الجمعة، 14 أكتوبر، 2011


من الخَبَل أختصر!
   

يلفون ويدورون ويقومون ويقعدون، ولا يكفون عن التحرش، وكأن الدنيا لم يعد يخربها سوى أن دين دولة مصر هو «الإسلام»، وأن خانة توضيح «الديانة» لا تزال قائمة في الأوراق الرسمية.

كانوا يلتصقون بالسلطة الغابرة، يبتسمون لها ويسبلون لها رموش أجفانهم في عشق القائل: «إنت تؤمر يا جميل»، من أجل أن يبلغوا مأربهم: «محو التدين». وحين كانت  السلطة تلوي عنقها عنهم وتحول ناظريها إلى مصلحتها، التي لا تراها في التصادم مع نبض الشارع، يرتفع صراخهم، كأنه معارضة حرة: «السلطة تتملق المشاعر الدينية»، ويهز السيد المواطن رأسه وهو مغمض عين وفاتح أخرى: «طيب وماله؟».

إنهم هؤلاء الذين دأبوا على احتكار لقب «المثقفين»، وأغلبهم لا يعرف من الثقافة سوى عنوان كتاب: «لماذا أنا ملحد»، ينطقونه بتلمظ وفخر، على الرغم من أن معظمهم يخلط دائما في اسم مؤلفه «إسماعيل أحمد أدهم» مع كاتب آخر أكبر منه اسمه «إسماعيل مظهر».

هذا الذي يسمونه كتاب «لماذا أنا ملحد»، لا يعدو كونه كراسا نحيلا لا يزيد عن 13 صفحة، كتبها حضرة  المخبول المدعو إسماعيل أدهم عام 1937 وانتحر بعدها بثلاث سنوات في 23 يوليو عام 1940، قبل أن يبلغ الثلاثين، غريقا في بحر عروس البحر الأبيض المتوسط الإسكندرية. هذه الأوراق «العبيطة»  تعود لتطفو بين حين وآخرعوامة يتعلق بها أصحاب  النضال المكثف من أجل إنقاذ مصر من «الإسلام» و«التدين» و«الإيمان» والعياذ بالله من شياطين الإنس والجن.

عندي صورة من هذا الكراس تفضل بها علي الأستاذ العلامة الناقد والكاتب الكبير وديع فلسطين، بناء على طلبي، بعد أن صار الكلام عن هذا الكراس نشيدا يتغنى به في كل محفل وناد، ولو من دون قراءة له أو بيانات صحيحة عنه، تبدأ من أول الخطأ كما ذكرنا في اسم مؤلفه.

النسخة المصورة لدي تفيد بأن الكراس منقول «عن مجلة الإمام، أغسطس 1937»،  حروف طباعة الكراس تدل على أنه صورة من أصل تم نشره 1937، وبه ثبت يزعم أنها مؤلفات أدهم،  وأنه يستند في برهانه إلى عقيدته الإلحادية التي  يقول هو بنفسه عنه: «.. هذا كلام رياضي صرف ومن الصعب التعبير في غير أسلوبه الرياضي، وليس كل إنسان رياضي عنده القدرة على السير في البرهان الرياضي... أما أنا فلا أجد هذه الصعوبات إلا شكلية، والزمن وحده قادر على إزالتها، ومن هنا لا أجد بدا من الثبات على عقيدتي العلمية والدعوة لنظريتي القائمة على قانون الصدفة الشامل الذي يعتبر في الوقت نفسه أكبر ضربة للذين يؤمنون بوجود الله».

في مطلع الكراس، استشهد إسماعيل أدهم ببيتين من قول جميل صدقي الزهاوي هما:

«لما جهلت من الطبيعة أمرها،

وأقمت نفسك في مقام معلل،

أثبت ربا تبتغي حلا به،

للمشكلات فكان أكبر مشكل»!

وفي مقدمته تحت عنوان «توطئة»، نعرف من السيد إسماعيل أدهم، المولود 13 يناير 1911، أن والده كان مسلما شديد التمسك بدينه، وأمه مسيحية بروتستانية ابنة البروفيسور وانتهوف «الشهير»، ولكنها ماتت وإسماعيل أدهم في الثانية من عمره، فعاش سنوات الحرب العالمية الأولى مع شقيقتيه في الآستانة وكانتا تلقنانه تعاليم المسيحية، وتسيران به كل يوم أحد إلى الكنيسة، وإن أفاد بعد ذلك بأن الشقيقتين «كانتا قد درجتا على اعتبار أن كل ما تحتويه التوراة والإنجيل ليس صحيحا، وكانتا تسخران من المعجزات ويوم القيامة والحساب، وكان لهذا كله أثر في نفسيتي».

كراس «لماذا أنا ملحد» لا يهدد المؤمنين ولا يستحق جهد الرد الذي بذله في وقت صدوره العلامة محمد فريد وجدي بكتابه «لماذا أنا مؤمن»، فهذا الكراس على العكس، يؤكد قدر الخلل والارتباك والتخبط الذي عانى منه المسكين «إسماعيل أحمد أدهم»، وأتباعه الصارخون بعنوان كتابه والمختلط عليهم، مع ذلك، اسمه!.

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.




هناك 4 تعليقات:

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    هل من نسخة للماذا أنا مؤمن؟
    لأني أبحث عن جميع ما كتب الأستاذ فريد وجدي وأجمعها حفظا لها من الضياع

    ردحذف
  2. الأستاذة الفاضلة صافي ناز كاظم ألف تحية من الجزائر
    كثيرا ما يقع الخلط حتى عند الباحثين بين إسماعيل أحمد أدهم ،وإسماعيل مظهر صاحب كتاب" تاريخ الفكر العربي" الذي أملك نسخة منه الذي يتناول فيه تمثل العرب للفكر الإغريقي .
    لكن أيتها الأستاذة الفاضلة ألا توجد اليوم مشكلة حقيقية تتطلب التصدي لها و البحث عن حل بأيادي وأقلام وطنية قبل أن يفرض علينا من هناك . لماذا يخلط البعض عمدا بين الدين و الفكر الديني والتدين .
    لك كل الاحترام التقدير

    ردحذف
  3. الاستاذه صافيناز الاستاذه نواره تقوم الان بظلم بين للمسلمين باتهامهم بشىء ليس فيهم وهو التعصب ..ومايجب ان تتحدث عنه هو كراهيه موروثه ترعرعت فى كنائس لايعلم قادتها اى خوف على الضنا ...هو سؤال واحد هل يؤمن هولاء الاحرار العلمانيين الا ربع بمحمد عليه الصلاه والسلام؟

    ردحذف
  4. اللهم انا نعوذ بك ممن يظن ان الثقافة والتحضر هو الالحاد والفجور ..فقدد كثروا في مصر هذه الايام ونكشوا شعورهم..وظنوا في ذلك الفلاح والرقي

    ردحذف