو طالب إلى عمرو بن أسد بن عبد العزى بن قصي عم السيدة خديجة يزوجها لابن أخيه محمد بن عبد الله، وبدأ قائلا: "الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وجعلنا حضينة بيته وسواس حرمه وجعل لنا بيتا محجوبا وحرما آمنا وجعلنا الحكام على الناس..... ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن برجل إلا رجح به شرفا ونبلا وفضلا وعقلا وإن كان في المال قل فإن المال ظل زائل وعارية مسترجعة وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك"، (مسلمات مؤمنات، محمد علي قطب، جزء 1 المختار الإسلامي ص 21).

تم الزواج السعيد المدبر بأمر الله كأرقى ما يمكن أن يتم به زواج في أي عصر من العصور قديما وحديثا وكأكمل ما يمكن أن يكون النموذج التقدمي في المعاملات والارتباط حيث لا مكان لقيمة مادية زائلة تقف مطمعا أو حجر عثرة بين اثنين: "له فيها رغبة ولها فيه مثل ذلك".

على مدى خمسة عشر عاما عرفت خديجة، حتى قبل النبوة المعلنة، نزعة التأمل التي تميز بها محمد الأمين منذ طفولته وصباه وهاهي ذي تتعمق في شبابه ورجولته نحو كهولته السامقة المتوجهة لتنفيذ وعد الله ببعث نبي آخر الزمان. وعرفت خديجة أنها "السكن" لهذه الشمس التي رأتها في رؤياها تخرج من بيتها فتنير العالمين. عرفت في محمد الأمين انكاره للأصنام التي تكدست أحجارا عبر تراكمات الجهل والجاهلية لتحيط البيت العتيق مثابة الناس وحرمهم الآمن بالرجس والرجز، وعرفت إنكاره للأصنام البشرية من كبراء مكة وجباريها واستعلائهم بالظلم والجور فوق مستضعفين أهدرهم الرق والفقر أو نقص العزوة والناصرين ووجدته يأخذها ليلوذا معا بمكارم الأخلاق بقايا من تعاليم بقيت مع البيت العتيق منذ أقامه وأقامها إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل ومازالت تجد قوتها ودعمها رغم وحشية الجاهلية ووثنيتها الضاربة أطنابها في المجتمع المكي. هذه التعاليم التي وجدت مؤيدين لها في قبائل من قريش تداعت إلى حلف الفضول قبل مبعث الرسول بنحو عشرين عاما وهو الحلف الذي باركه نبينا بعد الإسلام قائلا: "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعى إليه في الإسلام لأجبت". وفي هذا الحلف تعاقدت هاشم وزهرة وتيم بن مرة على: "ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا أقاموا معه وكانوا على من ظلمه حتى ترد له مظلمته".

نعم لم تغب عن خديجة الطبيعة الخاصة التي تفرد بها زوجها العظيم وعرفت على وجه اليقين أنه بين أشرافها أشرفهم وبين عقلائها أعقلهم وبين حكمائها أحكمهم وبين أمنائها المشار إليه وحده بالأمين والصادق لا ينازعه في الصفتين منازع، تفردا يتزايد مع مرور الأعوام حتى ألزم نفسه بعزلة ينفرد فيها بنفسه في غار حراء في جبل على بعد ميليين من مكة، في رمضان، على مدى ثلاث سنوات قبل نزول الوحي، تزوده خديجة بما يحتاج إليه من ماء وطعام قليل من الشعير والتمر، متفهمة واعية حانية عيناها عليه من بعيد لا تغفل عنه، وحياتها المنزلية وتجارتها مستمرة ناجحة رابحة تراعي بيتها وأولادها السابقين ومعهم: علي بن أبي طالب وبناتها من محمد المفدى: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، وذكرى القاسم التي أذاقتها وفاته وأذاقت محمدا الحبيب لذعة الثكل المرير.

 دبر الله للرسول المنتظر هذه العزلة في غار حراء يتطهر ويتعبد الليالي الطوال إعدادا له لحمل الأمانة الكبرى يعطيه الله خلالها الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلى جاءت مثل فلق الصبح، وعلامات النبوة تتقارب لا ينقصها إلا أن تتم باللقاء الصريح بين روح الله الأمين والنبي الرسول المختار ليكون آخر وخاتم الأنبياء والمرسلين فلا رسول ولا نبي بعده حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

وتتابع خديجة البشائر والدلالات تتوقع السطوع الباهر بالحقيقة القاطعة لتهتف معها بكل الفرح والشوق والتسليم: "إنك لنبي هذه الأمة" في ليلة القدر في رمضان عام  13 قبل الهجرة.

روى ابن إسحاق عن وهب بن كيسان عن عبيد الله قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال: اقرأ، قال قلت: ما أقرأ، أو ما أنا بقارئ، قال فغتني به، أي ضغطني، حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني، (ثلاث مرات)، فقال: اقرأ، قال قلت: ماذا أقرأ؟ قال ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي، فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم. قال فقرأتها ثم انتهى فانصرف عني فهببت من نومي فكأنما كتبت في قلبي كتابا قال فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل قال فرفعت رأسي إلى السماء أنظر فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل، قال فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر وجعلت أحول وجهي عنه في أفاق السماء قال فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك فمازلت واقفا ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها وأنا أقف في مكاني ذلك ثم انصرف عني وانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة فجلست مضيفا إليها، أي ملتصقا بها مائلا إليها، فقالت يا أبا القاسم أين كنت فوالله لقد بعثت في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إلي ثم حدثتها بالذي رأيت فقالت أبشر يابن عم واثبت..."، (في ظلال القرآن، الشهيد سيد قطب، دار الشروق، ج 6 ص 3742.)

تبين لنا هذه الرواية الشريفة كيف نزل الوحي بآيات القرآن الكريم وكيف ظهر جبريل عليه السلام للرسول يقول بإخبار وتعليم ووضوح: "يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل" والرسول الراوية هو مصدر الخبر والتثبيت والإيمان بنبوته ورسالته لهذا وقفت رافضة منكرة ما أورده الأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه فاطمة الزهراء والفاطميون حين يقول:

· "وابن عم السيدة خديجة ورقة بن نوفل الذي رجعت إليه حين بدا لها في اضطراب النبي عليه السلام عند مفاجأته بالوحي ما أزعجها فركبت إلى ورقة تسأله لعلمه بالدين وعكوفه على دراسة كتب النصارى واليهود..."

· "ويؤخذ من أخبار السيدة خديجة الأخرى أنها كانت على علم بكل من يطالع كتب المسيحية والإسرائيلية لإنها لم تكتف بسؤال ابن عمها بل سألت غيره ممن كانت لهم شهرة بالاطلاع على التوراة وكتب الأديان..."

· "علامات للنبوة لا يدركها كل من يسمع بالدين ولولا أنها – أي السيدة خديجة – عرفت من أبناء عمومتها من كان يفهم النبوة هذا الفهم لما كانت هذه علاماتها لتصديق الدعوة وصرف الوجل والخشية عن نفس زوجها الكريم..."

هذا الكلام ومثله كثير يتجه نفس الاتجاه يقلب المنطق وينزلق إلى الزلل فما كان لنبي مبعوث مثل رسولنا المختار أن تأتيه الطمأنينة من خارج قلبه، ولا أن يأتيه التأكد بخبر رسالته من مصدر غير تلقيه المباشر من الله سبحانه وتعالى عبر جبريل الروح الأمين، أيحتاج الرسول أن تذهب به خديجة إلى ورقة أو غيره ليؤكد له أو ينفي وقد ملك الحق كله حين رأى لتوه ما رأى وسمع ما سمع أن: "يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل" وهل تقررت نبوة الرسول الكريم بمعرفة خديجة لعلامات النبوة مما مكنها من تصديقها وصرف الوجل والخشية عن نفس الرسول كما تعني كلمات الأستاذ العقاد؟ فهل يعني هذا أنها لو لم تعرف علامات النبوة ولم تصدقها لما تقررت النبوة للرسول المفدى ولظل به الوجل والخشية؟ أعوذ بالله العظيم!

الأقرب للإيمان والعقل أن السيدة خديجة قد هرعت بعد سماعها حديث الرسول المفدى إلى ابن عمها وإلى من عنده علم الكتاب لتزف لهم البشرى والخبر بأن نبي آخر الزمان قد بعث يقينا مصدقا لما بين أيديهم من علم مؤتمنين عليه وأن هذا النبي الرسول هو محمد بن عبد الله وأن عليهم أن يؤمنوا به ويسلموا تسليما، وهذا تماما ما نلمسه من ورقة بن نوفل، رضي الله عنه، حين قام من فوره وقبل رأس الرسول معلنا الشهادة له: "والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة ولتكذبن ولتؤذين ولتخرجن ولتقاتلن ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه، نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، ليتني أكون فيها جذعا ليتني أكون حيا".

بأبي أنت وأمي وابنتي يا رسول الله!

ما أن تبدأ أخبار بعثته تخرج من بيت خديجة، الذي أسلم كل من فيه، والآيات تنزل تباعا وتلقفها خديجة حفظا وتسليما ووعيا وطاعة من فم الرسول المفدى ودائرة الإيمان تتشكل وتتسع، حتى تأخذ دائرة الكفر دورها في المواجهة، تشتد يوما بعد يوم شراسة وسفاهة وتحفزا وتربصا وسخرية وتشويها؛ وقد جمع الشعراء والخطباء والبلغاء ليتصدوا لآيات القرآن المنزل نورا وإعجازا، ويصنع الوليد بن المغيرة طعاما لقريش وبعد أن أكلوا منه قال ما تقولون في هذا الرجل فقال بعضهم ساحر وقال بعضهم ليس بساحر وقال بعضهم كاهن وقال بعضهم ليس بكاهن وقال بعضهم شاعر وقال بعضهم ليس بشاعر وقال بعضهم بل سحر يؤثر فأجمعوا رأيهم على إنه سحر يؤثر ويبلغ هذا التكذيب النبي فيحزن ويتدثر لينام، فأنزل الله سبحانه وتعالى: "يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر"، (في ظلال القرآن للشهيد سيد قطب ج 6 ص 3752).

 وتتوالى الآيات بالتكليف المتصاعد نحو الصعوبة: "يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا ...."، والرسول المفدى يعلنها لخديجة: "مضى عهد النوم يا خديجة"، وخديجة لها؛ كلما احتدم الموقف واقتربت لحظة الصدام الحتمي مع قريش تزداد إشراقا وشوقا للمعركة الحاسمة بين الإسلام والكفر، بين التوحيد والشرك، ويقول لها الرسول: "يا خديجة إن جبريل يقرأ عليك السلام من الله رب العالمين"، فتقول خديجة في فيض من البهجة: "الله السلام ومنه السلام وإليه يعود السلام وعلى جبريل السلام".

إذ أغمض عيني لأتصورها لا أرى تفصيلا لوجه أو هيئة لكني أرى حركة دائبة لا تتوقف حتى ولو لحزن أو لوعة للثكل الذي تجدد بوفاة عبد الله، الذي ناداه الرسول بالطيب والطاهر لكونه قد ولد في الإسلام وبعد أن بلغت خديجة الخامسة والخمسين؛ حركة عطاء منهمر خزائنها مفتوحة للمسلمين وأموالها تتدفق إلى كل سبيل، تدفع عن هذا الغرم وتقضي عن ذاك الدين وتسارع إلى الأرقاء المعذبين تشتريهم وتطلقهم وتستعمل من يطردهم القرشيون من تجارتهم وأرزاقهم، والحجارة تتساقط مستمرة من السفهاء تضرب بيتها وتؤذي زوارها، وتتصدى بالصمت والإهمال للفحش المنهمر من جارتها البغيضة أم جميل، صاحبة النار والمسد هي وزوجها أبو لهب، وفي كل هذا  خديجة آخذة بيد الرسول المفدى تمسح عنه الأذى وتغسل الأقذار الملقاة عليه، "ولربك فاصبر".

بأبي أنت وأمي وابنتي يا رسول الله!

ويأذن الله للمسلمين بالهجرة فأبشري يا خديجة، وهيا.... مجال  جديد لإغداقك وعطائك؛ من تجهيز للمسافرين إلى صبر على الفراق عن الابنة الغالية رقية، التي عزم زوجها عثمان بن عفان على الهجرة مع المهاجرين إلى الحبشة، فراق لا لقاء بعده إلا في الجنة حين تسبق خديجة إلى الرحيل قبل عودة الابنة المهاجرة.

 ومع رؤية المسلمين يهاجرون والدعوة معهم يحملونها إلى خارج الجزيرة العربية لا مكة وحدها، ومع أمر الله بأن تكون الدعوة جهارا، يطيش سهم المشركين البغاة وتعلن قريش حربها المستعرة: الحصار الاقتصادي! تجويع المسلمين ومن يواليهم! والتهديد: منع القوت أو التخلي عن "محمد"!

 وكتبت قريش كتابها تتعاهد فيه على ألا تبيع شيئا أو تبتاع شيئا من محمد وأتباعه ولا مخالطة ولا مصاهرة وأن تكون قريش يدا واحدة على من يعطف أو يساند محمدا، وتعلق هذه الصحيفة على الكعبة: بيت الله!

 واجتمع بنو هاشم وبنو عبد المطلب، إلا أبا لهب وأم جميل، وقرروا رغم عدم إسلام بعضهم الاتحاد أمام هذه المعاهدة الشريرة التي ناقضت حلف الفضول بانهيار إنساني وأخلاقي لم تعرفه العرب، وتقدمت خديجة بما تبقى لها من مال وزاد وعتاد تسير مع المسلمين خلف الرسول المفدى داخلين جميعا ليواجهوا معا حرب الفجار بشعب أبي طالب عند الجبل، حتى أذن الله بتحطيم هذا الحصار بعد سنوات ثلاث من التعب والإنهاك وخديجة قد شارفت على الخامسة والستين.

 وهن الجسد لكن العزيمة والروح كانتا أصلب وأقوى والمسلمون أكثر عددا.

 سقط تهديد قريش بالاختيار: بين الخبز أو محمد؛ فلم يكن الإسلام أبدا ثورة من أجل الخبز، إنه "دعوة" فوق "الثورة": عقيدة إحياء كاملة للإنسان تعيده لفطرة التوحيد حيث ينعتق الإنسان من كل عبودية سوى عبوديته للفرد الصمد، فلا عبودية لملك أو لسلطان، ولا عبودية لاحتياج من شهوة جسد أو معدة، إنه التحرر العزيز من كل ما يمكنه أن يكسر أنف الكرامة للإنسان أو يغل ساق إرادته، فأنى لحصار مادي يدور في الفلك التافه للطعام والشراب والمتاع أن يفت في عضد مجاهدين على رأسهم الرسول المفدى ووراءه خديجة الباسلة قد أسلموا وجوههم لكنف الله معاهدين على أن تكون العزة لله جميعا وللرسول من بعده وللمؤمنين؟ "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين".

سقط الحصار القرشي وانتصر المسلمون في المعركة وكان لابد أن يكون للمعركة شهداء، وخرجت خديجة السكن الرؤوم شهيدة معركة: الخبز أو "محمد"!

 رحلت خديجة في رمضان، عام الحزن قبل ثلاث سنوات من الهجرة.

 بعد الهجرة بسنوات يعود الرسول المفدى إلى مكة بنصر الله والفتح وقد أنجز الله وعده بتمكين دينه الذي ارتضاه لخلقه ويقف عند قبرها وقد دمعت عيناه الشريفتان: نعم يا خديجة هاهي ذي مكة القاسية وقد تاب الله عليها وغسل عنها أوساخ الجاهلية وأوثانها وهاهو ذا البيت العتيق يعود كما كان خالصا لله وحده.

 ويخط الرسول أربعة خطوط في الأرض ثم يقول: "هل تعلمون ما هذا؟"  فيقولون: "الله ورسوله أعلم"، فيقول: "خير نساء العالمين أربعة: مريم بنت عمران، وآسيا بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد".

 وأمام ذكراها تنزوي تسع نساء باهرات لكل واحدة منهن وهجها وشموخ رصيدها في الجهاد والفداء والجود والتقوى وحب رسول الله بينهن عائشة بنت أبي بكر صاحبة المكانة العزيزة في قلب النبي الكريم التي تعترف: "ما كنت أغار من زوجة مثلما كنت أغار من خديجة مع أنني تزوجت الرسول بعد وفاتها بثلاث سنوات لكثرة ما كان رسول الله يذكرها"، وتدفع هذه الغيرة عائشة لتقول ذات مرة: "لقد أبدلك الله خيرا منها"، فيغضب الرسول الحليم حتى يهتز مقدم شعره من الغضب وهو يجيب: "لا والله ما أبدلني الله خيرا منها؛ آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء.

هناك 3 تعليقات:

  1. الأستاذة الفاضلة كل رمضان و أنت بألف خير
    المستشرقون ينطلقون من التاريخ ،أما نحن فننطلق من الوحي ، هم ينطلقون من الأرض و نحن من السماء . مناهج متقابلة ومختلفة .
    وبمناسبة الحديث عن الاستشراق والمستشرقين لقد صدر لي بحث ،هذا الشهر، في مجلة متخصصة بعنوان " الاستشراق و التلقي العربي " حاولت أن اشرح بعض وجهات النظر العربية في الفكر الاستشراقي .
    ومن المفارقات أن من وجهة ضربة قوية للاستشراق عربيات مسيحيان ، أنور عبد الملك الذي ودعنا قبل أسبوع الذي نشر بحث سنة 1962 بعنوان " الاستشراق في أزمة " أما الثاني فهو الراحل إدوارد سعيد في كتابه الهام الموسوم " الاستشراق :المعرفة ، السلطة ،الإنشاء .
    و من المفارقات أيضا أن المستشرقين هم من نفض غبار الزمن المتراكم على الكثير من جواهر تراثنا وأخرجوه من تحت الركام وقاموا بتبويبه وتصنيفه و الحفاظ عليه في مكتباتهم
    مرة أخرى كل رمضان وأنت بصحة وعافية

    ردحذف
  2. استمتعت بقراءة مقالتك عن أحب اثنين إلى قلبي، فأمتعك الله بمثل ما قدمت لنا. ولي ملاحظة حول رأي بنت الشاطئ بشأن "حاجة الشاب اليتيم إلى الأمومة" فلا أتفق معها في هذه النقطة. ما أظنه أن السيدة خديجة امرأة مكتملة الشخصية تسنى للنبي الأكرم التعرف إلى صفاتها وأخلاقها من خلال العمل المشترك بينها (حينما تولى تجارتها). وكما تعرفت هي على ما جعلها تحبه وتتمنى الزواج به، رأى منها مثل ذلك. فكان الزواج نتيجة الاقتناع المشترك والمحبة. وفارق العمر ليس بذي قيمة إن قورن باتفاق الشخصيات وتشارك الرؤية والاهتمامات وما ينتج عن ذلك من ود يتطور إلى اهتمام ورغبة من كلا الطرفين بأن يتكلل بالزواج. نعم لم يبادر النبي إلى خطبتها بسبب ظروفه الاجتماعية، لكنه رحب وبادر عندما بدت منها لفتة الموافقة. وإن كان النبي يتيماً إلا أنه لم يكن محروماً من عاطفة الأمومة ويشهد على ذلك كلماته في تأبين السيدة فاطمة بنت أسد التي كانت له أماً بعد أمه، هذا إلى جانب المنحة الربانية بأن سخر له الكون كله يحنو عليه ويرعاه، فيذكر النبي عن ذلك أن حجراً بمكة كان يسلم عليه عندما يمر به. إننا حين نحاول إيجاد المبررات التي تنزع عن الأنبياء صفاتهم الآدميةومشاعرهم الطبيعية فبرأيي نجانب الصواب. ويحسب للنبي الأكرم أنه رأى جوهر الإنسانة التي أراد الارتباط بها ولم يصرفه عنها شكليات من قبيل فارق السن، والحب كذلك لا يهتم بالشكليات. ويحسب للسيدة خديجة أيضاً أنها لم تعر لفارق السن اهتماماً.

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا وأظن أنني بينت معارضتي لرأي بنت الشاطئ بوضوح، برجاء العودة للمقال في الفقرة السابعة. مع تحياتي

      حذف