الأحد، 8 ديسمبر، 2013

جاذبية صدقي

ونعود نحيي ذكراها رغم أنف المُزوّرين:

في مثل هذا الشهر ديسمبر منذ 12 سنة،  رحلت عن دنيانا الأديبة الرائدة جاذبية صدقي التي غمطوا حقّها ورفضوا تتويج مشوارها الأدبي المخلص ولو بجائزة تشجيعية بينما كان الكيل يُكال إغداقا وسرفا وسَفَها بالتكريم لمن لا يستحق؛ لاقت الجحود والجور في التقدير وبلعت مثل الكثيرين غيرها من كرام مصر الغُصّة بالأمل في أن يعتدل ميزان النقد يوما ما حين يخاف، من يجب أن يخاف، غضب الله.

كتبت بشغف وسعت بنفس الشغف إلى نشر ما تكتب من دون انتظار  لمقابل، وتألقت  على صفحات الصحف والمجلات والدوريات، سنوات الخمسينات والستينات حتى نهاية الثمانينات من القرن الماضي، إلى أن ثقلت خطواتها  بما استشعرته من خذلان لرائدة بحجمها قدمت للمكتبة العربية ما يربو عن أربعين كتابا بين القصة والرواية والتحقيق والبحث، أذكر منها "بوابة المتولي"، "الموسكي إلى الحسينية والبلدي يوكل"، "مملكة الله"، "آخر الأرض"، "ليلة بيضاء"، "ستُار يا ليل"، "ليالي القمر".

صعدت جاذبية صدقي منصة النشر الأدبي في النصف الثاني من أربعينات القرن الماضي  وأخذت مساحتها في الصفحة الأخيرة من جريدة المصري تنشر قصصها القصيرة برسوم جذابة، لعلها كانت للفنان حسن هاشم، تشد القارئ إلى قراءة اسمها الجديد في عالم الأدب، الذي وقف ندا راسخا إلى جانب كتاب شباب آخرين مثل سعد مكاوي وعبد الرحمن الشرقاوي وعبد الرحمن الخميسي، الذين تناوبوا نشر باكورة إنتاجهم الأدبي في موقع الصفحة الأخيرة من جريدة المصري.

ولدت جاذبية صدقي 9 يناير 1920، صغرى أبناء وبنات وزير الأشغال محمود باشا صدقي، و كان قد أنجب قبلها 14 ولدا وبنتا من زوجة واحدة! تخرجت في كلية البنات الأمريكية، (أمريكان كوليج)، نالت بعدها شهادة الماجستير في الآداب، أجادت الإنجليزية والفرنسية وتملّكت ناصية اللغة العربية حتى اكتملت بين يديها جوهرة متألقة بالألوان والإيحاءات تشكّلها بين صريح الضوء وغموض الظلال، تصوغها في الكتابة كما تتكلّمها بجزالة وفصاحة وإحكام، فبدت كتابتها صوتية نابضة متشابهة مع صوتها تحمل مميزات نبراته ذات البحّة والإيقاع الدرامي؛ يخفت حتى لا تكاد تسمعه ثم يعلو تدريجيا حتى يصل به حماسها إلى الخطابة العالية ثم ما تلبث حتى تسحبه إلى الخفوت الكلّي كمن يلملم عاصفة في منديل.

جابت الآفاق طوافة بمعظم بلاد الكرة الأرضية تحاضر عن الأدب العربي والفرعوني بوعي مشهود بثقافة العالم الشرقية والغربية؛ يزكيها نهرو لعبد الناصر بما كتبته بالإنجليزية عن الهند وأطربه، وتترجمها اليابان، وأسمع بأذني في ولايات أمريكا الوسطى من يحدّثني عن استمتاعه بما سمع منها في محاضرة أو قرأ من قصصها مُترجما من العربية.

أغمضت جاذبية صدقي عينيها واستسلمت لنوم عميق، إلى جوارها كانت وحيدتها بهية يوسف زكي ، خريجة آداب القاهرة قسم اللغة العربية، تتهيأ للإستيقاظ لتعطيها دواء الساعة السابعة صباحا، نادتها بصوت خفيض: " ماما ... حبيبتي ...موعد الدواء... "، لكن جاذبية صدقي كانت قد أسبلت عينيها وانسحبت بهدوء وسافرت إلى البلاد التي لا يمكن لأحد أن يعود منها إلى أرض الدنيا، وكان ذلك صباح السبت 22 ديسمبر 2001.


هناك تعليق واحد:

  1. المقال أكثر من رائع...
    أتمنى أن يتم عمل صفحة باسم الأديبة جاذبية صدقي تحوي جميع المعلومات عنها موثقة...
    فالمعلومات على الانترنت شحيحة للغاية...
    كما لاحظت أن كتبها قليلة في السوق الأدبي، فضلاً عن أن لا أعمال كاملة لها مثل كل الكُتاب العظام..
    وهي في رأيي كاتبة عظيمة، واكتشاف مُبهر... لا يُمكن أنه نُهمله، أو نتغاضى عنه...
    أنا شديد الشغف بمعرفة كل شيء عنها..
    كيف السبيل إلى ذلك ؟؟؟

    عُمرأحمدسُليمان

    ردحذف