السبت، 29 أكتوبر، 2011

يا روح أبيك: لو أنك نمت لكان خيرا لك!

منذ 1965 وأنا مصاحبة لكتاب "جُلستان"، أي روضة الورد، للشاعر العظيم  سعدي الشيرازي الذي وُلد سنة 606 هـ  وتوفي بعدها بتسعين عاما، (وهذا يوافق أوائل القرن الثالث عشر الميلادي 1209)، ساعدتني على التآلف مع الكتاب لغته العربية الناصعة الجميلة التي نقل إليها المترجم محمد الفُراتي الروضة من الفارسية؛  لغة الكتاب الأصلية. من مقدمة الكتاب عرفت أن سعدي تشرد كثيرا بسفراته بين شرق وغرب المنطقة الإسلامية. توغل "سعدي" في كل بلد حل به وعاشر على السواء علية القوم والدهماء، واستقر فترة بمدينة حلب ولكنة تركها هربا من زوجته الحلبية التي آذته بسلاطة لسانها وعايرته بأن أباها أعتقه من أسر الفرنجة له بالقدس وفداه بعشرة دنانير، وكان رده أنه أوقعه بعد ذلك في أسرها بمائة دينار!

عاد "سعدي" من ترحاله إلى  بلدته "شيراز" وقعد في بيته  معلنا: ".. رأيت أن أستقر بمجلس العُزلة وأضم ذيل ثوبي عن محاذير الصٌحبة وأمحو من صحيفتي ما رقمته من الهذيان وجزمت ألا أنبس ببنت شفة ولا أدعي بعد ذلك المعرفة"، حتى دخل واحد من أصدقائه وأصر على كسر عزلته قائلا له: "إذا ما دعاك النطق فانطق وإن يكن، سكوتك بين الناس من كرم الخُلق، يعكر صفو المرء أمران فاعجبن: بنطق بلا داع، وداع بلا نطق"!

استجاب "سعدي" بالنهاية لإلحاح صديقه وخرجا سويا يتحاوران ويستمتعان بنزهة ربيعية بين حدائق الورد، ولما رأى "سعدي" صديقه ينحني ويقطف ويجمع ما يعجبه  من مختلف الورود تنبه خاطره وقال أن باستطاعته تصنيف كتاب "جلستان"، روضة ورد، لا يذبل أبدا يجمع فيها المختلف من قطف خبرته ورؤيته وحكمته وعذابه، وكان أن فعل وقسم كتابه إلى أبواب ثمانية: الأول في سيرة الملوك، والثاني في أخلاق الفقراء (أي الدراويش أو الصوفية)، والثالث في فضل القناعة، والرابع في فوائد السكوت، الخامس في العشق والشباب، السادس في الضعف والشيخوخة، السابع في  في تأثير التربية، والثامن والأخير في آداب الصحبة.

حكاية في باب فوائد السكوت تعجبني: "وقعت مناظرة ما بين أحد العلماء المُعتبرين ورجل من الملحدين فما جاراه في ميدان المناظرة ولا أسكته بحجة باهرة  فقال له شخص: أنت مع كل ما لك من علم وأدب وفضل وحكمة تُقهر أمام ملحد؟ فأجاب: إن علمي القرآن والحديث وكلام الفقهاء وهو لا يصغي إلى كل هذه ولا يعتقدها؛ فأي فائدة لي إذن من سماع كفره؟: من لا الكتاب ولا الحديث يروقه، فجوابه ألا تريه جوابا"!

وتعجبني مثلها حكاية عن جالينوس الحكيم عندما رأى أبلهَ آخذا بتلابيب رجل عاقل وقد أهان بالضرب كرامته فقال: لو كان هذا عاقلا لما انتهى به الحال مع جاهل إلى هذا الحد!

أما أطرف ما قرأت فكانت حكايته هذه في باب الفقراء: " لا أزال أذكر أنني كنت في عهد طفولتي مولعا بإحياء الأسحار زاهدا متقيا وفي ذات ليلة قعدت لخدمة أبي والمصحف الشريف في حجري أقرأ منه ما شاء الله أن أقرأ ولم ينطبق لي جفن على جفن، وكان الجماعة الذين أتوا للسمر عندنا قد غرقوا بنومهم فقلت لأبي: إن واحدا من هؤلاء لم يرفع رأسه ولم يتهجّد بركعتين ولقد استغرقوا في نومهم فكأنما هم أموات، فقال لي: يا روح أبيك أنت أيضا لو أنك نمت لكان خيرا لك من أن تمزق جلود خلق الله"!

الأربعاء، 26 أكتوبر، 2011

يسري خميس

مولد فبراير 1937 \ رحيل الأحد 16 أكتوبر 2011
طبعا يا يسري أنا لم أذهب إلى دار مناسبات العزاء ولو كنت أنت مكاني لما ذهبت؛ لم أعد أطيق أن أرى أحدا بكل وطأة هذه الكثافة المتوقعة، خاصة من جيلنا. أجلس الآن لأتحدث إليك قبل أن أتحدث عنك. لم أكن أعرف أنك مريض وللآن لا أعرف نوعه ولا تهمني هذه المعرفة فعلى كل حال نحن لا نموت بأسباب؛ نحن نموت بالأجل، تذكر بالطبع قول سيدنا علي رضي الله عنه: "نِعْم الحارس الأجل"، فلماذا كل هذا التأكيد على أنك رحلت بعد "صراع مع المرض"؟ أنت، كما عهدتك مُصارع بلا شك، غير أنك صارعت البلادة والسماجة ومعهما الجهل الذي كم دب في ساحات الثقافة، والمسرح على وجه الخصوص، واثق الخطوة يمشى سلطانا متحكما تقوده "قلّة الذمّة" واختلال الموازين.

 تصوّر يا يسري أن الجيل الجديد المحرر للأخبار لا يُعرّفك إلا بأنك "مبتكر بوجي وطمطم"؟ صحيح أنك كنت معتز بهاتين الشخصيتين، بعد أن كادا يتعرضان للخطف ومن ثَمّ السرقة منك وإلحاق نسبهما بغيرك وأنت الوالد والأب الشرعي فنا وابتكارا، إلا أنك يجب أن تُذكر بريادتك مبهرة الضرورة في زمانها وتوقيتها يوم قدمت مسرح الكاتب الألماني "بيتر فايس"، مترجما من الألمانية إلى عربية محكمة خلابة، مبرزا عمليه الرائعين: مارا\صاد، وأنشودة غول لوزيتانيا\أنجولا، وأنك قبل كل شئ: شااااااااااعر! فهكذا كنت تفخر.

 مقابلتي الأولى معك يايسري كانت نهاية 1966 ،أو لعلها مطلع1967، فور عودتي من نيويورك وعودتك من ألمانيا تحمل الدكتوراة في الطب البيطري، في واحدة من تلك الندوات عن المسرح "الحديث" وكان الخلط مروّعا، كنت تجلس إلى جواري ولاحظتك تضحك من تمتماتي باللعنات، وظل الضحك يا يسري تعبيرك الغاضب عند إستحالة وضع الأمور في نصابها. كانت الشهور تعدو نحو النتيجة التي أخبرتنا عنها المؤشرات: هزيمة الخامس من يونيو 1967؛ قالها لنا المسرح بكل تجاربه؛ الملحمية والسياسية والتسجيلية واللامعقولية بل والكلاسيكية اليونانية، وفهمنا ومع ذلك لم نشأ أن ........................ أن ماذا يا يسري؟ أن نقاوم المُخادعين الكَذبَة؟ قاومنا وقاوم معنا الكثير لكن............!

  قبل أ    قبل أ ن تحتفل بعيد ميلادك الثلاثين فبراير 1967 ترجمت مارا\صاد باسمها الطويل:  
          "اضطهاد   واغتيال جان بول مارا كما قدمته فرقة تمثيل مصحة شارنتون تحت إشراف الماركيز 
           دي  صاد"، مع مقدمة وافية مكثفة شيقة من 15 صفحة "حول المسرح التسجيلي" ولم تنس أن تشكر، ولا شكر على واجب، من يسروا نشر جهدك الباسل في سلسلة روائع المسرحيات العالمية  الصادرة عن المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر بوزارة الثقافة، 15 مارس 1967.

 كانت  نسختي من كتاب المسرحية المترجمة إلى الإنجليزية، التي إقتنيتها بعد مشاهدتي عرضها، الزاعق بنا "احذروا الخداع"، على أحد مسارح نيويورك بإخراج بيتر بروك مطلع 1966، تشير إلى أن الطبعة الأولى بالإنجليزية كانت ديسمبر 1965،  فلم أتأخر وأعلنت فرحتي  بسرعة إنجازك. بعدها أتيت بانجازك الثاني حين ترجمت مسرحية بيتر فايس الأخرى: "أنشودة غول لوزيتانيا \ أنجولا"، وهي المسرحية التي كان عرضها الأول بالسويد في 20 يناير 1967 ثم انطلقت كالشرارة لتترجم وتعرض بأهم لغات العالم وكانت اللغة العربية، بفضل مهارتك و وعيك واخلاصك لثقافتك، واحدة من تلك اللغات العالمية التي سبقت لتنقلها من اللغة الألمانية في عام صدورها نفسه 1967، ولم يفت في عضدك أن ظل هذا النص، رغم أهميته القصوى في زمانه وتوقيته، مركونا مهملا في أدراج المسرح القومي لا يجد من يتحمل مسئولية بعثه حيا على المسرح حتى بادر المخرج أحمد زكي باحتضانه حضانة فنية كاملة وأخرجه لمسرح الجيب ليصبح أهم حدث مسرحي لموسم 1970\1971، وإنني يا يسري لأظن أن من واجبي تذكير شبابنا بهذه المسرحية وتوضيح إجابة تساؤل: لماذا يجدر بنا اليوم أن نلم برسالتها ضد إستبداد القوى التي لا تكف عن السعي للهيمنة على الكرة الأرضية وإذلال البشر.

حاجة غريبة جدا يا يسري: لقد وافق يوم رحيلك، الأحد 16 أكتوبر 2011 مرور 42 سنة بالتمام على نشر مقالي: "فجأة اكتشفت زهورا مورقة بأعلى الشجرة"، الذي نشرته المصور 10 أكتوبر1969، كان به كلام عنك ومقتطفات من ديوان شعرك "أوراق البحيرات المُرّة"، إنه المقال الذي فقدته بين أوراقي في ملفاتي وأدراجي وصناديقي وأرفف كتبي، التي فليتها صفحة صفحة لعلي أكون قد خبأته بين طيات واحد منها، وحين أخذت صورة منه من أرشيف المعلومات بدار الهلال قالت لي زميلتي أنه الشئ الوحيد الذي وجدته بملفك!

صورة باهتة من المقال إلى جانبي، إستعدت قراءته بمشقة كبيرة لعيني، لم أكن أذكر منه شيئا؛ الله يا يسري كان جميلا بحق، الجزء المتعلق بك يبدأ بما أطلقت عليه نبوءة "ماثيو أرنولد" منذ أكثر من قرن ولم يكن سباقا إليها تقول: "شيئا فشيئا سيكتشف الإنسان أن عليه أن يتجه إلى الشعر ليفسر لنا الحياة، ليواسينا وليبقي علينا"! تفذلكت بعد ذلك في سطور مسهبة  حول الشعر الذي أحتاج إليه حتى وصلت إلى موافقتك بأن أكثر ما نقرؤه أو نسمعه من نقد وكلام عن الشعر في بلادنا هو: "غطيط"! طبعا كان عمرك وقتها 32 سنة و8 أشهر وكنت 32 وشهرين فلماذا لا نشتط ونسوي "الهوايل"؟

أردت أن أجعلك تضحك، ولم أقل تبتهج فقد "كسعمتنا" هزيمة 5 يونيو 1967 التي قالت عنها كاتبة شابة من هذه الأيام، تحب خداع نفسها، أنها لم تخذلنا كما خذلنا موت عبد الناصر! تصورّ يا يسري هذا الهطل تصوّر، ما علينا قلت لك إكتشافي بأنك تشبه صورة عندي مرسومة للشاعر الإنجليزي "شيلي" على غلاف ديوانه وأنني أعدت قراءة مقاله "دفاع عن الشعر"، الذي كتبه سنة 1821 في التاسعة والعشرين من عمره قبل موته سنة 1822 وهو في الثلاثين، وتمنيت لو جلس إلى مائدتنا في المقهى، فنحن متفقون معه تماما، وإن كان يصغرنا بعامين، وتذكرنا فقرات من دفاعه عن الشعر تقول: "التفرقة بين الشعراء وبين كتاب النثر خطأ سوقي"، أحببت الحدة في تعبيره "خطأ سوقي" فهذا يعني أن الأمر يغيظه وكم هومغيظ حقا، وانظر رفضه التفرقة بين الفلاسفة والشعراء، بل وقوله أن الثوار بذواتهم عناصر قصيدة عصرهم، والله يا يسري،وبلا مبالغة، هذا ماكنت أراه واقعا في أيام التحرير الخالدة!

كانت بيننا نسخة من ديوانك "أوراق البحيرات المُرّة" الذي جمعت فيه قصائدك مرتبة ومكتوبة بالآلة الكاتبة وأحببت التي عنوانها: "تفسيرات منطقية وغير منطقية لشذوذ الطبيعة" تقول:

 " هل يمكن للأوراق الخضراء بأن تسقط من فوق الأفرع؟
.........
.........
شفت بعيني وما صدقت أوراقا تترك أغصانا في عز الظهر،
أوراقا خضـــــــــــــــــر!
سألت العرافة قالت:
إن زاد عيار الكذب على منسوب عصارتها تسقط،
ولذا سقطت!
هكذا تكلمت الأشجار؛
لا جدوى أن تلصق أوراقا خضر على غصن جاف".

صحيح يا يسري كلامك  صحيح، جعله الله سبحانه وتعالى في ميزان حسناتك.

سلام عليك يا أخي وصديقي ورحمته وبركاته، وإلى اللقاء، إن شاء رب العباد، "في مَقعَد صدق عند مليك مُقتَدِر".




الأحد، 23 أكتوبر، 2011

من أسباب الإلتباسات: الخطأ في التعريفات + الخطأ في التشخيص؛ مثلا تشخيص الطاغية بأنه أسير بسبب تعريف غير صحيح لمن هو "الأسير"، ومن ثَمّ يدخل، بالخطأ، في أحكام التعامل مع الأسرى التي لا يُختلف عليها + أو بأنه طلب الأمان فيدخل، بالخطأ، في أحكام طالب الأمان أو المستجير، التي لا يُختلف عليها، وهكذا.................... ولله الأمر من قبل ومن بعد؛ يحكم بيننا يوم القيامة، فليست الأمور بأمانينا. والذي يده في الماء ليس كالذي يده في النار. سبحان الله.

السبت، 22 أكتوبر، 2011

ليست هناك فائدة من هذا الجدل: تحيتي لشعب ليبيا العظيم، برّد الله ناره ورزقه من الصالحين قادة تأخذ البلاد إلى بر الأمن والأمان بعيدا عن شر بيض الثعبان ومن يؤازرهم!
أبو هاجر وسواح: قياساتكم ليست صحيحة فالقذافي لم يكن مجرد "رجل" يطلب الأمان ولم يكن من جملة أسرى: إنه طاغية سفك الدماء التي حرمها الله وكان في حربه الباغية عندما أوقعته المقاومة قبل أن ينجح في مواصلة جرائمه، اتقوا الله وتابعوا آيات القصاص في القرآن الكريم!
ابرهيم عيسى يهاجم الشعب الليبي بالظلم ليشتهر بالإنسانية!

المسرحي العالمي بيتر فايس يرد عليه بمنطق من مسرحيته "مارا\صاد" التي ألفها 1964 وترجمها يسري خميس من الألمانية 1967 وهاكم الكلمات المختارة:

"ما يحدث الآن لا يمكن إيقافه،
كم قاسوا واحتملوا قبل أن ينتقموا،
ها أنتم الآن ترون هذا الإنتقام وحده،
ولا تفكرون في أنكم أنتم الذين دفعتموهم إليه،
والآن تولولون كقضاه متأخرين
من أجل الدم الذي سفكوه؛
ماذا يعني هذا الدم إذا ما قورن بالدم الذي سُفك
في غاراتكم وحملاتكم؟
ماذا تعني هذه التضحيات إذا ما قورنت بالتضحيات التي قدموها لكي يطعموكم؟
ماذا يعني نهب بضعة منازل إذا ما قورن بالإبادة الشاملة التي أهلكتهم؟
إنكم لا تتأثرون حين تُهلكهم جيوش الأعداء ،
التي تآمرتم معها في السر،
تأملون أن تكون هزيمتهم نصرا لكم،
ولم تتغير ملامح وجوهكم النبيلة،
هذه الوجوه التي يشوهها الإشمئزاز والسخط في هذه اللحظة"!

يجب أن يعتذر إبراهيم عيسى للشعب الليبي عما قاله اليوم في جريدته "التحرير"، وعليه أن يتأمل الصور التي نشرها جيدا وسيرى أن الملتفين حول جثة الطاغية، السفاح الذي أهلك الحرث والنسل وجلب التدخل الأجنبي، يرفعون إصبعهم بالتشهُد،
وأنهم غسّلوه، فهو قتيل وليس من الشهداء، وفقا لما أمر به الإسلام!

وسلام على شهداء ليبيا الأجلاء الأبرار.

الثلاثاء، 18 أكتوبر، 2011

من ذكرىمولد سيد قطب إلى إعدامه
يصادف التاسع من أكتوبر الجاري 2011 مرور 105 عاما على مولد العلامة سيد قطب، وفي شهر أغسطس الماضي مرت 45 سنة على تنفيذ حكم الإعدام  فيه شنقا حتى الموت بأمر من جمال عبد الناصر، الذي مرت ذكراه الـ 41  يوم 28 سبتمبر.

إذن لا حزن اليوم ولا عصبية، آن الأوان للتأمل، ومع ذلك فلقد تحسّرت وأنا أقرأ أن أسبانيا احتفلت بمرور 75 سنة على إعدام شاعرها جارسيا لوركا أثناء الحرب الأهلية، حين أخذوه إلى الغابات في أغسطس 1936 ونفذوا في «الشاعر» حكم الإعدام. هذا الخبر جعلني أعلق، متهكمة، لقد مرت 45 سنة على إعدام سيد قطب، في أغسطس عام 1966، فلماذا لم تحتفل به أسبانيا عوضا عنا؟ عارفة أنه لا يمكن أن يعقد المجلس الأعلى للثقافة، بالقاهرة، ندوة حول الرجل، ولا يمكن أن تقوم بهذا الواجب أي جهة أخرى في بلادنا الحريصة على الاحتفال بالعندليب والسندريللا!

 من الخيبة ألا يقفز اسم سيد قطب إلى الصفحات الأدبية وغير الأدبية في تنويه فخور وفاخر سوى بمعلومة غير دقيقة هي: أن سيد قطب «أول» من تنبأ بعبقرية نجيب محفوظ، أهكذا يتلخص «سيد قطب» في الأذهان وفي الوعي «الجمعي»؟

سيد قطب، القيمة الثقافية والأدبية والعلمية والنقدية والفكرية، الذي بدأ مشواره الخصيب الغزير بكتاب عنوانه: «مهمة الشاعر في الحياة»1932، وأنهاه بمجلداته الستة الموسوعية: «في ظلال القرآن» 1963/1965، مرورا بكتابه: «طفل القرية» 1945، الممتع فنا وإنسانية، لا تذكر من مآثره سوى أنه كان «الأول»، والحقيقة أنه كان الثاني بعد الناقد الجليل وديع فلسطين، في استشعار قيمة نجيب محفوظ الروائية منذ «كفاح طيبة»؟ ما شاء الله!

في 11 يناير 2000 قرأت للأستاذ وديع فلسطين ـ وهو بالمناسبة مصري مسيحي من أخميم في صعيد مصر، احتفلنا هذا الأسبوع في أول أكتوبر بعيد ميلاده الـ 88 حرسه الله ـ مقالا بجريدة الحياة اللندنية يرد، بطريقة غير مباشرة، غيبة سيد قطب، المتهم من قِبل بعض الجهلة بالتعصب الطائفي إذ أصبح الخوض في سيرته والافتراء والافتئات عليه هواية من هوايات بعض الأقلام التي تعرف وتنكر أو لا تعرف وتدعي المعرفة، وذكر وديع فلسطين في سياق مقاله مراسلاته مع سيد قطب، إبان زيارته إلى الولايات المتحدة  الأمريكية عام 1950، وقد تكرم أستاذي وديع فلسطين، بناء على إلحاحي بمنحى صور 7 خطابات من هذه المراسلات.

الأهمية التي رأيتها في الخطابات، فوق أنها من سيد قطب إلى وديع فلسطين، هي في شكل الصداقة الأدبية السامية التي نشأت بين أستاذ في الرابعة والأربعين، في سمت شهرته وعطائه الفكري والثقافي والأدبي، وبين وديع فلسطين الناقد الشاب الذي  لم يكن قد تجاوز السابعة والعشرين من عمره، ولغة المخاطبة الندية الودود التي تبث الهم الثقافي والعلمي والتربوي وتشاركه. إنها مراسلة نقف على طرف واحد منها، هو سيد قطب، لكنها تخبرنا عن الرقي الذي يتمتع به الطرفان، وتجعلنا نلمس الغور الإنساني الدمث، الذي كان جوهر شخصية الشهيد سيد قطب، والذي يجعلنا لا نصدق عنه أيا من البهتان الذي لاحقه ويلاحقه مع افتراءات العنف، التي روجتها الأجهزة الأمنية الناصرية وتشبثت بها أهواء الماركسيين والعلمانيين فلا يكفون لحظة عن غنائها في موال بايخ طويل.

الخطابات قصيرة وعفو الخاطر، لكنها ببعدها الزمني ونبضها الخاطف لا تخلو من دلالات مفيدة.

*الأولى: مؤرخة 22/1/1950 تقول في بعض أسطرها: «أخي الأستاذ وديع، تحياتي إليك، فعلى رغم معرفتي بمشاغلك أرغب إليك في أن تكتب إلى وأن تكون على اتصال بي ما استطعت، فأنا هنا في وحشة نفسية وفكرية على الرغم من كل الصحف الأمريكاني حولي....... كيف تمضي الحياة عندكم، وماذا عندك من أخبار الأدب والتأليف وشئون الفكر بوجه عام؟ وكيف تسير الأحوال السياسية والاجتماعية والصحفية عندكم، وماذا عن الأحكام العرفية والرقابة (طبعا في حدود الرقابة!).

هل تقابل الأستاذ فؤاد صروف؟ ماذا يعمل الآن؟ أرجو أن تبلغه تحياتي..... وتحياتي إليك ومودتي. المخلص سيد قطب».

*الثانية: على ورق فندق روزفلت، شارع جونز وإدي: «سان فرانسيسكو 15/3/1950، أخي الأستاذ وديع، أشكرك كل الشكر على ما جشمت نفسك من عناء في إرسال أعداد مجلة الأديب وشيخ الصحافة ومنبر الشرق............. ولقد سرني أن أعلم نبأ اختيارك أستاذا لصياغة الأنباء الصحفية بالدراسات العليا بالجامعة الأمريكية مما يدل على أن الجهد الصادق لابد أن يجد تقديرا في النهاية. من أعداد الأديب التي أرسلتها إليّ علمت أن هذه المجلة المهمة في الحقل الأدبي لا تزال تعاني من ركود في سوق الأدب....... وددت لو كنت على شيء من السعة لأجيب تلك الدعوة ـ (في إعانتها) ـ ومع ذلك سأحاول ما في جهدي........».

*الثالثة: 2/4/1950: «أخي الأستاذ وديع، وصلتني رسالتك مفضوضة، كما توقعت، يبدو أن إخواننا في الرقابة يردون على كلمتك عن الرقابة! على أيه حال ليست الرقابة وحدها هي كل ما في مصر من ألغاز وأعاجيب! لدي سلسلة مقالات ربما نشرتها في الأهرام تباعا بعنوان: ألغاز محيرة في حياتنا المصرية...... لقد كنت معتزما العودة في مايو القادم فأنا لا أعمل لدراسة معينة، فالشهادات لا تهمنى في حياتي، إنها ميسورة كل اليسر في أمريكا، ولكني أرى الدراسة الحرة في مثل سني وموقفي أجدى نفعا....... بهذه المناسبة، إن لدي مشروعا عن سلسلة محاضرات عامة عن كيف نعيد إنشاء أداتنا الثقافية، أعني وزارة المعارف وملحقاتها على ضوء تجاربي ومشاهداتي........ وستتناول أحاديثي: إعادة تنظيم وزارة المعارف، اختصاص المناطق والدوائر السياسية. طرق وضع المناهج وتأليف الكتب المدرسية، علاقة الأداة التعليمية بعالم التأليف والصحافة والإذاعة المدرسية والعامة........».

*الرابعة: بتاريخ 14/5/1950.

*الخامسة: 9/6/1950 جاء فيها: «........ عدم انتظام وصول الصحف والأخبار المصرية إليّ يشعرني بعزلة عن بلدي...... لست يائسا من مستقبل هذا البلد أيا كانت العقبات التي في الطريق. لقد استيقظنا ولن ننام مرة أخرى وإذا كنا نتخبط، فقد يزيد هذا التخبط يقظتنا، لأن الصدمات كثيرا ما تنبه الغافلين....».

*الرسالة السادسة: 11/7/1950.

*والسابعة: 28/7/1950 تحدد موعد عودته: «... سأغادر نيويورك إن شاء الله يوم 7 أغسطس لأصل مطار فاروق الجوي في الساعة 7 و 45 صباح يوم 20 منه، فإذا رأيت أن شيئا من هذا البرنامج يستحق أن تشير إليه في ـ (جريدة) ـ المقطم قرب يوم الوصول فافعل، وما أريد هذه الإشارة لشخصي، ولكن لدي أفكارا واقتراحات وبرامج أريد لها النفاذ في مصر للخير العام ومثل هذه الإشارات قد يساعد على تقبل هذه البرامج في دوائرنا الرسمية التي لا تقيس القيم إلا بظواهرها. لك تحياتي الخالصة وإلى اللقاء. المخلص سيد قطب».

 ويبقى أن أقول وأعيد: ألا نعلم أن الندوات الثقافية وحلقات الدراسة العلمية حول شخصيات أسهمت في حقول العلم والفلسفة والفن والأدب والثقافة، بمفهومها الجاد والواسع، ليس من شروطها أن «نوافق» على مسيرة الشخصية ونعتنق أفكارها ومذاهبها؟

هذا تساؤل إجابته البديهية تكشف زيف الطاقين بالحنك عن «التنوير» و«المعرفة» و«الحرية» وما إلى ذلك من الرطانات المتنوعة على اللحن الواحد.

السبت، 15 أكتوبر، 2011

العزيز حمكشة: في زمن الفتن لا يملك أحد الحكمة، وكما يقول المثل " لسان الغضب أعوج وركيك وأحمق"، ولا ننسى ماذا فعل سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم عندما غضب فأخذ برأس أخيه ولحيته حتى قال له سيدنا هارون لا تشمت بي الأعداء، ولما ذهب عن موسى الغضب إستطاع أن يأخذ الألواح ويعود إلى الحكمة. ما حدث في ماسبيرو يطير معه العقل والصواب؛ فكيف تدوس المدرعات أجساد شباب أعزل، بل كيف تدوس أصلا أجساد بشر مهما كان؟ إن ماحدث في ماسبيرو لا يرضي ربنا ولا نبينا ولا ديننا؛ إنه فعل أبالسة نتبرأ منهم إلى الله. أما من هم؟ فبلا شك إنهم لا يمكن أن يكونوا على أي دين، وعلى الأخص لا يمكن أن يكونوا على دين الإسلام مهما كانت ادعاءاتهم. إنهم قتلة! ولقد ذاق الشعب المصري تنكيلهم به على مر العهود بحجج ما أنزل الله بها من سلطان. وبالمناسبة يا سيدي فإنني أقرأ أحيانا، في الشبكة العنكبوتية التي أسميها المغارة، لبعض هؤلاء الأبالسة من يخوض في عرضي ولا يتأثم من الإفتراءات والكذب والبهتان، ومن يتقرب إلى شيطانه بسبّه لي قائلا "تبا لك أيتها المجوسية!" قطع الله لسانه وأخزاه ربي، المنتقم الجبار، في الدنيا والآخرة!

الجمعة، 14 أكتوبر، 2011


من الخَبَل أختصر!
   

يلفون ويدورون ويقومون ويقعدون، ولا يكفون عن التحرش، وكأن الدنيا لم يعد يخربها سوى أن دين دولة مصر هو «الإسلام»، وأن خانة توضيح «الديانة» لا تزال قائمة في الأوراق الرسمية.

كانوا يلتصقون بالسلطة الغابرة، يبتسمون لها ويسبلون لها رموش أجفانهم في عشق القائل: «إنت تؤمر يا جميل»، من أجل أن يبلغوا مأربهم: «محو التدين». وحين كانت  السلطة تلوي عنقها عنهم وتحول ناظريها إلى مصلحتها، التي لا تراها في التصادم مع نبض الشارع، يرتفع صراخهم، كأنه معارضة حرة: «السلطة تتملق المشاعر الدينية»، ويهز السيد المواطن رأسه وهو مغمض عين وفاتح أخرى: «طيب وماله؟».

إنهم هؤلاء الذين دأبوا على احتكار لقب «المثقفين»، وأغلبهم لا يعرف من الثقافة سوى عنوان كتاب: «لماذا أنا ملحد»، ينطقونه بتلمظ وفخر، على الرغم من أن معظمهم يخلط دائما في اسم مؤلفه «إسماعيل أحمد أدهم» مع كاتب آخر أكبر منه اسمه «إسماعيل مظهر».

هذا الذي يسمونه كتاب «لماذا أنا ملحد»، لا يعدو كونه كراسا نحيلا لا يزيد عن 13 صفحة، كتبها حضرة  المخبول المدعو إسماعيل أدهم عام 1937 وانتحر بعدها بثلاث سنوات في 23 يوليو عام 1940، قبل أن يبلغ الثلاثين، غريقا في بحر عروس البحر الأبيض المتوسط الإسكندرية. هذه الأوراق «العبيطة»  تعود لتطفو بين حين وآخرعوامة يتعلق بها أصحاب  النضال المكثف من أجل إنقاذ مصر من «الإسلام» و«التدين» و«الإيمان» والعياذ بالله من شياطين الإنس والجن.

عندي صورة من هذا الكراس تفضل بها علي الأستاذ العلامة الناقد والكاتب الكبير وديع فلسطين، بناء على طلبي، بعد أن صار الكلام عن هذا الكراس نشيدا يتغنى به في كل محفل وناد، ولو من دون قراءة له أو بيانات صحيحة عنه، تبدأ من أول الخطأ كما ذكرنا في اسم مؤلفه.

النسخة المصورة لدي تفيد بأن الكراس منقول «عن مجلة الإمام، أغسطس 1937»،  حروف طباعة الكراس تدل على أنه صورة من أصل تم نشره 1937، وبه ثبت يزعم أنها مؤلفات أدهم،  وأنه يستند في برهانه إلى عقيدته الإلحادية التي  يقول هو بنفسه عنه: «.. هذا كلام رياضي صرف ومن الصعب التعبير في غير أسلوبه الرياضي، وليس كل إنسان رياضي عنده القدرة على السير في البرهان الرياضي... أما أنا فلا أجد هذه الصعوبات إلا شكلية، والزمن وحده قادر على إزالتها، ومن هنا لا أجد بدا من الثبات على عقيدتي العلمية والدعوة لنظريتي القائمة على قانون الصدفة الشامل الذي يعتبر في الوقت نفسه أكبر ضربة للذين يؤمنون بوجود الله».

في مطلع الكراس، استشهد إسماعيل أدهم ببيتين من قول جميل صدقي الزهاوي هما:

«لما جهلت من الطبيعة أمرها،

وأقمت نفسك في مقام معلل،

أثبت ربا تبتغي حلا به،

للمشكلات فكان أكبر مشكل»!

وفي مقدمته تحت عنوان «توطئة»، نعرف من السيد إسماعيل أدهم، المولود 13 يناير 1911، أن والده كان مسلما شديد التمسك بدينه، وأمه مسيحية بروتستانية ابنة البروفيسور وانتهوف «الشهير»، ولكنها ماتت وإسماعيل أدهم في الثانية من عمره، فعاش سنوات الحرب العالمية الأولى مع شقيقتيه في الآستانة وكانتا تلقنانه تعاليم المسيحية، وتسيران به كل يوم أحد إلى الكنيسة، وإن أفاد بعد ذلك بأن الشقيقتين «كانتا قد درجتا على اعتبار أن كل ما تحتويه التوراة والإنجيل ليس صحيحا، وكانتا تسخران من المعجزات ويوم القيامة والحساب، وكان لهذا كله أثر في نفسيتي».

كراس «لماذا أنا ملحد» لا يهدد المؤمنين ولا يستحق جهد الرد الذي بذله في وقت صدوره العلامة محمد فريد وجدي بكتابه «لماذا أنا مؤمن»، فهذا الكراس على العكس، يؤكد قدر الخلل والارتباك والتخبط الذي عانى منه المسكين «إسماعيل أحمد أدهم»، وأتباعه الصارخون بعنوان كتابه والمختلط عليهم، مع ذلك، اسمه!.

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.




السبت، 8 أكتوبر، 2011

اليوم عيد ميلاد قرّة عيني طفلتي نوارة الإنتصار التي منحها الله سبحانه لي في الساعة الرابعة فجر الثامن من أكتوبر 1973، حرسها الله ورعاها وصد عنها وعني وعن بلادنا أذى المؤذيين بحوله وقوّته آمين؛ وللعلم إنها أنا التي سميتها "نوارة الإنتصار" راجية الله سبحانه بتوالي الإنتصارات لأمتنا العربية والإسلامية من مشارق الأرض إلى مغاربها إنه سميع مجيب.

الخميس، 6 أكتوبر، 2011

أبو هاجر: شهداء الجزائر تاج على رأس الأمة العربية والإسلامية، واسمح لي أن أسألك: من هو هذا المدعو عمرو أديب الذي ذكرته؟
في 6 أكتوبر:

زيارة لشهداء المقاومة المصرية للعدوان الصهيوني

قلت لسائق العربة الأجرة: إصعد بي إلى هناك.
شعرتها الكلمة "إصعد"، رغم أنني لاأعرف إذا كان الطريق صعودا أو هبوطا. أحيتني رائحتهم: أريج الزهور والفل والريحان وكانت معي أطواق الياسمين. لم أبحث عن واحد؛ كلهم ذلك الواحد الذي يعنيني: الذي جعلني أبتسم وأشرق بالدموع.

حين خذلتنا هزيمة 5 يونيو 1967، غير المنتظرة وغير المبررة، كنت أسير شوارع القاهرة هبوطا كلها، وجهي كالح جاف والخسوف كامل يجعلنا لو نظرنا في قرص الشمس نعمى، والأرض الملتهبة ترفضنا: حزن أزرق مرشوق حصاة وسط القلب.

مجموعة القرفل أمامي لكني اخترت أطواق الياسمين ياحبيبي؛ لم أعنها واحدا بالذات حين نظرت إلى مجموعكم الممتد؛ "ياحبيبي" كلمة لاجمع لها: يا أنتم، يا وجهنا الجميل، حين طفت أتفقد أسماءكم اطمأننت: مجموعكم الممتد هنا هو ثمن أن ينفك عنا الإختناق ونتنسم الهواء فهاكم أطواق الياسمين يا حبيبي.

قال سائق العربة الأجرة: قريب لك؟
قلت: وأنت أليس لك قريب؟
قال: كلهم أولادنا.
قلت: نفس قرابتي ياولدي!
ضحك وضحكت وسارت بنا العربة صامتين حتى قال: لم تقولي "مقابر الشهداء".
ـ قلت إصعد بي إلى هناك.
ـ لذلك عرفت.
ـ كرهت أن أسميها مقابر.
ـ شواهد.
ـ نعم!

هبطت في ملقف الطرقات وعند المقهى لفحتني رائحة الموت وقالت لي محاجر العيون المتآكلة، ثمار غابة الشجر المر واللبلاب:
ـ لافائدة من شئ.
قلت وكفّي بها عبير الياسمين:
ـ الشواهد قالت لي غير ذلك.

هبطت هبطت حتى صعدت الدروب المنسية وتغلغلت في قرى الطمي، العيون التي أعطت سألتني :
ـ هل السماد طيب؟
العيون التي أعطت تقول:
ـ لايزال المزيد لدي.

قالت لي الشواهد: ابن قرية الطمي يعرف كم هي غالية الأرض ويفهم الأمر؛عدو يمنعه العلم والزرع والحصد.

في ملقف الطرقات حيث يكثر اللغط وتتحدث محاجر العيون المتآكلة بالموات؛ حيث لا تلطم الأكف إلا وجهها ولا تطعن الأيدي إلا صدرها، في غابة الشجر المر واللبلاب حين همهمت ترنيمة الشهيد: "جابوا الشهيد جابوه، جابوا العريس جابوه..." أصمتوني في استهانة وبلادة: عزاء لاجدوى منه!

في حديقة الشواهد حيث حملت الياسمين وحيث غنيت وبكيت قلت للشواهد:
ـ حين أبكي أعرف أن أبتسم، حين نتعزى نعرف أن نتواصل، الصبر ليس سكونا؛ الصبر ديمومة تحريك الهواء حتى يتنفس الإختناق.

قالت لي الشواهد:
ـ لاجدوى في غابة الشجر المر واللبلاب: نحن قد أتينا من قرى الطمي ومن الدروب المنسية.
تمتمت:" يابلدي هاتي ماتعديش، عنا ولادك ماتخبيش".

قالت الشواهد: نحن لا ننتهي.
قلت: زرع القرون الطويلة لا ينخلع.
قالت الشواهد: وحين تذرونا العاصفة يشدنا الجذر.
قلت: وننبت أبدانا خضراء.
قالت الشواهد: الغصن الأخضر لا تحرقه النار.
قلت: الغصن الأخضر نقلب به الجمر:
"ياعود نبّت في أرضي وشب
وردة جديدة مروية بدم القلب"!