الخميس، 6 أكتوبر، 2011

في 6 أكتوبر:

زيارة لشهداء المقاومة المصرية للعدوان الصهيوني

قلت لسائق العربة الأجرة: إصعد بي إلى هناك.
شعرتها الكلمة "إصعد"، رغم أنني لاأعرف إذا كان الطريق صعودا أو هبوطا. أحيتني رائحتهم: أريج الزهور والفل والريحان وكانت معي أطواق الياسمين. لم أبحث عن واحد؛ كلهم ذلك الواحد الذي يعنيني: الذي جعلني أبتسم وأشرق بالدموع.

حين خذلتنا هزيمة 5 يونيو 1967، غير المنتظرة وغير المبررة، كنت أسير شوارع القاهرة هبوطا كلها، وجهي كالح جاف والخسوف كامل يجعلنا لو نظرنا في قرص الشمس نعمى، والأرض الملتهبة ترفضنا: حزن أزرق مرشوق حصاة وسط القلب.

مجموعة القرفل أمامي لكني اخترت أطواق الياسمين ياحبيبي؛ لم أعنها واحدا بالذات حين نظرت إلى مجموعكم الممتد؛ "ياحبيبي" كلمة لاجمع لها: يا أنتم، يا وجهنا الجميل، حين طفت أتفقد أسماءكم اطمأننت: مجموعكم الممتد هنا هو ثمن أن ينفك عنا الإختناق ونتنسم الهواء فهاكم أطواق الياسمين يا حبيبي.

قال سائق العربة الأجرة: قريب لك؟
قلت: وأنت أليس لك قريب؟
قال: كلهم أولادنا.
قلت: نفس قرابتي ياولدي!
ضحك وضحكت وسارت بنا العربة صامتين حتى قال: لم تقولي "مقابر الشهداء".
ـ قلت إصعد بي إلى هناك.
ـ لذلك عرفت.
ـ كرهت أن أسميها مقابر.
ـ شواهد.
ـ نعم!

هبطت في ملقف الطرقات وعند المقهى لفحتني رائحة الموت وقالت لي محاجر العيون المتآكلة، ثمار غابة الشجر المر واللبلاب:
ـ لافائدة من شئ.
قلت وكفّي بها عبير الياسمين:
ـ الشواهد قالت لي غير ذلك.

هبطت هبطت حتى صعدت الدروب المنسية وتغلغلت في قرى الطمي، العيون التي أعطت سألتني :
ـ هل السماد طيب؟
العيون التي أعطت تقول:
ـ لايزال المزيد لدي.

قالت لي الشواهد: ابن قرية الطمي يعرف كم هي غالية الأرض ويفهم الأمر؛عدو يمنعه العلم والزرع والحصد.

في ملقف الطرقات حيث يكثر اللغط وتتحدث محاجر العيون المتآكلة بالموات؛ حيث لا تلطم الأكف إلا وجهها ولا تطعن الأيدي إلا صدرها، في غابة الشجر المر واللبلاب حين همهمت ترنيمة الشهيد: "جابوا الشهيد جابوه، جابوا العريس جابوه..." أصمتوني في استهانة وبلادة: عزاء لاجدوى منه!

في حديقة الشواهد حيث حملت الياسمين وحيث غنيت وبكيت قلت للشواهد:
ـ حين أبكي أعرف أن أبتسم، حين نتعزى نعرف أن نتواصل، الصبر ليس سكونا؛ الصبر ديمومة تحريك الهواء حتى يتنفس الإختناق.

قالت لي الشواهد:
ـ لاجدوى في غابة الشجر المر واللبلاب: نحن قد أتينا من قرى الطمي ومن الدروب المنسية.
تمتمت:" يابلدي هاتي ماتعديش، عنا ولادك ماتخبيش".

قالت الشواهد: نحن لا ننتهي.
قلت: زرع القرون الطويلة لا ينخلع.
قالت الشواهد: وحين تذرونا العاصفة يشدنا الجذر.
قلت: وننبت أبدانا خضراء.
قالت الشواهد: الغصن الأخضر لا تحرقه النار.
قلت: الغصن الأخضر نقلب به الجمر:
"ياعود نبّت في أرضي وشب
وردة جديدة مروية بدم القلب"!

هناك تعليقان (2):

  1. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  2. الأستاذ الفاضلة صافي ناز كاظم ألف تحية من الجزائر
    إذن من حقنا أن نغضب
    من حقنا أن نغضب من المدعو عمرو أديب.الذي تهجم على شهدائنا الذين لم يحرروا بلدا ، إنما انتزعوه انتزاعا بعدما كنا جزء من الجمهورية الفرنسية الخامسة التي كان شعارها : من الألزاس إلى تمنراست. ،وتمنراست مدينة جزائرية تقع في أقصى الجنوب وتبعد عن العاصمة حوالي 2000 كلم .
    سيدتي الفاضلة من حقنا أن نغضب لأن الثورة الجزائرية لم تقف عند حدود الجزائر إنما تعدتها إلى كل ما هو عربي وأرفق لك مع هذا التعليق مقطع من مذكرات أحد أبطال ثورة التحرير .
    http://www.echoroukonline.com/ara/choroukiat/tahar-zebiri/84797.html

    ردحذف