الثلاثاء، 20 سبتمبر، 2011



عن المسروقين
دفعني أدائي لفريضة الحج ، يناير 1972 ، إلى أن أنظر إلي كل حياتي نظرة نقدية للتصحيح وقد وجدت ، بالمراجعة والتحليل ، أنني كنت مسلمة بالإيمان والعقيدة في كل لحظة من حياتي إلا أنني ، مع ذلك ، كنت مسروقة من إسلامي. كانت تعليمات عقيدتي الإسلامية منفصلة عن سلوكي ؛ كنت أعاني  ،على المستوى الفردي ، الإنفصام بين أصول العقيدة والسلوك ، وهو الإنفصام ذاته الذي يعاني منه مجتمعنا ككل ،فمجتمعنا ليس مجتمعا كافرا: هذا تشخيص خاطئ ، مجتمعنا مسروق من إسلامه، وهو يبحث عنه ويعود إليه بكل تأكيد إن شاء الله، ولا غرابة في تلك الحقيقة فمنذ مطلع القرن العشرين والمحاولات الشريرة، بسعيها الدؤوب، كانت لسلخنا عن إسلامنا ولي رقبتنا  ،حتى الكسر، لمحاكاة الغرب بكل أجنحته: الرأسمالية والإشتراكية والماركسية، ولبها المشترك هو: اللادينية.

 كانت الحرب العلمانية اللادينية معلنة بشراسة في وجه المقاومة الثقافية الإسلامية التي تسعى مستبسلة لبعث نهضة الوطن من منطلقاتها الصحية الإسلامية، ( تلك الحرب الفاجرة التي يسميها المزورون اليوم بحركة التنوير في مقابل تسميتهم للمقاومة الإسلامية بالظلامية )، وللأسف إستطاعت القوى المعادية للإسلام والتدين أن تحرز إنتصارات غير قليلة، بمساعدة كل من له مصلحة في ضرب الإسلام، بأقنعتهم المتنوعة ووسائلهم المختلفة ، ونجحت في تمرير فكرة فصل الدين عن الدولة، وتعاملت مع الإسلام بنفاق القرود فكانت تقبله قبلة الغدر أمام الجماهير المتدينة توطئة لتركه مستبعدا كعمامة متحفية لامكان لها في العصر الحديث، ( كما زعموا ويزعمون قطع الله ألسنتهم بقدرته ولطفه )، وكان يجب لكي تتم عملية إستبعاد الإسلام وإحتلال أرضه، التي فتحتها العقيدة الإسلامية لإنقاذ البشر، أن نُسرق نحن أبناء الإسلام من إسلامنا لنظل عرايا الظهر بلاحماية أو دفاع.

كان جيلنا نحن بالذات، مواليد الثلاثينيات من القرن الماضي، هدف ذلك الإغتصاب اللاديني الفاحش: فنحن الجيل الذي تم تمجيده من حيث كان هوانه، ونحن الجيل الذي أعلن انتصاره من موقع هزيمته وتصور حريته وهو يتنازل عن رأسه ويديه وقدميه لتكبلها سلاسل المحاكاة للغرب وثقالات التبعية.

نحن الجيل الذي سمى الإبداع تقليدا والتقليد إبداعا ونهضة، فكان الذي يبدع من تراثنا الإسلامي ويسهم في إستمرار إمتداد الحضارة الإسلامية يُسمى "تقليديا محافظا" والذي يقلد وينقل عن الغرب ويحول نفسه إلى مندوب مبيعات لكل فكرة غربية لادينية يُسمى "مجددا مبدعا خلاقا نهضويا "!

نحن الجيل الذي ضيع صباه وشبابه يتطلع بشغف إلى أوروبا وأمريكا:  ينهل منهم الفلسفة والفن والشعر والثقافة، حتى أنماط الحب والمعاملات ونظم الحياة. وليت ذلك الشغف كان شغفا نقديا يأخذ الطيب ويطوعه لإحتياجاتنا ويرفض الخبيث، لا!  لم يحدث هذا للأسف بل كان شغفا ببغاويا مقلدا تقليد القرود يتصور،  بقصور شديد، أنه بمحاكاة النماذج الغربية سوف يحقق للبلاد نهضة وسبقا، كما زعم المفتون قاسم أمين ،في نهاية القرن 19 ومطلع القرن 20، ومن واصلوا من بعده، حتى اليوم، مسيرة دعوته نحو "محاكاة أوروبا " على حد تعبيره العبيط.

كانت فتنة عظيمة إبتلانا بها الله تاهت فيها رؤيتنا تماما وزاغت معها أبصارنا، وآن لنا أن نستفيق وتتسع أعيننا صاحية للخروج من غياهب ذلك الجُب المظلم، لا سامح الله من ألقانا فيه، ونتبين مسارنا متحررين من قبضة سُرّاق الوجدان ولصوص العقل الذين مافتئوا يزينون للناس مفاتن الرّق وفوائد الإنحناء والسجود لغير الله الواحد الأحد الذي ليس كمثله شئ.

هناك 6 تعليقات:

  1. طبعا انا معاكى فى كل كلمة
    الله ينور عليكى يا استاذة

    ردحذف
  2. الأستاذة الفاضلة صافي ناز كاظم ألف تحية من الجزائر

    بعد ما فرغت من قراءة المقال قلت مع نفسي لو اطلعت الأستاذة الفاضلة على مقال في مدونتي المتواضعة في هذا السياق نفسه لاتهمتني بالعمالة للغرب ،أو كما يسميهم المفكر أنور عبد الملك العملاء الحضاريين . لست منهم لكنني لست من أولئك . من الصعب في ظل الاصطفاف الأيديولوجي أن تسير في طريق ثالث فتتعرض للهجوم من الجميع .
    المقال اخترت له عنوان :
    الفكر العربي : جدل المقدس المقتبس : قراءة في حطاب الإصلاح الديني في عصر النهضة
    يشرفني كثيرا لو تكرمت الأستاذة الفاضلة وقامت بإطلالة ربما قد تجد في المقال ما يشفع لي عندها

    ردحذف
  3. مقال منتهي الروعة

    اخرج من بين ثناياه اسباب مانحن فيه من تاخر


    سيدتي الفاضلة

    اشكر لكي شجاعتك وحياديتك

    في شهادتك هذه



    تحيتي لكي

    ردحذف
  4. لقد امممم
    لقد تأثرت بكلامك

    ردحذف
  5. التخلف عن ركب الحضارة سببه الفساد وليس التدين من عدمه
    ما هو انجاز التيار الاسلامى التقليدى المسيطر على الشارع فى اخر 40 سنة؟
    الاهتمام بالقشريات, قضايا فارغة, موالسة الحكام او السكوت عن ظلمهم الا من رحم ربى
    والنتيجة اكبر نسبة محجبات وملتحين ومنتقبات ومصلين
    ولكن لم تتغير اخلاق ولا المبادىء الفاسدة التى تحكم الناس بل زادت وتفشت

    والامة فى اضمحلال يوما بعد يوم ولم يستطع تيار ما يطلق عليه "الصحوة الاسلامية" بكل اطيافه انتشالها من عثرتها بل زاد من كربها
    بل التيار الغالب وهو الدعوة السلفية ساهمت فى توطيد حكم الفرعون
    الخلاصة ان التيار المتأثر بالغرب لا يختلف كثير عن التيار الاسلامى التقليدى المتقوقع على نفسه

    ردحذف