السبت، 1 سبتمبر، 2012

فن كتابة: صافي ناز كاظم
دعوني أغني

 أكتب وبي كم هائل من الغيظ؛ ذلك لأني لم أعد أحتمل الدهولة والركاكة وقبح المشاهد؛ الذي حصل أنهم ذبحوا لي مقالا عزيزا؛ أطاحوا بعنايتي الفائقة بترقيمه وترتيب فقراته وفقا لإيقاعه المؤدي بصنعة اللطافة إلى الهدف المأمول، نكشوه بلا مبالاه ومزّقوه إربا إربا وكان العذر: " لا أحد سوف يلاحظ هتك الترقيم والعبث بالفواصل والنقاط وما إلى ذلك من الشكليات!"، طبعا هذا الكلام قيل باللغة العامية التي تُضفي خفة الظل على كل المصائب لكني لم أضحك لأني حقا كنت في ضيق وكرب شديد. مشكلتي، ولم هي مشكلتي؟، أنني أقف أمام الكتابة باحترام شديد؛ أعتني بالفصلة، والفصلة المنقوطة، والقوس الكبير الذي يتضمن الصغير، والنقطة، التي يمتد بعدها الكلام، غير التي تختم الفقرة وتأخذني إلى بداية فقرة جديدة من أول السطر، فأنا مؤمنة إيمانا يقض مضجعي بأن حكاية إحكام الكتابة وضبطها لا تقل في أهميتها عن موضوعها وموقفها. لا أدّعي، وإن شهد لي الأعداء قبل الأصدقاء بما يرضيني، أنني أمسكت بتلابيب فن الكتابة وأصبحت خالية من التوجس خشية أن أكون قد دخلت في شق ثعبان الزهق، في كل مرّة أكون في حضرة الكتابة تعتريني الرهبة وأنا أتلمس الإحكام الذي أفتقده حتى لا أنسى نفسي وأقع فيما أعيبه على السائد الذي سيطر على معظم المكتوب والمنشور والفائز بالتقدير رغم رثاثته.

نعم لم يعد من السهل إكمال مكتوبات تغريني عناوينها بقراءتها، ما أن أبدأ حتى  تزهق روحي، ليست المشكلة عاميتها الدارجة، التي شاعت ونثرت بثورها في كل الأنحاء ؛ العطب ضارب أطنابه في النسج ذاته فمن أين يمكن أن أقضم قضمتي؟ من الجانب الإسمنتي أم من الجدّية المتخشبة أم من متناثرات علامات التعجب بلا دلالة والأقواس المهملة والنقاط  العصبية من دون ضرورة تفرش نفسها كالصئبان في شعر مهوّش لا يجد صاحبه أي حرج من عدم  تمشيطه؟

لا شأن لي بما يؤذيني، لكم ما تحبون ولي ما أراه صوابا، فما شانكم أنتم بحرصي على الإنضباط والاعتناء بالواجب والأصول، وما المأرب من وراء إرغام أنفي للتغاضي وقبول مالا يمكنني قبوله للتقولب وأخذ سمت الوباء؟

نعم حصل في نهاية الخمسينيات ومطلع الستينيات أن قامت حركة عالمية في فن الكتابة تنزع عنها علامات الترقيم واستبدلتها بتدفق سريع هادر للأفكار تركب الكلمات باندفاع لايتوقف إلا بغتة. كانت محاولة مدروسة مقصودة ومبادرة شاء روادها أن يدلف التوتر نابضا بفنية الكتابة، نجحت لبعض الوقت وكنت من مؤيديها في حينها، لكنها لم تستمر، وهي شئ بعيد كل البعد عما يحدث لأحوال الكتابة في ربوعنا واستباح حرمة مقالي، المصاب بخرطوش البلاهة والسماجة فأطاح ببؤرة عينه، وأبكاني وجاء بي إلى هذه الزاوية في "الوطن" علّني أجد مايسرّني ويسر القارئ المتململ بحول الله وقوته!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق