الجمعة، 6 أبريل، 2012

كمٌ كبير من الوهم

سألوني عن "زمني الجميل" فأجبت من فوري: هو زمن طفولتي وزمني الآن! قالت ابنة شقيقتي ضاحكة: " طبعا يا خالتو؛ لأنك في الطفولة لم يكن عندك همّ الذهاب للمدرسة، وبلغت الآن ما فوق السن القانونية وكل عمل تعملينه على مزاجك، يعني زمنك الجميل هو الزمن الذي لا يُلزمك"، وهذا تحليل به قدر كبير من المعقولية، غير  أن لافتة "الزمن الجميل" في مجملها بها كم كبير من الوهم.

 بالحق وبالباطل صار "الزمن الجميل" نعتا لكل ماض في السياسة والثقافة والأدب والفن والسينما، (وآخ من زمن السينما هذا المدعو بالجميل آخ)، لا يجوز أن نسيّد الحنين الفردي ونعممه حنينا جماعيا لزمن لم يكن جميلا بالدرجة التي يصوّرها وهم الحنين. من الحنين ما يستمد جماله من لحظات لم تكن جميلة بالمرّة؛ أقرب مثال لشرح هذا الكلام: ذكريات تدور بين مجموعة تعاصرت في سجن أو معتقل يجلسون بعد سنوات وعلى الفم ابتسامة وادعة "فاكرييين........."، وتكون الذكرى تنكيل ظالم بزنزانة التأديب أو تكدير أو ضرب في حوش السجن من قوة سجانة وعساكر تحت إدارة ضابط، وقد يراك هذا الضابط بعد سنين في الطريق فيهش لك ببشاشة وترد بشاشته بمثلها، (حصلت معي والله والله)، كأن لم يكن بينك وبينه سوى المودة والمحبة! في تفاصيل هذه الذكرى هناك لاشك المفارقات التي أضحكت، والتي باستحضارها يبدو المتذكر مستمتعا، ويظن المراقب أن أيامه المهينة كانت طيبة.

كان المستخرب الإنجليزي؛ المحتل، العدو للوطن، والمخاصم للعقيدة والثقافة الهُويّة للبلاد جاثما على الصدر زاكما الأنوف برائحة أنفاسه المخمورة، بالخمر والغرور معا، لايمكن الفكاك من رؤيته يوميا؛ فهوقبل كل شئ  اللورد كرومر أوغيره، الذي يحب كل لحظة أن يؤكد كونه سيد البلاد، ولكنا نقرأ في مذكرات سعد زغلول باشا عن حزنه لأن اللورد كرومر قرر، نظرا لضعف صحته، ترك مسؤوليته (القبيحة) والعودة إلى بلاده، ولا يتردد سعد باشا زغلول في ذكر الهم الذي ركبه إزاء هذه الأخبار "المزعجة" وعن "النكد" الذي حط عليه حتى أنه يهرع إلى بيت كرومر ليبدي عميق أسفه وأمنياته أن يراجع كرومر قراره والليدي كرومر تواسيه في مصابه الفادح قائلة: "أليس هذا مؤلما حقا؟". لا أريد هنا أن أدين سعد زغلول بخيانة أو غيرها لكني أريد أن أذكّر بقدر الهوان الذي كان يعيش الناس تحت وطأته في تلك الأيام التي يشار إليها كثيرا بصفتها الزمن الجميل :

قُُطعت تلك الأيام وذرها الهواء؛ لا أعادها الله ولا أعاد أشباهها!.

هناك 4 تعليقات:

  1. ربنا يتم لنا ثورتنا على خير
    و يسقط حكم العسكر و التبعية للغرب

    ردحذف
    الردود
    1. آآآآآآآآآآمييييييييييييييييييييييين يا باش مهندس

      حذف
  2. الأستاذة الفاضلة ألف تحية من الجزائر


    الزمن الجميل
    الزمن الجميل ، هذه اللفظة عادة ما يطلقها فرد أو جماعة على لحظة من لحظات الماضي. قد تكون حقبة تاريخية أو لحظة من لحظات العمر جميلة،
    لحظة العودة إلى الزمن الجميل، في جوهرها لحظة حزن ،لحظة رفض حاضر فقد المعنى و الدلالة ،نحن نعود إلى الماضي، لحظة انسداد الحاضر و العجز على تحديد آفاق المستقبل، عندها نعود إلى الماضي ليس من أجل الماضي، إنما من أجل البحث عن تعويض عن إخفاق الحاضر . هذا على مستوى أمة من الأمم أو شعب من الشعوب التي تعود إلى ماضيها و إلى القيم التي كانت وراء مجدها وسؤددها و سيادتها.
    أما العودة إلى الزمن الجميل على مستوى الذات الفردية فنحن لا نعود إليه هكذا في المطلق ، إنما نعود إلى الجزئيات إلى التفاصيل الصغيرة ليس لأهميتها في حد ذاتها ، إنما لأنها تلبي احتياجا آنيا فتأخذ شكل مقارنة ، شكل عقاب الحاضر. ولما نعاقب الحاضر بالماضي فهذا يفصح ، إن تخلينا عن كبريائنا و غرورنا واعتدادنا بذاتنا ، يفصح عن جبن مزدوج للذات ، ماضيا وحاضرا ، ماضيا العجز عن اتخاذ القرار ،وحاضرا العجز على حسم الموقف.

    ردحذف
  3. دكتورة صافي ناز .. أول مرة أعلق بدون ما أقرأ كلامك. دلوقت نوارة كتبت انك بتبكي وانتي بتصلي. أنا حبيت أكتب لك تعليقا على كده. أنا رديت على نوارة وقلت لها ان ماما بتبكي لأنها حاسة ان تضحياتها وأحلامها للبلد بتضيع ، وانه جه اليوم اللي ينسرق فيه عمرها وحلمها. نعم يا دكتورة ، أوقات كتير كنت أسأل نفسي ، ازاي فيه ناس حبت البلد دي ، وآمنت بفكرة وعلشانها ضيعت عمرها ما بين سجون وابعاد واضطهاد؟ لما أفكر فيكي وفي عم أحمد ، أقول معقولة فيه ناس كده. حتى نوارة وقتها كله للبلد. ويا ريت سلمتوا من شلة خالتي فرنسا. اعلمي يا دكتورة ان مفيش حاجة راحت هباء. وان الشباب اللي قام وعمل ثورة كان في راسه كلماتك وعلى لسانه أغاني عم حمد ، وانه كان بيلتف حول نوارة ، ويستلهم من حماسها. نعم فيه عقبات ، لكن فيه برضه صحوة. ومصر دولة مش صغيرة ، والورم خبيث وممتد في كل حته في جسمها، والألم متوقع ، لكن احتمالات الشفاء مؤكده. مش شرط ناكل من ثمار البذرة اللي زرعناها، المهم اننا مطمئنين ، ان الجيل اللي ورانا حيلاقي ثمرة من جهدنا. وصدقيني ، قليلة هي الشخصيات اللي ذكرها التاريخ وسط كل اللي عاشوا فيه ، لكنها قليلة وملهمة ومؤثرة. كلنا فداء لدموعك يا ست الحبايب. دا انتي لو كنتي معملتيش حاجة في حياتك خالص الا نوارة ، يبقى كفاية جدا وعملتي اللي كتير عجز انه يعمله. بجد بنحبك يا دكتورة صافي. ادعي لنا ولمصر وبلاش تبكي علشان احنا محتاجيين اللي يشجعنا. عاوزينك دايما القوية اللي شيفانا وساندانا واحنا بنفرش مصر من جديد.

    ردحذف