الاثنين، 27 أغسطس، 2012

صحافة صحافة صحافة
  
لعله يكون من المفيد أن أحكي طرفا من رواية مسيرتنا الصحفية المؤذية التي دفعتني إلى التشمير عن ساعدي عام 1985 للترشيح نقيبا للصحفيين، مع معرفتي القاطعة باستحالة فوزي، متنافسة مع الأستاذ إبرهيم نافع، الذي كان وقتها رئيس تحرير جريدة الأهرام ورئيس مجلس إدارتها المُعيّن والمُدعّم من السلطة الحاكمة، كما جرت العادة الشائنة، التي اخترعتها الحقبة الناصرية بدائها المتأصل في ضرورة "التكويش" بأن يكون رئيس مجلس إدارة المؤسسة الصحفية هو رئيس التحرير وهو نقيب الصحفيين هكذا في كوب سم واحد بقوة سحق ثلاثية، و كانت، تلك العادة، قد استتبت مع من قبله ومن بعده وبدت كأنها قدرنا الأبدي الذي لافكاك من أيامه العكرة السوداء، فربما مع سطور الكلام يمكن لبعض الغاضبين من أحوال صحافتنا الآن أن يختصروا من جهامتهم ولو قليلا.

 أول دافع حفزني لترشيح نفسي نقيبا كان رغبتي في تحقيق مطلب ملح هو مطلب كل أبناء مهنة الصحافة في كل الأزمنة والأمكنة ألا وهو: استقلال الصحافة وتحريرها من سيطرة أية قوة خارجية عنها سواء كانت قوة حكومية أو قوة حزب سياسي معيّن؛ لقد عشنا في الدائرة المفرغة لصراع قوى ديناصورية عاتية أرادت كل منها أن تأخذ النقابة في قبضتها لتحقيق مصالحها الخاصة بعيدا عن المصالح النقابية والمهنية للصحفيين؛ وكانت هذه القوى تتمثل في وجوه لسلطة سابقة تريد أن تستعيد توازنها أو وجوه لسلطة قائمة تريد أن تعزز مواقعها، وبين هذه الوجوه المتصارعة للقوى المختلفة ضاع الوجه الحقيقي لمصلحة الصحفيين المهنية مجتمعين، وضاع الوجه المستقل للنقابة الذي يجب أن يعبر عن قوة الصحفيين المتحدة في مواجهة أي اعتداء على الكرامة المهنية للصحفي أيا كان اتجاهه الفكري، ضاع حق الصحفي في أن يدافع عن كرامته وحرية رأيه متعشما أن يكون معه وخلفه سندا نقابيا يحمي ظهره في هذا الدفاع المشروع، وهكذا ظل الصحفي لسنوات في مزاد القوى المختلفة؛ تزايد على حرية رأيه وتتاجر بالدفاع عنها في ذات اللحظة التي تسارع  بإرسال برقيات التأييد والتهنئة لجهات لم تتوقف أبدا عن فصله تعسفيا ومنعه من النشر وتجميده بل و سجنه والتنكيل به على الأصعدة كافة، والنقابة والنقباء، صنائع السلطة الذين يعضون بالنواجذ على موقع النقيب، لا يقدمون عونا ولا يدا خشية ضياع  مناصبهم الأخرىكرؤساء تحرير ورؤساء مجالس إدارات المؤسسات الصحفية.

 كان السعي لكي يصير الصحفيين فائزين ومنتصرين ونقباء  نكسر احتكار منصب النقيب الذي ظل طويلا وقفا على المعزولين عن مهنتهم والمضيّعين لحقوق زملائهم.

في أصل القانون النقابي بند يمنع الذي يملك حق توقيع الجزاء من أن يكون نقيبا؛ ورئيس مجلس الإدارة في المؤسسة الصحفية يملك حق توقيع الجزاء فكيف ظل قانون نقابة الصحفيين يسمح لرئيس مجلس إدارة، يستحوذ بذات الوقت على منصب رئاسة التحرير، بأن يرشح نفسه واثقا لمنصب نقيب الصحفيين؟  كيف سمح  جمهور النقابة بتمرير الخطأ القانوني الفادح وتكريس ذلك العار الفاضح؟ لقد عشنا مرارة الحصار الذي إلتف حول عنق الصحفي العام وراء العام يخبط رأسه من حائط لحائط لحائط؛ إذا ما عن له أن يشكو رئيس التحرير يجده رئيس مجلس الإدارة وإذا عنّ له أن يشكو رئيس مجلس الإدارة يجده نقيب الصحفيين: الخصم هو الشاهد والحكم، وهكذا كان الحال ودام طويلا!


هناك تعليق واحد:

  1. الأستاذة الفاضلة ألف تحية من الجزائر وعودة ميمونة بعد غياب طويل
    إسهاماتك الجميلة و الرائعة في كل مرة تحيلنا إلى مرحلة من حياتي، لما تحدث الأستاذة عن الستينيات أحالتني إلى طفولتي.
    لقد كتبت تعليقا ثم عدلت عنه لا أعلم لماذا ،تحدث فيه عن الطفل نور الدين الذي كان تلميذا في الابتدائي كان مولعا مثل جيله بالأغاني الفرنسية و الفنانين الفرنسيين. لقد كانت تصلنا جميع المجلات الفرنسية، كنا نقص كلمات الأغاني مرفقة بصور المطربين في كراس
    كنا نحفظ تلك الأغاني عن ظهر قلب، لازلت أحفظ أجزاء من تلك الأغاني لمطربي تلك المرحلة مثل جوني هاليداي ، أدامو ، أنطوان ،و الفنانة سيلفي فارتان وأيضا الجميلة شيلا .أما أنريكو ماسياس فكانت له حظوة خاصة لأنه كان يقدم نفسه من أصول جزائرية . وفي يوم كابوسي قاتم كانت الهزيمة وهذا حديث طويل لكن بعد الهزيمة تزعم انريكو ماسياس حركة واسعة داخل فرنسا وحتى في أوروبا لجمع المال لدعم إسرائيل انتشر الخبر في الجزائر فقام أطفال الجزائر بتمزيق صور و أغاني المطربين الفرنسيين وكانت بداية وعي جديد .
    أما مقال اليوم لقد استوقفتني جملة ذكرتني أيضا بمرحلة في حياتي لكن هذه المرة ليس الطفل إنما الشاب الجامعي الذي كان يرى في نفسه الوريث الشرعي لتراث وقيم ثورة التحرير وهذا أيضا موضوع يطول شرحه .
    قلت استوقفتني عبارة في المقال وهي " استقلال الصحافة " ومفردة استقلال عادت بي إلى سنة 78 لما كنت طالبا بالجامعة في تلك السنة بدأ التحضير للمؤتمر التأسيسي للاتحاد الوطني للشبيبة الجزائر وهذا الاتحاد حل محل اتحدا الطلبة الذي حل لأسباب يطول شرحها
    كانت مناقشات حادة داخل الجامعة في كثير من الأحيان كانت حادة و صدامية كنا نطالب باتحاد ، حر و مستقل وهذه العبارات كانت لها مدلولات، وفي تلك المرحلة كان بومدين متحالف مع الشيوعيين الذين كانوا يسيطرون على الجامعة
    في إحدى التجمعات من أجل مناقشة الوثيقة التأسيسية وكان يترأس الجمعية العامة طالب يدعى يونس، رغم الاختلافات الأيديولوجية كان شابا على درجة من الطبيبة ودماثة الخلق. هذا الشاب اغتاله الإرهاب في التسعينيات رحمه الله
    قلت أثناء المناقشة الحامية تدخل طالب وكان ينتمي إلى المجموعة الترتسكية وهو حاليا صديق وزميل فطالب باتحاد حر و مستقل ،
    وبخبث و دهاء سأله يونس الذي كان يترأس الجمعية العامة فقال له: اتحاد مستقل عن ماذا ؟ فارتبك الطالب التروتسكي، بعدها نظر إلى القاعة وأجابه بصوت واضح : نريد اتحادا مستقلا عن بومدين وأجهزته صفق الجميع لهذا الموقف الشجاع وبمنتهى الصراحة لم يتعرض الصديق لأي مضايقات.
    ويبدو أن الأستاذة صافي ناز كانت تبحث هي الأخرى عن اتحاد حر و مستقل في زمن الدولة الشمولية
    وعلى ذكر إبراهيم نافع ،الذي ذكرته الأستاذة بشي من التوقير ، لقد تابعت تلك" الهوشة " بينه وبين مصطفى بكري، الذي لا ارتاح له ، ولقد تحدث بكري عن فساد إبراهيم نافع و هدر المال العام وعن فيلات في مارينا .

    ردحذف