الأحد، 29 أبريل، 2012

تداعيات مع مأساة الحلاج

 بعد الخلط غير المتعمّد بين "الحلاج" المتصوف من القرن الرابع الهجري و"الحجاج" السفاح من القرن الأول الهجري، هرعت إلى ركن في مكتبتي أضع فيه مجموعة مؤلفات أخي وصديقي الشاعر صلاح عبد الصبور أبحث عن مسرحيته "مأساة الحلاج"، التي صدرت عن دار الآداب ببيروت 1965،والممهورة بإهدائه لي، بخطه الجميل الدقيق، نهاية عام 1966 مع "خالص مودته وتقديره"! الحمد لله لم يكن عليها أي غبار متراكم بسبب ترددي عليها كلما حاصرني الضيق أقتبس من أبياتها ما يهدئ من روعي، وأبتسم متذكرة  احتجاجاتي: " شايف يا صلاح ما يكتبون؟" فيجيبني بهدوئه الساخر: "يا ستي ولا يهمك؛ يعني هم يكتبون على رأسنا؟"!

كتب صلاح عبد الصبور "مأساة الحلاج"، في الحقبة الناصرية، رسالة إدانة واضحة  لـ "تكويش" سلطتها الإستبدادية القاهرة على مقدرات البلاد وعباد الله؛ تستحل قتل العلماء وتعذيب من يغريه تفكيره، من أي جانب، بالرأي الحر المعارض حتى يتحقق فيه الإنكسار والإذلال ويسود الخنوع وتخرج صيحة الإستسلام الناطقة بلسان الغضب المسحوق، التي جاءت في خاتمة قصيدة "مذكرات رجل مجهول" كتبها صلاح عبد الصبور  متزامنة، بتوقيت كتابتها بين 1964 و1965، مع كتابته "مأساة الحلاج: " ها قد سلّمت لكم قد سّلمت، ضاعت بسماتي ، لم تنفعني فلسفتي، سلّمت، كٍُسرت راياتي، عجزت عن عوني معرفتي، سلّمت، وشجاعا كنت لكي أنضو عن نفسي ثوب الزهو المزعوم، وشجاعا كنت لكي أتهاوى عريانا أثني ساقي، أستصرخكم: هل تدعوني وحدي؟ وكفاكم إني سلّمت؟ أم  تضعوني في لحدي؟ كونكم مشئوم، كونكم مشئوم"، وتسبق هذه الصيحة  المحتجة، التي تبدو كأنها تقبل الهزيمة، حيثياتها المؤدية إليها و منها: "هذا يوم كاذب، قابلنا فيه بضعة أخبار أشتات لقطاء، فأعنّاها بالمأوى والأقوات وولدنا فيه كذبا شخصيا، نمّيناه حتى أضحى أخبارا تعدو في الطرقات، هذا يوم خوّان، سألونا قبل الصبح عن الحق الضائع، فنكرناه وجحدناه.............هذا يوم بعناه للموت اليومي، بحياة زائفة صلدة، وفرحنا أنـّا ساومناه، وخدعناه، ومكسناه" و "الأبنية المرصوصة في وجه المارين سجون ............والأيام الأشراك، من تحت ملاءتها أخفتها عنا مائدة الإفطار........"!

إختار صلاح مخاطرة "الجهر بالكلمات" التي كان عليها ، مع ذلك، أن تتخفى وراء رمز تاريخي، مثل "الحلاج" يتعلق بثوبه يختبئ في أقواله ليعرض أحوال زمانه، "الفقر هو القهر، الفقر هو استخدام الفقر لإذلال الروح، الفقر هو استخدام الفقر لقتل الحب وزرع البغضاء............."، ولم يكن أمام ثورة جيل صلاح عبد الصبور الشبابية ضد الطغيان  في الستينيات سوى ذلك التحايل!

 في إطار إنعاش الذاكرة بعرض مسرحية "مأساة الحلاج"، التي أخرجها سمير العصفوري على مسرح دار الأوبرا الخديوية في الموسم المسرحي القاهري 1967 \ 1968، وذلك قبل الإحتراق الغامض للمبنى التاريخي العريق 28 أكتوبر 1971، أذكر رفضي أخذها كوثيقة تاريخية لقصة الحسين بن المنصور الحلاج، وإن أشار إليها الكثيرون وحاسبوها باعتبارها كذلك، ولعل مرجع التشويش يعود إلى التذييل الذي أرفقه المؤلف بالنص فأوحى فعلا بأنه يعني أن الرواية تاريخية، غير أن استقبالي شخصيا للمسرحية كان باعتبارها محك أشجان عصرية،وقد سمح لي هذا الإستقبال برؤية خاصة وقت عرضها، في الحقبة الناصرية، توضحت من خلال ما اعتبرته سقطات الإخراج حين برز التناقض الداعي للسخرية بين كلمات تقولها شخصية الحلاج مثل "بدني الناحل وجلدي المتغضن" وبين ما كنا نراه معاكسا تماما للحقيقة والكلمات تجري على لسان ممثل، ( محمد السبع)، متورد الوجه عظيم البدن! وقد جعلني هذا التناقض أرى قيمة واقعية مخالفة لرمز الحلاج المتصوف فرأيته عند ذلك: المثقف المتخم الذي أفسده تدجين السلطة أو الفنان المستريح الذي أخذ النضال قضية جدل ونقاش وحوار وحيرة ثرثارة مضيعة للوقت عن أيهما يختار: "أرفع صوتي أم أرفع سيفي" ومؤيد الصوت والسيف كلاهما يتكلمان ولا يفعلان!

وكم يكون لطيفا لوعنّ لمخرج شاب، من أيامنا هذه، أيام العصر الذي فرضته "25 يناير 2011"، تقديم هذا النص مؤكدا على إبراز التناقض المادي، الواقع بالفعل، بين الكلمات وقائليها؛ بين عناوين الأشياء وبين شكلها الحاصل، بحيث تكون " خرقة المتصوف"، التي يتردد لفظها والإشارة إليها رمزا للزهد المزعوم، تكون مثلا قطيفة ثمينة أو حريرا مرصعا بالأبهة ومثقلا بالإنعام وجوائز \ رشاوى السلطان. لو بدأ المخرج من هذه الزاوية لتوضح الكثير من جوانب العمل ولأمكن أن يقدم مفارقات ساخرة تلاحقها ضحكات، من  شر البلية، التي تدمع معها العيون إحساسا بواقع المأساة التي لم تفارقنا منذ  عرض المسرحية 1967 حتى الآن؛ منذ أحسسنا  الفجوة  المفجعة بين القول والفعل.

إن الموصول بين الماضي والحاضر هو الثورة المقاومة الرافضة للقهر والإفساد، مهما اشتد بغي القتلة واللصوص وفرحوا بما أوتوا وظنوا أنهم قد ملكوا الأرض واستعبدوا أهلها، فوعد الله سبحانه أن يأخذهم بغتة  فإذا هم مُبلسون.

 

هناك 7 تعليقات:

  1. I really enjoy reading your thoughts
    Jazaki Allah Khiran

    From My Cell Phone

    ردحذف
  2. الأستاذة الفاضلة ألف تحية من الجزائر
    أكثر من اهتم بالحلاج المستشرق الفرنسي "لويس ماسينيون " لقد تأثر به وبخاصة بأشعاره التي ترجمها إلى اللغة الفرنسية. ومن المفارقات الفكرية التي تحتاج إلى وقفة خاصة ، ولي فيها رأي، ،الاعتناق الواسع للإسلام داخل فرنسا بعد ترجمة " الفتوحات المكية " لابن العربي التي ترجمها الجزائري ،الراحل جمال الدين بن الشيخ .

    ردحذف
  3. ياسلام؟!
    بقى فيه خلط بين الحلاج والحجاج؟!

    ردحذف
    الردود
    1. نعم تصوّر حضرتك!

      إقرأ ما كتبه عبد المنعم سعيد في عموده بالإهرام 17 إبريل 2012!

      حذف
  4. الأستاذة الفاضلة ألف تحية من الجزائر
    أنا أيضا تساءلت وقلت مع نفسي قد تكون زلة قلم بسبب التقارب بين الحلاج و الحجاج ، لكن لما عدت إلى العمود وجدت الأستاذ عبد المنعم قد ذكر الاسم كاملا الحجاج بن يوسف الثقفي.
    هل التسرع يصل إلى هذه الدرجة ؟
    ولما فرغت من قراءة العمود قلت أن الأستاذة صافي ناز لا تفوتها لا شاردة و لا واردة . يعني الواحد لازم يحسب حسابه لما يكتب أو يتحدث مع أم نوارة.
    ومادام الحديث قد جرنا مرة أخرى إلى التراث، لقد ذكر حجة الإسلام أبو حامد الغزالي أن الكثير من الصالحين و الأتقياء وأهل الكرامات ،ذكروا أنهم رأوا في منامهم الحجاج قد غفر له الله ما تقدم من ذنبه
    ولما أنا لست من هؤلاء ولا أولئك ، كما لم أر الحجاج في منامي ، أقول أن الحجاج بن يوسف الثقفي ،سيف بني أمية ، كان أول من طبق ، كما نقول بلغتنا المعاصرة ، هبة الدولة، وكما تعلمين أيتها الأستاذة الفاضلة فإن فتح شمال إفريقيا كان زمن الحجاج بن يوسف الثقفي .

    ردحذف
    الردود
    1. الإنجازات لا تغفر المظالم!

      كما أن الحق لا يأتي مع الباطل!

      والله طيب ولا يقبل إلا الطيب!

      ولا تغيظني أكثر!

      حذف