الأربعاء، 26 أكتوبر، 2011

يسري خميس

مولد فبراير 1937 \ رحيل الأحد 16 أكتوبر 2011
طبعا يا يسري أنا لم أذهب إلى دار مناسبات العزاء ولو كنت أنت مكاني لما ذهبت؛ لم أعد أطيق أن أرى أحدا بكل وطأة هذه الكثافة المتوقعة، خاصة من جيلنا. أجلس الآن لأتحدث إليك قبل أن أتحدث عنك. لم أكن أعرف أنك مريض وللآن لا أعرف نوعه ولا تهمني هذه المعرفة فعلى كل حال نحن لا نموت بأسباب؛ نحن نموت بالأجل، تذكر بالطبع قول سيدنا علي رضي الله عنه: "نِعْم الحارس الأجل"، فلماذا كل هذا التأكيد على أنك رحلت بعد "صراع مع المرض"؟ أنت، كما عهدتك مُصارع بلا شك، غير أنك صارعت البلادة والسماجة ومعهما الجهل الذي كم دب في ساحات الثقافة، والمسرح على وجه الخصوص، واثق الخطوة يمشى سلطانا متحكما تقوده "قلّة الذمّة" واختلال الموازين.

 تصوّر يا يسري أن الجيل الجديد المحرر للأخبار لا يُعرّفك إلا بأنك "مبتكر بوجي وطمطم"؟ صحيح أنك كنت معتز بهاتين الشخصيتين، بعد أن كادا يتعرضان للخطف ومن ثَمّ السرقة منك وإلحاق نسبهما بغيرك وأنت الوالد والأب الشرعي فنا وابتكارا، إلا أنك يجب أن تُذكر بريادتك مبهرة الضرورة في زمانها وتوقيتها يوم قدمت مسرح الكاتب الألماني "بيتر فايس"، مترجما من الألمانية إلى عربية محكمة خلابة، مبرزا عمليه الرائعين: مارا\صاد، وأنشودة غول لوزيتانيا\أنجولا، وأنك قبل كل شئ: شااااااااااعر! فهكذا كنت تفخر.

 مقابلتي الأولى معك يايسري كانت نهاية 1966 ،أو لعلها مطلع1967، فور عودتي من نيويورك وعودتك من ألمانيا تحمل الدكتوراة في الطب البيطري، في واحدة من تلك الندوات عن المسرح "الحديث" وكان الخلط مروّعا، كنت تجلس إلى جواري ولاحظتك تضحك من تمتماتي باللعنات، وظل الضحك يا يسري تعبيرك الغاضب عند إستحالة وضع الأمور في نصابها. كانت الشهور تعدو نحو النتيجة التي أخبرتنا عنها المؤشرات: هزيمة الخامس من يونيو 1967؛ قالها لنا المسرح بكل تجاربه؛ الملحمية والسياسية والتسجيلية واللامعقولية بل والكلاسيكية اليونانية، وفهمنا ومع ذلك لم نشأ أن ........................ أن ماذا يا يسري؟ أن نقاوم المُخادعين الكَذبَة؟ قاومنا وقاوم معنا الكثير لكن............!

  قبل أ    قبل أ ن تحتفل بعيد ميلادك الثلاثين فبراير 1967 ترجمت مارا\صاد باسمها الطويل:  
          "اضطهاد   واغتيال جان بول مارا كما قدمته فرقة تمثيل مصحة شارنتون تحت إشراف الماركيز 
           دي  صاد"، مع مقدمة وافية مكثفة شيقة من 15 صفحة "حول المسرح التسجيلي" ولم تنس أن تشكر، ولا شكر على واجب، من يسروا نشر جهدك الباسل في سلسلة روائع المسرحيات العالمية  الصادرة عن المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر بوزارة الثقافة، 15 مارس 1967.

 كانت  نسختي من كتاب المسرحية المترجمة إلى الإنجليزية، التي إقتنيتها بعد مشاهدتي عرضها، الزاعق بنا "احذروا الخداع"، على أحد مسارح نيويورك بإخراج بيتر بروك مطلع 1966، تشير إلى أن الطبعة الأولى بالإنجليزية كانت ديسمبر 1965،  فلم أتأخر وأعلنت فرحتي  بسرعة إنجازك. بعدها أتيت بانجازك الثاني حين ترجمت مسرحية بيتر فايس الأخرى: "أنشودة غول لوزيتانيا \ أنجولا"، وهي المسرحية التي كان عرضها الأول بالسويد في 20 يناير 1967 ثم انطلقت كالشرارة لتترجم وتعرض بأهم لغات العالم وكانت اللغة العربية، بفضل مهارتك و وعيك واخلاصك لثقافتك، واحدة من تلك اللغات العالمية التي سبقت لتنقلها من اللغة الألمانية في عام صدورها نفسه 1967، ولم يفت في عضدك أن ظل هذا النص، رغم أهميته القصوى في زمانه وتوقيته، مركونا مهملا في أدراج المسرح القومي لا يجد من يتحمل مسئولية بعثه حيا على المسرح حتى بادر المخرج أحمد زكي باحتضانه حضانة فنية كاملة وأخرجه لمسرح الجيب ليصبح أهم حدث مسرحي لموسم 1970\1971، وإنني يا يسري لأظن أن من واجبي تذكير شبابنا بهذه المسرحية وتوضيح إجابة تساؤل: لماذا يجدر بنا اليوم أن نلم برسالتها ضد إستبداد القوى التي لا تكف عن السعي للهيمنة على الكرة الأرضية وإذلال البشر.

حاجة غريبة جدا يا يسري: لقد وافق يوم رحيلك، الأحد 16 أكتوبر 2011 مرور 42 سنة بالتمام على نشر مقالي: "فجأة اكتشفت زهورا مورقة بأعلى الشجرة"، الذي نشرته المصور 10 أكتوبر1969، كان به كلام عنك ومقتطفات من ديوان شعرك "أوراق البحيرات المُرّة"، إنه المقال الذي فقدته بين أوراقي في ملفاتي وأدراجي وصناديقي وأرفف كتبي، التي فليتها صفحة صفحة لعلي أكون قد خبأته بين طيات واحد منها، وحين أخذت صورة منه من أرشيف المعلومات بدار الهلال قالت لي زميلتي أنه الشئ الوحيد الذي وجدته بملفك!

صورة باهتة من المقال إلى جانبي، إستعدت قراءته بمشقة كبيرة لعيني، لم أكن أذكر منه شيئا؛ الله يا يسري كان جميلا بحق، الجزء المتعلق بك يبدأ بما أطلقت عليه نبوءة "ماثيو أرنولد" منذ أكثر من قرن ولم يكن سباقا إليها تقول: "شيئا فشيئا سيكتشف الإنسان أن عليه أن يتجه إلى الشعر ليفسر لنا الحياة، ليواسينا وليبقي علينا"! تفذلكت بعد ذلك في سطور مسهبة  حول الشعر الذي أحتاج إليه حتى وصلت إلى موافقتك بأن أكثر ما نقرؤه أو نسمعه من نقد وكلام عن الشعر في بلادنا هو: "غطيط"! طبعا كان عمرك وقتها 32 سنة و8 أشهر وكنت 32 وشهرين فلماذا لا نشتط ونسوي "الهوايل"؟

أردت أن أجعلك تضحك، ولم أقل تبتهج فقد "كسعمتنا" هزيمة 5 يونيو 1967 التي قالت عنها كاتبة شابة من هذه الأيام، تحب خداع نفسها، أنها لم تخذلنا كما خذلنا موت عبد الناصر! تصورّ يا يسري هذا الهطل تصوّر، ما علينا قلت لك إكتشافي بأنك تشبه صورة عندي مرسومة للشاعر الإنجليزي "شيلي" على غلاف ديوانه وأنني أعدت قراءة مقاله "دفاع عن الشعر"، الذي كتبه سنة 1821 في التاسعة والعشرين من عمره قبل موته سنة 1822 وهو في الثلاثين، وتمنيت لو جلس إلى مائدتنا في المقهى، فنحن متفقون معه تماما، وإن كان يصغرنا بعامين، وتذكرنا فقرات من دفاعه عن الشعر تقول: "التفرقة بين الشعراء وبين كتاب النثر خطأ سوقي"، أحببت الحدة في تعبيره "خطأ سوقي" فهذا يعني أن الأمر يغيظه وكم هومغيظ حقا، وانظر رفضه التفرقة بين الفلاسفة والشعراء، بل وقوله أن الثوار بذواتهم عناصر قصيدة عصرهم، والله يا يسري،وبلا مبالغة، هذا ماكنت أراه واقعا في أيام التحرير الخالدة!

كانت بيننا نسخة من ديوانك "أوراق البحيرات المُرّة" الذي جمعت فيه قصائدك مرتبة ومكتوبة بالآلة الكاتبة وأحببت التي عنوانها: "تفسيرات منطقية وغير منطقية لشذوذ الطبيعة" تقول:

 " هل يمكن للأوراق الخضراء بأن تسقط من فوق الأفرع؟
.........
.........
شفت بعيني وما صدقت أوراقا تترك أغصانا في عز الظهر،
أوراقا خضـــــــــــــــــر!
سألت العرافة قالت:
إن زاد عيار الكذب على منسوب عصارتها تسقط،
ولذا سقطت!
هكذا تكلمت الأشجار؛
لا جدوى أن تلصق أوراقا خضر على غصن جاف".

صحيح يا يسري كلامك  صحيح، جعله الله سبحانه وتعالى في ميزان حسناتك.

سلام عليك يا أخي وصديقي ورحمته وبركاته، وإلى اللقاء، إن شاء رب العباد، "في مَقعَد صدق عند مليك مُقتَدِر".




هناك تعليقان (2):

  1. وفاء في زمن قل فيه الوفاء. ألف تحية أيتها الأستاذة الفاضلة. في بداية الاستقلال لما كنا بصدد ترميم الهوية المخترقة وجدنا بجانبنا نخبة من أبناء الأمة في جميع المجالات ومن ضمن من حضر الفنان الراحل سعد أردش و الراحل كرم مطاوع وغيرهم من الفنانين . ولا زلت أتذكر من علمني قواعد التمثيل لما كنت تلميذا في الثانوية الأستاذ محمد شويحي وهو أيضا ممثل ولقد شاهدته في عدة مسلسلات مصرية من ضمنها دوره في مسلسل جمال الدين الأفغاني في الثمانينيات .
    لك كل الاحترام و التقدير

    ردحذف
  2. تحية لوفاء نادر امتزج بكيان بشرى فجسد معنى الإنسانية..

    ردحذف