الخميس، 16 أغسطس، 2012

نعم: وما أدراك ما الستينيات!
  
 عندما  كانت 23 \ 7\ 1952 في بدايتها،  كان هناك جيل في سن المراهقة يحمل أحلاما بتغيير ثوري ينقذ البلاد من نظام ملكي فاسد؛ من كوارثه الكبرى هزيمة عسكرية مروعة عام 1948 تسببت في نكبة فلسطين وقيام كيان صهيوني غاصب، ولا يُلام أحد على ذلك التوقع، فلم يكن من السهل أبدا في غمرة الحماس والهتاف إدراك أن العسكر الخاطفين لحلم التغيير الثوري جهلة ومتعالون؛ ينطقون الأخطاء بزهو شديد ثم يتم تبريرها بحيث تبدو "كلاما كبيرا" سليما، حتى حانت لحظة اكتشاف حقيقة هذه المجموعة الضباطية العسكرية الحاكمة والمسيطرة التي تمص دماء من لا يطاوعها  وتنكل به ليصبح مثلها، وكان من الضحايا بالطبع  ذلك الجيل الذي خُدع، و لأنه مجنيٌ عليه أصبح جانيا،  كالذي تحول إلى مصاص دماء بعد أن مص رقبته مصاص دماء أصلي!

 هذا الجيل الذي أقصده هو الذي ولد بين عامي 30 و1940، والذي نطلق عليه جيل مرحلة الستينيات،ولأنه نشأ في عصر الفجوة بين الشعارات السياسية والواقع، والفجوة بين المصطلحات الثقافية والمتلقي، سادت فيه ظاهرة من يقول كلاما لا يفهمه الناس، وهؤلاء ساعدوا على جعل الفجوة أخدودا.

 بسبب تعرض هذا الجيل للفكر الماركسي بكل أطيافه، الذي ساعده على الرطانة، تولدت الإزدواجيات ومايمكن أن نسميه شغبا فكريا، بالإضافة إلى من اجتذبهم الفكر الغربي الإلحادي وعرفوا تاريخهم عن طريق المستشرقين وأغرتهم معارفهم المزيفة لتحقير تراثهم فأصبحوا مفكرين غير مفكرين، وروادا غير رواد، لايزيدون عن كونهم "خايلة كذّابة" أي جعجعة بلا طحن، تفاقمت مع مرحلة نقد الذات والتنكيل بالذات التي لم تكن ذاتا بالأصل.

هذه مأساة جيل مرحلة الستينيات، وسبب متاهة التخريفات والقياسات الباطلة التي ما زلنا نعاينها تجري على ألسنة من تبقى منهم حتى لحظتنا الراهنة.

 هذا لا يمنع أن  كان هناك بينهم ما يمكن أن نطلق عليهم "جنود الحلم الثوري" وهم الذين اكتشفوا الزيف السياسي فعبروا عنه لكنهم اتفقوا على الرفض ولم يتفقوا على الحلول؛ فاختلطت عليهم الأمور، بالإضافة إلى تأثر بعض أبناء هذا الجيل بأفكار الجيل السابق عليه؛ المناوئة للفكر العربي والإسلامي. ولا ننسى هنا مسئولية الماركسية الراغبة دوما في "التكويش"، من دون أي مبرر، ودورها في صناعة  هذه المتاهة، فصبغة الستينيات الرئيسية كانت الصبغة الماركسية التي ضللت الكثير، ممن لم يصبح  ماركسيا بالتمام سوى أن الضجيج العالي كان صرخة ماركسية خائبة لم توصلنا لشيء ولم تحارب سوى نفسها والأفكار الإسلامية وألقت بيننا العداوة والبغضاء.

 وصف التحولات السياسية في حياة هذا الجيل بالانقلابات غير دقيق فهي تحولات جاءت بسبب محاولاتهم تصحيح نتائج اندفاعهم وراء الوهم، والإنسان لا يستطيع أن يؤيد الوهم  طويلا، كوني واحدة من هذا الجيل أعترف أنني لم اكتشف الخديعة الناصرية إلا في نهايتها، بداية من 6819 بعد النكسة، عندها جرؤت على تسميتها بالخديعة، لأني كنت قد تصوّرت أن جنود الحلم الثوري يستطيعون أن يدافعوا عن حلمهم، لكننا تبيّنا، متأخرا، أننا خدعنا وأننا سرنا في زفة كنا فيها: الأطرش!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق