الخميس، 18 نوفمبر 2010

مقال آخر مفيد للدكتور القوصي




الإسلام والدولة المدنية
بقلم: د.محمد عبدالفضيل القوصى

من ظن أن الإسلام يدعو إلي‏'‏ الدولة الدينية‏'‏ فقد نأي عن جادة الحق‏,‏ وضل عن سواء السبيل‏,‏ فأبسط ما يمكن أن يقال عن الدولة‏'‏ الدينية‏'‏ إن الحاكم فيها ـ أيا كانت ألقابه ـ يدعي أنه يستمد سلطانه من مصدر إلهي‏ يمكنه من القبض بيديه علي صولجان السلطتين‏:‏ المدينة والدينية معا‏,‏ ويجعله مهيمنا علي رقاب‏'‏ الرعية‏'‏ الذين لا يملكون إزاءه سوي الطاعة المطلقة‏,‏ دون اختيار أو مساءلة‏,‏ ومن ثم تفقد تلك الرعية‏:‏ حرية‏'‏ الفعل‏'‏ بعسف ذلك الحاكم وخسفه‏,‏ كما تفقد حرية‏'‏ العقل‏'‏ لاعتقادها أن طاعة ذلك الحاكم‏:‏ خضوع للمشيئة الإلهية‏,‏ وعصيانه‏:‏ تمرد علي تلك المشيئة‏!

لا شيء من ذلك يدعو إليه الإسلام‏,‏ بل لا شيء من ذلك إلا أنكره الإسلام‏,‏ حتي إن المتأمل المنصف يكاد يلمس أن الإسلام يشيد نظامه السياسي علي النقيض من تلك الدولة الدينية خطوة إثر خطوة‏,‏ حيث يقوم هذا النظام علي الاختيار الحر‏,‏ والفصل بين السلطات‏,‏ والضمان للحريات والتمتع بالحقوق والواجبات‏,‏ والمساواة بين الناس أيا كانت دياناتهم‏,‏ أو أجناسهم أو طبقاتهم‏,‏ والحق الأصيل في محاسبة الحاكم ومراجعته ومراقبته‏,‏ ولئن مرت في تاريخ الإسلام المديد فترات منيت فيها الأمة ببعض الحكام الذين مارسوا الاستبداد والطغيان‏:‏ فقد كانوا يبتعدون عن الإسلام بمقدار ما يستبدون‏,‏ وينأون عنه بمقدار ما يطغون‏!

بيد أن أحد سدنة التنوير قد ذهب به الشطط مذهبا بعيدا حين خيل إليه أننا حين نرفض الدولة الدينية‏;‏ ونرتضي الدولة المدنية بديلا عنها‏:‏ فإننا بذلك نطرح‏'‏ الدين‏'‏ ذاته‏,‏ فتصبح الدولة المدنية آنئذ كما يقول بالنص الحرفي‏'‏ دولة لا دين لها‏','‏ فنسبة هذا الدين أو ذاك إلي الدولة نسبة لا معني لها‏'!

ثم يبلغ به الشطط مداه حين يتابع قائلا‏:‏ إن البديل هو أن‏'‏ نهتدي بالمبادئ الكلية للأديان‏,‏ وتجارب الإنسانية‏,‏ وخبرات الشعوب‏'!

بقدر من التأمل المتبصر في تلك الدعوة الصادمة نقول‏:‏
أولا‏:‏ إنه من الواضح الجلي ما يكمن في خبيئة تلك الدعوة من إعادة للحديث عن المادة الثانية من الدستور بجميع عناصرها‏,‏ تلك المادة التي اختارتها الأمة بملء إرادتها‏,‏ ولا يماري أحد في أن مثل هذه الأقاويل تتضمن انتقاصا من حق أصيل من الحقوق الدستورية للأمة‏,‏ فمن العجب إذن أن يتكرر الحديث عن تلك المادة بمناسبة وغير مناسبة وكأنها العقبة الكأداء أمام نيل الحريات وصيانة الحقوق مع أنها‏-‏ عند أولي الأبصار‏-‏ ضمان لتلك الحريات‏,‏ وأمان لتلك الحقوق‏!
‏
ثانيا‏:‏ إن الدعوة إلي‏'‏ الدولة المدنية التي لا دين لها‏'‏ كما يمثل نكوصا عن نص أصيل من النصوص الدستورية يتمتع بما يتمتع به سائر تلك النصوص من الثبات والاحترام‏:‏ فإنه يمثل أيضا نكوصا عما أسماه جان جاك روسو في كتابه المشهور عن العقد الاجتماعي‏:'‏ الإرادة العامة أو روح الجماعة‏',‏ تلك التي لا تمثل ـ علي حد تعبيره ـ الإرادات الراهنة فحسب‏,‏ بل تاريخ الجماعة الماضية‏,‏ وأهدافها المستقبلية‏'.‏

ثالثا‏:‏ إنه لو كانت قطعيات الإسلام وأصوله الثابتة و شريعته السمحة‏:‏ قد احتوت علي ما يخدش مبدأ المساواة بين المواطنين متعددي الأديان‏,‏ أو تضمنت ما يفسد التعايش معهم‏,‏ أو اشتملت علي مبادئ تحول دون استيعاب حقوقهم الأساسية أو تفرق بينهم في الحقوق والواجبات‏,‏ أو لو كان في تلك القطعيات الإسلامية ما يمكن أن يكون مصدرا لانبعاث‏'‏ الدولة الدينية‏'‏ بشرورها وويلاتها‏:‏ لكانت الدعوة إلي‏'‏ الدولة المدنية التي لا دين لها‏'‏ أو الدعوة إلي إعادة النظر في المادة الثانية من الدستور‏:‏ أمرا سائغا ومبررا‏,‏ لكن تلك المحاذير جميعها لا مكان لها في دين تتضمن نصوصه المقدسة الواجبة الأتباع‏:‏ ما يحض علي البر والقسط‏,‏ وما يجمع النوع البشري كله تحت مظلة الإنسانية العامة‏,‏ وما يدحض أضاليل‏'‏ الدولة الدينية‏',‏ ويكشف سوءاتها‏!

رابعا‏:‏ إن القول بإحلال المبادئ الكلية للأديان‏,‏ وتجارب الإنسانية‏,‏ وخبرات الشعوب‏:‏محل الدين‏:‏ يعني من بين ما يعني‏:‏ تذويب ما يتسم به الإسلام من الفوارق الجوهرية والإغضاء عما يستعصم به من المعتقدات الثابتة‏,‏ وما يتميز به من المعالم الفاصلة‏,‏ وذلك مطلب محكوم عليه بالفشل‏,‏ لأنه يناقض التكوين الاعتقادي المغروس في بنية المسلم‏,‏ أما القول بإحلال التجارب الإنسانية‏,‏ وخبرات الشعوب محل الدين‏,‏ فأي هذه التجارب والخبرات حينئذ يكون البديل عن‏'‏ الدين‏'‏ وهي متباينة متباعدة‏,‏ بل متعددة متناقضة؟ وماذا سوف يتبقي من‏'‏ مطلقية‏'‏ القيم الأخلاقية وعموميتها في عالم لا نهتدي فيه إلا بتجارب وخبرات تتوغل فيها‏'‏ النسبية‏'‏ و‏'‏الذاتية‏'‏ حتي منتهي منتهاها ؟

خامسا‏:‏ إن كثيرا من دول العالم التي تقوم أنظمة الحكم فيها علي الدساتير الليبرالية والمبادئ المدنية لا تجد حرجا ولا شذوذا من النص في دساتيرها علي دين الأغلبية‏,‏ دون أن يخل ذلك باحترامها للأديان الأخري‏,‏ والأمثلة علي ذلك كثيرة في أنحاء متعددة من العالم‏,‏ فلماذا هذا الإصرار العنيد علي إزاحة‏'‏ الدين‏'‏ من إطار الدولة المدنية التي لا تميز بين مواطنيها تبعا لأديانهم‏,‏ وتتعامل مع مختلف أطيافهم بمبدأ المساواة في الحقوق والواجبات؟

فلنقل إننا نختار الدولة التي تكون فيها الأمة مصدر السلطات‏,‏ والتي تحمي الحريات‏,‏ وترعي حقوق المساواة بين المواطنين دون تمييز‏,‏ كما تحرص علي مبدأ الفصل بين السلطات‏,‏ أما أن نقول مع من يركبون متن الشطط‏:'‏ إن تلك الدولة المدنية لا دين لها‏'‏ فإننا نزرع حينئذ في طريقها بذور الشك والارتياب‏,‏ ونظلمها بذلك ظلما مبينا‏.‏

‏*‏ عضو مجمع البحوث الإسلامية



الأربعاء، 17 نوفمبر 2010

مقال دكتور القوصي

الإمام الشافعي في مصر‏....‏ وفقه الواقع
بقلم: د.محمد عبدالفضيل القوصى

كثيرا ما تشيع في تاريخنا الفكري بعض القضايا التي يلتبس فيها الحق بالباطل‏,‏ ويختلط فيها الصواب بالخطأ‏,‏ سواء نجم ذلك عن سوء فهم أو عن سوء قصد‏,‏ ثم تتوالي الأيام وإذا بتلك القضايا‏ وقد اكتسبت ضربا من الثبات الزائف يجعلها تبدو في صورة الحقائق‏,‏ وما هي من الحقائق بسبيل‏!!‏
من تلك القضايا‏:‏ قضية تتصل بعلاقة الإمام الشافعي ـ رضي الله عنه ـ بمصر‏,‏ فلقد بدأت مسيرة حياة ذلك الفقيه العظيم بأرض فلسطين‏,‏ حيث ولد عام‏150‏ هـ‏,‏ ثم بالحجاز حيث التقي بإمام دار الهجرة مالك بن أنس ـ رضي الله عنه ـ وتلقي عنه كتابه‏(‏ الموطأ‏),‏ ثم بالعراق‏,‏ حيث التقي بتلميذ الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان‏(‏ محمد بن الحسن‏),‏ ثم مزج خلاصة ما اغترفه من فقه الحديث بالحجاز‏,‏ بعصارة فقه الرأي بالعراق‏,‏ حتي استقر ـ بعد طول الترحال ـ في مصر التي فتحت له أبوابها‏,‏ وفتح لها هو عقله وقلبه‏,‏ وتوفي بها عام‏204‏ هـ‏.‏
في مصر إذن استكمل هذا الإمام الفقيه حصاده العلمي الفذ‏,‏ بالجمع بين ذخيرة النقل وعصارة العقل‏,‏ مضافا إليهما نضج التجربة واكتمالها‏,‏ فماذا نتوقع منه حينئذ إلا أن يضطلع بمراجعة كتبه التي كتبها من قبل‏,‏ وأن يضيف إليها ما يراه جديرا بالإضافة‏,‏ في ضوء رؤيته للواقع الجديد بكل ما يضطرب فيه من أحداث طارئة‏,‏ ووقائع مستحدثة‏,‏ تحتاج إلي إيقاع الحكم الشرعي عليها من خلال الأصول القطعية الثابتة؟
من هنا فقد كان للإمام الشافعي في‏'‏ بعض‏'‏ المسائل‏:‏ رأيان‏,'‏ قديمهما‏'‏ كان بالعراق‏,'‏ وجديدهما‏'‏ كان في مصر‏,‏ حيث أتيح له أن يلتقي بعلمائها ـ ومن بينهم الأحياء من تلاميذ الإمام الليث بن سعد‏,‏ ويمزج معارفه بمعارفهم‏,‏ كما أتيح له الإطلاع ـ في مصر ـ علي‏'‏ واقع‏'‏ جديد لم يحط به خبرا‏.‏
ينبري ههنا بعض ذوي الأفهام الملتبسة قائلين‏:‏ إذا كان الإمام الشافعي قد بدل آراءه بتبدل الأقطار‏,‏ فكان له‏'‏ قديم‏'‏ في العراق‏,‏ و‏'‏جديد‏'‏ في مصر‏,‏ فلماذا لا تتغير الأحكام الشرعية ـ كلا أو بعضا ـ بتغير البلدان تارة‏,‏ أو بتغير الأعصار تارة‏,‏ أو بتغير الظروف والبيئات تارة ثالثة‏,‏ فيكون لكل منها شريعته وفقهه؟
بل يذهبون بعدئذ إلي اتخاذ هذه القضية التي تتعلق بالإمام الشافعي‏:‏ مدخلا إلي حكم عام مفاده‏:‏ لماذا لا يكون الواقع ـ أيا ما كان هذا الواقع ـ حكما علي الشرع؟ ويكون الشرع محكوما بالواقع وتابعا له؟ وما الذي يبرر حينئذ‏'‏ ثبات‏'‏ هذا الشرع وديمومته‏,‏ وصلابته وعموميته؟‏.‏
هذه الدعوي التي ترددت علي بعض الألسنة والأقلام‏,‏ وراجت رواجا زائفا حتي أصبحت تشابه‏'‏ الحقيقة‏':‏ تغفل عن أمور شتي‏:‏
أولها‏:‏ إن الإمام الشافعي ـ وإن كان له رأيان في بعض المسائل ـ إلا أنه لم يعمد في‏'‏ الجديد‏'‏ إلي‏'‏ أصل‏'‏ من الأصول القطعية الثابتة التي استند إليها في‏'‏ القديم‏'‏ قبلئذ فينقضه أو يبدله أو يهدمه‏,‏ فالأصول القطعية في‏'‏ القديم‏'‏ و‏'‏ الجديد‏'‏ واحدة ثابتة راسخة‏,‏ كما أن الإمام الجليل لم يعمد إلي‏'‏ واقعة‏'‏ قد حكم عليها بالحل أو بالحرمة في‏'‏ القديم‏',‏ فيبدل هذا الحكم أو ينقضه في‏'‏ الجديد‏',‏ إلا إذا تغيرت مقومات تلك الواقعة تغييرا جوهريا‏,‏ فحينئذ يتبدل الحكم‏,‏ ولو كان هذا الإمام الجليل قد ظل في العراق ولم يغادرها ثم عرضت عليه الواقعة ذاتها‏:‏ لحكم بنفس هذا الحكم الشرعي بلا أدني تغيير‏,‏ فالعبرة في تغير الحكم بين‏'‏ القديم‏'‏ و‏'‏ الجديد‏'‏ ـ عند الشافعي ـ ليست بتغير البيئة أو الظروف‏,‏ أو الأقطار‏,‏ أو الأعصار‏,‏ بل بتغير‏'‏ مكونات‏'‏ الواقعة ذاتها‏,‏ واختلاف أوضاعها‏.‏
ثانيها‏:‏ لقد رصد العلماء بعض المسائل التي انفرد بها‏'‏ القول الجديد‏'‏ عن‏'‏ القديم‏'‏ عند الإمام الشافعي من خلال كتابه الموسوعي‏(‏ الأم‏),‏ فمثلا‏:‏ لقد أعطي هذا الإمام الجليل لبعض أنواع التربة التي تستخدم في صنع الأدوية والتي توجد في الحجاز‏:‏ حكما بالحل أو الحرمة يختلف عن حكمه عليها في مصر‏,‏ وما ذلك التغاير إلا لاختلاف مكونات هذه التربة عن تلك‏,‏ ولم يكن لتغير الأقطار أو البيئات تأثير علي الحكم بالحل أو بالحرمة‏.‏
وحين تناول الشافعي الأوراق المالية المنتشرة بمصر آنذاك‏,‏ والتي كانت تسمي‏(‏ القراطيس المصرية‏)‏ اجتهد في استنباط الحكم الشرعي لها علي النحو الذي تمت به علي أرض مصر‏,‏ ولم يكن لتبدل الأقاليم تأثير في الحكم الشرعي بالحل أو بالحرمة‏.‏
ثالثها‏:‏ إنه لابد من الأخذ في الاعتبار ـ حين نتأمل قضية العلاقة بين الشرع والواقع بوجه عام ـ أن مهمة الشرع هي‏'‏ ضبط‏'‏ الواقع‏,‏ بكل ما يضطرب فيه من اختلاف الأهواء‏,‏ وتضارب الرغبات‏,‏ وتصارع الإرادات‏,‏ وتلك المهمة العظمي لا تتحقق ولا تقوم لها قائمة حين يتغير الشرع بتغير البلدان أو باختلاف البيئات والظروف‏,‏ كما أنها لا تتحقق ولا تقوم لها قائمة حين ينحني الشرع في وجه تلك الأهواء والنزعات‏,‏ ويكون تابعا لها بدلا من أن تكون تابعة له‏,‏ ويكون خاضعا لها بدلا من أن تكون خاضعة له‏!!‏
رابعها‏:‏ إن مصطلح‏'‏ الواقع‏'‏ مصطلح فضفاض‏,‏ حمال أوجه‏,‏ فأي‏'‏ واقع‏'‏ يكون هو الحكم علي الشرع؟ هل هو‏'‏ واقع الأقوياء‏'‏ الذي يفرضونه علي البشر بما يمتلكونه من أدوات البطش والاستبداد؟‏,‏ أو هو واقع الفضائيات المفتوحة التي أيقظت في البشر شياطين النزوات‏,‏ وبثت فيهم سعار الغرائز والرغبات ؟‏!!‏
فكيف يكون‏'‏ الشرع‏'‏ الذي‏'‏ يخرج المكلفين من دواعي أهوائهم‏'‏ ـ علي حد تعبير الشاطبي في‏'‏ الموافقات‏'‏ ـ دواء للواقع وعلاجا له‏,‏ وقد جعله هؤلاء تابعا لهذا الواقع بكل ما يكتظ به من الأهواء والنزعات والرغبات؟
خامسها‏:‏ إن التصور الذي يسيطر علي أصحاب تلك الأفهام الملتبسة‏:‏ أن‏'‏ الواقع‏'‏ يمثل لديهم‏'‏ الطرف الأقوي‏'‏ الذي ينبغي علي الشرع الانصياع له‏,‏ والاستجابة لنداءاته‏,‏ والذي ينبغي علي الإنسان أيضا أن يحني له هامته‏,‏ وأن يكون مطواعا له‏,‏ لكنهم غفلوا عن أن التصور الإسلامي للإنسان أكثر سموا وارتفاعا‏,‏ إذ إنه ذلك الإنسان الذي يشرئب فوق هذا الواقع ما استطاع إلي ذلك سبيلا‏,‏ ويتعفف عن ملذاته ومغرياته قدر طاقته البشرية‏,‏ إنه الإنسان الذي كرمه الله تعالي أعظم تكريم‏,‏ وجعله الخليفة في الأرض علي سائر الكائنات‏.‏
أما هؤلاء الذين يبتغون أن يجعلوا الشرع خاضعا للواقع‏,‏ وتابعا له فإنهم يسهمون ـ سواء أرادوا أم لم يريدوا ـ في إشاعة الخور والتكاسل في إرادات الأمة وفي وعيها الجمعي‏,‏ فالتعلل بضغط‏'‏ الواقع‏'‏ والاستجابة لإغراءاته هو الذريعة الجاهزة والتعلة الحاضرة التي تفت في العضد‏,‏ وتغري بالتحلل والتراخي والتماس المعاذير‏,‏ كما أنها تحول دون شحذ العزائم‏,‏ واستنهاض الهمم‏!!‏
ثم أقول‏:‏ لئن كان‏'‏ الواقع‏'‏ بكل ما فيه‏..‏ هو الحاكم علي‏'‏ الشرع‏'...‏ فأي صلاح يومئذ يرتجي‏,‏ وأي فلاح حينئذ ينتظر؟‏!‏
‏*‏ عضو مجمع البحوث الإسلامية
 ×××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××××

شكرا لمن تفضل بنشر الرابط، ومن جانبي جلبت لكم المقال ذاته، وأرجو أن أنقل المزيد بحول الله وقوته.      
   
 






مقالات الأستاذ الدكتور محمد عبد الفضيل القوصي

لقراءة مقالات الأستاذ محمد عبد الفضيل القوصي أتبع التالي:


الأهرام اليومي، ثم أدوس الأعمدة، ثم أدوس كتاب الأهرام، ثم أدوس حرف الميم فتنزل قائمة الأسماء ونجد اسم الأستاذ الفاضل ومن هنا نصل إلى قائمة مقالاته الممتعة والمفيدة،الضاربة وجه الجهل ولو تقنع بالدكتوراه.

الثلاثاء، 16 نوفمبر 2010

كل عام وأنتم بخير


شهيقا إسلام ، زفيرا إسلام:  هكذا حال المسلم


أينعت شجرة هاجر بين البيت وزمزم،
فتمهلي بالسير يا إبل الطريق وتريثي عند الشفق،
صدق "الكلام" وما انمحى منذ الأزل:
"...وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ..."

حداء ، حداء ، ونقر دف من بعيد:
أسعد الأيام!
أجمل الزمن!
أكثير على القلب الفرح والقرن السابع يأتي بـ "محمد" ؟

مصابرة ورباط ، حصار في شعب أبي طالب وجوع ،
هزيمة في أُحد ، طيور جارحة تتحلق،
أحزاب تتحالف على بغض "محمد" ـ بأبي أنت وأمي وفداؤك روحي يا "محمد" ـ
و"محمد" يرقب صحبه: "...هذا ماوعدنا الله ورسوله...".
النصر غير بطئ ، لكنه "الإسلام" يُمتحن!

حوِّمي ياطيور الزمان الجارحة ،
وبالصليل قرقعي وبالصريخ،
وانهشي بالظلم وجه الحق،
وازدردي الطعام ،
مستهم البأساء والضراء وزلزلوا.......................

متى نصر الله ؟
ألا إن نصر الله قريب!

شهيقا إسلام ، زفيرا إسلام:  هكذا حال المسلم!
تهدأ العين وتقر إسلاما يأخذنا إلى: جهاد نفس تتحضر بالإسلام ،
تغتسل من الأنانية والجشع والهوى،
تستعبد الشهوة وتحجمها تحت إمرة الإرادة!

يسطع فينا الإيمان، ضفيرة بلّور تمتد حبائل رحمة ترفعنا من حر الضيق ،
نخرج من جوف الوحشة بدعاء حبيس الحوت:
 لاإله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين،
لاإله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.




الاثنين، 15 نوفمبر 2010

الزمن الجميل لم يكن جميلا بالمرّة!

 لآن الأوجاع لاتنسى بالتقادم  أعيد نشر قولي عندما قرأت منذ سنوات تنهدات كاذبة تتباكى على زمن جميل لم يكن جميلا بالمرّة، نكأت جراحي، وحركت أوجاعي، وفتحت فاتوحة، لم أكن أود أن امد يدي إليها وأخرج منها "ذكريات عصفت بي..". كان من الممكن أن تدخل الكاتبة، التي لن أذكر اسمها، في صلب موضوعها فورا  وهي حرة تقول ما شاءت وشاء لها الهوى، لولا تلك المقارنة التي بدأت بها قائلة: "و...أعبر في انتخابات الصحفيين بين صفوف آلاف الزملاء بصعوبة لأستشعر الفارق في الزمان والمناخ، عندما كانت الخيارات متعددة والآن شحت الخيارات....عندما كان التنافس بين الشخصيات والآن بين التيارات...عندما كان المرشحون عمالقة والآن هناك مرشحون لم نسمع عنهم من قبل..عندما كنا محرجين أيا من اليوسفين نمنحه أصواتنا يوسف أدريس أم يوسف السباعي؟ عندما كانت البلاغة لغة الاستقطاب.. والآن ...يدعوك مرشح لانتخابه بمزيكة حسب الله....عندما يسألونك بريبة: هل أنت مع تيار الحكومة....إلخ إلخ إلخ..".

يا لهفي! ألهذه الدرجة تخون البعض الذاكرة؟ أي فارق هذا الذي يشار إليه في "الزمان" و"المناخ" و"الخيارات المتعددة"؟ متعددة ؟ متى كان هذا؟ في الستينيات التي كان يتم فيها القرار "بتعيين" النقيب وأعضاء المجلس؟ أم في السبعينيات عندما جلس يوسف أدريس على منصة في الجمعية العمومية للصحفيين 1971/ 1972 في صالة النقابة أم جنينة يتقمص "العسكري الأسود"، الذي كان أحد شخصيات قصصه القصيرة التي سجلت بطولات يوسف إدريس في الدفاع عن الحرية على الورق فقط، يتحكم في من يتكلم في الميكرفون ومن يتوجب منعه باتفاق مسبق وفق تعليمات الزجر الموصى بها من صديقه يوسف السباعي؟ وإن كنت لا أدري أي اليوسفين كان القاتل الرئيسي. هل لاحظت الآن فقط  كيف تشح الخيارات؟ وهل صحيح أن التنافس في ذلك الزمن الماضي كان بين "الشخصيات" ولم يكن أبدا بين "التيارات"؟ ألم تلاحظ  بتاتا أن "الشخصيات" كانت هي "التيارات"؟ أو إن شئت كانت هي "التيار"! فلم يكن هناك سوى التيار الواحد: نعم! "والحكومي"، وعلى عينك يا صحفي وإن كان عاجبك! ثم ما معنى "كان المرشحون عمالقة"؟ ما هذا الكلام ؟ ما هو تعريف   ا لـ"العملقة"؟ أذكروا لي نقيبا واحدا وقف في الستينيات أو السبعينيات أو الثمانينيات من القرن الماضي وقفة عملاقة واحدة دفاعا عن حرية صحفي تم سجنه وتعذيبه وإخراجه إلى الجبل يقطع الأحجار- باستثناء صلاح جلال رحمه الله الوحيد الذي زارنا في سجن القناطر للنساء. أذكروا لي نقيبا واحدا تحرك حركة عملاقة حقيقية، غير مسرحية، للدفاع عن صحفي منعوه من النشر وتم فصله تحت عناوين قضايا ملفقة وهمية ، ليكون هناك  الحق أن نتعالي على شباب جديد لم نختبرهم بعد، ولا غرابة أننا لم نسمع عنهم من قبل، والحمد لله، فمن الطبيعي ونحن من جيل بلغ العمر الذي نعرفه، ألا نكون قد سمعنا عنهم لأننا حتى لو سمعنا، وتكررت أسماءهم على أسماعنا ألف مرة فسوف ننساهم، بحكم الحالة العمرية، على الفور!

 ما رأيكم  في أن أعيد على أسماع الجيل الجديد مقتطفات من "عرض حالة" تحت عنوان "وإذا الموؤدة سئلت.."، كنت قد كتبتها في محاولة لنشرها عام 1974 ولم أفلح لأنني كنت، مع كثيرين غيري، ممنوعة من النشر رغم عناوين كاذبة تدعي أنها مستعدة للدفاع عن رأيك وإن اختلفت معك، وقد أخذت شكل سؤال وجواب كالآتي:

-         متى بدأ هذا الوأد؟
- أغسطس 1971 وهو تاريخ استلام الأستاذ يوسف السباعي منصب رئيس مجلس إدارة دار الهلال ورئيس تحرير المصور.
- كيف تمت صياغة الوأد؟
- على عدة مراحل: أولا، رفض كل ما قدمته للنشر سواء أكان مقالا نقديا لمجلة المصور أو حلقات عمودي الثابت في مجلة الكواكب بعنوان "مونولوج"، رغم موافقة الرقابة على كل ما قدمته.
ـ ثانيا، قال لي رئيس مجلس إدارة دار الهلال ورئيس تحرير المصور الأستاذ يوسف السباعي أنه هو الذي قرر عدم النشر، وليس الرقيب الرسمي الموفد من قبل الحكومة، حتى تغيري روحك! . سألته عن معنى تغيير الروح، قال: تغيري أسلوبك، جادلت بين ضاحكة ومندهشة، إذ حسبته يمزح لكن دلائل الغضب على وجهه وزغرة عينيه أكدت لي أنه جاد في تصوره أنه من الممكن للإنسان أن يغير روحه خاصة عندما قالها لي على بلاطة: أنا مش عايز أشوف اسم صافي ناز كاظم ده خالص..والفرعنة اللي عندك أنا سأضع لها حدا، ومناخيرك ح أجيبها الأرض.
ـ ثالثا، حاولت نقل نشاطي المهني إلى الإذاعة وكدت أنجح في تقديم برنامج "مونولوج" بإذاعة الشرق الأوسط، وكان رئيسها الأستاذ الفاضل طاهر أبو زيد، ولكن الأستاذ السباعي تدخل وأوقف البرنامج في موعد تسجيله – (قال لي الإعلامي الكبير طاهر أبو زيد أن يوسف السباعي قال له: نمنعها من ألف تطلعها على مليون؟ وأكد الأستاذ طاهر أبو زيد أن هذا كان السبب في الإطاحة به من منصبه لرئاسة إذاعة الشرق الأوسط. الأستاذ طاهر أبو زيد مازال بيننا أطال الله عمره وهو شاهد على ما أقول).

-          رابعا، أقمت مجلة حائط خاصة بي في مكتبي بدار الهلال وفوجئت برفعها في غيابي لعرضها على يوسف السباعي الذي أصدر بعدها أمرا بترحيلي من غرفتي إلى غرفة أخرى معزولة حتى لا أجد جمهورا يقرأ مجلتي الحائطية، ثم أصدر أمرا إداريا بندبي إلى مجلة دراسات اشتراكية، مع قرار آخر بنقلي نهائيا من المصور إلى مجلة دراسات اشتراكية التي يرأس تحريرها الأستاذ إبراهيم عبد الحليم.
-          خامسا، قال لي الأستاذ إبراهيم عبد الحليم أن المجلة ليس بها مجال لتخصصي في نقد المسرح وأنه لا يستطيع أن يستغل قدرتي اللغوية في الترجمة لأن مقالات مجلته بها مصطلحات ماركسية وأنا غير ماركسية. وعندما سألته ولماذا قبلت قرار نقلي عندك قال في لهجة جدعنة: قال لي تاخد صافي ناز عندك؟ معقول أقول لا؟ لا يصح. قلت له: آخد صافي ناز بس ما تكتبش. وكان يبدو من لهجة الأستاذ إبراهيم عبد الحليم أن علي أن أشكر فروسيته هذه.
-          سادسا، حاولت أن أتعاون مع الأستاذ عبد الحليم وقدمت له قطعة اسمها "وتريات"، رفضها قائلا: مجلة دراسات اشتراكية ليست منبرا حرا، إنها مجلة ماركسية لينينية ولا تنشر هذا الكلام، الذي صنفه بأنه ليبرالي.
-          سابعا، رفض الأستاذ إبراهيم عبد الحليم احتراما لتعليمات الأستاذ يوسف السباعي، أن أعلق ورقة واحدة على حائط مكتبي على أساس أن صراعه ليس مع يوسف السباعي ولكن الصراع مع الإمبريالية العالمية.

 - ماهي المدة التي استغرقتها كل هذه المراحل ؟

 - من أغسطس 1971 حتى نوفمبر 1972.

- ألم يكن هناك شهود؟

-         لقد تمت كل هذه المراحل تحت سمع وبصر كل محرري وكتاب دار الهلال، وتحت سمع وبصر كثير من محرري وكتاب ونقاد الحركة الثقافية المصرية، وقد قمت بإبلاغها على ملأ كبير من المجتمعين بنقابة الصحفيين تحت أنظار النقيب الأستاذ علي حمدي الجمال. وأذكر أنني قلت: أنظروا إلي إن ما يحدث معي سوف يحدث لكم جميعا إن لم تبادروا بإقامة الضوابط والروابط.

-         ألم تحاولي نشر مقالاتك المرفوضة بأي مكان آخر؟

-         أعتقد أن قانون النشر عندنا ( وقتها!)  يمنع أن تكون موظفا بمؤسسة وتنشر بمؤسسة أخرى إلا إذا نشرت شيئا خارج مجال تخصصك، وقد قمت بالفعل بتقديم "وتريات"، من أشكال الشعر الذي أكتبه، إلى الأستاذ مصطفى بهجت بدوي وقد تفضل وقتها بنشرها في جريدة الجمهورية في صفحة "الدين" لأن عنوانها كان آية قرآنية، ولقد سررت لذلك لكن عندما علم الأستاذ السباعي بهذا الأمر، غضب غضبا شديدا، وعاتب الأستاذ مصطفى بهجت بدوي على نشره "لواحدة احنا مانعنها". ولذلك لم أحاول أن أحرج الأستاذ مصطفى بهجت بدوي مرة أخرى.

ـ  ألم يكن من الممكن أن تنشري بمجلة الطليعة أو الكاتب؟

- أرسلت للطليعة في أغسطس 1971 مقالا عن مسرحية ملك الشحاتين لنجيب سرور، وكانت معروضة في ذلك الحين وهي من المقالات التي أعتز بها ووافقت عليها الرقابة ورفضها يوسف السباعي، ولكن الأستاذ غالي شكري المشرف على الملحق الفني للطليعة قال لي أن مجلس تحرير المجلة لم يوافق على النشر، وعندما قابلت الأستاذ لطفي الخولي رئيس تحريرها قال لي أن هذه الواقعة غير صحيحة وأن غالي شكري تصرف من نفسه، ولم يهمني أيهما أكذب. أما مجلة الكاتب فلي تجربة سابقة معها جعلتني أحجم عن المحاولة.

- وما رأيك في غلق مجلة الكاتب الآن؟

- جريمة بشعة ولكني لم أستغرب لها بل الحقيقة أنني كنت أتوقعها، ولعل الذين فجعوا فيما حدث لمجلة الكاتب يتعلمون هذه الحكمة: الذي يسكت عن سرقة البيضة لا يتعجب حين يسرق الجمل.

- لماذا لم تحاولي التفاهم مع دار الهلال بعد أن تركها يوسف السباعي؟

- حاولت بالفعل. وعلى وجه التحديد أثناء معارك أكتوبر 1973 كنت تحت البنج في عملية وضع وعندما أفقت من البنج كتبت "وتريات" عنوانها "نوارة الانتصار، تحية لأبناء مصر الذين يولدون على الجبهة"، وأرسلتها للأستاذ فكري أباظة رئيس مجلس الإدارة ورئيس تحرير المصور، لكن الأستاذ فكري أباظة رفض نشرها وفسر لي موقفه فيما بعد قائلا: والله يا بنتي كانت قطعة كويسة بس قالوا لي لو نشرت شيء لصافي ناز تبقى بتتحدى يوسف السباعي وأنت عارفة البلد كانت في ظرف ما يستحملش. وعندما طلبت منه أن يعيدني لممارسة عملي ناقدة مسرحية بمجلة المصور قال لي: أتركي لي خمسة أيام  استأذن فيهم يوسف السباعي، وقطعا كانت دهشتي بالغة لأن فكري أباظة مهما كان: تاريخ مجد صحفي ويوسف السباعي وزير ثقافة ولا علاقة لسلطاته الرسمية بالإعلام، ولكن فكري أباظة قال لي: يعلم الله يا بنتي أنا معك لكن معلش، وبعد خمسة أيام سألته عن نتيجة الاستئذان فقال لي: اقعدي ربي بنتك! وصعب علي جدا فكري أباظة، وكان إحساسي بالقهر مؤلما جدا.

ـ وماذا فعلت منذ ذلك الحين؟

-         قابلت الدكتور كمال أبو المجد، وزير الإعلام في العهد الساداتي، إثر تصريح أعلنه في روز اليوسف أنه: ليس هناك فيتو ضد أحد، وقلت له: أنا موؤدة منذ ثلاث سنوات، وأريد أن أعرف لماذا أنا ممنوعة من النشر، وإلى متى سيظل هذا الحصار المحكم إغلاقه، فأكد لي أنه ليس هناك أي قرار منع رسمي بشأني. شرحت له كل شيء بالتفصيل واتفقنا على حل حاسم للموقف، لكني ظللت بالبيت ولم تتم أي خطوة في سبيل هذا الحل..................................................................................................................................................................................................................................................................................................

…….انتهى كلام الماضي................................................................................................................................................................................................ وأنا أتناسى كل هذا  متعمدة إلى أن يلطمني كلام مزور فتستيقظ الآلام وتحتقن الجراح، وليعلم كل الناس من صحفيين وقراء ومواطنين، أن جرائم القهر والظلم لا تسقط بالتقادم ولا يمكن إخفاؤها تحت أي ساتر أو حجاب من معسول الكلام!

فيا شباب الصحافة عليكم أن تعلموا حق العلم أن ذلك "الزمن الجميل" الذي يخدعوكم به لم يكن جميلا بالمرة، ولو جمعوا له كل المحسنات اللفظية من فنون التزوير و"بلاغة لغة الاستقطاب"، وكما قال الشاعر أحمد فتحي رحمه الله: "حسبنا وهما وحلما وخيالا حسبنا."

الأحد، 14 نوفمبر 2010

تحية للأستاذ الدكتور عبد الفضيل القوصي

الحمد لله الذي رزقنا الأستاذ الدكتور عبد الفضيل القوصي كاتبا في جريدة الأهرام أيام السبت في صفحة "إسلاميات"!

سبحان الله! أقرأه فأجد: العلم والذكاء والقدرة على الكتابة الجاذبة للقراءة، والمستقطبة للعقل، بالحكمة والصدق والقوة والبشاشة.

لمن لم يقرأه أنصح بقراءة مقاله السبت 13 11 2010، وماكتبه قبلها عن حقيقة المعتزلة وعن الإمام الشافعي؛ ساعده الله في مواجهة النصابين التبويريين الأمّيين ولو كانوا من حملة الدكتوراة.

السبت، 13 نوفمبر 2010

رسالة من ليلى الذهبي

"بالنسبة لتلخيصك لمأساتكم كجيل فقد أوجزتِ فأفدتِ, نعم ذلك الجيل الذي شاهد و تعرف على نفسه في مرآة المستشرقين الذين فطموه عن تراثه و جعلوه يرمي في بئر تاريخه و كرامته المستمدة منه... حجراً, خرج جيل مستقوي بخيال غيره لذلك كان كما تفضلتِ بتصويره بأنه :

 ( هو جيل اضطهد نفسه، ويكره زميله الذي تحسنت أحواله، ولا يتعاطف مع زميله الذي تنكست أعلامه) و هنا مشكلتنا لحد الآن, نرى الحريق يشب في بيت يبعد مسافة قليلة عن بيتنا و لا نهرع لإخماده ليس من باب النصرة و المساعدة حاشا لله و لكن من باب إتقاء مصيبة وصول الحريق لبيتنا حتى...

 قد تكون أول مظاهر الخديعة هي استبدال مصطلح الهزيمة بمصطلح النكسة, في حين جيلنا و من قبلنا و من بعدنا يشاهد كل يوم نكسات و وكسات في نشرات الاخبار و لا يملك أن يُغير شيئ سوى رقم القناة!

 إنها سُنة التاريخ جيل سلف يُسلم الميراث التاريخي للجيل الخلف, مما يجعله جيلاً مُثقلاً مهموماً حيناً و لاعناً أحيانا, و الغريب في هذه الدائرة المفرغة أننا كالمريض النفسي لا يحتاج سوى للإيمان بنفسه و بعظمة الانسان الذي بداخله ليشفى و لكنه يُصّر على الاستسلام.

و ما يجري الآن من تهديد لمن تبنى نهج المقاومة و الممانعة أكبر دليل على أن أكبر خطر يُهدد عدونا هو أن نعي أهمية كلمة " لا " كيف نقولها و لمن و متى, فهم يستهجنون من بقي واقفاً على قدميه في زمن الانبطاح.

 لكن يبقى الرهان على مقولة أن دوام الحال من المحال , حتى يمّل الجيل المحظوظ من طرق الأبواب الموصدة  في وجهه ,ليتجه للباب الوحيد الذي يضمن له الخروج من المتاهة التي هو فيها و هو باب الايمان والثقة بتاريخه و بنفسه و بقدراته و بخالقه الذي قال في سورة هود: " و ما كان الله ليهلك القرى بظلم و أهلها مصلحون" فسبحان الله لم يقل : و أهلها صالحون...بل خصهم بأنهم مصلحون ليعملوا على الإصلاح و المبادرة و الايجابية.


و إن كنتِ حضرتك تكلمت عن مأساة جيلكم, فأنا لا زلت أرى بأنك من زمن جميل, لجيل أتى بعدكم فنفعتموه بخلاصة خبرتكم و منحتموه شرف أن يرى زماناً لم يعشه و لكنه شاهده بعيونكم. فماذا سنُسلم نحن كجيل للجيل الذي سيأتي بعدنا ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

 و أشكر لك السكينة و اليقين و الراحة الروحية التي نحصل عليها عند دخول محراب كلماتك في مدونتك التي تُثبتي لنا من خلالها بأنك أستاذة من الزمن الجميل الذاخر برموز و شخصيات ضنّ علينا زماننا بمثلها, فكنتِ لهم عنوان الوفاء لذكرى قناديل أضاءت في سماء حياتك."


هذه الرسالة العزيزة وصلتني من ليلى الذهبي، صديقة بريدي، حادة الذكاء والحزن الناضج؛ المهم أنني بعد قراءتي لكلماتها إنشغلت بالتساؤل: لماذا "الذاخر" وكنت أظنها "الزاخر"؟