الأربعاء، 19 سبتمبر، 2012

بأنغام "مالك جندلي"
وشعارات "إبراهيم قاشوش"
سوريا بدها: حرية
بقلم سهام ذهني
في ليلة من ليالي المليونيات الثورية بميدان التحرير بالقاهرة، وعلى الرغم من هموم الثوار في مصر، إلا أنه بمجرد أن أمسك أحد الشباب السوريين على المنصة بالميكروفون في يد، حاملا علم سوريا في اليد الأخرى، وهو يهتف: "يالله إرحل يابشار"، حتى ردد من خلفه عشرات الآلاف من المصريين الهتاف ضد الرئيس السوري "بشار الأسد"، في حالة مبهرة ناطقة على الأرض بوحدة الأمة.
كاد الشاب السوري أن يبكي، وأخذ يردد أنه لا يجد الكلمات المناسبة للتعبير عن حجم شحنة الأمل التي بثتها فيه حناجر المصريين، ثم بنشوة أخذ يكمل شعارات الشهيد السوري "إبراهيم قاشوش" صاحب شعار "يالله إرحل يابشار"، وميدان التحرير يرددها من خلفه، ثم يستلهمها بعد فترة ويبني عليها كلمات مشابهة تعبر عن الحالة المصرية.
ربما يعلم بعض المصريين الذين رددوا الهتاف من خلف الشاب السوري حكاية صاحب الشعار وربما لا يعلموا، إنما ما ينطق به الوجدان هو أن سوريا حين تئن فإن مصر تقول:آه، وأن الشعب المصري حين يتكلم فإن صدى الصوت يتردد عبر مختلف الدول العربية.
وآه يا سوريا الحبيبة، لقد تم قتل الشاعر والمطرب الشعبي السوري "إبراهيم قاشوش" بطريقة وحشية عقب مليونية "إرحل" الكبرى التي كان صوته يجلجل فيها بساحة "العاصي" في قلب مدينة "حماه" يوم 1 يوليو من العام الماضي، فإذا بالانتقام يتم عبر قيام مجهولين باختطافه أثناء عودته إلى بيته حيث قاموا بذبحه وإخراج حنجرته وتركه على ضفاف نهر العاصي ينزف حتى الوفاة. أسكتوا حنجرته وأنفاسه، منعوا دقات قلبه ونظراته وخطواته ولفتاته، لكنهم لم ينجحوا في منع كلماته وشعاراته من أن يستمر الهتاف بها ضد بشار الأسد وأعوانه.
إن أناشيد "القاشوش" مازالت تجلجل عبر ساحات الثورة في مختلف المدن السورية، كلماته تزلزل عرش الحاكم، وتنتقل من سوريا إلى ميدان التحرير في مصر، وأمام سفارات سوريا في العديد من الدول، ليس هذا فقط بل لقد قام الموسيقار السوري الكبير المقيم بأمريكا "مالك جندلي" بتحويل النغمة المميزة لهتافه الشهير "يالله إرحل يا بشار" قام باستلهامها وجعلها النغمة الرئيسية لسيمفونية رائعة هي سيمفونية الحرية التي أهداها إلى إبراهيم قاشوش، وقام بعزفها في العديد من المسارح العالمية، وضمها مع سيمفونيات أخرى عن الثورة السورية في ألبومه الجديد الذي يتم توزيعه عبر العالم، والذي يحمل إسم مدينته "حمص" أو "إيميسا" حسب إسمها القديم.
المقاومة والاستبداد
إن المستبدين عبر التاريخ لا يتعلمون الدرس، ولا يستوعبون أنهم قد يتمكنوا من إزهاق الأرواح لكنهم لا يملكوا قتل الفكرة. إن هتافات المقاومة في سوريا واصل حملها العديد من البلابل في مختلف المدن السورية ولم يبالوا بدفع الثمن، فهذا شهيد "بابا عمرو" صاحب الصوت الجبار "محمد الشيخ"،  وهذا "عبد الباسط ساروت" في "حمص" يتحمل المطاردة، وأصوات ثورية عديدة في مختلف مناطق سوريا يواصلون المسيرة ومن خلفهم جموع من أفراد الشعب المجهولين الذين يتعرضوا للقتل والإصابة والإعتقال دون أن تتوقف رحلة السعي نحو الحرية.
يظن المستبدون أن المقاومة يمكن أن تموت عبر قيام أعوانهم بقتل رموزها، في حين أن هذا القتل عادة ما يؤدي إلى زيادة أفكار المقاومة إنتشارا وزيادة المقاومة اشتعالا.
وإذا كانت الوحشية في طريقة اغتيال بلبل الثورة في مدينة "حماة" إبراهيم قاشوش ظن القائمين بها وقتها ان في نزع حنجرته رسالة لمن هتفوا من خلفه بأن يصمتوا فإن النتيجة جاءت عكسية تماما، ولم يتوقف الهتاف ضد الإستبداد، ولم تزداد الهتافات التي حملها صاحب الحنجرة التي انتزعوها إنتشارا فقط، إنما إزدادت طريقته نفسها في الهتاف تواجدا، تلك الطريقة التي نجح فيها القاشوش في الخروج بالهتافات الثورية من الحالة التقليدية الحماسية، إلى حالة مبتكرة على وقع التصفيق المنتظم من الجماهير التي تشاركه وتتفاعل مع كلماته الجذابة، فكلماته تتجه أحيانا إلى السخرية من الحاكم مثل قوله: "يا بشار ويا مندس تضرب إنت وحزب البعث، روح صلح حرف الإس، ويا الله إرحل يا بشار"، فتتوهج الجموع بالضحك من الحاكم الذي يأمرونهم بالسجود لصورته.
كما لا يفوته الإشارة إلى الإستهانة بأجهزة القمع، فينشد ضاحكا: " حاسس إني مو مطول، وعلى أمن الدولة محول، ويالله إرحل يا بشار".
كما يستطيع عبر حالة أخرى أن يشعل حماس الجماهير بإبداء الإعجاب بالشعب مثل قوله: "نحنا الكل بنفدي الكل، ولحظة واحدة ما بنمِل، والحُر ما يرضى بالذل ، ويا الله ارحل يا بشار".
ثم يصيح مناديا على الأمل:"الحرية صارت على الباب"، ويكمل:" ويا الله إرحل يابشار".
كما أنه لم يكتفِ بأن تردد الجماهير الهتاف من خلفه، إنما حقق حالة أقرب من الديالوج مع الجماهير، فهو يحسم مطلب الجماهير وهو"بدنا نشيلو لبشار وبهمتنا القوية"، ثم يقول بصيغة التساؤل "سوريا بدها؟" فترد عليه الجماهير: "حرية".
ويظل يكرر: "سوريا بدها"، والجماهير ترد:"حرية". فيشتعل الحماس وترج كلمة "الحرية" الأرض، وتجلجل كأنها تحلق في السماء بأجمل أداء، ليس فقط أداء القاشوش بحضوره الطاغي وسرعة بديهته في تأليف الشعارات والإبتكار في الكلمات بما يناسب المستجدات على أرض الواقع، وإنما أيضا بأروع أداء في الدنيا، أداء الحشود الهادرة المصممة على العزة والحرية والكرامة.
وحين يختتم القاشوش هذه الحالة الثورية الفنية الإنسانية منشدا: "يا بشار ومالك منا، خذ ماهر وارحل عنا، وهاي شرعيتك سقطت عنّا"، ثم كالمعتاد يردد تلك الجملة أو الماركة المسجلة باسمه "ويالله إرحل يابشار"، بالتنغيم الخاص الذي اعتاد السوريون على أن يهتفوا عبره بهذه الجملة الأمنية، فإن الطاقة التي تبعثها هذه الحالة الفنية الثورية تجدد حماس المشتاقين للحرية، وتبدد أوهام الظانين بالأحرار ظن السوء.
"جندلي" والمشتاقين للحرية
وفي درب المشتاقين للحرية إنطلقت موسيقى الفنان السوري "مالك جندلي" حاملة حنجرة القاشوش المنزوعة لتصدح بصورة فنية ثورية أخرى عبر العالم، حيث قام بتحويل كلماته إلى موسيقى يسمعها الناس في كل الدنيا، حيث استلهم نغمة الهتاف الشهير "يالله إرحل يا بشار" وصاغها في لحن حمل عنوان "الحرية" وأضاف إلى العنوان أن هذا اللحن هو "سيمفونية القاشوش"، حيث صاغ من ريتم جملته الشهيرة "يالله إرحل يابشار" النغمة الأساسية في سيمفونيته "الحرية" لتستمع الدنيا لنغمة الشهيد "القاشوش" عبر مختلف الآلات الموسيقية مفتتحا السيمفونية بهذه النغمة مدوية عبر آلات النفخ وكأنها نفير في صحبة طبول الحرب تدق مدوية، ومعها تتدفق أنامل "جندلي" فوق مفاتيح البيانو في تتابع سريع كأنها أقدام الجموع المهرولة شوقا للحرية على الرغم من نيران النظام السوري. كما نسمع إستلهاما آخرا عبر صياغة موسيقية عاطفية للمقطع الشهير الذي كان يصيح فيه القاشوش بصيغة السؤال قائلا "سوريا بدها" ويرد عليه الملايين: "حرية".
ما فعله مالك جندلي في هذه السيمفونية الثورية هو شكل من أشكال المشاركة في الثورة أينما كان المحب للوطن. ولقد شارك "مالك جندلي" في عدة أنشطة في الخارج تأييدا للثورة السورية فإذا بوالده "الدكتور مأمون جندلي" ووالدته "لينا الدروبي" المقيمان في مدينة"حمص" بسوريا يدفعان الثمن، حيث تم إقتحام منزلهما والتعدي عليهما بالضرب وإصابتهما إصابات بالغة وتفتيش الشقة وبعثرة محتوياتها. إنها ضريبة الحرية التي يدفعها الساعين إلى الشمس والضياء، حاملين العزيمة والأمل. ولأهمية مواصلة الحلم والأمل فلا بد أن أشير إلى السيمفونية التي تحمل عنوان "الأمل" في هذا الألبوم لمالك جندلي، بما توحي به بداياتها من دموع تبثها أوتار الكمان، ثم عنفوان أنامل "مالك جندلي" على مفاتيح البيانو كأنها تجفف الدمع وتتجاوز القهر وتبث الأمل.
أمل منتزع من أنياب الألم ومن هجمات اليأس. أمل ينبض بالإصرار، ويكبر بالإيمان، ويترعرع بالمثابرة. أمل يُخرج لسانه للإحباط ويسدد لكماته لليأس ويُشيع سلاما وسكينة وثقة وطمأنينة.
أمل يجعلني أحمل الأمل في أن يمن الله على الشعب السوري الباسل بالتخلص من النظام المستبد، بعدها نستمع بإذن الله من مالك جندلي لعمل ملحمي يحمل عنوان "سيمفونية الإنتصار". 
"يالله إرحل يا بشار".



هناك 3 تعليقات:

  1. الأستاذةالفاضلة ألف تحية من الجزائر
    كنت دائما اتساءل مع نفسي عن موقف ورأي الأستاذة صافي ناز في " المسألة" السورية
    و اليوم لاأعلم أهو موقف الأستاذة، أم نشر هذه المقالات من باب التنوع وحق الاختلاف
    ومن أجمل الشعارات التي سمعتها في بداية التحرك الشعبي شعار كان يقول" شدي حيلك يا بلد الحرية بتتولد "

    ردحذف
  2. يؤسفني ألا تدرك موقفي لأول وهلة ومعي قاعدة: أعرف الرجال بالحق ولا أعرف الحق بالرجال، وأعرف المستبد بقتل شعبه؛ موقفي من حافظ وبشار الأسد هو موقفي من صدام حسين والقذافي وبن علي ومبارك والسادات والشاه المقبور محمد رضا ووالده رضا بهلوي ومحمد علي وأسرته العلوية بأكملها (ما عدا فريال بنت فاروق)وقبلهم عبد الناصر، لعنهم الله أجمعين.

    ردحذف
  3. كتبت غدي فرنسيس: عن خدعة موت القاشوش ، وخُدع اخرى


    القاشوش ما مات:


    هل تعلمون أن أسطورة إبراهيم القاشوش - المنشد الثوري صاحب الحنجرة المقتلعة- كذبة؟! فصاحب ترنيمة "يلا ارحل يا بشّار" لم يمت، وحنجرته لم تقتلع. والرجل المقتول في مقطع الفيديو لم يكن سوى "شبيحاً" قرر بعض شباب المعارضة إعدامه بهذه الطريقة قصاصاً منه، ولم تجد القنوات الفضائية العربية الداعمة للمعارضة وصاحبة بروباغاندا "الإنسانيات" حرجاً في استغلال الحادثة واستباحة الكذب بصورة هي من أكثر تطبيقات مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة) دناءة، ومع كل هذا وبعده، اتسعت شهرة أناشيد القاشوش، وفرّ المنشد الحقيقي هارباً إلى إحدى الدول العربية، وهو يعمل من هناك على تأليف أوركسترا سورية معارضة، وسوف نعيش لنسمعه يوماً ما ينشد مرة أخرى.. ينشد ليعريكم!
    قد تعتقدون أنني أهذي، لكن الحقيقة هي ما أقول، فقد تقاطعت هذه المعلومات من مصادر مختلفة في "الجيش الحر"، من حماه وحمص، ومن ريف دمشق، ومن حلب، وحتى من أصدقاء القاشوش نفسه.
    ليس القاشوش وحده الذي يعرف أنه لم يمت، بل يعرف ذلك أيضاً كل من كان حاضراً في مسرح الجريمة، وعندما سألت عن "الشبيح" الذي اُقتلعت حنجرته، ولم يكن سؤالي بريئاً من الإدانة، صرخ بي عمار الحموي (26 عاماً) قائلاً: "كيف تدينين هذا القتل، فالقتيل كان مخبراً اخترق مجموعتنا وسرّب للنظام كل أخبارنا، وتسبب في مداهمات واعتقالات كثيرة..."
    لكن محمد وحماه، والمعارضة من بعدهم "طبلوا الدنيا" بالقاشوش، فصارت كذبة اقتلاع حنجرته رمزاً أكبر منه ومن مقتله الوهمي، فلماذا حلال هذا الكذب لهم وحرام على غيرهم؟ وكيف تكون هذه الجريمة بريئة ونظيفة في نظرهم؟ وربما يعتبرونها حلوة أيضاً!!
    جميع أصدقائي من المعارضة السياسية (داخلياً وخارجياً) يعرفون ما يحدث، ولكنهم يتجاهلون، وهم يختبئون خلف الفزاعة الكبرى: (همنا الأول إسقاط الطاغية).. فإذا أردنا انتقاد حقيقة ما يجري على أرض القتال، أو قول كلمة لتجنب مستقبل أكثر بشاعة، فهل سينقلبون علينا أيضاً؟!
    ملائكة.. ورود.. أطفال.. ضحايا.. كلهم.. هذا خطابهم وهذه كلماتهم عن أنفسهم. وحتى غداً عندما سيزغردون للباتريوت التركي على لحن ليبيا، لن يتوقفوا عن حقننا بجرعات "الحب والإنسانية" هذه!! فأي إنسانية تلك التي تفرق بين الألوان والأصناف والفئات؟! وهل يجوز محاصرة أطفال نبل والزهراء وربلة والزراعة لأن قوات الجيش حاصرت درعا والغوطة؟
    هل ثورتكم لبعض الناس وليست لجميعهم؟ ثورة من هي إذن؟ ولأجل من؟ ولماذا تصرين أيتها المثقفة المتنورة على تذكيرنا أنك علوية أو مسيحية أو درزية؟! كفوا عن تطييفنا وتقسيمنا أو فارحلوا عنا!
    وأولئك المعارضون الذين جرجروا البلاد مع النظام ومتنه إلى أزقة صغيرة ومتشعبة في مدن الموت الخطأ، ألن يصمتوا؟ ألا ينتبهون وهم يعملون على إسقاط الطاغية أن هناك عشرات الطواغيت تولد على هذه الأرض كل يوم؟ وماذا عمّن ينشرون صورة شخص تلو آخر أياً كانو هؤلاء الأشخاص، وتحتها فتوى الأمر بالقتل، أليس هؤلاء الذين يفعلون ذلك طغاة أيضاً؟! أم أنكم ستبيعونهم في مساوماتكم التالية؟ تذكروا هذا وأنتم تخلعون عنكم قرف الأرض في الفنادق والسفارات، وفكروا قليلاً... هل حقاً أنتم سعداء وراضون عما تفعلون؟
    هل ستسعدون إن ماتت حلب؟!
    وهل حقاً تشتعل فيكم الحماسة للنصر؟!
    أي نصر هذا الذي تتأملون؟ ولأجل من؟!
    من بقي في قلبه مساحة للفرح يخبئها لساعة الانتصار فليس منّا. نحن الآن نبكي، نحن نتراجع، ونموت. ونخسر يوماً بعد آخر التاريخ بغده ومستقبله، نحن وسوريا على ضفتنا، أما أنتم أيها المنتمون إلى هذا الفريق أو ذاك، فمكانكم على الضفة الأخرى، ضفة الشيطان... شيطان التفرقة.
    كم هو دموي هذا الشعب!! الشعب السوري دموي؟؟؟ نعم إنه كذلك، مظلوم لكنه دموي، صاحب حق لكنه دموي، ضحية لكنه لا يتورع في أول فرصة تتاح له أن يستمتع بدور الجلاد.
    شبيحة المعارضة أو شبيحة النظام، معظم أولئك الذين هم شبيحة حقاً، لديهم ظهور تحميهم، ظهور ليست غريبة، إنها من داخل معارضاتكم وموالاتكم. فالقذارة حلف واحد، والطائفية مثلها حلف واحد، والتطرف حلف واحد حتى لو سار في اتجاهين، والشبيحة منكما طائفة واحدة عندها كل أسباب الكره، سواء كانوا من عناصر اللجان شعبية، أو من قيادات الأحياء والمساجد. أيها الطرفان لكل منكما شبيحته، فاصمتوا جميعاً ألم تخجلوا بعد من لوعات صدور أمهاتنا ودموعهن وثكلهن؟




    لقراءة التتمة تابع المصدر:

    http://www.arabi-press.com/?page=article&id=57336

    ردحذف