الثلاثاء، 14 أغسطس، 2012

ستون عاما على الإعدام الظالم لخميس والبقري
  
لازلت أذكر ذلك اليوم الحزين؛ 17 أغسطس 1952 وكان يصادف عيد ميلادي الخامس عشر، كان قد مضى 26 يوما فحسب على قيام "الحركة المباركة للجيش" في 23 يوليو 1952. البلاد تموج بالفرحة للخلاص من الحكم الملكي "الفاسد" وإداراته التابعة له وجموع الشعب تؤيد "الضباط الأحرار" تأييدا حماسيا مطلقا جامحا إذ رأت أنهم حققوا لها حلمها بالثورة التي طال انتظارها، وكان تنظيم "المظاهرات" والمشاركة فيها لغة سائدة اعتمدها الشعب المصري، قبل قيام "الحركة المباركة"، للتعبير عن مطالبه واحتجاجاته، ولم يكن يدور بخلد أحد أنها يمكن أن تؤدي بأي حال إلى عقوبة الإعدام، في إطار ذلك الاعتياد على لغة المظاهرات قامت في مصانع كفر الدوار للغزل والنسيج، في الساعة التاسعة وأربعين دقيقة مساء يوم الثلاثاء 12 أغسطس 1952، مظاهرة عمال المصنع ضد الإدارة المنتمية إلى "العهد البائد" والتي عانى منها العمال طويلا، وتعالت الهتافات بسقوط المدير والسكرتير العام ورئيس مكتب العمل، مستندين إلى ظنهم بأن "الضباط الأحرار"، وعلى رأسهم "القائد العام محمد نجيب"، سوف يرحبون بمشاركتهم في التنبيه إلى واحدة من بؤر فساد  ذلك "العهد البائد"، ولم يكن واردا للحظة  أن "القائد العام محمد نجيب" و"فتيته الأحرار" سوف يعيرونهم أذنا غير واعية، وهكذا فوجئ العمال بـ "الثورة البيضاء" تكشّر عن أنيابها وبدلا من التصدي للإدارة الظالمة التابعة لـ "العهد البائد" إذا بها تضرب مظاهرة العمال وتقمعها بوحشية، من دون أي محاولة لتفهمها ودراسة بواعثها والتحقيق في دوافعها.  ألقي القبض على 500 عاملا ، من بينهم أطفال تبلغ أعمارهم 9 سنوات، وتشكلت على وجه السرعة "المحكمة العسكرية" لمحاكمة "العصاة"، مكونة من بكباشي عبد المنعم أمين، ويوزباشي جمال القاضي، وصاغ محمد بدوي الخولي، وصاغ أحمد وحيد الدين حلمي، وصاغ خليل حسن خليل، وبكباشي محمد عبد العظيم شحاتة، وقائد أسراب حسن ابرهيم السيد، ويوزباشي فتح الله رفعت، وممثل الإتهام صاغ عبده عبد المنعم مراد الذي نشرت له الصحف صورته وهو يصلّى! وتم تقديم ما يربو على 60 متهما للمحاكمة على رأسهم محمد مصطفى خميس (18 سنة)، والخفير محمد حسن البقري (19 سنة ونصف)، وفي أقل من أسبوع، من 12 أغسطس إلى 17 أغسطس 1952، صدرت الأحكام المروّعة بإعدام خميس وبقري والأشغال الشاقة المؤبدة وسنوات سجن أخرى على بقية المتهمين، وتم الإفراج عن بعض الأطفال "شاءت رحمة المحكمة أن تترفق بهم" لصغر سنهم "رغم تلبسهم بسرقة بعض أمتار القماش"! ولم يتنبهوا إلى أن العمال المتظاهرين لم يمسوا آلة واحدة من آلات الغزل والنسيج وأن قيمة تلك الآلات، التي  حافظوا عليها، حوالي مائة مليون جنيه، بما يشهد أن المظاهرة لم تكن للتخريب، بينما قيمة التلفيات في مكاتب الإدارة وسيارات كبار الإداريين لم تتعد 48 ألف جنيه، وكان مدير الشركة "محمد حسين الجمّال" قد وقف شاهدا ضد العمال وهو يضع يديه في جيوبه إزدراء لهيئة المحكمة لكن، والحق يقال، إضطر رئيس المحكمة بكباشي عبد المنعم أمين أن يلفت نظره ليخرج يديه من جيوبه ففعل!

بعد سماع الأحكام ظل خميس وبقري يصرخان: " يا عالم ياهو هاتوا لنا محامي... إحنا هتفنا بحياة القائد العام محمد نجيب...إبعتوا له برقية على حسابنا قولوا له إحنا فرحنا بالحركة المباركة ...مش معقول كده ياناس...!".

صباح الأحد 7 سبتمبر 1952 الموافق 17 ذو الحجة 1371 خفق العلم الأسود خفقات الموت فوق سجن الحدرة  بالأسكندرية معلنا إجراءات الإعدام، (وهذا يعني أن الشهيدين أمضيا منذ، 17 أغسطس 1952 الموافق 26 ذو القعدة 1371، وقفة عيد الأضحى وأيام العيد كلها في سجن الحدرة بالإسكندرية يصرخان ويتغيثان من الظلم ولا من مجيب!). مرّ مأمور السجن في الساعة الرابعة فجرا بالغرفتين رقم 62 و 63 من غرف الإعدام وسأل البقري: "نمت كويّس؟" فقال البقري:"المظلوم لا ينام، عاوز أخويا ياخد مراتي وأولادي وأمي و3 جنيه من أماناتي ويروحوا للقائد العام محمد نجيب ويقولوا له....."، ويسأل المأمور خميس: "عاوز حاجة؟" فيرد خميس:"عاوز أقول إني مش غلطان....المحامي ما جابش الشاهد محمد عبد السلام خليل... أنا عاوز شهود نفي وإعادة القضية من جديد....أنا ح أموت مظلوم ورب العباد أنا مظلوم...."، تقول له أمه: "شد حيلك يامحمد.."، يقول لها خميس: "يا أمي أنا مش ممكن أعمل حاجة وحشة....فاكرة المحفظة اللي لقيتها وبها عشرة جنيه مش قعدت أدوّر لما لقيت صاحبها؟"، لحظة إدراك البقري أنه يساق لتنفيذ الإعدام يبكي بشدّة : "ولادي لسّه صغيّرين ....عاوز أقابل القائد العام محمد نجيب....الله هوّ الحكم بيتنفذ كده على طول؟....يارب على الظالم ...."، ثم طلب كوبا من الماء وقال: " يارب أنا رايح أقابلك دلوقت وأشتكي لك... يارب ...ده أنا عسكري وكنت رايح أخدم العهد الجديد...يا ناس محدّش يعمل فيّ معروف يخليني أقابل القائد العام محمد نجيب؟". وظل خميس يسأل الواعظ : "...فقهني في ديني ....هل من مات مظلوما مات شهيدا؟"، وكانت هذه آخر تساؤلاته قبل صعوده شهيدا مظلوما إلى دار الحق.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق