الأحد، 16 يونيو، 2013

من سجلات كلامي!



يا روح أبيك: لو أنك نمت لكان خيرا لك!

منذ 1965 وأنا مصاحبة لكتاب "جُلستان"، أي روضة الورد، للشاعر العظيم  سعدي الشيرازي الذي وُلد سنة 606 هـ  وتوفي بعدها بتسعين عاما، (وهذا يوافق أوائل القرن الثالث عشر الميلادي 1209)، ساعدتني على التآلف مع الكتاب لغته العربية الناصعة الجميلة التي نقل إليها المترجم محمد الفُراتي الروضة من الفارسية؛  لغة الكتاب الأصلية. من مقدمة الكتاب عرفت أن سعدي تشرد كثيرا بسفراته بين شرق وغرب المنطقة الإسلامية. توغل "سعدي" في كل بلد حل به وعاشر على السواء علية القوم والدهماء، واستقر فترة بمدينة حلب ولكنة تركها هربا من زوجته الحلبية التي آذته بسلاطة لسانها وعايرته بأن أباها أعتقه من أسر الفرنجة له بالقدس وفداه بعشرة دنانير، وكان رده أنه أوقعه بعد ذلك في أسرها بمائة دينار!

عاد "سعدي" من ترحاله إلى  بلدته "شيراز" وقعد في بيته  معلنا: ".. رأيت أن أستقر بمجلس العُزلة وأضم ذيل ثوبي عن محاذير الصٌحبة وأمحو من صحيفتي ما رقمته من الهذيان وجزمت ألا أنبس ببنت شفة ولا أدعي بعد ذلك المعرفة"، حتى دخل واحد من أصدقائه وأصر على كسر عزلته قائلا له: "إذا ما دعاك النطق فانطق وإن يكن، سكوتك بين الناس من كرم الخُلق، يعكر صفو المرء أمران فاعجبن: بنطق بلا داع، وداع بلا نطق"!

استجاب "سعدي" بالنهاية لإلحاح صديقه وخرجا سويا يتحاوران ويستمتعان بنزهة ربيعية بين حدائق الورد، ولما رأى "سعدي" صديقه ينحني ويقطف ويجمع ما يعجبه  من مختلف الورود تنبه خاطره وقال أن باستطاعته تصنيف كتاب "جلستان"، روضة ورد، لا يذبل أبدا يجمع فيها المختلف من قطف خبرته ورؤيته وحكمته وعذابه، وكان أن فعل وقسم كتابه إلى أبواب ثمانية: الأول في سيرة الملوك، والثاني في أخلاق الفقراء (أي الدراويش أو الصوفية)، والثالث في فضل القناعة، والرابع في فوائد السكوت، الخامس في العشق والشباب، السادس في الضعف والشيخوخة، السابع   في تأثير التربية، والثامن والأخير في آداب الصحبة.

حكاية من باب فوائد السكوت تعجبني: "وقعت مناظرة ما بين أحد العلماء المُعتبرين ورجل من الملحدين فما جاراه في ميدان المناظرة ولا أسكته بحجة باهرة  فقال له شخص: أنت مع كل ما لك من علم وأدب وفضل وحكمة تُقهر أمام ملحد؟ فأجاب: إن علمي القرآن والحديث وكلام الفقهاء وهو لا يصغي إلى كل هذه ولا يعتقدها؛ فأي فائدة لي إذن من سماع كفره؟: من لا الكتاب ولا الحديث يروقه، فجوابه ألا تريه جوابا"!

وتعجبني مثلها حكاية عن جالينوس الحكيم عندما رأى أبلهَ آخذا بتلابيب رجل عاقل وقد أهان بالضرب كرامته فقال: لو كان هذا عاقلا لما انتهى به الحال مع جاهل إلى هذا الحد!

أما أطرف ما قرأت فكانت حكايته هذه في باب الفقراء: " لا أزال أذكر أنني كنت في عهد طفولتي مولعا بإحياء الأسحار زاهدا متقيا وفي ذات ليلة قعدت لخدمة أبي والمصحف الشريف في حجري أقرأ منه ما شاء الله أن أقرأ ولم ينطبق لي جفن على جفن، وكان الجماعة الذين أتوا للسمر عندنا قد غرقوا بنومهم فقلت لأبي: إن واحدا من هؤلاء لم يرفع رأسه ولم يتهجّد بركعتين ولقد استغرقوا في نومهم فكأنما هم أموات، فقال لي: يا روح أبيك أنت أيضا لو أنك نمت لكان خيرا لك من أن تمزق جلود خلق الله"!


هناك 3 تعليقات:

  1. أما لو قدر له الزواج من شامية"أي دمشقية" فتصبح الحلبية بردا وسلاما

    ردحذف
    الردود

    1. بينما سمعت أن الإمام الشافعي رضي الله عنه قال: من لم يتزوّج بمصرية فقد عاش أعزبا!

      قالت لي نوارة، عندما نقلت لها تعليقك حول العريفي، غريبة فنور الدين أبو هاجر طائفي ويتعصب ضد أتباع مذهب جعفر الصادق \ "الشيعة" في المصطلح الخطأ! ولقد دافعت عنك، فما رأيك؟

      حذف
    2. و الله العظيم لقد ضحكت من أعماقي لكن مقبولة من النوارة.
      الأستاذة صافي ناز أنا "أقلك" لماذا حكمت علي النوارة ذلك الحكم الجائز الظالم. أمس نشرت الست نوارة فيديو رائع على مدونتها كان مديحا دينيا جميلا ورائعا عن الحسين وفي تعليق قصدت فيه الاستفزاز أشرت إلى جملة ولم أعلق عليها عندما يقول المديح "يا سيد الأمم يا ولي النعم"
      بالمناسبة أول مرة في حياتي أستمع إلى مديح ديني كان في مدونة النوارة كانت قصيدة البردة
      لك ولها كل التقدير و الاحترام

      حذف