الخميس، 18 نوفمبر، 2010

مقال آخر مفيد للدكتور القوصي




الإسلام والدولة المدنية
بقلم: د.محمد عبدالفضيل القوصى

من ظن أن الإسلام يدعو إلي‏'‏ الدولة الدينية‏'‏ فقد نأي عن جادة الحق‏,‏ وضل عن سواء السبيل‏,‏ فأبسط ما يمكن أن يقال عن الدولة‏'‏ الدينية‏'‏ إن الحاكم فيها ـ أيا كانت ألقابه ـ يدعي أنه يستمد سلطانه من مصدر إلهي‏ يمكنه من القبض بيديه علي صولجان السلطتين‏:‏ المدينة والدينية معا‏,‏ ويجعله مهيمنا علي رقاب‏'‏ الرعية‏'‏ الذين لا يملكون إزاءه سوي الطاعة المطلقة‏,‏ دون اختيار أو مساءلة‏,‏ ومن ثم تفقد تلك الرعية‏:‏ حرية‏'‏ الفعل‏'‏ بعسف ذلك الحاكم وخسفه‏,‏ كما تفقد حرية‏'‏ العقل‏'‏ لاعتقادها أن طاعة ذلك الحاكم‏:‏ خضوع للمشيئة الإلهية‏,‏ وعصيانه‏:‏ تمرد علي تلك المشيئة‏!

لا شيء من ذلك يدعو إليه الإسلام‏,‏ بل لا شيء من ذلك إلا أنكره الإسلام‏,‏ حتي إن المتأمل المنصف يكاد يلمس أن الإسلام يشيد نظامه السياسي علي النقيض من تلك الدولة الدينية خطوة إثر خطوة‏,‏ حيث يقوم هذا النظام علي الاختيار الحر‏,‏ والفصل بين السلطات‏,‏ والضمان للحريات والتمتع بالحقوق والواجبات‏,‏ والمساواة بين الناس أيا كانت دياناتهم‏,‏ أو أجناسهم أو طبقاتهم‏,‏ والحق الأصيل في محاسبة الحاكم ومراجعته ومراقبته‏,‏ ولئن مرت في تاريخ الإسلام المديد فترات منيت فيها الأمة ببعض الحكام الذين مارسوا الاستبداد والطغيان‏:‏ فقد كانوا يبتعدون عن الإسلام بمقدار ما يستبدون‏,‏ وينأون عنه بمقدار ما يطغون‏!

بيد أن أحد سدنة التنوير قد ذهب به الشطط مذهبا بعيدا حين خيل إليه أننا حين نرفض الدولة الدينية‏;‏ ونرتضي الدولة المدنية بديلا عنها‏:‏ فإننا بذلك نطرح‏'‏ الدين‏'‏ ذاته‏,‏ فتصبح الدولة المدنية آنئذ كما يقول بالنص الحرفي‏'‏ دولة لا دين لها‏','‏ فنسبة هذا الدين أو ذاك إلي الدولة نسبة لا معني لها‏'!

ثم يبلغ به الشطط مداه حين يتابع قائلا‏:‏ إن البديل هو أن‏'‏ نهتدي بالمبادئ الكلية للأديان‏,‏ وتجارب الإنسانية‏,‏ وخبرات الشعوب‏'!

بقدر من التأمل المتبصر في تلك الدعوة الصادمة نقول‏:‏
أولا‏:‏ إنه من الواضح الجلي ما يكمن في خبيئة تلك الدعوة من إعادة للحديث عن المادة الثانية من الدستور بجميع عناصرها‏,‏ تلك المادة التي اختارتها الأمة بملء إرادتها‏,‏ ولا يماري أحد في أن مثل هذه الأقاويل تتضمن انتقاصا من حق أصيل من الحقوق الدستورية للأمة‏,‏ فمن العجب إذن أن يتكرر الحديث عن تلك المادة بمناسبة وغير مناسبة وكأنها العقبة الكأداء أمام نيل الحريات وصيانة الحقوق مع أنها‏-‏ عند أولي الأبصار‏-‏ ضمان لتلك الحريات‏,‏ وأمان لتلك الحقوق‏!
ثانيا‏:‏ إن الدعوة إلي‏'‏ الدولة المدنية التي لا دين لها‏'‏ كما يمثل نكوصا عن نص أصيل من النصوص الدستورية يتمتع بما يتمتع به سائر تلك النصوص من الثبات والاحترام‏:‏ فإنه يمثل أيضا نكوصا عما أسماه جان جاك روسو في كتابه المشهور عن العقد الاجتماعي‏:'‏ الإرادة العامة أو روح الجماعة‏',‏ تلك التي لا تمثل ـ علي حد تعبيره ـ الإرادات الراهنة فحسب‏,‏ بل تاريخ الجماعة الماضية‏,‏ وأهدافها المستقبلية‏'.‏

ثالثا‏:‏ إنه لو كانت قطعيات الإسلام وأصوله الثابتة و شريعته السمحة‏:‏ قد احتوت علي ما يخدش مبدأ المساواة بين المواطنين متعددي الأديان‏,‏ أو تضمنت ما يفسد التعايش معهم‏,‏ أو اشتملت علي مبادئ تحول دون استيعاب حقوقهم الأساسية أو تفرق بينهم في الحقوق والواجبات‏,‏ أو لو كان في تلك القطعيات الإسلامية ما يمكن أن يكون مصدرا لانبعاث‏'‏ الدولة الدينية‏'‏ بشرورها وويلاتها‏:‏ لكانت الدعوة إلي‏'‏ الدولة المدنية التي لا دين لها‏'‏ أو الدعوة إلي إعادة النظر في المادة الثانية من الدستور‏:‏ أمرا سائغا ومبررا‏,‏ لكن تلك المحاذير جميعها لا مكان لها في دين تتضمن نصوصه المقدسة الواجبة الأتباع‏:‏ ما يحض علي البر والقسط‏,‏ وما يجمع النوع البشري كله تحت مظلة الإنسانية العامة‏,‏ وما يدحض أضاليل‏'‏ الدولة الدينية‏',‏ ويكشف سوءاتها‏!

رابعا‏:‏ إن القول بإحلال المبادئ الكلية للأديان‏,‏ وتجارب الإنسانية‏,‏ وخبرات الشعوب‏:‏محل الدين‏:‏ يعني من بين ما يعني‏:‏ تذويب ما يتسم به الإسلام من الفوارق الجوهرية والإغضاء عما يستعصم به من المعتقدات الثابتة‏,‏ وما يتميز به من المعالم الفاصلة‏,‏ وذلك مطلب محكوم عليه بالفشل‏,‏ لأنه يناقض التكوين الاعتقادي المغروس في بنية المسلم‏,‏ أما القول بإحلال التجارب الإنسانية‏,‏ وخبرات الشعوب محل الدين‏,‏ فأي هذه التجارب والخبرات حينئذ يكون البديل عن‏'‏ الدين‏'‏ وهي متباينة متباعدة‏,‏ بل متعددة متناقضة؟ وماذا سوف يتبقي من‏'‏ مطلقية‏'‏ القيم الأخلاقية وعموميتها في عالم لا نهتدي فيه إلا بتجارب وخبرات تتوغل فيها‏'‏ النسبية‏'‏ و‏'‏الذاتية‏'‏ حتي منتهي منتهاها ؟

خامسا‏:‏ إن كثيرا من دول العالم التي تقوم أنظمة الحكم فيها علي الدساتير الليبرالية والمبادئ المدنية لا تجد حرجا ولا شذوذا من النص في دساتيرها علي دين الأغلبية‏,‏ دون أن يخل ذلك باحترامها للأديان الأخري‏,‏ والأمثلة علي ذلك كثيرة في أنحاء متعددة من العالم‏,‏ فلماذا هذا الإصرار العنيد علي إزاحة‏'‏ الدين‏'‏ من إطار الدولة المدنية التي لا تميز بين مواطنيها تبعا لأديانهم‏,‏ وتتعامل مع مختلف أطيافهم بمبدأ المساواة في الحقوق والواجبات؟

فلنقل إننا نختار الدولة التي تكون فيها الأمة مصدر السلطات‏,‏ والتي تحمي الحريات‏,‏ وترعي حقوق المساواة بين المواطنين دون تمييز‏,‏ كما تحرص علي مبدأ الفصل بين السلطات‏,‏ أما أن نقول مع من يركبون متن الشطط‏:'‏ إن تلك الدولة المدنية لا دين لها‏'‏ فإننا نزرع حينئذ في طريقها بذور الشك والارتياب‏,‏ ونظلمها بذلك ظلما مبينا‏.‏

‏*‏ عضو مجمع البحوث الإسلامية



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق